عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-11-2012, 09:48 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أحكام الأيمان القسميّة :
حكم اليمين الغموس :
اليمين الغموس لها حكمان : حكم الإتيان بها ، والحكم المترتّب على تمامها .
وبيان ذلك فيما يلي :
حكم الإتيان بها :
108 - الإتيان باليمين الغموس حرام ، ومن الكبائر بلا خلافٍ ، لما فيه من الجرأة العظيمة على اللّه تعالى ، حتّى قال الشّيخ أبو منصورٍ الماتريديّ ، كان القياس عندي أنّ متعمّد الحلف باللّه تعالى على الكذب يكفر ، لأنّ اليمين به عزّ وجلّ جعلت لتعظيمه ، والمتعمّد لليمين به على الكذب مستخفّ به ، لكنّه لا يكفر ، لأنّه ليس غرضه الجرأة على اللّه والاستخفاف به ، وإنّما غرضه الوصول إلى ما يريده من تصديق السّامع له .
ونظير هذا ما يروى أنّ رجلاً سأل أبا حنيفة قائلاً : إنّ العاصي يطيع الشّيطان ، ومن أطاع الشّيطان فقد كفر ، فكيف لا يكفر العاصي ؟ فقال : إنّ ما يفعله العاصي هو في ظاهره طاعة للشّيطان ، ولكنّه لا يقصد هذه الطّاعة فلا يكفر ، لأنّ الكفر عمل القلب ، وإنّما يعدّ مؤمناً عاصياً فقط .
ثمّ إنّه لا يلزم من كونها من الكبائر أن تكون جميعها مستويةً في الإثم ، فالكبائر تتفاوت درجاتها حسب تفاوت آثارها السّيّئة ، فالحلف الّذي يترتّب عليه سفك دم البريء ، أو أكل المال بغير حقٍّ أو نحوهما ، أشدّ حرمةً من الحلف الّذي لا يترتّب عليه شيء من ذلك .
109 - وقد ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في ذمّ اليمين الغموس وبيان أنّها من الكبائر والتّرهيب من الإقدام عليها .
منها : ما روي عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من حلفَ على مالِ امرئٍ مسلمٍ بغير حقّهِ لَقِيَ اللّهَ وهو عليه غضبان ، قال عبد اللّه : ثمّ قرأ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب اللّه عزّ وجلّ : { إنَّ الّذين يَشْتَرون بِعَهْدِ اللّهِ وأَيْمانهم ثَمَناً قَلِيلاً } إلى آخر الآية » .
وعن وائل بن حجرٍ رضي الله عنه قال : « جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميّ : يا رسول اللّه إنّ هذا قد غلبني على أرضٍ كانت لأبي ، فقال الكنديّ : هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم للحضرميّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قال : لا ، قال : فَلَكَ يمينُه . قال : يا رسول اللّه : إنّ الرّجلَ فاجر ، لا يبالي على ما حلف عليه ، وليس يتورّع عن شيءٍ فقال : ليس لَكَ منه إلاّ يمينه . فانطلق ليحلف ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا أدبر : لئن حلف على مالٍ لِيأكله ظلماً لَيَلْقَيَنّ اللّه وهو عنه مُعرض » .
وقال الرّسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد اللّه بن أنيسٍ رضي الله عنه : « من أكبر الكبائر : الإشراكُ باللّه ، وعقوقُ الوالدين ، واليمين الغموس والّذي نفسي بيده لا يحلفُ رجلٌ على مثلِ جناحِ بعوضةٍ إلاّ كانت كَيّاً في قلبه يوم القيامة » .
وعن جابر بن عتيكٍ رضي الله عنه أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من اقتطعَ حقّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجبَ اللّه له النّارَ وحرَّم عليه الجنّةَ ، فقال رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول اللّه ، قال : وإن كان قضيباً من أراكٍ » .
التّرخيص في اليمين الغموس للضّرورة :
110 - إنّ حرمة اليمين الغموس هي الأصل ، فإذا عرض ما يخرجها عن الحرمة لم تكن حراماً ، ويدلّ على هذا .
أوّلاً : قوله تعالى : { مَنْ كَفَرَ باللّه مِنْ بعد إيمانه إلاّ من أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنّ بالِإيمانِ ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكفرِ صَدْراً فعليهم غَضَبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ } .
فإذا كان الإكراه يبيح كلمة الكفر فإباحته لليمين الغموس أولى .
ثانياً : آيات الاضطرار إلى أكل الميتة وما شاكلها ، كقول تعالى : { فَمَنْ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنَّ اللّهَ غفورٌ رحيمٌ } .
فإذا أباحت الضّرورة تناول المحرّمات أباحت النّطق بما هو محرّم .
111 - وإليك نصوص بعض المذاهب في بيان ما تخرج به اليمين الغموس عن الحرمة .
أ - قال الدّردير في أقرب المسالك وشرحه ، والصّاويّ في حاشيته ما خلاصته : لا يقع الطّلاق على من أكره على الطّلاق ولو ترك التّورية مع معرفته بها ، ولا على من أكره على فعل ما علّق عليه الطّلاق . وندب أو وجب الحلف ليسلم الغير من القتل بحلفه وإن حنث هو ، وذلك فيما إذا قال ظالم : إن لم تطلّق زوجتك ، أو إن لم تحلف بالطّلاق قتلت فلاناً ، قال ابن رشدٍ : إن لم يحلف لم يكن عليه حرج ، أي لا إثم عليه ولا ضمان ، ومثل الطّلاق : النّكاح والإقرار واليمين .
ب - قال النّوويّ : الكذب واجب إن كان المقصود واجباً ، فإذا اختفى مسلم من ظالمٍ ، وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه ، وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعة ، وسأل عنها ظالم يريد أخذها وجب عليه الكذب بإخفائها ، حتّى لو أخبره بوديعةٍ عنده فأخذها الظّالم قهراً وجب ضمانها على المودع المخبر ، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف ، ويورّي في يمينه ، فإن حلف ولم يورّ حنث على الأصل وقيل : لا يحنث .
ج - وقال موفّق الدّين بن قدامة : من الأيمان ما هي واجبة ، وهي الّتي ينجّي بها إنساناً معصوماً من هلكةٍ ، كما روي عن سويد بن حنظلة قال : « خرجنا نريد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجرٍ ، فأخذه عدوّ له ، فتحرّج القوم أن يحلفوا ، فحلفت أنا : أنّه أخي ، فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم صدقت ، المسلم أخو المسلم » فهذا ومثله واجب ، لأنّ إنجاء المعصوم واجب ، وقد تعيّن في اليمين فيجب ، وكذلك إنجاء نفسه ، مثل : أن تتوجّه عليه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو بريء
الحكم المترتّب على تمامها :
112 - في الحكم المترتّب على تمام الغموس ثلاثة آراءٍ .
الرّأي الأوّل : أنّها لا كفّارة عليها سواء أكانت على ماضٍ أم حاضرٍ ، وكلّ ما يجب إنّما هو التّوبة ، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كان هناك حقوق ، وهذا مذهب الحنفيّة .
الرّأي الثّاني : أنّ فيها الكفّارة ، وهذا مذهب الشّافعيّة ، ويلاحظ أنّهم في تعريف الغموس خصّوها بالماضي ، لكن من المعلوم أنّ إيجاب الكفّارة في الحلف على الماضي يستلزم إيجابها في الحلف على الحاضر والمستقبل ، لأنّهم قالوا : إنّ كلّ ما عدا اللّغو معقود . الرّأي الثّالث : التّفصيل ، وقد أوضحه المالكيّة بناءً على توسّعهم في معناها ، فقالوا : من حلف على ما هو متردّد فيه أو معتقد خلافه فلا كفّارة عليه إن كان ماضياً ، سواء أكان موافقاً للواقع أم مخالفاً ، وعليه الكفّارة إن كان حاضراً أو مستقبلاً وكان في الحالين مخالفاً للواقع . وإلى التّفصيل ذهب الحنابلة أيضاً ، حيث اقتصروا في تعريف الغموس على ما كانت على الماضي ، وشرطوا في كفّارة اليمين أن تكون على مستقبلٍ .
فيؤخذ من مجموع كلامهم أنّ الحلف على الكذب عمداً لا كفّارة فيه إن كان على ماضٍ أو حاضرٍ ، وفيه الكفّارة إن كان على مستقبلٍ .
113 - احتجّ القائلون بوجوب الكفّارة في الغموس بأنّها مكسوبة معقودة ، إذ الكسب فعل القلب ، والعقد : العزم ، ولا شكّ أنّ من أقدم على الحلف باللّه تعالى كاذباً متعمّداً فهو فاعل بقلبه وعازم ومصمّم ، فهو مؤاخذ .
وقد أجمل اللّه عزّ وجلّ المؤاخذة في سورة البقرة فقال : { لا يؤاخذُكم اللّه باللّغو في أيمانِكم ولكنْ يؤاخذُكم بما كسبتْ قلوبُكم } وفصّلها في سورة المائدة ، فقال : { لا يؤاخذُكم اللّه باللّغو في أيمانِكم ولكن يؤاخذُكم بما عقّدْتُم الأيمانَ ، فكفّارته إطعامُ عشرةِ مساكين ... } على أنّ اليمين الغموس أحقّ بالتّكفير من سائر الأيمان المعقودة ، لأنّ ظاهر الآيتين ، ينطبق عليها من غير تقديرٍ ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل المؤاخذة في سورة البقرة على الكسب بالقلب ، وفي سورة المائدة على تعقيد الأيمان وإرادتها ، وهذا منطبق أعظم انطباقٍ على اليمين الغموس ، لأنّها حانثة من حين إرادتها والنّطق بها ، فالمؤاخذة مقارنة لها ، بخلاف سائر الأيمان المعقودة ، فإنّه لا مؤاخذة عليها إلاّ عند الحنث فيها ، فهي محتاجة في تطبيق الآيتين عليها إلى تقديرٍ ، بأن يقال : إنّ المعنى : ولكن يؤاخذكم بالحنث فيما كسبت قلوبكم ، وبالحنث في إيمانكم المعقودة ، وكذلك قوله تعالى : { ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حلفْتُم } معناه : إذا حلفتم وحنثتم .
114- واستدلّ الحنفيّة ومن وافقهم على عدم وجوب الكفّارة في اليمين الغموس بما يأتي : أوّلاً : قال اللّه تعالى : { إنّ الّذين يشترون بعَهْدِ اللّه وأيمانِهم ثمناً قليلاً أولئك لا خَلاقَ لهم في الآخرةِ ولا يكلّمُهُمُ اللّه ولا ينظرُ إليهم يومَ القيامةِ ولا يزكّيهم ولهم عذابٌ أليم } .
ثانياً : ما رواه الأشعث بن قيسٍ وعبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنهما كلّ منهما عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من حلف على يمين صَبْرٍ يقتطع بها مالَ امرئٍ مسلمٍ هو فيها فاجرٌ لقيَ اللّه وهو عليه غضبان » .
ووجه الاستدلال بالآية والحديثين وما معناهما : أنّ هذه النّصوص أثبتت أنّ حكم الغموس العذاب في الآخرة ، فمن أوجب الكفّارة فقد زاد على النّصوص .
ثالثاً : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « خمسٌ ليس لهنّ كفّارةٌ : الشّركُ باللّه عزّ وجلّ ، وقتلُ النّفسِ بغيرِ حقٍّ ، وبهتُ مؤمنٍ ، والفرارُ من الزّحفِ ، ويمينٌ صابرة يقتطع بها مالاً بغير حقٍّ » .
حكم اليمين اللّغو :
115 - سبق بيان اختلاف المذاهب في تفسير يمين اللّغو ، فمن فسّروها باليمين على الاعتقاد أو باليمين غير المقصودة ذهبوا إلى أنّها لا إثم فيها من حيث ذاتها ولا كفّارة لها . لكن لمّا فسّرها المالكيّة بمعنًى شاملٍ للمستقبل قالوا : إنّها تكفّر إذا كانت على مستقبلٍ وحنث فيها ، كما لو حلف : أن يفعل كذا ، أو ألاّ يفعل كذا غداً ، وهو معتقد أنّ ما حلف على فعله سيحصل ، وما حلف على عدم فعله لن يحصل ، فوقع خلاف ما اعتقده وهم لا يخالفون الحنفيّة في ذلك ، غير أنّ الحنفيّة لا يسمّون الحلف على المستقبل لغواً كما تقدّم .
ومن فسّروها باليمين على المعاصي اختلفوا ، هل تكفّر بالحنث أو لا تكفّر ؟ فمنهم من قال : لا كفّارة لها ، لقوله تعالى : { لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم } لأنّ المراد أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يؤاخذ من حلف على المعصية إذا لم ينفّذ ما حلف عليه ، وذلك أنّ التّنفيذ حرام ، واجتنابه واجب ، فإذا اجتنبه فقد أدّى ما عليه ، فلا يطالب بكفّارةٍ .
ومنهم من قال : يجب على الحالف الحنث ، وإذا حنث وجبت عليه الكفّارة ، لأنّ قوله تعالى : { لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم } يراد به أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يؤاخذ من حلف على المعصية إذا حنث ولم ينفّذ ، فلا يعاقبه على هذا الحنث ، بل يوجبه عليه ، ويأمره به ، فإذا حنث وجب عليه التّكفير ، عملاً بقوله تعالى : { ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حلفتم } فإنّ المراد به : أنّ ما ذكر هو كفّارة الأيمان مطلقاً لغواً ومعقودةً .
وهذا كلّه في اليمين باللّه تعالى ، وأمّا اليمين بغيره فسيأتي الكلام على اللّغو فيها .
أحكام اليمين المعقودة :
اليمين المعقودة لها ثلاثة أحكامٍ : حكم الإتيان بها ، وحكم البرّ والحنث فيها ، والحكم المترتّب على البرّ والحنث . وبيانها كما يلي :
أ - حكم الإتيان بها :
116 - قال الحنفيّة والمالكيّة : إنّ الأصل في اليمين باللّه تعالى الإباحة ، والإكثار منها مذموم . وهذا هو الحكم الأصليّ لليمين ، فلا ينافي أنّه قد تعرض لليمين أمور تخرجها عن هذا الحكم ، كما في المذاهب الآتية الّتي ذكرت الأحكام تفصيلاً .
وقال الشّافعيّة : الأصل في اليمين الكراهة إلاّ في طاعةٍ ، أو لحاجةٍ دينيّةٍ ، أو في دعوى عند حاكمٍ ، أو في ترك واجبٍ على التّعيين أو فعل حرامٍ وهذا إجمال توضيحه فيما يلي : الأصل في اليمين الكراهة ، لقوله تعالى : { ولا تَجْعَلوا اللّهَ عُرْضَةً لأيمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتتّقوا وتُصْلِحُوا بين النّاس } وقوله عزّ وجلّ : { واحْفَظُوا أيمانَكم } ولحديث : « إنّما الحلف حِنْثُ أو ندم » .
وقد يقال : إنّ الآية الأولى يحتمل أن يكون معناها : لا تجعلوا الحلف باللّه حاجزاً لما حلفتم على تركه من أنواع الخير ، بناءً على أنّ العرضة معناها : الحاجز والمانع ، والأيمان معناها : الأمور الّتي حلفتم على تركها . ويحتمل أن يكون معناها : لا تجعلوا اللّه نصباً لأيمانكم ، فتبذلوه بكثرة الحلف به في كلّ حقٍّ وباطلٍ ، لأنّ في ذلك نوع جرأةٍ على اللّه تعالى .
فالآية الأولى لا تدلّ على حكم الحلف ، وعلى الاحتمال الثّاني تدلّ على كراهة الإكثار ، لا كراهة أصل الحلف .
والآية الثّانية : يحتمل أن يكون معناها طلب حفظ الأيمان المحلوفة عن الحنث ، إذا كان الوفاء بها لا مانع منه ، فتدلّ على كراهة الحنث أو حرمته ، ولا شأن لها بالإقدام على الحلف ، ويحتمل أن يكون معناها طلب حفظ الأيمان الّتي في القلوب عن الإظهار ، فيكون المطلوب ترك الأيمان حذراً ممّا يترتّب عليها من الحنث والكفّارة ، وعلى هذا يكون الإقدام على اليمين مكروهاً إلاّ لعارضٍ يخرجه عن الكراهة إلى حكمٍ آخر .
والحديث المتقدّم بعد الآيتين السّابقتين ضعيف الإسناد كما يؤخذ من فيض القدير ، وعلى فرض صحّته فالحصر فيه إنّما يصحّ فيمن يكثر الحلف من غير مبالاةٍ ، فيقع في بعض الأحيان في الحنث ، وفي بعضها يأتي بما حلف عليه كارهاً له مستثقلاً إيّاه ، نادماً على ما كان منه من الحلف .
117 - ومذهب الحنابلة شبيه بمذهب الحنفيّة ، إذ الأصل عندهم الإباحة ، إلاّ أنّهم فصّلوا ، فقالوا : تنقسم اليمين إلى واجبةٍ ، ومندوبةٍ ، ومباحةٍ ، ومكروهةٍ ، وحرامٍ .
فتجب لإنجاء معصومٍ من مهلكةٍ ، ولو نفسه ، كأيمان قسامةٍ توجّهت على بريءٍ من دعوى قتلٍ . وتندب لمصلحةٍ ، كإزالة حقدٍ وإصلاحٍ بين متخاصمين ودفع شرٍّ وهو صادق فيها . وتباح على فعلٍ مباحٍ أو تركه ، كمن حلف لا يأكل سمكاً مثلاً أو ليأكلنّه ، وكالحلف على الخبر بشيءٍ هو صادق فيه ، أو يظنّ أنّه صادق .
وتكره على فعل مكروهٍ ، كمن حلف ليصلينّ وهو حاقن أو ليأكلنّ بصلاً نيئاً ومنه الحلف في البيع والشّراء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « الحلف منفّقة للسّلعة ممحقة للبركة » أو على ترك مندوبٍ كحلفه لا يصلّي الضّحى .
وتحرم على فعل محرّمٍ ، كشرب خمرٍ ، أو على ترك واجبٍ ، كمن حلف لا يصوم رمضان وهو صحيح مقيم .
ثمّ إنّ إباحتها على فعل مباحٍ أو تركه ما لم تتكرّر ، فالتّكرار خلاف السّنّة ، فإن أفرط فيه كره ، لقوله تعالى : { ولا تُطِعْ كلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ } وهو ذمّ له يقتضي كراهة الإكثار .
وهذا التّقسيم لا تأباه المذاهب الأخرى .
ب - حكم البرّ والحنث فيها :
118 - اليمين المعقودة إمّا أن تكون على فعلٍ واجبٍ أو ترك معصيةٍ أو عكسهما ، أو فعل ما هو أولى أو ترك ما تركه أولى أو عكسهما ، أو فعل ما استوى طرفاه أو تركه .
فاليمين على فعل واجبٍ أو ترك معصيةٍ ، كواللّه لأصلينّ الظّهر اليوم ، أو لا أسرق اللّيلة ، يجب البرّ فيها ويحرم الحنث ، ولا خلاف في ذلك كما لا يخفى .
واليمين على فعل معصيةٍ أو ترك واجبٍ ، كواللّه لأسرقنّ اللّيلة أو لا أصلّي الظّهر اليوم يحرم البرّ فيها ويجب الحنث ، وظاهر أنّه لا خلاف في ذلك أيضاً .
لكن ينبغي التّنبّه إلى أنّ الحلف على المعصية المطلقة عن التّوقيت يلزمه فيها العزم على الحنث ، لأنّ الحنث فيها إنّما يكون بالموت ونحوه .
واليمين على فعل ما فعله أولى أو على ترك ما تركه أولى - كواللّه لأصلينّ سنّة الصّبح أو لا ألتفت في الصّلاة - يطلب البرّ فيها وهو أولى من الحنث .
هكذا عبّر الحنفيّة القدامى بالأولويّة ، وبحث الكمال بن الهمام في ذلك بأنّ قوله تعالى : { واحفظوا أيمانكم } يدلّ على وجوب البرّ وعدم جواز الحنث ، ورجّح ذلك ابن عابدين وغيره . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يسنّ البرّ ويكره الحنث في هذه الحالة .
واليمين على ترك ما فعله أولى ، أو فعل ما تركه أولى - كواللّه لا أصلّي سنّة الصّبح أو لألتفتنّ في الصّلاة - يطلب الحنث فيها وهو أولى من البرّ . هذا مذهب الحنفيّة .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : يسنّ الحنث في هذه الحالة ويكره البرّ .
واليمين على فعل ما استوى طرفاه أو على تركه - كواللّه لأتغدّينّ هذا اليوم أو لا أتغدّى هذا اليوم - يطلب البرّ فيها ، وهو أولى من الحنث .
هكذا قال الحنفيّة القدامى ، ومقتضى بحث الكمال وجوب البرّ وعدم جواز الحنث .
وقال الشّافعيّة : البرّ أفضل ، ما لم يتأذّ بذلك صديقه ، كمن حلف لا يأكل كذا ، وكان صديقه يتأذّى من ترك أكله إيّاه ، فينعكس الحكم ويكون الحنث أفضل .
ومقصود الشّافعيّة بالأفضليّة الأولويّة ، وهي الاستحباب غير المؤكّد ، ويقال لمقابلها خلاف الأولى أو خلاف الأفضل ، وهو أقلّ من المكروه .
وقال الحنابلة : يخيّر بين البرّ والحنث ، والبرّ أولى ، فمذهبهم كمذهب الشّافعيّة .
الحلف على الغير واستحباب إبرار القسم :
119 - قد يحلف الإنسان على فعلٍ أو تركٍ منسوبين إليه ، نحو : واللّه لأفعلنّ أو لا أفعل ، وهذا هو الغالب . وقد يحلف على فعلٍ أو تركٍ منسوبين إلى غيره ، كقوله : واللّه لتفعلنّ أو لا تفعل ، وقوله : واللّه ليفعلنّ فلان كذا أو لا يفعله .
وأحكام البرّ والحنث السّابق ذكرها إنّما هي فيمن حلف على فعل نفسه أو تركها .
وأمّا من حلف على فعل غيره أو تركه ، مخاطباً كان أو غائباً ، فإنّه يتّفق حكم التّحنيث والإبرار فيه مع حكم الحنث والبرّ السّابقين في بعض الصّور ويختلف في بعضها .
أ - فمن حلف على غيره أن يفعل واجباً أو يترك معصيةً وجب إبراره ، لأنّ الإبرار في هذه الحالة إنّما هو قيام بما أوجبه اللّه أو انتهاء عمّا حرّمه اللّه عليه .
ب - ومن حلف على غيره أن يفعل معصيةً أو يترك واجباً لم يجز إبراره ، بل يجب تحنيثه ، لحديث : « لا طاعة لأحدٍ في معصية اللّه تبارك وتعالى » .
ج - ومن حلف على غيره أن يفعل مكروهاً أو يترك مندوباً فلا يبرّه ، بل يحنّثه ندباً ، لأنّ طاعة اللّه مقدّمة على طاعة المخلوق .
د - ومن حلف على غيره أن يفعل مندوباً أو مباحاً ، أو يترك مكروهاً أو مباحاً فهذا يطلب إبراره على سبيل الاستحباب ، وهو المقصود بحديث الأمر بإبرار القسم الّذي رواه الشّيخان عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال : « أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسبعٍ : أمرنا بعيادة المريض ، واتّباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، وإبرار القسم ، أو المقسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الدّاعي ، وإفشاء السّلام » .
وظاهر الأمر الوجوب ، لكن اقترانه بما هو متّفق على عدم وجوبه - كإفشاء السّلام - قرينة صارفة عن الوجوب .
وممّا يدلّ على عدم الوجوب أيضاً أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يبرّ قسم أبي بكرٍ رضي الله عنه ، فقد روى الشّيخان عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما حديثاً طويلاً يشتمل على رؤيا قصّها أبو بكرٍ رضي الله عنه وجاء في هذا الحديث « أنّه قال لرسول اللّه بأبي أنت وأمّي : أصبت أم أخطأت ؟ فقال : أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً . قال : فواللّه لتحدّثني بالّذي أخطأت ، قال : لا تقسم » فقوله صلى الله عليه وسلم " لا تقسم " معناه لا تكرّر القسم الّذي أتيت به ، لأنّي لن أجيبك ، ولعلّ هذا الصّنيع من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ، فإنّه عليه الصلاة والسلام لا يفعل خلاف المستحسن إلاّ بقصد بيان الجواز ، وهو يدلّ على أنّ الأمر في الحديث السّابق ليس للوجوب ، بل للاستحباب .
ج - الحكم المترتّب على البرّ والحنث :
120 - اليمين المعقودة إذا برّ فيها الحالف لم تلزمه كفّارة كما لا يخفى ، وإذا حنث - بأن انتفى ما أثبته أو ثبت ما نفاه - لزمته الكفّارة ، سواء أكان حالفاً على فعل معصيةٍ أو ترك واجبٍ أم لا ، وسواء أكان كاذباً عمداً أو خطأً أم لا ، وسواء أكان قاصداً للحلف أم لا .
هذا مذهب الحنفيّة ومن وافقهم ، فهم يوجبون الكفّارة على من حنث في اليمين باللّه تعالى على أمرٍ مستقبلٍ ليس مستحيلاً عقلاً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وليس مستحيلاً عادةً أيضاً عند زفر ، سواء أكان الحالف قاصداً أم غير قاصدٍ ، وكذا من حلف بتعليق الكفر .
121 - والمالكيّة يخالفون الحنفيّة في أمورٍ :
أحدها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الغموس إذا كانت على أمرٍ حاضرٍ أو مستقبلٍ ، والحنفيّة لا يوجبون الكفّارة فيها إلاّ إذا كانت على أمرٍ مستقبلٍ ممكنٍ عقلاً .
ثانيها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الحلف على المستقبل المستحيل عقلاً إن كان عالماً باستحالته أو متردّداً فيها ، والحنفيّة لا يوجبونها مطلقاً .
ثالثها : أنّهم يفصّلون في اليمين غير المقصودة ، فيقولون : من أراد النّطق بكلمةٍ فنطق باليمين بدلها لخطأ لسانه لم تنعقد ، ومن أراد النّطق بشيءٍ فنطق معه باليمين زيادةً بغير قصدٍ كانت كاليمين المقصودة ، فيكفّرها إن كانت مستقبليّةً مطلقاً ، وكذا إن كانت غموساً حاضرةً ، والحنفيّة لم نر لهم تفصيلاً في غير المقصودة ، فقد أطلقوا القول بعدم اشتراط القصد .
رابعها : أنّهم لا يقولون بالكفّارة في تعليق الكفر ، والحنفيّة يجعلونه كنايةً عن اليمين باللّه تعالى ، فيوجبون الكفّارة فيه إن كان على أمرٍ مستقبلٍ غير مستحيلٍ عقلاً .
وليس المقصود بالكناية أنّها تحتاج إلى النّيّة ، وإنّما المقصود أنّها لفظ أطلق وأريد لازم معناه ، كما يقول علماء البلاغة .
122 - والشّافعيّة يخالفون في أمورٍ :
أحدها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الغموس على ماضٍ ، ويلزم من ذلك إيجابها في الغموس على حاضرٍ ومستقبلٍ ، فإنّ الغموس عندهم منعقدة مطلقاً .
ثانيها : أنّهم يوجبون الكفّارة في الحلف على المستحيل عقلاً ، ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً ، إلاّ إن كانت اليمين غير مقصودةٍ ، أو كان جاهلاً بالاستحالة .
ثالثها : أنّهم يقولون : إنّ اليمين غير المقصودة تعدّ لغواً مطلقاً ، سواء أكان معنى عدم القصد خطأ اللّسان ، أم كان معناه سبق اللّسان إلى النّطق بها ، فلا كفّارة فيها ولو على مستقبلٍ . ويقولون فيمن حلف على غير الواقع ، جاهلاً بمخالفته للواقع : لا تنعقد يمينه . سواء أكان المحلوف عليه ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً ، إلاّ إذا قصد أنّ المحلوف عليه هو كما حلف عليه في الواقع ونفس الأمر ، فتجب فيه الكفّارة حينئذٍ .
رابعها : أنّهم لا يوجبون الكفّارة في تعليق الكفر مطلقاً .
ونقل ابن قدامة عن قومٍ من فقهاء السّلف أنّ من حلف على معصيةٍ فالكفّارة ترك المعصية ، ومعنى هذا : أنّ اليمين على المعصية تنعقد ويجب الحنث ، وليس فيها الكفّارة المعهودة .
رد مع اقتباس