عرض مشاركة واحدة
  #201  
قديم 05-11-2012, 09:47 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

قيام التّصديق بكلمة نعم مقام اليمين
46 - الصّحيح من مذهب الحنفيّة أنّ من عرض عليه اليمين فقال : نعم كان حالفاً ، ولو قال رجل لآخر عليك : عهد اللّه إن فعلت كذا فقال : نعم . فالحالف المجيب ، ولا يمين على المبتدئ ولو نواه ، لأنّ قوله : عليك صريح في التزام اليمين على المخاطب ، فلا يمكن أن يكون يميناً على المبتدئ ، بخلاف ما إذا قال : واللّه لتفعلنّ ، وقال الآخر : نعم ، فإنّه إذا نوى المبتدئ التّحليف والمجيب الحلف ، كان الحالف هو المجيب وحده ، وإذا نوى كلّ منهما الحلف يصير كلّ منها حالفاً .
وقال الشّافعيّة : لو قيل لرجلٍ : طلّقت زوجتك ، أو أطلّقت زوجتك ؟ استخباراً – فقال : نعم ، كان إقراراً ، وإن كان الالتماس الإنشاء كان تطليقاً صريحاً ، وإن جهل الحال حمل على الاستخبار . هذا ما قالوه في الطّلاق ، ويقاس عليه ما لو قال إنسان لآخر : حلفت ، أو أحلفت باللّه لا تكلّم زيداً ؟ فقال : نعم . ففي ذلك تفصيل : فإن كان للاستخبار كان إقراراً محتملاً للصّدق والكذب ، فيحنث بالتّكليم إن كان صادقاً ، ولا يحنث به إن كان كاذباً .
وإن كان الالتماس الإنشاء كان حلفاً صريحاً . وإن جهل حال السّؤال حمل على الاستخبار ، فيكون الجواب إقراراً واللّه أعلم ، ولم يعثر للمذاهب الأخرى على نصٍّ في هذا .
الحلف بغير اللّه تعالى بحرف القسم وما يقوم مقامه :
47 - علم ممّا تقدّم أنّ صيغة اليمين بحرف القسم وما يقوم مقامه تنحصر شرعاً في اليمين باللّه تعالى . فالحلف بغيره بحرف القسم وما يقوم مقامه لا يعتبر يميناً شرعيّةً ، ولا يجب بالحنث فيه كفّارة .
ومن أمثلته : أن يحلف الإنسان بأبيه أو بابنه أو بالأنبياء أو بالملائكة عليهم السلام أو بالعبادات : كالصّوم والصّلاة ، أو بالكعبة أو بالحرم أو بزمزم أو بالقبر والمنبر أو غير ذلك من المخلوقات . سواء أتى الحالف بهذه الألفاظ عقب حرف القسم أم أضاف إليها كلمة : " حقٍّ " أو " حرمةٍ " أو " حياةٍ " أو نحو ذلك . وسواء أكان الحلف بحرفٍ من حروف القسم أم بصيغةٍ ملحقةٍ بما فيه هذه الحروف ، مثل لعمرك ولعمري وعمرك اللّه وعليّ عهد رسول اللّه لأفعلنّ كذا .
48 - وقد ورد النّهي عنه في عدّة أحاديث
منها : قوله صلى الله عليه وسلم : « من كان حالفاً فلا يحلف إلاّ باللّه » .
ومنها : قوله عليه الصلاة والسلام : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » . وفي روايةٍ « فقد كفر » ، ومنها : قوله صلوات الله وسلامه عليه « من حلف بالأمانة فليس منّا » .
ومنها : ما أخرجه النّسائيّ عن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه قال : « حلفت باللّاتي والعزّى ، فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : قل لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيءٍ قدير ، وانفث عن شمالك ثلاثاً ، وتعوّذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ، ثمّ لا تعدّ » . وفي روايةٍ أخرى رواها النّسائيّ عنه أيضاً قال : « حلفت باللّاتي والعزّى ، فقال لي أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : بئسما قلت ، ائت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فإنّا لا نراك إلاّ قد كفرت ، فلقيته فأخبرته فقال لي : قل لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ثلاث مرّاتٍ ، وتعوّذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ثلاث مرّاتٍ ، وانفث عن شمالك ثلاث مرّاتٍ ، ولا تعد له » .
ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من حلف منكم فقال في حلفه : باللّاتي ، فليقل : لا إله إلاّ اللّه ، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدّق » .
49 - وورد عن الصّحابة رضي الله عنهم استنكار الحلف بغير اللّه تعالى .
فمن ذلك ما رواه الحجّاج بن المنهال بسنده عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّه قال : لأن أحلف باللّه كاذباً أحبّ إليّ من أن أحلف بغير اللّه صادقاً وما رواه عبد الرّزّاق بسنده عن وبرة قال : قال ابن مسعودٍ أو ابن عمر : « لأن أحلف باللّه كاذباً أحبّ إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً » ، وما رواه عبد الرّزّاق بسنده عن ابن الزّبير رضي الله عنه : أنّ عمر قال له - وقد سمعه يحلف بالكعبة - : لو أعلم أنّك فكّرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك ، احلف باللّه فأثم أو ابرر .
أثر الحلف بغير اللّه :
50 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحلف بغير اللّه تعالى لا تجب بالحنث فيه كفّارة ، إلاّ ما روي عن أكثر الحنابلة من وجوب الكفّارة على من حنث في الحلف برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، لأنّه أحد شطري الشّهادتين اللّتين يصير بهما الكافر مسلماً ، وعن بعضهم : أنّ الحلف بسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تجب بالحنث فيه الكفّارة أيضاً ، لكن الأشهر في مذهبهم أنّه لا كفّارة بالحنث في الحلف بنبيّنا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ولا خلاف بين الفقهاء أيضاً في أنّ الحلف بغير اللّه منهيّ عنه ، لكن في مرتبة هذا النّهي اختلاف ، والحنابلة قالوا : إنّه حرام إلاّ الحلف بالأمانة ، فإنّ بعضهم قال بالكراهة ، والحنفيّة قالوا مكروه تحريماً ، والمعتمد عند المالكيّة والشّافعيّة أنّه تنزيهاً .
وصرّح الشّافعيّة أنّه إن كان بسبق اللّسان من غير قصدٍ فلا كراهة ، وعليه يحمل حديث الصّحيحين في قصّة الأعرابيّ - الّذي قال لا أزيد على هذا ولا أنقص - أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أفلح وأبيه إن صدق » .
شرائط القسم :
يشترط في انعقاد القسم وبقائه شرائط ، وهي ثلاثة أنواعٍ :
أوّلاً :
الشّرائط الّتي ترجع إلى الحالف
يشترط في انعقاد اليمين وبقائها شرائط في الحالف .
51 - الأولى : البلوغ . والثّانية : العقل .
وهاتان شريطتان في أصل الانعقاد ، فلا تنعقد يمين الصّبيّ - ولو مميّزاً - ولا المجنون والمعتوه والسّكران - غير المتعدّي بسكره - والنّائم والمغمى عليه ، لأنّها تصرّف إيجابٍ ، وهؤلاء ليسوا من أهل الإيجاب . ولا خلاف في هاتين الشّريطتين إجمالاً .
وإنّما الخلاف في السّكران المتعدّي بسكره والصّبيّ إذا حنث بعد بلوغه .
أمّا السّكران المتعدّي ، فالجمهور يرون صحّة يمينه إن كانت صريحةً تغليظاً عليه .
وأبو ثورٍ والمزنيّ وزفر والطّحاويّ والكرخيّ ومحمّد بن سلمة وغيرهم يرون عدم انعقاد يمينه كالسّكران غير المتعدّي ، وتفصيل ذلك في ( الحجر ) .
وأمّا الصّبيّ فالجمهور يرون أنّ يمينه لا تنعقد ، وأنّه لو حنث - ولو بعد البلوغ - لم تلزمه كفّارة ، وعن طاوسٍ أنّ يمينه معلّقة ، فإن حنث بعد بلوغه لزمته الكفّارة .
وحجّة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثةٍ : عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن المجنون حتّى يفيق ، وعن الصّبيّ حتّى يبلغ » .
52 - الشّريطة الثّالثة : الإسلام ، وإلى هذا ذهب الحنفيّة والمالكيّة .
فلا تنعقد اليمين باللّه تعالى من الكافر ولو ذمّيّاً ، وإذا انعقدت يمين المسلم بطلت بالكفر ، سواء أكان الكفر قبل الحنث أم بعده ، ولا ترجع بالإسلام بعد ذلك .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : لا يشترط الإسلام في انعقاد اليمين ولا بقائها ، فالكافر الملتزم للأحكام - وهو الذّمّيّ والمرتدّ - لو حلف باللّه تعالى على أمرٍ ، ثمّ حنث وهو كافر ، تلزمه الكفّارة عند الشّافعيّة والحنابلة ، لكن إذا عجز عن الكفّارة الماليّة لم يكفر بالصّوم إلاّ إن أسلم . وهذا الحكم إنّما هو في الذّمّيّ ، وأمّا المرتدّ فلا يكفر في حال ردّته ، لا بالمال ولا بالصّوم ، بل ينتظر ، فإذا أسلم كفّر ، لأنّ ماله في حال الرّدّة موقوف ، فلا يمكن من التّصرّف فيه . ومن حلف حال كفره ثمّ أسلم وحنث ، فلا كفّارة عليه عند الحنفيّة والمالكيّة . وعليه الكفّارة عند الشّافعيّة والحنابلة إن كان حين الحلف ملتزماً للأحكام .
53 - الشّريطة الرّابعة : التّلفّظ باليمين ، فلا يكفي كلام النّفس عند الجمهور خلافاً لبعض المالكيّة . ولا بدّ من إظهار الصّوت بحيث يسمع نفسه إن كان صحيح السّمع ، ولم يكن هناك مانع من السّماع كلغطٍ وسدّ أذنٍ .
واشتراط الإسماع ولو تقديراً هو رأي الجمهور ، الّذي يرون أنّ قراءة الفاتحة في الصّلاة يشترط في صحّتها ذلك .
وقال المالكيّة والكرخيّ من الحنفيّة : لا يشترط الإسماع ، وإنّما يشترط أن يأتي بالحروف مع تحريك اللّسان ولو لم يسمعها هو ولا من يضع أذنه بقرب فمه مع اعتدال السّمع وعدم الموانع . هذا وإنّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة قد صرّحوا بأنّ إشارة الأخرس باليمين تقوم مقام النّطق .
وقال الشّافعيّة : إنّ الكتابة لو كانت بالصّريح تعتبر كنايةً ، لأنّها تحتمل النّسخ ، وتجربة القلم والمداد وغيرها ، وبأنّ إشارة الأخرس إن اختصّ بفهمها الفطن فهي كناية تحتاج إلى النّيّة ، وإن فهمها كلّ إنسانٍ فهي صريحة .
الطّواعية والعمد في الحالف :
54 - لا تشترط عند الحنفيّة الطّواعية - أي الاختيار - في الحالف ، ولا العمد - أي القصد - فتصحّ عندهم يمين المكره والمخطئ ، وهو من أراد غير الحلف فسبق لسانه إلى الحلف ، كأن أراد أن يقول : اسقني الماء ، فقال : واللّه لا أشرب الماء ، لأنّها من التّصرّفات الّتي لا تحتمل الفسخ فلا يؤثّر فيها الإكراه والخطأ ، كالطّلاق والعتاق والنّذر وسائر التّصرّفات الّتي لا تحتمل الفسخ .
وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : تشترط الطّواعية والعمد ، فلا تنعقد يمين المكره ولا المخطئ ، غير أنّ الشّافعيّة يقولون في المكره على اليمين : إذا نوى الحلف صحّت يمينه . لأنّ الإكراه لا يلغي اللّفظ ، وإنّما يصير به الصّريح كنايةً ، وهذا الّذي قالوه لا يستبعد أن يكون متّفقاً عليه ، فإنّ إلغاء كلام المكره لا وجه له ، إلاّ أنّه إنّما قصد دفع الأذى عن نفسه ، ولم يقصد استعمال اللّفظ في معناه ، فإذا قصد استعماله في معناه كان هذا أمراً زائداً لا تدعو إليه الضّرورة .
وقال الشّافعيّة أيضاً : لا يلزم المكره التّورية وإن قدر عليها .
والتّورية هي : أن يطلق الإنسان لفظاً هو ظاهر في معنًى ويريد به معنًى آخر يتناوله ذلك اللّفظ ، ولكنّه خلاف ظاهره .
عدم اشتراط الجدّ في الحالف :
55 - الجدّ - بكسر الجيم - في التّصرّفات القوليّة معناه : أن ينطق الإنسان باللّفظ راضياً بأثره ، سواء أكان مستحضراً لهذا الرّضى أم غافلاً عنه ، فمن نطق باللّفظ الصّريح ناوياً معناه ، أو غافلاً عن هذه النّيّة ، مريداً أثره أو غافلاً عن هذه الإرادة يقال له جادّ ، فإن أراد تجريد اللّفظ عن أثره من غير تأويلٍ ولا إكراهٍ ، فنطق به لعباً أو مزاحاً كان هازلاً ، والهزل لا أثر له في التّصرّفات القوليّة الصّريحة الّتي لا تحتمل الفسخ ، فمن حلف بصيغةٍ صريحةٍ لاعباً أو مازحاً انعقدت يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث جدّهنّ جدّ ، وهزلهنّ جدّ : النّكاح والطّلاق والرّجعة » .
ويقاس على ما في الحديث سائر التّصرّفات الصّريحة الّتي لا تحتمل الفسخ ، ومنها صيغة اليمين الصّريحة ، وأمّا الكناية فمعلوم أنّه يشترط فيها النّيّة ، ومعلوم أنّ الهازل لا نيّة له .
قصد المعنى والعلم به :
56 - صرّح الشّافعيّة بأنّ الألفاظ الصّريحة يشترط فيها : العلم بالمعنى ، والكناية يشترط فيها : قصد المعنى ، ذكروا هذا في الطّلاق وليس خاصّاً به كما هو ظاهر ، فيؤخذ منه أنّه يشترط في اليمين إذا كانت بلفظٍ صريحٍ : أن يعلم المتكلّم بمعناها ، فلو حلف أعجميّ بلفظٍ عربيٍّ صريحٍ كواللّه لأصومنّ غداً ، بناءً على تلقين إنسانٍ له ، من غير أن يعلم معناه لم ينعقد . ولو قال إنسان : أشهد باللّه لأفعلنّ كذا لم ينعقد إلاّ إذا قصد معنى اليمين ، لأنّه كناية عند الشّافعيّة كما سبق .
واشتراط النّيّة في الكناية لا يختلف فيه أحد . وأمّا العلم بالمعنى فقد صرّح الحنفيّة بعدم اشتراطه في الطّلاق بالنّسبة للقضاء ، ومقتضاه أنّهم يشترطونه في اليمين الصّريحة ديانةً ، لأنّه مصدّق فيما بينه وبين اللّه تعالى .
أثر التّأويل في اليمين :
57 - صرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ التّأويل الّذي تنقطع به جملة اليمين عن جملة المحلوف عليه يقبل ، وعبارة المالكيّة : لو قال أردت بقولي : ( باللّه ) وثقت أو اعتصمت باللّه ، ثمّ ابتدأت قولي : لأفعلنّ ، ولم أقصد اليمين صدّق ديانةً بلا يمينٍ .
وعبارة الشّافعيّة : إذا قال : واللّه لأفعلنّ كذا ، ثمّ قال : أردت واللّه المستعان ، أو قال : باللّه وقال : أردت وثقت أو استعنت باللّه ، ثمّ استأنفت فقلت : لأفعلنّ كذا من غير قسمٍ يقبل ظاهراً وباطناً . وإذا تأوّل نحو هذا التّأويل في الطّلاق والإيلاء لا يقبل ظاهراً لتعلّق حقّ الغير به . وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ التّأويل لا يختصّ بهذه المذاهب ، فالمتصفّح لكتب المذاهب الأخرى يجد تأويلاتٍ مقبولةً عندهم ، ولا شكّ أنّ التّأويل إنّما يقبل إذا لم يكن هناك مستحلف ذو حقٍّ ، وكان التّأويل غير خارجٍ عمّا يحتمله اللّفظ .
ثانياً :
الشّرائط الّتي ترجع إلى المحلوف عليه
يشترط في انعقاد اليمين باللّه وبقائها منعقدةً أربع شرائط ترجع إلى المحلوف عليه ، وهو مضمون الجملة الثّانية الّتي تسمّى جواب القسم .
58 - الشّريطة الأولى : أن يكون المحلوف عليه أمراً مستقبلاً .
وهذه شريطة لانعقاد اليمين باللّه تعالى عند الحنفيّة والحنابلة ، خلافاً للشّافعيّة الّذين يقولون بانعقاد اليمين الغموس على ماضٍ وحاضرٍ ، كقوله : واللّه لا أموت ، ومستقبلٍ كقوله : واللّه لأصعدنّ السّماء . وللمالكيّة الّذين يقولون بانعقاد الغموس على حاضرٍ ومستقبلٍ . وممّا ينبغي التّنبّه له أنّ الحنابلة يشترطون الاستقبال في كلّ ما فيه كفّارة ، كالحلف بتعليق الكفر أو القربة أو الظّهار بخلاف الطّلاق والعتاق .
59 - الشّريطة الثّانية : أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود حقيقةً عند الحلف - أي ليس مستحيلاً عقلاً - وهذه شريطة لانعقاد اليمين باللّه عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر . ووجه اشتراطها : أنّ اليمين إنّما تنعقد لتحقيق البرّ ، فإنّ من أخبر بخبرٍ أو وعد بوعدٍ يؤكّده باليمين لتحقيق الصّدق ، فكان المقصود هو البرّ ، ثمّ تجب الكفّارة ونحوها خلفاً عنه ، فإذا لم يتصوّر الأصل - وهو البرّ - لم يوجد الخلف - وهو الكفّارة - فلا تنعقد اليمين . ولم يشترط أبو يوسف هذه الشّريطة لأنّه لا يلزم من استحالة الأصل عقلاً عدم الخلف . ومفهوم هذه الشّريطة : أنّ المحلوف عليه إذا كان يستحيل وجوده عقلاً عند الحلف ، لم تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر .
لكنّ هذا المفهوم ليس على إطلاقه ، بل فيه تفصيل يعلم من الكلام على المثال الآتي :
إذا قال إنسان : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، أو قال : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم ، وكان الكوز خالياً من الماء عند الحلف ، فالشّرب الّذي هو المحلوف عليه مستحيل وجوده عند الحلف عقلاً ، فلا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر إن كان الحالف عند حلفه لا يعلم خلوّ الكوز من الماء ، وأمّا إن كان يعلم ذلك فاليمين منعقدة عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وأبي يوسف وغير منعقدةٍ عند زفر ، وهي رواية عن أبي حنيفة .
هذا ما أفاده صاحب البدائع . وقال الحنابلة في هذه المسألة : تنعقد وعليه الكفّارة في الحال. 60 - الشّريطة الثّالثة : أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود حقيقةً بعد الحلف ، إن كانت اليمين مقيّدةً بوقتٍ مخصوصٍ .
وهذه الشّريطة إنّما تشترط لبقاء اليمين باللّه منعقدةً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وزفر ، فلو لم توجد هذه الشّريطة بطلت اليمين بعد انعقادها ، وخالف أبو يوسف في هذه الشّريطة أيضاً . وتوجيه الاشتراط وعدمه كما في الشّريطة الثّانية ، ومفهوم هذه الشّريطة يتّضح بالمثال الآتي : إذا قال إنسان واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم أو قال واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، ولم يقيّده بوقتٍ ، وكان في الكوز ماء وقت الحلف ، فصبّه الحالف أو صبّه غيره أو انصبّ بنفسه في النّهار . ففي صورة التّقييد باليوم تبطل بعد انعقادها ، لأنّ الشّرب المحلوف عليه صار مستحيلاً بعد الحلف في الوقت الّذي قيّد به ، وفي صورة الإطلاق تبقى منعقدةً ، فيحنث بالصّبّ أو الانصباب ، وتجب عليه الكفّارة .
61 - الشّريطة الرّابعة : أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود عادةً عند الحلف - أي ليس مستحيلاً عادةً - وهذه شريطة لانعقاد اليمين باللّه عند زفر ، خلافاً لأبي حنيفة ومحمّدٍ وأبي يوسف . فلو قال واللّه لأصعدنّ السّماء ، أو : واللّه لأمسّنّ السّماء ، أو : واللّه لأحوّلنّ هذا الحجر ذهباً ، لم تنعقد اليمين عند زفر ، سواء أقيّدها بوقتٍ مخصوصٍ كأن قال : اليوم أو غداً ، أو لم يقيّدها ، وقال أبو حنيفة ومحمّد : إنّها تنعقد ، لأنّ المحلوف عليه جائز عقلاً ، وقال أبو يوسف : إنّها تنعقد أيضاً ، لأنّ المحلوف عليه أمر مستقبل .
وتوجيه قول زفر : أنّ المستحيل عادةً يلحق بالمستحيل حقيقةً ، فإذا لم تنعقد اليمين في الثّاني لم تنعقد في الأوّل .
وتوجيه قول أبي حنيفة ومحمّدٍ : أنّ الحكم بالانعقاد في هذه الصّورة فيه اعتبار الحقيقة ، والحكم بعدم الانعقاد فيه اعتبار العادة ، ولا شكّ أنّ اعتبار الحقيقة أولى .
وتوجيه قول أبي يوسف : أنّ الحالف جعل الفعل شرطاً للبرّ ، فيكون عدمه موجباً للحنث ، سواء أكان ذلك الفعل ممكناً عقلاً وعادةً ، كقوله : واللّه لأقرأنّ هذا الكتاب ، أم مستحيلاً عقلاً وعادةً كقوله : واللّه لأشربنّ ماء هذا الكوز ، ولا ماء فيه أم مستحيلاً عادةً لا عقلاً كقوله : واللّه لأحوّلنّ هذا الحجر ذهباً .
الحلف على فعل غير الحالف :
62 - المذهب عند الحنابلة أنّ من حلف على غيره وهو غائب : واللّه ليفعلنّ كذا ، أو على حاضرٍ : واللّه لتفعلنّ كذا ، فلم يطعه ، حنث الحالف والكفّارة عليه ، لا على من أحنثه .
وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيميّة بين الحلف على من يظنّ أنّه يطيعه ، والحلف على من لا يظنّه كذلك . فقال : من حلف على غيره يظنّ أنّه يطيعه فلم يفعل ، فلا كفّارة لأنّه لغو ، بخلاف من حلف على غيره في غير هذه الحالة ، فإنّه إذا لم يطعه حنث الحالف ووجبت الكفّارة عليه .
ثالثاً :
شرائط ترجع إلى الصّيغة
63 - يشترط لانعقاد اليمين باللّه تعالى شريطتان ترجعان إلى صيغتها .
الأولى : عدم الفصل بين المحلوف به والمحلوف عليه بسكوتٍ ونحوه ، فلو أخذه الوالي وقال : قل : باللّه ، فقال مثله ، ثمّ قال : لآتينّ يوم الجمعة فقال الرّجل مثله ، لا يحنث بعدم إتيانه ، للفصل بانتظار ما يقول ، ولو قال : عليّ عهد اللّه ورسوله لا أفعل كذا ، لا يصحّ ، للفصل بما ليس يميناً ، وهو قوله : وعهد رسوله .
الثّانية : خلوّها عن الاستثناء ، والمقصود به التّعليق بمشيئة اللّه أو استثناؤها ، أو نحو ذلك ممّا لا يتصوّر معه الحنث ، نحو أن يقول الحالف : إن شاء اللّه تعالى ، أو إلاّ أن يشاء اللّه ، أو ما شاء اللّه ، أو إلاّ أن يبدو لي غير هذا ، إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي سيأتي بيانها ، فإن أتى بشيءٍ من ذلك بشرائطه لم تنعقد اليمين .
صيغة اليمين التّعليقيّة :
64 - التّعليق في اللّغة : مصدر علّق الشّيء بالشّيء وعليه : أنشبه فيه ووضعه عليه وجعله مستمسكاً .
وفي الاصطلاح : ربط حصول مضمون جملةٍ بحصول مضمون جملةٍ أخرى ، والجملة الّتي ربط مضمونها هي جملة الجزاء ، والّتي ربط هذا المضمون بمضمونها هي جملة الشّرط . ففي مثل : إن دخلت الدّار فأنت طالق ، ربط المتكلّم حصول مضمون الجزاء - وهو الطّلاق - بحصول مضمون الشّرط - وهو دخولها الدّار - ووقفه عليه ، فلا يقع إلاّ بوقوعه . وليس كلّ تعليقٍ يميناً ، وإنّما اليمين حقيقةً أو مجازاً تعليقات مخصوصة تذكر فيما يأتي .
أ - أجزاء الصّيغة :
65 - معلوم أنّه لو قال إنسان : إن فعلت كذا فامرأتي طالق مثلاً ، فهذه صيغة تعليقٍ تحتوي على : أداة شرطٍ ، فجملةٍ شرطيّةٍ ، فجملةٍ جزائيّةٍ .
والحديث عن هذه الثّلاثة كما يلي :
أداة الشّرط :
66 - ذكر أهل النّحو واللّغة أدواتٍ كثيرةً للشّرط منها " إن " - بكسر الهمزة - وقد تزاد بعدها : ما ، كما في قوله تعالى : { فَإمّا نُريَنَّكَ بعضَ الّذي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فإلينا يُرْجعون } ومنها " إذا " وقد تزاد بعدها : ما ، ومنها " من " " وما " " ومهما " " وحيثما " " وكيفما " . " ومتى " وقد تزاد بعدها : ما ، وأين وقد تزاد بعدها : ما أيضاً .
67 - وقد يقوم مقام هذه الأدوات أدوات أخرى وإن لم تعدّ في اللّغة من أدوات التّعليق ، ومنها : كلّ وكلّما وباء الجرّ .
جملة الشّرط :
68 - جملة الشّرط هي الّتي تدخل عليها أداة الشّرط ، وهي جملة فعليّة ماضويّة أو مضارعيّة ، وهي للاستقبال في الحالتين ، فإن أراد المتكلّم التّعليق على أمرٍ مضى أدخل على الفعل جملة الكون . وإيضاح ذلك أنّ قول القائل : إن خرجت ، أو : إن تخرجي يفيد التّعليق على خروجٍ في المستقبل . فإذا اختلف الرّجل مع امرأته ، فادّعى أنّها خرجت بالأمس ، فقالت : لم أخرج ، فأراد تعليق طلاقها على هذا الخروج الماضي ، فإنّه يأتي بفعل الكون فيقول : إن كنت خرجت بالأمس فأنت طالق .
جملة الجزاء :
69 - هي الجملة الّتي يأتي بها المتكلّم عقب جملة الشّرط ، جاعلاً مضمونها متوقّفاً على مضمون جملة الشّرط ، وقد يأتي الجزاء قبل جملة الشّرط والأداة ، وفي هذه الحالة تكون جزاءً مقدّماً عند بعض النّحاة ، ودليل الجزاء عند بعضهم ، والجزاء عند هؤلاء يكون مقدّراً بعد الشّرط .
ب - أقسام اليمين التّعليقيّة :
70 - قسّم صاحب البدائع اليمين إلى يمينٍ باللّه ويمينٍ بغيره . وفي أثناء كلامه على اليمين باللّه ألحق بها تعليق الكفر ، ثمّ قسّم اليمين بغير اللّه إلى ما كانت بحرف القسم كالحلف بالأنبياء وغيرهم ، وما كان بالتّعليق ، وحصر التّعليق في الطّلاق والعتاق والتزام القربة . وبهذا تبيّن أنّ التّعليقات الّتي تعتبر أيماناً عند الحنفيّة محصورة في أربعةٍ ، وهي : تعليق الطّلاق ، وتعليق العتاق ، وتعليق التزام القربة ، وتعليق الكفر ، وإنّما أفرد تعليق الكفر . عن التّعليقات الثّلاثة لمخالفته إيّاها في الحكم ، فإنّ حكمها عند الحنفيّة تحقّق الجزاء ، إن كانت طلاقاً أو عتقاً ، والتّخيير بين الجزاء وكفّارة اليمين إن كان الجزاء التزام قربةٍ ، بخلاف تعليق الكفر ، فليس حكمه تحقّق الجزاء وهو الكفر عند تحقّق الشّرط ، بل حكمه عندهم هو الكفّارة كاليمين باللّه تعالى . وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميّة وإعلام الموقّعين لابن القيّم ما يفيد : أنّ تعليق الظّهار وتعليق الحرام كلاهما يمين .
وبهذا تكون التّعليقات الّتي تسمّى عند بعض الفقهاء أيماناً منحصرة في هذه السّتّة .
تعليق الطّلاق :
71 - قال الحنفيّة : تعليق الطّلاق يعتبر يميناً ، سواء أكان المقصود به الحثّ ، نحو : إن لم تدخلي الدّار فأنت طالق ، أو المنع نحو : إن دخلت الدّار فأنت طالق ، أو تحقيق الخبر نحو : إن لم يكن الأمر كما قلته ففلانة طالق : أو غير ذلك نحو : إذا جاء الغد فأنت طالق . وهذه الصّورة الأخيرة محلّ نزاعٍ بين هؤلاء وبين من يوافقهم في تسمية تعليق الطّلاق يميناً كالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فهم لا يسمّونه يميناً ، لأنّه لا يقصد به ما يقصد باليمين من تأكيد الحثّ والمنع والخبر ، فإنّ مجيء الغد ليس داخلاً في مقدوره ، ولا مقدورها فهما لا يستطيعان منعه .
72 - وقد اختلف الفقهاء في تعليق الطّلاق عند تحقّق شرائط الطّلاق الشّرعيّة من ناحيتين أولاهما : أنّه يقع عند وقوع ما علّق عليه أو لا يقع .
ثانيتهما : أنّه يسمّى يميناً أو لا يسمّى .
أمّا النّاحية الأولى فخلاصتها أنّ للفقهاء في وقوع الطّلاق المعلّق وعدم وقوعه قولين : القول الأوّل : أنّه يقع إذا تحقّق ما علّق عليه ، سواء أكان جارياً مجرى اليمين أم لا ، وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
القول الثّاني : التّفرقة بين ما جرى مجرى اليمين وما لم يجر مجراه .
فالأوّل لا يقع وإن وقع ما علّق عليه ، والثّاني يقع عند وقوع ما علّق عليه ، وهذا رأي ابن تيميّة وابن القيّم جمعاً بين ما روي عن الصّحابة من الوقوع وعدمه .
وهل تجب كفّارة اليمين فيما جرى مجرى اليمين أو لا تجب ؟
اختار ابن تيميّة وابن القيّم وجوب الكفّارة ، لأنّها يمين منعقدة يشملها قوله تعالى : { ولكنْ يؤاخذُكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ } ولتفصيل ذلك ( ر : طلاق ) .
وأمّا النّاحية الثّانية فخلاصتها : أنّ من قال بالوقوع - وهم الجمهور - اختلفوا في تسميته يميناً ، فالحنفيّة يجعلونه يميناً متى كان تعليقاً محضاً ، وإن لم يقصد به ما يقصد باليمين كما تقدّم ، وكذا يقولون في تعليق العتق والتزام القربة .
والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يقولون جميعاً : إنّ تعليق الطّلاق يسمّى يميناً على الرّاجح عند أكثرهم ، ومن لم يسمّه يميناً منهم لا يخالف من يسمّيه يميناً إلاّ في التّسمية ، ولهذا لو حلف إنسان ألاّ يحلف ، ثمّ علّق طلاقاً على وجه اليمين ، حنث عند من يسمّي هذا التّعليق يميناً ، ولم يحنث عند من لا يسمّيه يميناً .
تعليق التزام القربة :
73 - قال الحنفيّة : تعليق التزام القربة يسمّى يميناً ، سواء أقصد به ما يقصد بالأيمان أم لا . فلو قال : إن كلّمت فلاناً ، أو : إن لم أكلّم فلاناً ، أو : إن لم يكن الأمر كما قلته فعليّ حجّة أو عمرة أو صيام أو صلاة ، فهذا كلّه يسمّى نذراً ، ويسمّى أيضاً يميناً ، وهو جارٍ مجرى اليمين ، فإنّه في المثال الأوّل : يؤكّد منع نفسه من تكليم فلانٍ .
وفي المثال الثّاني : يؤكّد حثّ نفسه على تكليمه .
وفي المثال الثّالث : يؤكّد الخبر الّذي يناقض مضمون الشّرط المعلّق عليه .
ولو قال : إذا جاء رمضان فعليّ عمرة فهو نذر أيضاً ، ويسمّى يميناً عند الحنفيّة .
74 - وقد اختلف الفقهاء في تعليق التزام القربة من ناحيتين :
أمّا النّاحية الأولى : فخلاصتها أنّ النّذر إمّا أن يكون جارياً مجرى اليمين أو لا .
فإن كان جارياً مجرى اليمين - ويسمّى نذر اللّجاج والغضب - ففيه ثلاثة أقوالٍ للفقهاء :
الأوّل : أنّ القائل يخيّر عند وقوع الشّرط بين الإتيان بما التزمه وبين كفّارة اليمين ، وهذا القول هو آخر القولين عند الإمام أبي حنيفة ، وهو الرّاجح عند الحنفيّة .
وهو أيضاً أرجح الأقوال عند الشّافعيّ . وبه قال أحمد .
وهو قول أكثر أهل العلم من أهل مكّة والمدينة والبصرة والكوفة وفقهاء الحديث .
الثّاني : أنّ القائل يلزمه عند وقوع الشّرط ما التزمه ، وهو قول مالكٍ وأحد أقوال الشّافعيّ. الثّالث : أنّ القائل يلزمه عند وقوع الشّرط كفّارة يمينٍ ، ويلغي ما التزمه ، وهذا أحد الأقوال للشّافعيّ . وإن لم يكن جارياً مجرى اليمين لزم الوفاء به بشرائط مخصوصةٍ فيها خلاف الفقهاء . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( نذر ) .
75 - أمّا النّاحية الثّانية : فخلاصتها أنّ النّذر المعلّق الّذي لا يجري مجرى اليمين يسمّيه الحنفيّة يميناً ، كما سمّوا الطّلاق المعلّق يميناً وإن لم يقصد به ما قصد بالأيمان ، وأمّا غير الحنفيّة فلم نعثر على أنّ أحداً منهم سمّى ما لم يجر مجرى الأيمان يميناً ، وما جرى مجرى الأيمان - وهو اللّجاج يسمّى - يميناً عند من قال بوجوب الكفّارة أو بالتّخيير بين ما التزمه وبين ، الكفّارة . والقائلون بوجوب ما التزمه مختلفون : فمنهم من يسمّيه يميناً كابن عرفة من المالكيّة ، ومنهم من لا يسمّيه يميناً .
تعليق الكفر :
76 - قال الحنفيّة : إنّ تعليق الكفر على ما لا يريده الإنسان بقصد تأكيد المنع منه أو الحثّ على نقيضه أو الإخبار بنقيضه يعتبر يميناً شرعيّةً ملحقةً باليمين باللّه تعالى .
وهذا الّذي قاله الحنفيّة يروى عن عطاءٍ وطاوسٍ والحسن والشّعبيّ والثّوريّ والأوزاعيّ وإسحاق ، ويروى أيضاً عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه . حكى ذلك كلّه ابن قدامة في المغني ، وحكاه ابن تيميّة في فتاويه عن أكثر أهل العلم ، وهو إحدى روايتين عن أحمد ، وهي الرّواية الرّاجحة عند أكثر الحنابلة .
وقال المالكيّة والشّافعيّة : إنّه ليس بيمينٍ . ووافقهم أحمد في إحدى الرّوايتين .
وهو أيضاً قول اللّيث وأبي ثورٍ وابن المنذر ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما وأبي هريرة رضي الله عنه وعطاءٍ وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار .
وهذه الحكاية تخالف حكاية صاحب المغني عن عطاءٍ فلعلّ له قولين ، وكذا حكايته عن جمهور فقهاء الأمصار تختلف عن حكاية ابن تيميّة القول الأوّل عن أكثر أهل العلم .
رد مع اقتباس