و- أيمان المسلمين :
18 - جاء في كتب المالكيّة : أنّ هذه العبارة تشمل ستّة أشياء ، وهي : اليمين باللّه تعالى ، والطّلاق الباتّ لجميع الزّوجات ، وعتق من يملك من العبيد والإماء ، والتّصدّق بثلث المال ، والمشي بحجٍّ ، وصوم عامٍ . وهذا الشّمول للسّتّة إنّما يكون عند تعارف الحلف بها ، فإن تعورف الحلف ببعضها لم تشمل ما سواه .
وذهب الشّافعيّة إلى تحريم تحليف القاضي بالطّلاق أو العتاق أو النّذر . قال الشّافعيّ : ومتى بلغ الإمام أنّ قاضياً يستحلف النّاس بطلاقٍ أو عتقٍ أو نذرٍ عزله عن الحكم ، لأنّه جاهل . وقال الحنابلة : يلزم بالحلف بأيمان المسلمين ظهارٍ وطلاقٍ وعتاقٍ ونذرٍ ويمينٍ باللّه تعالى مع النّيّة . كما لو حلف بكلٍّ منها على انفرادٍ .
ولو حلف بأيمان المسلمين على نيّة بعض ما ذكر تقيّد حلفه به ، ولو حلف بها وأطلق بأن لم ينو كلّها ولا بعضها لم يلزمه شيء ، لأنّه لم ينو بلفظه ما يحتمله فلم تكن يميناً .
ي - أيمان الإثبات والإنكار :
19 - يذكر الفقهاء في مبحث الدّعوى أيماناً للإثبات والإنكار .
منها : اليمين المنضمّة ، ويصحّ تسميتها باليمين المتمّمة ، وهي الّتي تضمّ إلى شهادة شاهدٍ واحدٍ ، أو شهادة امرأتين لإثبات الحقوق الماليّة .
ومنها : يمين المنكر بكسر الكاف ، أو يمين المدّعى عليه ، وصورتها : أن يدّعي إنسان على غيره بشيءٍ ، ولا يجد بيّنةً ، فيبيّن له القاضي أنّ له الحقّ في طلب اليمين من المدّعى عليه ما دام منكراً ، فيأمره القاضي أن يحلف ، فإذا حلف سقطت الدّعوى .
ومنها : يمين الرّدّ ، وصورتها : أن يمتنع المدّعى عليه في الحالة السّابق ذكرها عن اليمين ، فيردّها القاضي على المدّعي ، فيحلف على دعواه ، ويستحقّ ما ادّعاه .
ومنها : يمين الاستظهار ، وصورتها : أن يترك الميّت أموالاً في أيدي الورثة ، فيدّعي إنسان حقّاً على هذا الميّت ، فعند بعض الفقهاء لا تثبت الدّعوى في مواجهة الورثة بالبيّنة فقط ، بل لا بدّ من ضمّ اليمين من المدّعي ، وقد تجب يمين الاستظهار في مسائل أخرى . ولبيان كلّ ما سبق تفصيلاً ( ر : إثبات ودعوى ) .
إنشاء اليمين وشرائطها
20 - تقدّم أنّ اليمين تنقسم من حيث صيغتها إلى قسمٍ وتعليقٍ ، ومن هنا حسن تقسيم الكلام إلى قسمين .
إنشاء القسم وشرائطه
21 - معلوم أنّ الإنسان إذا قال : أقسم باللّه لأفعلنّ كذا، فهذه الصّيغة تحتوي على جملتين ، أولاهما : الجملة المكوّنة من فعل القسم وفاعله الضّمير ، وحرف القسم وهو الباء ، والمقسم به وهو مدخول الباء .
وثانيتهما : الجملة المقسم عليها . وتفصيل الكلام على الوجه الآتي .
أ - فعل القسم :
22 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ فعل القسم إذا ذكر بصيغة المضارع أو الماضي ، كأقسمت أو حلفت ، أو حذف وذكر مكانه المصدر نحو : قسماً أو حلفاً باللّه ، أو لم يذكر نحو : اللّه أو باللّه كان ذلك كلّه يميناً عند الإطلاق .
وعند المالكيّة إذا قال : أحلف أو أقسم أو أشهد أو أعزم ، وقال بعد كلّ واحدٍ منها : باللّه ، فهي يمين . وقول القائل : عزمت عليك باللّه ليس بيمينٍ ، بخلاف : عزمت باللّه ، أو : أعزم باللّه كما تقدّم .
والفرق هو أنّ التّصريح بكلمة ( عليك ) جعله غير يمينٍ بخلاف ( أقسم ) فإنّها إذا زيد بعدها كلمة عليك لم تخرجها عن كونها يميناً ، لأنّ ( أقسم ) صريح في اليمين .
وقول الشّخص : يعلم اللّه ، ليس بيمينٍ ، فإن كان كاذباً فعليه إثم الكذب ، ولا يكون كافراً بذلك ، ولا بقوله : أشهد اللّه ، إلاّ إن قصد أنّه عزّ وجلّ يخفى عليه الواقع ، ولا يكون القسم أيضاً بقوله : اللّه راعٍ ، أو حفيظ ، أو حاشا للّه ، أو معاذ اللّه .
وقال الشّافعيّة : من قال لغيره : آليت ، أو أقسمت ، أو أقسم عليك باللّه ، أو أسألك باللّه لتفعلنّ كذا ، أو لا تفعل كذا ، أو قال : باللّه لتفعلنّ كذا ، أو لا تفعل كذا ، فإمّا أن يريد يمين نفسه أولاً : فإن أراد يمين نفسه فيمين ، لصلاحيّة اللّفظ لها مع اشتهاره على ألسنة حملة الشّرع .
وإن لم يرد يمين نفسه ، بل أراد الشّفاعة ، أو يمين المخاطب ، أو أطلق لم تكن يميناً .
فإن قال : واللّه ، أو حلفت عليك باللّه كان يميناً عند الإطلاق ، لعدم اشتهاره في الشّفاعة أو يمين المخاطب . وإن قال : آليت ، أو أقسمت ، أو أقسم باللّه ، ولم يقل : عليك كان يميناً عند الإطلاق أيضاً .
وقال الحنابلة : إذا قال أقسمت ، أو أقسم ، أو شهدت ، أو أشهد ، أو حلفت ، أو أحلف ، أو عزمت ، أو أعزم ، أو آليت ، أو أولي ، أو قسماً ، أو حلفاً ، أو أليةً ، أو شهادةً ، أو يميناً ، أو عزيمةً ، وأتبع كلّاً من هذه الألفاظ بقوله ( باللّه ) مثلاً كانت يميناً ، سواء أنوى بها إنشاء اليمين أم أطلق ، فإن نوى بالفعل الماضي إخباراً عن يمينٍ مضت ، أو بالمضارع وعداً بيمينٍ مستقبلةٍ ، أو نوى بقوله : عزمت وأعزم وعزيمةً : قصدت أو أقصد أو قصداً ، لم يكن يميناً يقبل منه ذلك .
23 - وليس من اليمين قوله : أستعين باللّه ، وأعتصم باللّه ، وأتوكّل على اللّه ، وعلم اللّه ، وعزّ اللّه ، وتبارك اللّه ، والحمد للّه ، وسبحان اللّه ، ونحو ذلك ولو نوى اليمين ، لأنّها لا تحتمل اليمين شرعاً ولا لغةً ولا عرفاً .
ولو قال : أسألك باللّه لتفعلنّ لم تكن الصّيغة يميناً إنّ أطلق أو قصد السّؤال أو الإكرام أو التّودّد ، بخلاف ما لو قصد اليمين فإنّها تكون يميناً .
ب - حروف القسم :
24 - هي : الباء والواو والتّاء . أمّا الباء فهي الأصل ، ولهذا يجوز أن يذكر قبلها فعل القسم ، وأن يحذف ، ويجوز أن تدخل على الظّاهر والمضمر ، نحو : أقسم بك يا ربّ لأفعلنّ كذا . وتليها الواو ، وهي تدخل على الظّاهر فقط ، ويحذف معها فعل القسم وجوباً . وتليها التّاء ، ولا تدخل إلاّ على لفظ الجلالة ، كما في قوله تعالى حكايةٍ عن نبيّه إبراهيم عليه السلام { وتَاللّهِ لَأَكيدنّ أصنامَكم } وربّما دخلت على ( ربّ ) نحو : تربّي ، وتربّ الكعبة ، ويجب معها حذف فعل القسم أيضاً .
وإذا وجب حذف الفعل وجب حذف المصادر أيضاً ، نحو قسماً .
ويقوم مقام باء القسم حروف أخرى ، وهي الهاء والهمزة واللّام .
أمّا الهاء فمثالها : ها اللّه ، بفتح الهاء ممدودةً ومقصورةً مع قطع همزة لفظ الجلالة ووصلها ، وإذا وصلت حذفت .
وأمّا الهمزة فمثالها : آللّه ، ممدودةً ومقصورةً مع وصل همزة لفظ الجلالة ، وذلك بأن تحذف . وأمّا اللّام ، فقد أفاد صاحب البدائع : أنّ من قال ( للّه ) فاللّام الجرّ بدل الباء كانت صيغته يميناً . ولا تستعمل اللّام إلاّ في قسمٍ متضمّنٍ معنى التّعجّب ، كقول ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما : دخل آدم الجنّة فللّه ما غربت الشّمس حتّى خرج .
وفي مغني اللّبيب والقاموس وشرحه ما يفيد أنّ اللّام تستعمل للقسم والتّعجّب معاً ، وتختصّ بلفظ الجلالة . هذا ما قاله الحنفيّة ونحوه بقيّة المذاهب .
حذف حرف القسم :
25 - إن لم يذكر الحالف شيئاً من أحرف القسم ، بل قال : اللّه لأفعلنّ كذا مثلاً ، كان يميناً بغير حاجةٍ إلى النّيّة سواء أكسر الهاء على سبيل الجرّ بالحرف المحذوف ، أم فتحها على سبيل نزع الخافض ، أم ضمّها على سبيل الرّفع بالابتداء ، ويكون الخبر محذوفاً وتقديره : قسمي أو أقسم به ، أم سكّنها إجراءً للوصل مجرى الوقف .
وبقاء الجرّ عند حذف الحرف خاصّ بلفظ الجلالة ، فلا يجوز في العربيّة أن يقال : الرّحمن لأفعلنّ كذا بكسر النّون . كذا قيل . لكن الرّاجح أنّه يجوز وإن كان قليلاً ، وأيّاً ما كان فاللّحن لا يمنع انعقاد اليمين . هذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة .
وقال الشّافعيّة : لو قال : اللّه ، بحذف حرف القسم . لم يكن يميناً إلاّ بالنّيّة ، سواء جرّ الاسم أم نصبه أم رفعه أم سكنّه .
وقال الحنابلة : يصحّ قسم بغير حروفه ، نحو : اللّه لأفعلنّ ، جرّاً ونصباً .
فإن رفع فيمين أيضاً إلاّ إذا كان الرّافع يعرف العربيّة ولم ينو اليمين ، فلا يكون يميناً لأنّه إمّا مبتدأ أو معطوف بخلاف من لا يعرف العربيّة ، فلو رفع كان يميناً لأنّ اللّحن لا يضرّ .
ج - اللّفظ الدّالّ على المقسم به :
26 - اللّفظ الدّالّ على المقسم به : هو ما دخل عليه حرف القسم ، بشرط أن يكون اسماً للّه تعالى أو صفةً له .
والمقصود بالاسم : ما دلّ على الذّات المتّصفة بجميع صفات الكمال ، وهو لفظ الجلالة ( اللّه ) وكذلك ترجمته بجميع اللّغات ، أو على الذّات المتّصفة بصفةٍ من صفاته تعالى ، سواء أكان مختصّاً به كالرّحمن ، وربّ العالمين ، وخالق السّموات والأرض ، والأوّل بلا بدايةٍ ، والآخر بلا نهايةٍ ، والّذي نفسي بيده ، والّذي بعث الأنبياء بالحقّ ، ومالك يوم الدّين . أم كان مشتركاً بينه وبين غيره كالرّحيم والعظيم والقادر والرّبّ والمولى والرّازق والخالق والقويّ والسّيّد ، فهذه الأسماء قد تطلق على غيره تعالى ، قال تعالى في وصف الرّسول صلى الله عليه وسلم { بالمؤمنين رَءوفٌ رحيمٌ } وقال عزّ وجلّ في حكاية ما قاله الهدهد لسليمان عليه السلام وصفاً لملكة سبأٍ { ولها عرْشٌ عظيم } . وقال سبحانه في وصف أهل الحديقة الّذين عزموا على البخل بثمرها { وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرين } ومعنى الحرد : المنع ، والمراد منع المساكين ، وقال تعالى حكايةً عن قول يوسف عليه السلام لأحد صاحبيه في السّجن : { اذكرني عند ربّك } وقال عزّ وجلّ مخاطباً لزوجين من أزواج الرّسول صلى الله عليه وسلم { وإنْ تَظَاهرا عليه فإنّ اللّهَ هو مولاه وجبريلُ وصالحُ المؤمنين } وقال جلّ شأنه مخاطباً لمن يقسمون الميراث { وإذا حَضَر القِسْمة أولو القربى واليتامى والمساكينُ فارزقوهم منه } وقال سبحانه مخاطباً لعيسى عليه السلام { وإذْ تَخْلُقُ من الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيرِ بإِذني } ، وقال تعالى حكايةً عن قول إحدى المرأتين لأبيها عن موسى عليه السلام { إنّ خيرَ من استأجرتَ القويُّ الأمينُ } وقال سبحانه وتعالى : { وأَلْفَيَا سيِّدَها لَدَى الباب } 27 - والمقصود بالصّفة : اللّفظ الدّالّ على معنًى تصحّ نسبته إلى اللّه تعالى ، سواء كان صفة ذاتٍ أم صفة فعلٍ .
وصفة الذّات هي : الّتي يتّصف سبحانه وتعالى بها لا بضدّها كوجوده .
وصفة الفعل هي : الّتي يتّصف اللّه عزّ وجلّ بها وبضدّها باعتبار ما تتعلّق به ، كرحمته وعذابه .
28 - ولا تنعقد اليمين بكلّ اسمٍ له تعالى أو صفةٍ له على الإطلاق ، بل ذلك مقيّد بشرائط مفصّلةٍ تختلف فيها المذاهب .
فالحنفيّة لهم في ذلك أقوال ، أرجحها : أنّ الاسم يجوز الإقسام به ، سواء أكان مختصّاً أم مشتركاً ، وسواء أكان الحلف به متعارفاً أم لا ، وسواء أنوى به اللّه تعالى أم لا .
لكن لو نوى بالاسم المشترك غير اللّه لم يكن يميناً ، وإذا كان الاسم غير واردٍ في الكتاب أو السّنّة لم يكن يميناً إلاّ إذا تعورف الحلف به ، أو نوى به اللّه تعالى . وأمّا الصّفة فلا يصحّ الإقسام بها إلاّ إذا كانت مختصّةً بصفته تعالى ، سواء أكان الحلف بها متعارفاً أم لا ، أو كانت مشتركةً بين صفته تعالى وغيرها وتعورف الحلف بها ، وسواء في الصّفة كونها صفة ذاتٍ وكونها صفة فعلٍ .
وقال المالكيّة : تنعقد اليمين باسم اللّه تعالى وصفته الذّاتيّة المختصّة . وأمّا المشتركة فإنّ اليمين تنعقد بها ما لم يرد بها غير صفته تعالى . وأمّا صفة الفعل ففي الانعقاد بها خلاف . وقال الشّافعيّة والحنابلة : تنعقد اليمين باسم اللّه تعالى المختصّ به إن أراد اللّه تعالى أو أطلق ، فإن أراد غيره لم يقبل ظاهراً ولا باطناً عندهم .
وتنعقد أيضاً باسمه الّذي يغلب إطلاقه عليه ، ولا يطلق على غيره إلاّ مقيّداً كالرّبّ ، وهذا إن أراد اللّه تعالى أو أطلق ، فإن أراد غيره قبل ظاهراً وباطناً عندهم جميعاً .
وتنعقد أيضاً بالاسم المشترك الّذي لا يغلب إطلاقه على اللّه تعالى كالحيّ والسّميع ، وكذا باللّفظ الّذي يشمله وإن لم يكن اسماً له تعالى كالشّيء ، لكن يشترط في انعقادها بهذا النّوع أن يريد الحالف اللّه تعالى ، فإن أراد غيره أو أطلق لم تنعقد يمينه .
ولم يفصّل الحنابلة في ذلك ، بل قالوا : إنّ الصّفة المضافة تنعقد اليمين بها ، أمّا غير المضافة - كأن يقال : والعزّة - فلا تنعقد بها إلاّ بإرادة صفته تعالى .
29 - وأمّا الاسم الّذي لا يعدّ من أسمائه ، ولا يصحّ إطلاقه عليه فلا تنعقد به اليمين ، ولو أريد به اللّه تعالى ، ومثّل له الشّافعيّة بقول بعض العوّام ( والجناب الرّفيع ) فالجناب للإنسان فناء داره ، وهو مستحيل في حقّ اللّه تعالى ، والنّيّة لا تؤثّر مع الاستحالة . أمّا صفة الفعل ، فقد صرّح الشّافعيّة بعدم انعقاد اليمين بها ، وسكت الحنابلة عنها ، وأطلقوا انعقاد اليمين بصفته تعالى المضافة إليه ، وظاهر ذلك أنّها تنعقد عندهم بصفته الفعليّة .
الحلف بالقرآن والحقّ
أ - الحلف بالقرآن أو المصحف :
30 - المعتمد في مذهب الحنفيّة : أنّ الحلف بالقرآن يمين ، لأنّ القرآن كلام اللّه تعالى الّذي هو صفته الذّاتيّة ، وقد تعارف النّاس الحلف به ، والأيمان تبنى على العرف .
أمّا الحلف بالمصحف ، فإن قال الحالف : أقسم بما في هذا المصحف فإنّه يكون يميناً .
أمّا لو قال : أقسم بالمصحف ، فإنّه لا يكون يميناً ، لأنّ المصحف ليس صفةً للّه تعالى ، إذ هو الورق والجلد ، فإن أراد ما فيه كان يميناً للعرف .
وقال المالكيّة : ينعقد القسم بالقرآن وبالمصحف ، وبسورة البقرة أو غيرها ، وبآية الكرسيّ أو غيرها ، وبالتّوراة وبالإنجيل وبالزّبور ، لأنّ كلّ ذلك يرجع إلى كلامه تعالى الّذي هو صفة ذاتيّة ، لكن لو أراد بالمصحف النّقوش والورق لم يكن يميناً .
وقال الشّافعيّة : تنعقد اليمين بكتاب اللّه والتّوراة والإنجيل ما لم يرد الألفاظ ، وبالقرآن وبالمصحف ما لم يرد به ورقه وجلده ، لأنّه عند الإطلاق لا ينصرف عرفاً إلاّ لما فيه من القرآن . وقال الحنابلة : الحلف بكلام اللّه تعالى والمصحف والقرآن والتّوراة والإنجيل والزّبور يمين ، وكذا الحلف بسورةٍ أو آيةٍ .
ب - الحلف بالحقّ ، أو حقّ اللّه :
31 - لا شكّ أنّ الحقّ من أسمائه تعالى الواردة في الكتاب الكريم والسّنّة المطهّرة ، غير أنّه ليس من الأسماء المختصّة به ، وقد مثّل به الشّافعيّة للأسماء الّتي تنصرف عند الإطلاق إلى اللّه تعالى ، ولا تنصرف إلى غيره إلاّ بالتّقييد ، فعلى هذا من قال : والحقّ لأفعلنّ كذا ، إن أراد اللّه تعالى أو أطلق كان يميناً بلا خلافٍ ، وإن أراد العدل أو أراد شيئاً ما من الحقوق الّتي تكون للإنسان على الإنسان قُبِلَ منه ذلك ظاهراً وباطناً .
32 - وأمّا ( حقّ ) المضاف إلى اللّه تعالى ، أو إلى اسمٍ أو صفةٍ من الأسماء والصّفات الّتي تنعقد اليمين بها ففيه خلاف .
فالحنفيّة نقلوا عن أبي حنيفة ومحمّدٍ وإحدى الرّوايتين عن أبي يوسف أنّ من قال : ( وحقّ اللّه ) يكن يميناً . ووجّهه صاحب البدائع بأنّ حقّه تعالى هو الطّاعات والعبادات ، فليس اسماً ولا صفةً للّه عزّ وجلّ . وعن أبي يوسف في روايةٍ أخرى أنّه يمين ، لأنّ الحقّ من صفاته تعالى ، وهو حقيقة ، فكأنّ الحالف قال : واللّه الحقّ ، والحلف به متعارف . واختار صاحب الاختيار هذه الرّواية ، وتبعه ابن نجيمٍ في البحر الرّائق .
وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : ينعقد القسم بحقّ اللّه ، ومرجعه إلى العظمة والألوهيّة ، فإن قصد الحالف به الحقّ الّذي على العباد من التّكاليف والعبادة فليس بيمينٍ .
حذف المقسم به
33 - إذا لم يذكر الحالف المقسم به بل قال : أقسم ، أو أحلف ، أو أشهد ، أو أعزم لأفعلنّ كذا ، أو آليت لا أفعل كذا كان يميناً عند أبي حنيفة وصاحبيه .
وقال المالكيّة : لو حذف الحالف قوله ( باللّه ) بعد قوله أحلف أو أقسم أو أشهد كان يميناً إن نواه - أي نوى الحلف باللّه - بخلاف ما لو حذفه بعد قوله أعزم فإنّه لا يكون يميناً وإن نواه .
والفرق بين هذا الفعل والأفعال الثّلاثة السّابقة ، أنّ العزم معناه الأصليّ القصد والاهتمام ، فلا يكون بمعنى القسم إلاّ إذا ذكر بعده المقسم به ، بأن يقول ( باللّه ) ، مثلاً ، بخلاف الأفعال الثّلاثة السّابقة ، فإنّها موضوعة للقسم فيكفي فيها أن ينوي المقسم به عند حذفه . وقال الشّافعيّة : لو حذف المتكلّم المحلوف به لم تكن الصّيغة يميناً ولو نوى اليمين باللّه ، سواء ذكر فعل القسم أم حذفه .
وقال الحنابلة : لو حذف الحالف قوله ( باللّه ) مثلاً بعد نطقه بالفعل أو الاسم الدّالّ على القسم ، نحو : قسماً ، لم تكن الصّيغة يميناً ، إلاّ إذا نوى الحلف باللّه .
اللّفظ الدّالّ على المقسم عليه
34 - اللّفظ الدّالّ على المقسم عليه هو الجملة الّتي يريد الحالف تحقيق مضمونها من إثباتٍ أو نفيٍ ، وتسمّى جواب القسم . ويجب في العربيّة تأكيد الإثبات باللّام مع نون التّوكيد إن كان الفعل مضارعاً ، وباللّام مع قد إن كان ماضياً . يقال : واللّه لأفعلنّ كذا ، أو لقد فعلت كذا . وأمّا النّفي فلا يؤكّد فيه الفعل ، بل يقال : واللّه لا أفعل كذا ، أو ما فعلت كذا . فإذا ورد فعل مضارع مثبت ليس فيه لام ولا نون توكيدٍ اعتبر منفيّاً بحرفٍ محذوفٍ ، كما في قوله تعالى : { تاللّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يوسفَ } أي : لا تفتأ .
وعلى هذا لو قال إنسان : واللّه أكلّم فلاناً اليوم ، كان حالفاً على نفي تكليمه ، فيحنث إذا كلّمه ، لأنّ الفعل لمّا لم يكن فيه لام ولا نون توكيدٍ قدّرت قبله ( لا ) النّافية .
هذا إذا لم يتعارف النّاس خلافه ، فإن تعارفوا أنّ مثل ذلك يكون إثباتاً ، كان حالفاً على الإثبات وإن كان خطأً في اللّغة العربيّة . هكذا يؤخذ من كتب الحنفيّة والحنابلة ، ولا نظنّ أنّه محلّ خلافٍ ، فإنّه من الوضوح بمكانٍ .
الصّيغ الخالية من أداة القسم والمقسم به
35 - قد يأتي الحالف بصيغٍ خاليةٍ من أداة القسم ومن اسم اللّه تعالى وصفته ، أو خاليةٍ من الأداة وحدها ، وتعتبر عند بعض الفقهاء أيماناً كاليمين باللّه تعالى .
أ - لَعَمْرُ اللّه :
36 - إذا قيل : لعمر اللّه لأفعلنّ كذا ، كان هذا قسماً مكوّناً من مبتدأٍ مذكورٍ وخبرٍ مقدّرٍ ، والتّقدير : لعمر اللّه قسمي ، أو يميني ، أو أحلف به . وهي في قوّة قولك : وعمر اللّه ، أي بقائه ، هذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة .
وقال الشّافعيّة : إنّ هذه الصّيغة كناية ، لأنّ العمر يطلق على الحياة والبقاء ، ويطلق أيضاً على الدّين وهو العبادات ، فيحتمل أن يكون معناه : وحياة اللّه وبقائه ، أو دينه ، فيكون يميناً على الاحتمالين الأوّلين دون الثّالث ، فلا بدّ من النّيّة .
ب - وأَيْمُن اللّه :
37 - جاء هذا الاسم في كتب الحنفيّة والمالكيّة وغيرهم مسبوقاً بالواو ، وظاهره أنّ الواو للقسم ، ويكون إقساماً ببركته تعالى أو قوّته ، وجاء في كتب الحنابلة مسبوقاً بالواو أيضاً مع تصريح بعضهم بأنّ نونه مضمومة وأنّه مبتدأ . ومعلوم أنّ الجملة قسم فقط ، فلا يترتّب عليها حكم إلاّ إذا جيء بعدها بجملة الجواب ، مثل لأفعلنّ كذا .
ج - عليَّ نذر ، أو نذر للّه :
38 - قال الحنفيّة : إذا قال قائل : عليّ نذر ، أو نذر اللّه لأفعلنّ كذا ، أو لا أفعل كذا ، كان ذلك يميناً ، فإذا لم يوفّ بما ذكره كان عليه كفّارة يمينٍ .
ولو قال : عليّ نذر ، أو نذر للّه ، ولم يزد على ذلك ، فإن نوى بالنّذر قربةً من حجٍّ أو عمرةٍ أو غيرهما لزمته ، وإن لم ينو شيئاً كان نذراً لكفّارة اليمين ، كأنّه قال : عليّ نذر للّه أن أؤدّي كفّارة يمينٍ ، فيكون حكمه حكم اليمين الّتي حنث فيها صاحبها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « النّذر يمين ، وكفّارته كفّارة اليمين » هذا مذهب الحنفيّة .
وقال المالكيّة : تلزم كفّارة في النّذر المبهم . وله أربع صورٍ : الأولى : عليّ نذر ، الثّانية : للّه عليّ نذر ، الثّالثة : إن فعلت كذا أو إن شفى اللّه مريضي فعليّ نذر ، الرّابعة : إن فعلت كذا أو إن شفى اللّه مريضي فللّه عليّ نذر ، ففي الصّورتين الأوليين تلزم الكفّارة بمجرّد النّطق ، وفي الصّورتين الأخريين تلزم الكفّارة بحصول المعلّق عليه سواء أكان القصد الامتناع أم الشّكر .
وقال الشّافعيّة : من قال : عليّ نذر ، أو إن شفى اللّه مريضي فعليّ نذر ، لزمته قربة غير معيّنةٍ ، وله أن يختار ما شاء من القرب ، كتسبيحٍ وتكبيرٍ وصلاةٍ وصومٍ .
ومن قال : إن كلّمت زيداً فعليّ نذر أو فللّه عليّ نذر ، يخيّر بين القربة وبين كفّارة يمينٍ ، فإن اختار القربة فله اختيار ما شاء من القرب ، وإن اختار كفّارة اليمين كفّر بما يجب في اليمين الّتي حنث صاحبها فيها . ومن قال : إن كلّمت زيداً فعليّ كفّارة نذرٍ ، كان عليه عند الحنث كفّارة يمينٍ ، والصّيغة في جميع هذه الأمثلة صيغة نذرٍ وليست صيغة يمينٍ ، إلاّ الصّيغة الّتي فيها ( إن كلّمت زيداً ... إلخ ) فيجوز تسميتها يميناً ، لأنّها من نذر اللّجاج والغضب . وقال الحنابلة : من قال : عليّ نذر إن فعلت كذا ، وفعله ، فعليه كفّارة يمينٍ في الأرجح ، وقيل : لا كفّارة عليه ، وقيل : إن نوى اليمين فعليه الكفّارة وإلاّ فلا ، ولو قال : للّه عليّ نذر ولم يعلّقه بشيءٍ ، فعليه كفّارة يمينٍ أيضاً في الأرجح .
د - عليّ يمين ، أو يمين اللّه :
39 - قال الحنفيّة : إذا قال : عليّ يمين ، أو يمين اللّه لأفعلنّ كذا ، أو لا أفعل كذا ، فهاتان الصّيغتان من الأيمان عند أبي حنيفة والصّاحبين ، وقال زفر : لو قال : عليّ يمين ولم يضفه للّه تعالى ، لم يكن يميناً عند الإطلاق .
ووجهه : أنّ اليمين يحتمل أن يكون بغير اللّه ، فلا تعتبر الصّيغة يميناً باللّه إلاّ بالنّيّة . ويستدلّ لأبي حنيفة والصّاحبين بأنّ إطلاق اليمين ينصرف إلى اليمين باللّه تعالى ، إذ هي الجائزة شرعاً ، هذا إذا ذكر المحلوف عليه .
فإن لم يذكر ، بل قال الحالف : عليّ يمين ، أو يمين اللّه ، ولم يزد على ذلك ، وأراد إنشاء الالتزام لا الإخبار بالتزامٍ سابقٍ ، فعليه كفّارة يمينٍ ، لأنّ هذه الصّيغة تعتبر من صيغ النّذر ، وقد سبق أنّ النّذر المطلق الّذي لم يذكر فيه المنذور يعتبر نذراً للكفّارة ، فيكون حكمه حكم اليمين . وقال المالكيّة : إنّ التزام اليمين له أربع صيغٍ كالنّذر المبهم ، وأمثلتها : عليّ يمين ، وللّه عليّ يمين ، وإن شفى اللّه مريضي أو كلّمت زيداً فعليّ يمين ، إن شفى اللّه مريضي أو إن كلّمت زيداً فللّه عليّ يمين .
ولا يخفى أنّ المقصود موجب اليمين ، فالكلام على حذف مضافٍ كما يقول الحنفيّة .
وقال الشّافعيّة : إنّ قول القائل : عليّ يمين ، لا يعتبر يميناً سواء أكان مطلقاً أو معلّقاً ، لأنّه التزام لليمين أي الحلف ، وليس ذلك قربةً كالصّلاة والصّيام فهو لغو .
وقال الحنابلة : من قال : عليّ يمين إن فعلت كذا ، ففيه ثلاثة أقوالٍ :
أحدها : أنّه لغو ، كما يقول الشّافعيّة .
والثّاني : أنّه كناية فلا يكون يميناً إلاّ بالنّيّة .
والثّالث : وهو الأرجح : أنّه يمين بغير حاجةٍ إلى النّيّة .
هـ – عليَّ عهد اللّه ، أو ميثاقه ، أو ذمّته :
40 - قال الحنفيّة : إذا قيل : عليّ عهد اللّه أو ذمّة اللّه أو ميثاق اللّه لا أفعل كذا مثلاً ، فهذه الصّيغ من الأيمان ، لأنّ اليمين باللّه تعالى هي عهد اللّه على تحقيق الشّيء أو نفيه ، قال تعالى : { وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّه إذا عَاهَدْتم ولا تَنْقُضُوا الأَيمانَ بعدَ تَوْكِيدِها } فجعل العهد يميناً ، والذّمّة هي العهد ، ومن ذلك تسمية الّذين تؤخذ منهم الجزية من الكفّار : بأهل الذّمّة ، أي أهل العهد ، والعهد والميثاق من الأسماء المترادفة ، وإذن فالكلام على حذف مضافٍ ، والتّقدير : عليّ موجب عهد اللّه وميثاقه وذمّته .
فإن لم يذكر اسم اللّه تعالى ، أو لم يذكر المحلوف عليه فالحكم كما سبق في " عليّ يمين » . وقال المالكيّة والحنابلة : من صيغ اليمين الصّريحة : عليّ عهد اللّه لا أفعل ، أو لأفعلنّ كذا مثلاً فتجب بالحنث كفّارة إذا نوى اليمين ، أو أطلق ، فإن لم ينو اليمين بل أريد بالعهد التّكاليف الّتي عهد بها اللّه تعالى إلى العباد لم تكن يميناً .
وزاد المالكيّة : أنّ قول القائل : أعاهد اللّه ، ليس بيمينٍ على الأصحّ ، لأنّ المعاهدة من صفات الإنسان لا من صفات اللّه ، وكذا قوله : لك عليّ عهد ، أو أعطيك عهداً .
وقال الشّافعيّة : من كنايات اليمين : عليّ عهد اللّه أو ميثاقه أو ذمّته أو أمانته أو كفالته لأفعلنّ كذا أو لا أفعل كذا ، فلا تكون يميناً إلاّ بالنّيّة ، لأنّها تحتمل غير اليمين احتمالاً ظاهراً.
و - عليَّ كفّارة يمينٍ :
41 - قال الحنفيّة : إنّ القائل : عليّ يمين ، مقصوده : عليّ موجب يمينٍ وهو الكفّارة . فلو قال : عليّ كفّارة يمينٍ ، يكون حكمه حكم من قال : عليّ يمين ، وقد سبق ( ر : ف 39 ) .
وقال المالكيّة : قول القائل : عليّ كفّارة ، كقوله : عليّ نذر ، وله صيغ أربع كصيغ النّذر . ويؤخذ من هذا أنّ من قال : عليّ كفّارة يمينٍ ، حكمه هو هذا الحكم بعينه ( ر : ف 39 ) . وقال الشّافعيّة : من قال : عليّ كفّارة يمينٍ فعليه الكفّارة من حين النّطق عند عدم التّعليق ، فإن علّق بالشّفاء ونحوه ممّا يحبّه ، أو بتكليم زيدٍ ونحوه ممّا يكرهه ، فعليه كفّارة اليمين بحصول المعلّق عليه . وقال الحنابلة : من قال : عليّ يمين إن فعلت كذا ، ثمّ فعله فعليه كفّارة يمينٍ على الرّاجح كما سبق . ويؤخذ من ذلك أنّ من قال : عليّ كفّارة يمينٍ إن فعلت كذا ، ثمّ فعله ، وجبت عليه كفّارة اليمين على الأرجح عندهم .
ز - عليَّ كفّارة نذرٍ :
42 - سبق حكم القائل : عليّ نذر .
ويؤخذ منه أنّ من قال : عليّ كفّارة نذرٍ تجب عليه كفّارة يمينٍ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وقد صرّح الشّافعيّة بمقتضى ذلك ، فقالوا : من قال : عليّ كفّارة نذرٍ ، وجبت عليه كفّارة يمينٍ منجّزة في الصّيغة المنجّزة ، ومعلّقة في الصّيغة المعلّقة .
ح - عليَّ كفّارة :
43 - سبق أنّ المالكيّة يوجبون كفّارة يمينٍ على من قال : عليّ كفّارة من غير أن يضيف الكفّارة إلى اليمين أو النّذر أو غيرهما . ولم نجد في المذاهب الأخرى حكم هذه الصّيغة عند الإطلاق ، ولا شكّ أنّ حكمها عند النّيّة هو وجوب ما نوى ممّا يصدق عليه اسم الكفّارة .
ط - تحريم العين أو الفعل :
44 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ تحريم الإنسان العين أو الفعل على نفسه يقوم مقام الحلف باللّه تعالى ، وذلك كأن يقول : هذا الثّوب عليّ حرام ، أو لبسي لهذا الثّوب عليّ حرام ، سواء أكانت العين الّتي نسب التّحريم إليها أو إلى الفعل المضاف لها مملوكة له أم لا ، كأن قال متحدّثاً عن طعام غيره : هذا الطّعام عليّ حرام ، أو أكل هذا الطّعام عليّ حرام ، وسواء أكانت العين المذكورة من المباحات أم لا ، كأن قال : هذه الخمر عليّ حرام ، أو شرب هذه الخمر عليّ حرام .
فكلّ صيغةٍ من هذه الصّيغ تعتبر يميناً ، لكن إذا كانت العين محرّمةً من قبل ، أو مملوكةً لغيره لم تكن الصّيغة يميناً إلاّ بالنّيّة ، بأن ينوي إنشاء التّحريم . فإن نوى الإخبار بأنّ الخمر حرام عليه شرعاً ، أو بأنّ ثوب فلانٍ حرم عليه شرعاً ، لم تكن الصّيغة يميناً ، وكذا إن أطلق ، لأنّ المتبادر من العبارة هو الإخبار . ثمّ إنّ تحريم العين لا معنى له إلاّ تحريم الفعل المقصود منها ، كما في تحريم الشّرع لها في نحو قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عليكم أُمّهاتُكم } وقوله { حُرِّمَتْ عليكم الميتةُ والدّمُ ولحمُ الخِنزير } .
وقوله صلى الله عليه وسلم : « كلّ مسكرٍ حرام » فتحريم الأمّهات ونحوهنّ ينصرف إلى الزّواج . وتحريم الميتة ونحوها والمسكر ينصرف كلّه إلى التّناول بأكلٍ أو شربٍ .
45 - وفيما يلي أمثلة لصيغ التّحريم الّتي تعتبر أيماناً ، مع بيان ما يقع به حنث في كلٍّ منها :
- 1 - لو قال : هذا الطّعام أو المال أو الثّوب أو الدّار عليّ حرام ، حنث بأكل الطّعام ، وإنفاق المال ، ولبس الثّوب ، وسكنى الدّار ، وعليه الكفّارة ، ولا يحنث بهبة شيءٍ من ذلك ، ولا بالتّصدّق به .
- 2 - لو قالت امرأة لزوجها : أنت عليّ حرام ، أو حرّمتك على نفسي ، حنثت بمطاوعته في الجماع ، وحنثت أيضاً بإكراهه إيّاها عليه بناءً على أنّ الحنث لا يشترط فيه الاختيار .
- 3 - لو قال لقومٍ : كلامكم عليّ حرام ، حنث بتكليمه لواحدٍ منهم ، ولا يتوقّف الحنث على تكليم جميعهم ، ومثل ذلك ما لو قال : كلام ، الفقراء ، أو كلام أهل هذه القرية ، أو أكل هذا الرّغيف عليّ حرام ، فإنّه يحنث بكلام واحدٍ ، وأكل لقمةٍ ، بخلاف ما لو قال : واللّه لا أكلّمكم ، أو لا أكلّم الفقراء ، أو أهل هذه القرية ، أو لا آكل هذا الرّغيف ، فإنّه لا يحنث إلاّ بتكليم الجميع وأكل جميع الرّغيف .
- 4 - لو قال : هذه الدّنانير عليّ حرام حنث إن اشترى بها شيئاً ، لأنّ العرف يقتضي تحريم الاستمتاع بها لنفسه ، بأن يشتري ما يأكله أو يلبسه مثلاً ، ولا يحنث بهبتها ولا بالتّصدّق بها . واستظهر ابن عابدين : أنّه لا يحنث لو قضى بها دينه ، ثمّ قال : فتأمّل .
- 5 - لو قال : كلّ حلٍّ عليّ حرام ، أو حلال اللّه أو حلال المسلمين عليّ حرام ، كان يميناً على ترك الطّعام والشّراب إلاّ أن ينوي غير ذلك ، وهذا استحسان .
وقال المالكيّة : تحريم الحلال في غير الزّوجة لغو لا يقتضي شيئاً ، إلاّ إذا حرّم الأمة ناوياً عتقها ، فإنّها تعتق ، فمن قال : الخادم أو اللّحم أو القمح عليّ حرام إن فعلت كذا ، ففعله ، فلا شيء عليه ، ومن قال : إن فعلت كذا فزوجتي عليّ حرام ، أو فعليّ الحرام ، يلزمه بتّ طلاق المدخول بها - ثلاثاً - ما لم ينو أقلّ من الثّلاث فيلزمه ما نوى ، أمّا غير المدخول بها فيلزمه طلقة واحدة ما لم ينو أكثر . هذا هو مشهور المذهب ، وقيل : يلزمه في المدخول بها واحدة بائنة كغير المدخول بها ما لم ينو أكثر ، وقيل : يلزمه في غير المدخول بها ثلاث كالمدخول بها ما لم ينو أقلّ . ولو قال : كلّ حلالٍ عليّ حرام ، فإن استثنى الزّوجة لم يلزمه شيء ، وإلاّ لزمه فيها ما ذكر .
وقال الشّافعيّة : لو قال إنسان لزوجته : أنت عليّ حرام ، أو حرّمتك ، ونوى طلاقاً واحداً أو متعدّداً أو ظهاراً وقع ، ولو نوى تحريم عينها أو وطئها أو فرجها أو رأسها أو لم ينو شيئاً أصلاً - وأطلق ذلك ، أو أقّته كره ، ولم تحرم الزّوجة عليه ، ولزمه كفّارة يمينٍ ، وليس ذلك يميناً ، لأنّه ليس إقساماً باللّه تعالى ولا تعليقاً للطّلاق أو نحوه .
ويشترط في لزوم الكفّارة ألاّ تكون زوجته محرّمةً بحجٍّ أو عمرةٍ ، وألاّ تكون معتدّةً من وطء شبهةٍ ، فإن كانت كذلك لم تجب الكفّارة على المعتمد . ولو حرم غير الزّوجة كالثّوب والطّعام والصّديق والأخ لم تلزمه كفّارة .
وقال الحنابلة : من حرّم حلالاً سوى الزّوجة لم يحرم عليه شرعاً ، ثمّ إذا فعله ففي وجوب الكفّارة قولان ، أرجحهما : الوجوب ، ويستوي في التّحريم تنجيزه وتعليقه بشرطٍ ، ومثال المنجّز : ما أحلّ اللّه عليّ حرام ، ولا زوجة لي ، وكسبي عليّ حرام ، وهذا الطّعام عليّ كالميتة أو كالدّم أو كلحم الخنزير . ومثال المعلّق : إن أكلت من هذا الطّعام فهو عليّ حرام . وإنّما لم يحرم عليه ما حرّمه على نفسه لأنّ اللّه عزّ وجلّ سمّى التّحريم يميناً حيث قال : { يا أيّها النّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لكَ تَبْتَغي مرضاةَ أزْواجِكَ واللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قد فَرَضَ اللّهُ لكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكم } .
واليمين لا تحرّم الحلال ، وإنّما توجب الكفّارة بالحنث ، وهذه الآية أيضاً دليل على وجوب الكفّارة . وأمّا تحريم الزّوجة فهو ظهار ، سواء أنوى به الظّهار أو الطّلاق أو اليمين أم لم ينو شيئاً على الرّاجح . ولو قال : ما أحلّ اللّه عليّ من أهلٍ ومالٍ فهو حرام - وكان له زوجة - كان ذلك ظهاراً وتحريماً للمال ، وتجزئه كفّارة الظّهار عنهما .