حكم البرّ والحنث فيه :
148 - إذا قصد بشيءٍ من هذه التّعليقات تأكيد خبرٍ ، وكان صادقاً في الواقع ، لم يتصوّر فيها حنث ، لأنّها مبرورة حين النّطق بها ، وليس للبرّ فيها حكم سوى حكم الإقدام عليها . وإن كان كاذباً في الواقع لم يتصوّر فيها برّ ، لأنّ الحنث مقارن لتمام الإتيان بها ، وليس له حكم سوى حكم الإقدام عليها .
وإن قصد بشيءٍ منها تأكيد الحثّ أو المنع ، فحكم البرّ والحنث فيها هو حكم الحنث والبرّ في اليمين باللّه تعالى المنعقدة ، فيختلف باختلاف المحلوف عليه وما يؤدّي إليه ، وقد سبق بيانه وبيان الاختلاف فيه ، كما سبق حكم الإبرار إن كان حلفاً على الغير .
ما يترتّب على الحنث فيه :
149 - يرى الجمهور أنّ الحنث في هذه التّعليقات يترتّب عليه حصول الجزاء ، إلاّ تعليق التزام القربة ، فإنّه عند الحنث بتحقّق الشّرط يتخيّر الحالف بين ما التزمه وبين كفّارة اليمين .
انحلال اليمين :
اليمين إمّا مؤكّدة للخبر الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وإمّا مؤكّدة للحثّ أو المنع .
150 - فالمؤكّدة للخبر : إن كان ماضياً أو حاضراً فهي منحلّة من حين النّطق بها ، سواء أكانت صادقةً أم غموساً أم لغواً ، لأنّ البرّ والحنث والإلغاء يقتضي كلّ منها انحلال اليمين . وإن كان مستقبلاً صدّقا يقيناً فهي منحلّة أيضاً من حين النّطق بها ، نحو : واللّه لأموتنّ ، أو ليبعثنّ اللّه الخلائق ، لأنّها بارّة من حين النّطق بها ، ولا يتوقّف برّها على حصول الموت والبعث . وإن كان مستقبلاً كذباً عمداً ، كقول القائل : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، وهو يعلم أنّه لا ماء فيه ، فهي غموس ، وقد سبق الخلاف في انعقادها : فمن قال بانعقادها يقول : إنّ الحنث قارن الانعقاد فوجبت الكفّارة وانحلّت ، ومن قال بعدم انعقادها قال : إنّها لا حاجة بها إلى الانحلال كما لا يخفى .
وإن كان مستقبلاً كذباً خطأً ، بأن كان الحالف يعتقده صدقاً ، فحكمها عند الشّافعيّة وابن تيميّة حكم اللّغو ، فهي منحلّة من حين انعقادها ، أو غير منعقدةٍ أصلاً ، وعند غيرهم حكمها حكم اليمين على الحثّ والمنع وسيأتي قريباً .
151 - والمؤكّدة للحثّ أو المنع تنحلّ بأمورٍ :
الأوّل : الرّدّة - والعياذ باللّه تعالى - وهي تحلّ اليمين باللّه تعالى وما في معناها من تحريم الحلال وتعليق الكفر بقصد اليمين ، وإنّما ذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإنّهم يشترطون في بقاء انعقاد اليمين الإسلام ، كما يشترطونه في أصل الانعقاد ، فالرّدّة عندهم تبطل الانعقاد ، سواء أكانت قبل الحنث أم بعده ، ولا يرجع الانعقاد بالرّجوع إلى الإسلام .
الثّاني : ذكر الاستثناء بالمشيئة بشرائطه المتقدّمة . فمن حلف ولم يخطر بباله الاستثناء انعقدت يمينه ، فإذا وصل بها الاستثناء انحلّت ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وخالف الشّافعيّة والحنابلة فقالوا : لا بدّ من قصد الاستثناء قبل فراغ اليمين ، ثمّ وصل الاستثناء به ، ففي هذه الحالة يكون الاستثناء مانعاً من انعقاد اليمين .
الثّالث : فوات المحلّ في اليمين على الإثبات المؤقّت ، نحو : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم ، فإذا صبّه الحالف أو غيره انحلّت اليمين عند الحنفيّة ، لأنّ البرّ لا يجب إلاّ آخر اليوم - أي الوقت المتّصل بغروب الشّمس - وفي هذا الوقت لا يمكنه البرّ ، لحصول الفراغ من الماء قبله ، فلا يحنث ، وبهذا يعلم انحلال يمينه من حين فراغ الكوز . وغير الحنفيّة يرون أنّ فوات المحلّ إذا كان بغير اختيار الحالف وقبل تمكّنه من البرّ يحلّ يمينه ، كما لو انصبّ الكوز عقب اليمين من غير اختياره ، أو أخذه إنسان فشربه ولم يتمكّن من أخذه منه . الرّابع : البرّ في اليمين ، بأن يفعل كلّ ما حلف على فعله ، أو يستمرّ على ترك كلّ ما حلف على تركه .
الخامس : الحنث ، فإنّ اليمين إذا انعقدت ، ثمّ حصل الحنث بوقوع ما حلف على نفيه ، أو باليأس من وقوع ما حلف على ثبوته ، فهذا الحنث تنحلّ به اليمين .
السّادس : العزم على الحنث في اليمين على الإثبات المطلق ، وهذا عند المالكيّة ، فلو قال : واللّه لأتزوّجنّ ، ثمّ عزم على عدم الزّواج طول حياته ، فمن حين العزم تنحلّ اليمين ، ويعتبر حانثاً ، وتجب عليه الكفّارة ، ولو رجع عن عزمه لم ترجع اليمين .
السّابع : البينونة في الحلف بالطّلاق ، فمن قال لامرأته : إن فعلت كذا فأنت طالق ، ثمّ بانت منه بخلعٍ أو بانقضاء العدّة في طلاقٍ رجعيٍّ ، أو بإكمال الطّلاق ثلاثاً ، أو بغير ذلك ، ثمّ عادت إليه بنكاحٍ جديدٍ لم يعد التّعليق لانحلاله بالبينونة .
جامع الأيمان
الأمور الّتي تراعى في ألفاظ الأيمان :
152 - معلوم أنّ اللّفظ الّذي يأتي به الحالف يشتمل على أفعالٍ وأسماءٍ وحروفٍ لها معانٍ لغويّة أو عرفيّة ، وأنّها تارةً تكون مقيّدةً بقيودٍ لفظيّةٍ ، وتارةً تقوم القرائن على تقييدها ، وقد يقصد الحالف معنًى يحتمله لفظه أو لا يحتمله ، وكلّ هذا يختلف البرّ والحنث تبعاً لاختلافه . وقد اختلف الفقهاء فيما تجب مراعاته عند اختلاف اللّغة والعرف والنّيّة والسّياق وغير ذلك . وفيما يلي بيان القواعد الّتي تتبع مرتّبةً مع بيان اختلاف المذاهب فيها . القاعدة الأولى : مراعاة نيّة المستحلف :
153 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « يمينُك على ما يصدّقك عليه صاحبُك » والمعنى يمينك الّتي تحلفها ، محمولة على المعنى الّذي لو نويته ، وكنت صادقاً ، لاعتقد خصمك أنّك صادق فيها ، وهو المعنى الّذي يخطر بباله حين استحلافه إيّاك ، وهو في الغالب يكون متّفقاً مع ظاهر اللّفظ ، ومقتضى هذا أنّ التّورية بين يدي المستحلف لا تنفع الحالف ، بل تكون يمينه غموساً تغمسه في الإثم .
وهذا متّفق عليه بين أكثر الفقهاء ، غير أنّ لهم تفصيلاتٍ وشرائط بيانها فيما يلي :
154 - مذهب الحنفيّة : حكى الكرخيّ أنّ المذهب كون اليمين باللّه تعالى على نيّة الحالف إن كان مظلوماً ، فإن كان ظالماً فعلى نيّة المستحلف ، لكن فرّق القدوريّ بين اليمين على الماضي وعلى المستقبل ، فقال : إذا كانت اليمين على ماضٍ ففيها التّفصيل السّابق ، لأنّ المؤاخذة عليها إن كانت كاذبةً إنّما هي بالإثم ، كالمظلوم إذا نوى بها ما يخرجها عن الكذب ، صحّت نيّته فلم يأثم ، لأنّه لم يظلم بها أحداً ، بخلاف الظّالم إذا نوى بيمينه ما يخرجها عن الكذب فإنّ نيّته باطلة ، وتكون يمينه على نيّة المستحلف فتكون كاذبةً ظاهراً وباطناً ، ويأثم لأنّه ظلم بها غيره .
وإذا كانت على مستقبلٍ فهي على نيّة الحالف من غير تفصيلٍ ، لأنّها حينئذٍ عقد ، والعقد على نيّة العاقد .
واليمين بالطّلاق ونحوه تعتبر فيها نيّة الحالف ، ظالماً كان أو مظلوماً ، إذا لم ينو خلاف الظّاهر ، فلا تطلق زوجته لا قضاءً ولا ديانةً ، لكنّه يأثم - إن كان ظالماً - إثم الغموس ، فلو نوى خلاف الظّاهر - كما لو نوى الطّلاق عن وثاقٍ - اعتبرت نيّته ديانةً لا قضاءً ، فيحكم القاضي عليه بوقوع الطّلاق سواء أكان ظالماً أم مظلوماً .
وقال الخصّاف : تعتبر نيّته قضاءً إن كان مظلوماً .
155 - مذهب المالكيّة : اختلف المالكيّة في هذه المسألة ، فقال سحنون وأصبغ وابن الموّاز : إنّ اليمين على نيّة المستحلف .
وقال ابن القاسم إنّها على ، نيّة الحالف ، فينفعه الاستثناء ، فلا تلزمه كفّارة ، ولكن يحرم ذلك عليه من حيث إنّه منع حقّ غيره ، وهذا الّذي قاله ابن القاسم خلاف المشهور .
ثمّ إنّ القائلين بأنّها على نيّة المستحلف اختلفوا في كونها على نيّة المحلوف له عند عدم استحلافه ، فذهب خليل إلى أنّها لا تكون على نيّته ، وذهب الصّاويّ في حاشيته على الشّرح الصّغير إلى أنّها تكون على نيّته ، وسبق في شرائط صحّة الاستثناء بيان موضّح تكون فيه اليمين على نيّة المستحلف أو المحلوف له عندهم .
156 - مذهب الشّافعيّة : اليمين تكون على نيّة المستحلف بشرائط :
الشّريطة الأولى : أن يكون المستحلف ممّن يصحّ أداء الشّهادة عنده كالقاضي والمحكّم والإمام ، فإن لم يكن كذلك كانت على نيّة الحالف ، وألحق ابن عبد السّلام الخصم بالقاضي ، عملاً بحديث : « يمينُك على ما يُصَدِّقُك عليه صاحبُك » أي خصمك .
الشّريطة الثّانية : أن يستحلفه القاضي ونحوه بطلبٍ من الخصم ، فإن استحلفه بلا طلبٍ منه كانت اليمين على نيّة الحالف .
الشّريطة الثّالثة : ألاّ يكون الحالف محقّاً فيما نواه على خلاف نيّة المستحلف ، فإن ادّعى زيد أنّ عمراً أخذ من ماله كذا بغير إذنه وسأل ردّه ، وكان عمر وقد أخذه من دينٍ له عليه ، فأجاب بنفي الاستحقاق ، فقال زيد للقاضي : حلّفه أنّه لم يأخذ من مالي شيئاً بغير إذني ، وكان القاضي يرى إجابته لذلك ، فيجوز لعمرٍو أن يحلف أنّه لم يأخذ شيئاً من ماله بغير إذنه ، وينوي أنّه لم يأخذه بغير استحقاقٍ ، فيمينه في هذه الحالة تكون على نيّته المقيّدة ، لا على نيّة القاضي المطلقة ، ولا يأثم بذلك .
الشّريطة الرّابعة : أن يكون الاستحلاف باللّه تعالى لا بالطّلاق ونحوه ، لكن إذا كان المستحلف يرى جواز التّحليف بالطّلاق كالحنفيّ ، كانت اليمين على نيّته لا على نيّة الحالف.
157 - مذهب الحنابلة : يرجع في اليمين إلى نيّة الحالف فهي مبناها ابتداءً ، إلاّ إذا كان الحالف ظالماً ، ويستحلفه لحقّ عليه ، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللّفظ الّذي عناه المستحلف .
القاعدة الثّانية : مراعاة نيّة الحالف :
إذا لم يكن مستحلف أصلاً ، أو كان مستحلف ولكن عدمت شريطة من الشّرائط الّتي يتوقّف عليها الرّجوع إلى نيّة المستحلف ، روعيت نيّة الحالف الّتي يحتملها اللّفظ ، وفيما يلي بيان أقوال الفقهاء في ذلك :
158 - مذهب الحنفيّة : الأصل عندهم أنّ الكلام ينصرف إلى العرف إذا لم يكن للحالف نيّة ، فإن كانت له نيّة شيءٍ واللّفظ يحتمله انعقدت اليمين باعتباره ، فمن حلف لا يدخل بيتاً فدخل المسجد لا يحنث إذا لم ينوه ، لأنّ المسجد لا يعتبر في العرف بيتاً ، وإن كان اللّه في كتابه قد سمّاه بيتاً .
159 - مذهب المالكيّة : إن لم تجب مراعاة نيّة المستحلف وجبت مراعاة نيّة الحالف ، فهي تخصّص العامّ وتقيّد المطلق وتبيّن المجمل ثمّ إنّ النّيّة المخصّصة والمقيّدة لها ثلاثة أحوالٍ :
الحالة الأولى : أن تكون مساويةً لظاهر اللّفظ ، بأن يحتمل اللّفظ إرادتها وعدم إرادتها على السّواء بلا ترجيحٍ لأحدهما على الآخر ، كحلفه لزوجته : إن تزوّج في حياتها فالّتي يتزوّجها طالق أو فعليه المشي إلى مكّة ، فتزوّج بعد طلاقها ، وقال : كنت نويت أنّي إن تزوّجت عليها في حياتها وهي في عصمتي ، وهي الآن ليست في عصمتي .
ففي هذه الحالة يصدق في اليمين باللّه تعالى أو الطّلاق أو التزام قربةٍ في كلٍّ من الفتوى والقضاء . ومن ذلك ما لو حلف : لا يأكل لحماً ، فأكل لحم طيرٍ ، وقال : كنت أردت لحم غير الطّير ، فإنّه يصدق مطلقاً أيضاً .
الحالة الثّانية : أن تكون نيّته مقاربةً لظاهر اللّفظ ، وإن كان أرجح منها ، كحلفه لا يأكل لحماً أو سمناً إذا ادّعى أنّه نوى لحم البقر وسمن الضّأن ، فأكل لحم الضّأن وسمن البقر ، ففي هذه الحالة يصدق في حلفه باللّه ، وبتعليق القربة ما عدا الطّلاق ، إذا رفع أمره للقاضي وأقيمت عليه البيّنة ، فإنّه يحكم بالطّلاق ، ومثل البيّنة الإقرار . ويقبل منه ما ادّعاه في الفتوى مطلقاً ، فلا يعدّ حانثاً في جميع أيمانه . ومن ذلك ما لو حلف : لا يكلّم فلاناً فكلّمه ، وقال : إنّي كنت نويت ألاّ أكلّمه شهراً أو ألا أكلّمه في المسجد ، وقد كلّمته بعد شهرٍ أو في غير المسجد ، فيقبل في الفتوى مطلقاً ، ويقبل في القضاء في غير الحلف بالطّلاق . وكذلك لو حلف : ألاّ يبيعه أو ألاّ يضربه ، ثمّ وكّل إنساناً في بيعه أو أمره بضربه ، وقال : إنّي كنت أردت الامتناع عن تكليمه وضربه بنفسي .
الحالة الثّالثة : أن تكون نيّته بعيدةً عن ظاهر اللّفظ ، كقوله : إن دخلت دار فلانٍ فزوجتي طالق ، إذا ادّعى أنّه أراد زوجته الميّتة ، ثمّ دخل الدّار استناداً إلى هذه النّيّة لم يقبل منه ما ادّعاه لا في القضاء ولا في الفتوى ، إلاّ إذا كانت هناك قرينة دالّة على هذه الدّعوى .
160- مذهب الشّافعيّة : في أسنى المطالب : من حلف على شيءٍ ولم يتعلّق به حقّ آدميٍّ ، فقال : أردت مدّة شهرٍ فقط ونحوه ممّا يخصّص اليمين قبل منه ظاهراً وباطناً ، لأنّه أمين في حقوق اللّه تعالى لا في حقّ آدميٍّ كطلاقٍ وإيلاءٍ ، فلا يقبل قوله ظاهراً ويدين فيما بينه وبين اللّه تعالى ، أو حلف : لا يكلّم أحداً ، وقال : أردت زيداً مثلاً لم يحنث بغيره عملاً بنيّته . ثمّ اللّفظ الخاصّ لا يعمّم بالنّيّة ، مثل أن يمنّ عليه رجل بما نال منه ، فحلف لا يشرب له ماءً من عطشٍ لم يحنث بغيره ، من طعامٍ وثيابٍ وماءٍ من غير عطشٍ وغيرها ، وإن نواه وكانت المنازعة بينهما تقتضي ما نواه ، لانعقاد اليمين على الماء من عطشٍ خاصّةً ، وإنّما تؤثّر النّيّة إذا احتمل اللّفظ ما نوى بجهةٍ يتجوّز بها .
وقد يصرف اللّفظ إلى المجاز بالنّيّة ، كلا أدخل دار زيدٍ ، ونوى مسكنه دون ملكه ، فيقبل في غير حقّ آدميٍّ - كأن حلف باللّه - لا في حقّ آدميٍّ ، كأن حلف بطلاقٍ .
161 - مذهب الحنابلة : إن لم يكن مستحلف ، أو كان مستحلف ولم يكن الحالف ظالماً رجع إلى نيّته هو - سواء أكان مظلوماً أم لا - وإنّما يرجع إلى نيّته إن احتملها لفظه ، كأن ينوي السّقف والبناء السّماء ، وبالفراش والبساط الأرض ، وباللّباس اللّيل ، وبالأخوّة أخوّة الإسلام . ثمّ إن كان الاحتمال بعيداً لم يقبل قضاءً ، وإنّما يقبل ديانةً ، وإن كان قريباً أو متوسّطاً قبل قضاءً وديانةً . فإن لم يحتمل أصلاً لم تنصرف يمينه إليه ، بل تنصرف إلى ظاهر اللّفظ ، وذلك كأن يقول : واللّه لا آكل ، وينوي عدم القيام دون عدم الأكل .
ومن أمثلة النّيّة المحتملة احتمالاً قريباً : ما لو نوى التّخصيص ، كأن يحلف : لا يدخل دار زيدٍ ، وينوي تخصيص ذلك باليوم ، فيقبل منه حكماً ، فلا يحنث بالدّخول في يومٍ آخر ، ولو كان حلفه بالطّلاق .
القاعدة الثّالثة : مراعاة قرينة الفور أو البساط ، أو السّبب :
إذا عدمت نيّة المستحلف المحقّ ونيّة الحالف ، وكانت اليمين عامّةً أو مطلقةً في الظّاهر ، لكن كان سببها الّذي أثارها خاصّاً أو مقيّداً كان ذلك مقتضياً تخصيص اليمين أو تقييدها . وهذا السّبب يسمّى عند المالكيّة بساط اليمين ، وعند الحنابلة السّبب المهيّج لليمين ، ويعبّر الحنفيّة عن هذه اليمين بيمين الفور . وفيما يلي أقوال الفقهاء في ذلك :
162 - فمذهب الحنفيّة : إذا لم يكن المحلوف عليه مقيّداً نصّاً ، ولكن دلّت الحال على تقييده بشيءٍ ، فإنّ ذلك القيد يراعى في اليمين استحساناً عند أبي حنيفة ، وهو الرّاجح . مثال ذلك : أن تخرج اليمين جواباً لكلامٍ مقيّدٍ ، أو بناءً على أمرٍ مقيّدٍ ، ولكنّ الحالف لا يذكر في يمينه هذا القيد نصّاً ، كما لو قال إنسان : تعال تغدّ معي ، فقال : واللّه لا أتغدّى ، فلم يتغدّ معه ، ثمّ رجع إلى منزله فتغدّى ، فإنّه لا يحنث لأنّ كلامه خرج جواباً للطّلب ، فينصرف إلى المطلوب ، وهو الغداء المدعوّ إليه ، فكأنّه قال : واللّه لا أتغدّى الغداء الّذي دعوتني إليه . وقال زفر : يحنث ، لأنّه منع نفسه عن التّغدّي عامّاً ، فلو صرف لبعضٍ دون بعضٍ كان ذلك تخصيصاً بغير مخصّصٍ ، وذا هو القياس .
163 - مذهب المالكيّة : إن لم يوجد مستحلف ذو حقٍّ ، ولم يكن للحالف نيّة صريحة ، أو كان له نيّة صريحة ولكنّه لم يضبطها ، روعي بساط يمينه في التّعميم والتّخصيص والتّقييد ، والبساط هو السّبب الحامل على اليمين ، ومثله كلّ سياقٍ وإن لم يكن سبباً ، ويعتبر البساط قرينةً على النّيّة وإن لم تكن صريحةً ولا منضبطةً ، وعلامته صحّة تقييد اليمين بقوله ما دام هذا الشّيء موجوداً .
ومن أمثلته : ما لو حلف لا يشتري لحماً ، أو لا يبيع في السّوق ، إذا كان الحامل على الحلف زحمة أو وجود ظالمٍ ، فيمينه تقيّد بذلك ، فلا يحنث بشراء اللّحم ولا بالبيع في السّوق إذا انتفت الزّحمة والظّالم ، سواء أكان حلفه باللّه أم بتعليق الطّلاق ونحوه ، ويستوي في ذلك القضاء والفتيا ، لكن لا بدّ في القضاء من إقامة بيّنةٍ على وجود البساط . ومن الأمثلة أيضاً : ما لو كان خادم المسجد يؤذيه ، فحلف لا يدخله ، فإنّ معناه أنّه لا يدخله ما دام هذا الخادم فيه ، وكذا لو كان فاسق بمكانٍ فقال إنسان لزوجته : إن دخلت هذا المكان فأنت طالق ، وكان وجود هذا الفاسق الحامل على الحلف ، فإنّ الحلف يقيّد بوجوده ، فإن زال فدخلت امرأته المكان لم تطلق .
ومن ذلك : ما لو منّ إنسان على آخر ، فحلف لا يأكل له طعاماً ، فإنّه يقتضي ألاّ ينتفع منه بشيءٍ فيه المنّة ، سواء أكان طعاماً أم كسوةً أو غيرهما ، فهذا تعميم لليمين بالبساط .
فإن لم يكن السّبب الحامل على اليمين داعياً إلى مخالفة الظّاهر لم يكن بساطاً ، كما لو حلف إنسان : لا يكلّم فلاناً أو لا يدخل داره ، وكان السّبب في ذلك أنّه شتمه أو تشاجر معه ، فهذا السّبب لا يدعو إلى مخالفة الظّاهر ، وهو الامتناع من التّكليم ومن دخول الدّار أبداً .
164 - مذهب الشّافعيّة : يتّضح من الاطّلاع على كتب المذهب الشّافعيّ أنّ المعتبر - بعد نيّة المستحلف ونيّة الحالف - هو ظاهر اللّفظ ، بقطع النّظر عن السّبب الحامل على اليمين ، فلو كانت اليمين عامّةً أو مطلقةً في الظّاهر - لكن كان سببها الّذي أثارها خاصّاً أو مقيّداً - لم يكن ذلك مقتضياً تخصيص اليمين أو تقييدها عندهم .
165 - مذهب الحنابلة : إن لم يوجد مستحلف ذو حقٍّ ، ولم ينو الحالف ما يوافق ظاهر اللّفظ أو يخصّصه ، أو يكون اللّفظ مجازاً فيه ، رجع إلى السّبب المهيّج لليمين لأنّه يدلّ على النّيّة ، وإن كان القائل غافلاً عنها ، فمن حلف : ليقضينّ زيداً حقّه غداً فقضاه قبله لم يحنث ، إذا كان سبب يمينه أمراً يدعو إلى التّعجيل وقطع المطل ، وإنّما يحنث بالتّأخير عن غدٍ ، فإن كان السّبب مانعاً من التّعجيل حاملاً على التّأخير إلى غدٍ فقضاه قبل حنث ، وفي هذه الصّورة لا يحنث بالتّأخير عن غدٍ ، فإن لم يكن سبب يدعو إلى التّعجيل أو التّأخير حنث بهما عند الإطلاق عن النّيّة ، وأمّا إذا نوى التّعجيل أو التّأخير فإنّه يعمل بنيّته كما تقدّم ، فعند نيّة التّعجيل يحنث بالتّأخير دون التّقديم ، وعند التّأخير يكون الحكم عكس ذلك .
ومن حلف على شيءٍ لا يبيعه إلاّ بمائةٍ ، وكان الحامل له على الحلف عدم رضاه بأقلّ من مائةٍ ، حنث ببيعه بأقلّ منها ، ولم تحنث ببيعه بأكثر إلاّ إذا كان قد نوى المائة بعينها لا أكثر ولا أقلّ . ومن حلف لا يبيعه بمائةٍ ، وكان الحامل له على الحلف أنّه يستقلّ المائة ، حنث ببيعه بها ، وكذا يحنث ببيعه بأقلّ منها ما لم ينو تعيّن المائة ، ولا يحنث ببيعه بأكثر من المائة ما لم ينو تعيّنها .
ومن دعي لغداءٍ ، فحلف لا يتغدّى ، لم يحنث بغداءٍ آخر عند الإطلاق ، لأنّ السّبب الحامل على الحلف هو عدم إرادته لهذا الغداء المعيّن ، وإنّما يحنث بالغداء الآخر إذا نوى العموم ، فإنّ النّيّة الموافقة للظّاهر تقدّم على السّبب المخصّص كما علم ممّا مرّ .
ومن حلف لا يشرب لفلانٍ ماءً من عطشٍ ، وكان السّبب عدم رضاه بمنّته ، حنث بأكل خبزه واستعارة دابّته ، وما ماثل ذلك من كلّ ما فيه منّة تزيد على شرب الماء من العطش ، بخلاف ما هو أقلّ منّةً من شرب الماء كقعوده في ضوء ناره ، وهذا كلّه عند الإطلاق عن النّيّة ، فإن نوى ظاهر اللّفظ عمل به .
ومن حلف لا يدخل بلداً ، وكان السّبب ظلماً رآه فيها ، أو حلف لا رأى منكراً إلاّ رفعه إلى الوالي ، وكان السّبب طلب الوالي ذلك منه ، ثمّ زال الظّلم في المثال الأوّل ، وعزل الوالي في المثال الثّاني ، لم يحنث بدخول البلد بعد زوال الظّلم ، ولا بترك رفع المنكر إلى الوالي بعد عزله ، فإن عاد الظّلم أو عاد الوالي للحكم حنث بمخالفة ما حلف عليه ، ويستوي في هذا الحكم ما لو أطلق الحالف لفظه عن النّيّة ، وما لو نوى التّقييد بدوام الوصف الحامل على اليمين .
166 - هذا وإذا تعارضت النّيّة والسّبب ، وكان أحدهما موافقاً لظاهر اللّفظ ، والثّاني أعمّ منه عمل بالموافق ، فمن حلف لا يأوي مع امرأته بدار فلانٍ ناوياً جفاءها ، وكان السّبب الحامل على اليمين هو عدم ملاءمة الدّار عمل بالسّبب ، فلا يحنث باجتماعه معها في دارٍ أخرى ، وإن كان ذلك مخالفاً لنيّته . فإن كان ناوياً عدم الاجتماع معها في الدّار بخصوصها ، وكان السّبب الحامل على اليمين يدعو إلى الجفاء العامّ فالحكم كما سبق ، عملاً بالنّيّة الموافقة للظّاهر ، وإن كان ذلك مخالفاً للسّبب .
فإن وجدت نيّة ولا سبب ، أو كان السّبب يدعو إلى الجفاء ولا نيّة ، أو اتّفقا معاً في الجفاء حنث بالاجتماع معها مطلقاً ، وإن اتّفقا في تخصيص الدّار لم يحنث بغيرها .