شعب الإيمان :
8 - الإيمان أصل تنشأ عنه الأعمال الصّالحة وتنبني عليه ، كما تنبني فروع الشّجرة على أصلها وتتغذّى منه ، وقد جاء في الحديث الصّحيح « الإيمانُ بِضْعٌ وستّون ، أو بضع وسبعون شعبةً ، أعلاها لا إله إلاّ اللّه ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطّريق . والحياءُ شعبة من الإيمان » . وقد ذكر اللّه تعالى منها جملةً في أوّل سورة ( المؤمنون ) . وتتبّع بعض العلماء باقي العدد من الكتاب والسّنّة . وإتماماً لهذا المصطلح تراجع كتب العقائد والتّوحيد .
إيهام *
التّعريف :
1 - الإيهام لغةً : إيقاع الغير في الظّنّ .
واصطلاحاً : الإيقاع في الوهم . إلاّ أنّ الفقهاء والأصوليّين يختلفون في معنى الوهم ، فهو عند أغلب الفقهاء مرادف للشّكّ ، فالشّكّ عندهم هو التّردّد بين وجود الشّيء وعدمه ، سواء أكان الطّرفان في التّردّد سواءً ، أم كان أحدهما راجحاً .
وعند أصحاب الأصول وبعض الفقهاء : الوهم هو إدراك الطّرف المرجوح .
والبعض يطلق الإيهام ويريد به الظّنّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
الغشّ :
2 - الغشّ : أن يكتم البائع عن المشتري عيباً في المبيع لو اطّلع عليه لما اشتراه بذلك الثّمن .
التّدليس :
3 - التّدليس : العلم بالعيب وكتمانه .
الغرر :
4 - الغرر : ما يكون مجهول العاقبة ، ولا يدرى أيكون أم لا .
الحكم الإجماليّ :
5 - إيهام اللّقيّ والرّحلة من تدليس الإسناد عند المحدّثين ، وهو مكروه ، لكن لا يعتبر سبباً لتجريح الرّاوي .
فإيهام اللّقيّ : كقول من عاصر الزّهريّ مثلاً ولم يلقه : قال الزّهريّ ، موهماً أي موقعاً في الوهم - أي الذّهن - أنّه سمعه .
وإيهام الرّحلة نحو أن يقال : حدّثنا وراء النّهر ، موهماً جيحون ، والمراد نهر مصر ، كأن يكون بالجيزة ، لأنّ ذلك من المعاريض لا كذب فيه .
وعند الفقهاء : إيهام البائع المشتري سلامة المبيع المعيب منهيٍّ عنه ، وموجب الخيار للمشتري في الجملة على خلافٍ وتفصيلٍ موطنه خيار العيب .
إيواء *
التّعريف :
1- الإيواء لغةً : مصدر آوى - وهو متعدٍّ - ضمّ الإنسان غيره إلى مكان يقيم ومأمنٍ فيه ، كقوله تعالى : { فلمّا دَخَلوا على يوسفَ آوى إليه أَبَوَيْهِ } ومجرّده أوى ، وهو لازم . وقد يستعمل متعدّياً ، يقال : أوى إلى فلانٍ إذا التجأ وانضمّ إليه . والمأوى لكلّ حيوانٍ سكنه . وهو في الشّريعة كذلك ، فقد قال عليه الصلاة والسلام للأنصار : « أسألكم لربّي عزّ وجلّ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا .. » أي تضمّونا إليكم ، وقال صلوات الله وسلامه عليه : « لا يأوي الضّالّة إلاّ ضالّ » أي يأخذها ويضمّها إليه وهكذا .
الحكم العامّ ومواطن البحث :
2 - حيثما كان الإيواء لغايةٍ مشروعةٍ كان الإيواء مشروعاً ، ما لم يقم على منعه دليل ، كإيواء اليتيم ، وإيواء المشرّد ، وإيواء الضّيف ، وإيواء الفارّ من الظّالم ، وإيواء اللّقطة الّتي لا تستطيع أن تمتنع بنفسها .
وحيثما كان الإيواء لغايةٍ غير مشروعةٍ ، فهو غير مشروعٍ كإيواء الجاسوس والجاني لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة « من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين » .
3 - وإيواء العين المسروقة من قبل مالكها شرط لقطع سارقها ، وهو الّذي يسمّيه الفقهاء بالحرز . لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تقطع اليد في ثمرٍ معلّقٍ ، فإذا ضمّه الجرين قطعت في ثمن المجنّ ، ولا تقطع في حريسة الجبل ، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجنّ » كما فصّل ذلك الفقهاء في كتاب السّرقة . ( ر : سرقة ) .
4 - وإيواء المبيع إلى المشتري - بمعنى نقله وضمّه إلى المشتري - في المنقولات شرط عند البعض ، لجواز بيع المشتري له ، لقول ابن عمر : « لقد رأيت النّاس في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يبتاعون جزافاً - يعني الطّعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتّى يؤووه إلى رحالهم » .
الأيّام البيض *
التّعريف :
1 - الأيّام البيض هي : اليوم الثّالث عشر والرّابع عشر والخامس عشر من كلّ شهرٍ عربيٍّ . وسمّيت بيضاً لابيضاض لياليها بالقمر ، لأنّه يطلع فيها من أوّلها إلى آخرها . ولذلك قال ابن برّيٍّ : الصّواب أن يقال : أيّام البيض ، بالإضافة لأنّ البيض من صفة اللّيالي - أي أيّام اللّيالي البيضاء . وقال المطرّزيّ : من فسّرها بالأيّام فقد أبعد .
الألفاظ ذات الصّلة :
الأيّام السّود :
2 - الأيّام السّود أو أيّام اللّيالي السّود : هي الثّامن والعشرون وتالياه ، باعتبار أنّ القمر في هذه اللّيالي يكون في تمام المحاق .
الحكم الإجماليّ :
3 - يستحبّ صوم الأيّام البيض من كلّ شهرٍ ، لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك ، ومنها ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من صام من كلّ شهرٍ ثلاثةَ أيّامٍ فذاك صيام الدّهر » وعن ملحان القيسيّ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ، وقال : هو كهيئة الدّهر » وهذا ينطبق على كلّ شهور العام عدا شهر ذي الحجّة ، فلا يصام فيه اليوم الثّالث عشر ، لأنّه من أيّام التّشريق الّتي ورد النّهي عن صومها .
والأوجه كما يقول الشّافعيّة أن يصام السّادس عشر من ذي الحجّة .
وصوم هذه الأيّام مستحبّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وكان مالك يصوم أوّل يومه ، وحادي عشره ، وحادي عشرينه .
وكره المالكيّة كونها الثّلاثة الأيّام البيض ، مخافة اعتقاد وجوبها وفراراً من التّحديد .
وهذا إذا قصد صومها بعينها ، وأمّا إن كان على سبيل الاتّفاق فلا كراهة
أيّام التّشريق *
التّعريف :
1 - أيّام التّشريق - عند اللّغويّين والفقهاء - ثلاثة أيّامٍ بعد يوم النّحر ، قيل : سمّيت بذلك لأنّ لحوم الأضاحيّ تشرق فيها ، أي تقدّد في الشّمس .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأيّام المعدودات :
2 - الأيّام المعدودات هي الواردة في قوله تعالى : { واذْكروا اللّه في أيّامٍ مَعْدوداتٍ } وهي أيّام التّشريق الثّلاثة كما ذكر اللّغويّون والفقهاء .
ب - الأيّام المعلومات :
3 - الأيّام المعلومات الواردة في قوله تعالى : { ويذكروا اسمَ اللّه في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ } هي العشر الأوائل من ذي الحجّة ، على ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ عند الحنفيّة . وقيل : هي أيّام التّشريق ، وقيل : هي يوم النّحر ويومان بعده ، وهو رأي المالكيّة .
وقد روى نافع عن ابن عمر : أنّ الأيّام المعدودات والأيّام المعلومات يجمعها أربعة أيّامٍ : يوم النّحر وثلاثة بعده ، فيوم النّحر معلوم غير معدودٍ ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرّابع معدود لا معلوم . وقيل : هي يوم عرفة والنّحر والحادي عشر .
ج - أيّام النّحر :
4 - أيّام النّحر ثلاثة : العاشر والحادي عشر والثّاني عشر من ذي الحجّة ، وذلك هو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لما روي عن عمر وعليٍّ وابن عبّاسٍ وابن عمر وأنسٍ وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنّهم قالوا : أيّام النّحر ثلاثة .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ أيّام النّحر أربعة : يوم النّحر وأيّام التّشريق لما روى جبير بن مطعمٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ أيّام التّشريق ذبح » .
وقد روي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه ، وبه قال عطاء والحسن والأوزاعيّ وابن المنذر .
د - أيّام منًى :
5 - أيّام منًى هي أيّام التّشريق الثّلاثة ، وهي الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر من ذي الحجّة ، وتسمّى أيّام منًى وأيّام التّشريق وأيّام رمي الجمار والأيّام المعدودات ، كلّ هذه الأسماء واقعة عليها . والفقهاء يعبّرون بأيّام منًى تارةً ، وبأيّام التّشريق تارةً أخرى .
ما يتعلّق بأيّام التّشريق :
أ - رمي الجمار في أيّام التّشريق :
6 - أيّام رمي الجمار أربعة : يوم النّحر ، وثلاثة أيّام التّشريق ، فأيّام التّشريق هي وقت لرمي باقي الجمار بعد يوم النّحر ، يرمي الحاجّ كلّ يومٍ بعد الزّوال إحدى وعشرين حصاةً لثلاث جمراتٍ ، كلّ جمرةٍ سبع حصياتٍ ، والأصل في هذا ما روته السّيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « أفاض رسول اللّه من آخر يومه حين صلّى الظّهر ، ثمّ رجع إلى منًى ، فمكث بها ليالي أيّام التّشريق ، يرمي الجمرة إذا زالت الشّمس ، كلّ جمرةٍ بسبع حصياتٍ ، يكبّر مع كلّ حصاةٍ ، ويقف عند الأولى والثّانية ، فيطيل القيام ويتضرّع ، ويرمي الثّالثة ولا يقف عندها » . ورمي الجمار في أيّام التّشريق واجب ، ويفوت وقت الرّمي بغروب شمس آخر أيّام التّشريق ، فمن ترك الرّمي في هذه الأيّام سقط عنه الرّمي لفوات وقته ، ووجب عليه دم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ترك نُسُكاً فعليه دم » . وهذا باتّفاقٍ . وباقي تفصيل أحكام الرّمي في مصطلح ( رميٍ ، وحجٍّ ) .
ب - ذبح الهدي والأضحيّة في أيّام التّشريق :
7 - وقت ذبح الأضحيّة والهدي ثلاثة أيّامٍ : يوم الأضحى ، وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة والحادي عشر والثّاني عشر ، فيدخل اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة وهو المعتمد عند المالكيّة ، وقد روي ذلك عن غير واحدٍ من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عبّاسٍ ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن الأكل من النّسك فوق ثلاثٍ » وغير جائزٍ أن يكون الذّبح مشروعاً في وقتٍ يحرم فيه الأكل ، ثمّ نسخ تحريم الأكل وبقي وقت الذّبح بحاله .
وقد ورد عن بعض أهل المدينة إجازة الأضحيّة في اليوم الرّابع .
وعند الشّافعيّة يبقى وقت ذبح الأضحيّة والهدي إلى آخر أيّام التّشريق ، وهو الأصحّ ، كما قطع به العراقيّون ، وقد روي عن جبير بن مطعمٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ أيّام التّشريق ذبح » وروي عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال : النّحر يوم الأضحى وثلاثة أيّامٍ بعده وبه قال الحسن وعطاء والأوزاعيّ وابن المنذر .
ت - الإحرام بالعمرة في أيّام التّشريق :
8 - يكره الإحرام بالعمرة في أيّام التّشريق ، لما روت السّيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « وقت العمرة السّنة كلّها ، إلاّ يوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق » ومثل هذا لا يعرف إلاّ بالتّوقيف . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى جواز الإحرام بالعمرة في أيّام التّشريق ، ولا يكره ذلك لعدم النّهي عنه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ المحرم بالحجّ إذا أهلّ بعمرةٍ في أيّام التّشريق لزمته ، ويقطعها ، لأنّه قد أدّى ركن الحجّ من كلّ وجهٍ ، والعمرة مكروهة في هذه الأيّام ، فلهذا يلزمه قطعها ، فإن رفضها فعليه دم لقطعها ، وعمرة مكانها ، وإن مضى عليها أجزأه ، لأنّ الكراهة لمعنًى في غيرها ، وهو كونه مشغولاً في هذه الأيّام بأداء بقيّة أعمال الحجّ ، فيجب تخليص الوقت له تعظيماً ، وعليه دم لجمعه بينهما .
وعند المالكيّة يجوز الإحرام بالعمرة في أيّ وقتٍ من السّنة ، إلاّ لمحرمٍ بحجٍّ مفرداً ، فيمنع إحرامه بالعمرة - ولا ينعقد ، ولا يجب قضاؤها - إلى أن يتحلّل من جميع أفعال الحجّ ، وذلك برمي اليوم الرّابع لغير المتعجّل ، ومضيّ قدره لمن تعجّل ، وهو قدر زمنه عقب زوال الرّابع ، فإن أحرم بالعمرة قبل غروب اليوم الرّابع صحّ إحرامه ، لكن لا يفعل شيئاً من أفعال العمرة إلاّ بعد غروب الشّمس ، فإن فعل قبله شيئاً فلا يعتدّ به على المذهب .
ث - صلاة عيد الأضحى أيّام التّشريق :
9 - صلاة عيد الأضحى تكون في اليوم الأوّل من أيّام النّحر ، فإذا تركت في اليوم الأوّل ، فإنّه يجوز أن تصلّى في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق ، وهما الثّاني والثّالث من أيّام النّحر ، وسواء أتركت بعذرٍ أم بغير عذرٍ ، إلاّ أنّها إذا تركت بغير عذرٍ فإنّ ذلك مكروه ، وتلحقهم الإساءة ، وتكون أداءً في هذه الأيّام ، وإنّما جاز الأداء في هذه الأيّام استدلالاً بالأضحيّة ، فإنّها جائزة في اليوم الثّاني والثّالث ، فكذا صلاة العيد ، لأنّها معروفة بوقت الأضحيّة فتتقيّد بأيّامها .
وهذا بالنّسبة للجماعة ، أمّا المنفرد إذا فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه ، هذا مذهب الحنفيّة . ومثله الشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ أنّهم يجيزون صلاتها في كلّ أيّام التّشريق وفيما بعد أيّام التّشريق ، ويعتبرونها قضاءً لا أداءً . وعند المالكيّة قال في المدوّنة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام يستحبّ له أن يصلّيها من غير إيجابٍ ، وقال ابن حبيبٍ : إن فاتت صلاة العيد جماعةً ، فأرادوا أن يصلّوا بجماعتهم فلا بأس أن يجمعها مع نفرٍ من أهله ، قال سحنون : لا أرى أن يجمعوا ، وإن أحبّوا صلّوا أفذاذاً .
ج - الصّوم في أيّام التّشريق :
10- من الأيّام الّتي نهى عن الصّيام فيها أيّام التّشريق ، ففي صحيح مسلمٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أيّامُ منًى أيّامُ أكلٍ وشربٍ وذكر للّه » إلاّ أنّه يجوز للمتمتّع أو القارن الّذي لم يجد الهدي أن يصوم هذه الأيّام ، لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم أنّهما قالا : « لم يرخّص في أيّام التّشريق أن يُصَمْن إلاّ لمن لم يجد الهدي » .
وهذا عند الحنابلة والمالكيّة ، وفي القديم عند الشّافعيّة ، وروي عن الإمام أحمد أنّه لا يجوز صيام أيّام التّشريق عن الهدي .
وعند الحنفيّة ، وفي الجديد عند الشّافعيّة : لا يجوز صومها للنّهي الوارد في ذلك .
ومن نذر صوم سنةٍ لم يدخل في نذره أيّام التّشريق ، وأفطر ولا قضاء عليه ، لأنّه مستحقّ للفطر ولا يتناولها النّذر .
وهذا عند الحنابلة والشّافعيّة والمالكيّة ، وهو قول زفر ورواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة ، وروى محمّد عن أبي حنيفة أنّه يصحّ نذره في هذه الأيّام ، لكن الأفضل أن يفطر فيها ويصوم في أيّامٍ أخر ، ولو صام في هذه الأيّام يكون مسيئاً لكنّه يخرج عن النّذر .
وروي عن الإمام مالكٍ أنّه يجوز صوم اليوم الثّالث من أيّام التّشريق لمن نذره .
ح - الخطبة في الحجّ في أيّام التّشريق :
11- يستحبّ أن يخطب الإمام في اليوم الثّاني من أيّام التّشريق خطبةً يعلّم النّاس فيها حكم التّعجيل والتّأخير وتوديعهم ، لما روي عن « رجلين من بني بكرٍ قالا : رأينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيّام التّشريق ونحن عند راحلته » .
وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة . وعند المالكيّة والحنفيّة - غير زفر - تكون الخطبة في اليوم الأوّل من أيّام التّشريق ، وهو ثاني أيّام النّحر .
خ - المبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق :
12 - المبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق واجب عند جمهور الفقهاء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، قالت السّيّدة عائشة رضي الله عنها : « أفاض رسول اللّه من آخر يومه حين صلّى الظّهر ، ثمّ رجع إلى منًى فمكث بها ليالي أيّام التّشريق » وقال ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما : « لم يرخّص النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأحدٍ أن يبيت بمكّة إلاّ للعبّاس من أجل سقايته » ، وروى الأثرم عن ابن عمر قال :" لا يبيتنّ أحد من الحاجّ إلاّ بمنًى ، وكان يبعث رجالاً لا يَدَعُون أحداً يبيت وراء العقبة ".
وعند الحنفيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة ، وروايةً عن الإمام أحمد : أنّ المبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق سنّة وليس بواجبٍ ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « رخّص للعبّاس أن يبيت بمكّة من أجل سقايته » ولو كان ذلك واجباً لم يكن للعبّاس أن يترك الواجب لأجل السّقاية ، ولا كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يرخّص له في ذلك ، وفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم محمول على السّنّة توفيقاً بين الدّليلين .
ومن ترك المبيت بمنًى ليلةً أو أكثر من ليالي أيّام التّشريق فعند الجمهور عليه دم لتركه الواجب ، وعند القائلين بأنّ المبيت سنّة فقد أساء لتركه السّنّة ولا شيء عليه .
والمبيت بمنًى ليالي أيّام التّشريق كلّها إنّما هو بالنّسبة لغير المتعجّل ، أمّا من تعجّل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط ، ولا إثم عليه في ترك مبيت اللّيلة الثّالثة للآية الكريمة . ويرخّص في ترك المبيت بمنًى للسّقاة والرّعاة ، لحديث ابن عمر « أنّ العبّاس استأذن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكّة ليالي منًى من أجل سقايته فأذن له » ولحديث مالكٍ : « رخّص النّبيّ صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النّحر ، ثمّ يجمعوا رمي يومين بعد يوم النّحر ، فيرمونه في أحدهما » قال مالك : ظننت أنّه قال : في يومٍ منهما ، ثمّ يرمون يوم النّفر . والمريض ، ومن له مال يخاف عليه ونحوه ، كغيره من السّقاة والرّعاة ، وفي رواية ابن نافعٍ عن الإمام مالكٍ : أنّ من ترك المبيت بمنًى لضرورةٍ ، كخوفه على متاعه عليه هدي ، وإن لم يأثم . وتفصيل ذلك في مصطلح ( حجٍّ ، ورميٍ ) .
د - التّكبير في أيّام التّشريق :
13 - التّكبير في أيّام التّشريق مشروع لقوله تعالى : { واذكروا اللّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ } ، والمراد أيّام التّشريق ، وهذا باتّفاق الفقهاء ، عدا أبا حنيفة فإنّه لا تكبير عنده في أيّام التّشريق .
ومع اتّفاق الفقهاء على مشروعيّة التّكبير في أيّام التّشريق ، فإنّهم يختلفون في حكمه ، فعند الحنابلة والشّافعيّة وبعض الحنفيّة هو سنّة لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك . وهو مندوب عند المالكيّة ، والصّحيح عند الحنفيّة أنّه واجب ، للأمر به في قوله تعالى : { واذْكروا اللّهَ في أيّامٍ معدوداتٍ } .
كذلك اختلف الفقهاء في وقت التّكبير ، فبالنّسبة للبدء فإنّه باتّفاق الفقهاء يكون قبل بداية أيّام التّشريق ، مع اختلافهم في كونه من ظهر يوم النّحر كما يقول المالكيّة وبعض الشّافعيّة ، أو من فجر يوم عرفة كما يقول الحنابلة وعلماء الحنفيّة في ظاهر الرّواية وفي قولٍ للشّافعيّة . وأمّا بالنّسبة للختم فعند الحنابلة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة والمالكيّة يكون إلى عصر آخر أيّام التّشريق .
والمعتمد عند المالكيّة ، وفي قولٍ للشّافعيّة يكون إلى صبح آخر أيّام التّشريق . وقال ابن بشيرٍ من المالكيّة : يكون إلى ظهر آخر أيّام التّشريق . والتّكبير في هذه الأيّام يكون عقيب الصّلوات المفروضة ، ولا يكون بعد النّافلة ، إلاّ في قولٍ للشّافعيّة .
وما فات من الصّلوات في أيّام التّشريق فقضي فيها فإنّه يكبّر خلفها ، وهذا عند الحنابلة والحنفيّة وفي وجهٍ عند الشّافعيّة .
أمّا إن قضى في غيرها فلا يكبّر خلفها باتّفاقٍ .
وما فات من الصّلوات في غير أيّام التّشريق فقضي فيها ، فعند الحنابلة يكبّر خلفها .
ولا تكبير خلف مقضيّةٍ مطلقاً عند المالكيّة .
وصفة التّكبير هو أن يقول : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر ، اللّه أكبر ، وللّه الحمد . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة . وعند المالكيّة والشّافعيّة يكبّر ثلاثاً في الأوّل . وفي موضوع التّكبير تفصيلات أخرى تنظر في : ( تكبيرٍ - عيدٍ ) .
أيّام منًى *
التّعريف :
1 - أيّام منًى أربعة هي : يوم النّحر وثلاثة أيّامٍ بعده ، وهي الحادي عشر ، والثّاني عشر ، والثّالث عشر من ذي الحجّة . وقد أطلق عليها هذا الاسم لعودة الحجّاج إلى منًى بعد طواف الإفاضة في اليوم العاشر من ذي الحجّة ، والمبيت بها ليالي هذا الأيّام الثّلاثة . كما أنّه يطلق على هذه الأيّام أيّام منًى ، فإنّه يطلق عليها كذلك أيّام الرّمي ، وأيّام التّشريق ، وأيّام رمي الجمار ، والأيّام المعدودات . كلّ هذه الأسماء واقعة عليها ، ويعبّر بها الفقهاء ، إلاّ أنّه اشتهر التّعبير عندهم بأيّام التّشريق أكثر من غيره .
الحكم الإجماليّ :
2 - لأيّام منًى أحكام تتعلّق بها ، كالمبيت بمنًى في هذه الأيّام ، ورمي الجمار فيها .
وقد ذكر تفصيل هذه الأحكام في مصطلح أيّام التّشريق ، نظراً لشهرة هذه الأيّام بها .
( ر : أيّام ، التّشريق ) .
نهاية الجزء السابع / الموسوعة الفقهية