ثانياً : بقاء الإيلاء بعد البينونة بما دون الثّلاث :
27 - إذا آلى الرّجل من زوجته ، وكان الإيلاء مؤبّداً أو مطلقاً عن التّوقيت ، بأن قال : واللّه لا أقرب زوجتي أبداً ، أو قال : واللّه لا أقرب زوجتي ولم يذكر وقتاً ، ثمّ أبانها بما دون الثّلاث ، وتزوّجها بعد ذلك ، كان الإيلاء باقياً عند الفقهاء جميعاً ، ما عدا الشّافعيّ في أحد أقواله الثّلاثة ، فإنّ الإيلاء ينتهي عنده بالطّلاق البائن بما دون الثّلاث ، كما ينتهي بالطّلاق الثّلاث . وبناءً على رأي الجمهور من الفقهاء في بقاء الإيلاء بعد البينونة بما دون الثّلاث ، لو مضت أربعة أشهرٍ من وقت الزّواج ولم يجامعها ، وقعت طلقةً بائنةً عند الحنفيّة . وعند المالكيّة والحنابلة ومن وافقهم : يؤمر بالفيء ، فإن أبى ولم يطلّق ، طلّق عليه القاضي . وكذلك لو تزوّجها بعدما وقع عليها الطّلاق الثّاني ، ومضت أربعة أشهرٍ لم يقربها فيها منذ تزوّجها : وقعت عليها طلقة ثالثة عند أئمّة الحنفيّة . أمّا عند غيرهم فيؤمر بالفيء أو الطّلاق ، فإن لم يفء أو يطلّق طلّق عليه القاضي ، وبهذا تصير المرأة بائنةً بينونةً كبرى ، ويبقى الإيلاء في حقّ الحنث باتّفاق الفقهاء ، وكذلك في حقّ الطّلاق عند أحمد وزفر من الحنفيّة ، وينحلّ الإيلاء في حقّ الطّلاق عند أبي حنيفة وصاحبيه ومالكٍ على ما تقدّم . ولو أبان الزّوج زوجته الّتي آلى منها إيلاءً مطلقاً أو مؤبّداً بما دون الثّلاث ، وتزوّجت برجلٍ آخر ، ودخل بها ، ثمّ عادت إلى الأوّل عاد حكم الإيلاء من غير خلافٍ بين الجمهور من الفقهاء كما تقدّم . إنّما الاختلاف بينهم فيما تعود به إلى الزّوج الأوّل : فعند أبي حنيفة وأبي يوسف تعود بثلاث تطليقاتٍ ، وعند مالكٍ والشّافعيّ وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه تعود إليه بما بقي ، وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة .
وهذا الخلاف مبنيّ على أنّ الزّواج الثّاني هل يهدم الطّلقة والطّلقتين كما يهدم الثّلاث ، أو لا يهدم إلاّ الثّلاث ؟ فعند الأوّلين يهدم الطّلقة والطّلقتين كما يهدم الثّلاث ، وعند الآخرين لا يهدم إلاّ الثّلاث .
وحجّة الفريق الأوّل : أنّ الزّواج الثّاني إذا هدم الطّلاق الثّلاث ، وأنشأ حلّاً كاملاً ، فأولى أن يهدم ما دون الثّلاث ، ويكمل الحلّ النّاقص .
وحجّة الفريق الثّاني : أنّ الحلّ الأوّل لا يزول إلاّ بالطّلاق الثّلاث ، فإذا طلّق الرّجل زوجته واحدةً أو اثنتين لم تحرم عليه ، وحلّ له التّزوّج بها ، فلو تزوّجت بغيره ودخل بها ثمّ عادت إليه بعد ذلك ، عادت إليه بالحلّ الأوّل ، فلا يملك عليها إلاّ ما بقي من الطّلاق الّذي كان ثابتاً له في ذلك الحلّ .
إيلاج *
انظر : وطء .
إيلاد *
انظر : استيلاد ، أمّ الولد .
إيلام *
التّعريف :
1 - الإيلام هو : الإيجاع ، والألم : الوجع .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العذاب :
2 - العذاب : هو الألم المستمرّ ، والألم قد يكون مستمرّاً ، وقد يكون غير مستمرٍّ .
وعلى هذا فالعذاب أخصّ من الألم ، فكلّ عذابٍ ألم ، وليس كلّ ألمٍ عذاباً .
ب - الوجع :
3 - الألم : ما يلحقه بك غيرك . والوجع : ما تلحقه أنت بنفسك ، أو يلحقه بك غيرك من الألم . وعلى هذا فالوجع أعمّ من الألم .
أنواع الإيلام :
4 - أ - ينقسم الإيلام باعتبار محلّه إلى قسمين : إيلام جسديّ : وهو الواقع على جزءٍ من أجزاء البدن ، كالإيلام الحاصل من الضّرب ، أو من قطع اليد في الحدّ ونحو ذلك .
وإيلام نفسيّ : وهو الواقع على النّفس لا على البدن ، كالإخافة والقلق والتّوبيخ ونحو ذلك . وكلّ من الألمين له اعتباره في الشّريعة كما سيأتي .
ب - وينقسم الإيلام أيضاً باعتبار مصدره إلى قسمين :
إيلام صادر عن اللّه تعالى كالأمراض ، ونحوها .
وإيلام صادر عن العبد عمداً أو خطأً . ولكلٍّ من الألمين أحكامه في الشّريعة كما سيأتي . الآثار المترتّبة على الإيلام :
أ - الإيلام الصّادر عن اللّه تعالى :
5 - قد يبتلي اللّه تعالى بعض عباده بالآلام الجسديّة كالأمراض والأسقام ، أو بالآلام النّفسيّة كالأحزان والهموم ، وما على الإنسان إذا نزل به شيء من ذلك إلاّ الصّبر ، عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام « عجباً لأمر المؤمن ، إنّ أمره كلّه له خير ، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن ، إن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيراً له » . لأنّ في هذا الصّبر على الابتلاء تكفيراً لسيّئاته ، وإعلاءً لدرجاته ، قال عليه الصلاة والسلام ، فيما رواه أبو سعيدٍ الخدريّ وأبو هريرة : أنّهما سمعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصبٍ ولا سقمٍ ولا حزنٍ ، حتّى الهمّ يهمّه ، إلاّ كفّر اللّه به سيّئاته » ولا ينافي هذا الأخذ بالأسباب الّتي وضعها اللّه تعالى لدفع هذا البلاء أو رفعه ، كالدّواء والدّعاء والوقاية .
ب - الإيلام الصّادر عن العباد :
6 - إذا كان الإيلام صادراً عن العباد ، فإنّه إذا كان نتيجة اعتداءٍ يقصد منه الإضرار نفسيّاً أم جسديّاً فإنّ في هذا الإيلام إثماً ، فيجب اجتنابه لقوله تعالى : { ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ المعتدينَ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » ، كما يجب القصاص أو التّعويض الماليّ أو التّعزير ، بحسب الحال ، وتفصيله في الجنايات والتّعزير .
7- وقد يكون موجب الإيلام الضّمان وحده ، أو مع التّعزير كما في حالات الجناية خطأً على النّفس وما دونها ، على ما فصّله الفقهاء في كتاب الجنايات . وقد ضمّن عمر إفزاع رجلٍ بأربعين درهماً . فقد روي « أنّ رجلاً كان يقصّ شارب عمر بن الخطّاب ، فأفزعه عمر . فضرط الرّجل ، فقال عمر : إنّا لم نرد هذا ، ولكنّا سنعقلها لك . فأعطاه أربعين درهماً ». قال الرّاوي وأحسبه قال : وشاة أو عناقاً .
8- الإيلام الّذي يجعل وسيلةً للإصلاح عندما يجب بإيجاب اللّه تعالى ، كالحدود ، أو عندما يترجّح لدى وليّ الأمر جدواه في الإصلاح ، كالتّعزير والتّأديب ، لا يجوز تخفيف هذا النّوع من الإيلام ، وقد نصّ الفقهاء على وجوب نزع الحشو والفرو عن المجلود في الحدّ والتّعزير ، ليصل الألم إلى جلده .
إيماء *
التّعريف :
1 - الإيماء لغةً : الإشارة باليد أو بالرّأس أو بالعين أو بالحاجب .
وقال الشّربينيّ : الإيماء لغةً : هو الإشارة الخفيّة . وسواء أكانت الإشارة حسّيّةً أم معنويّةً . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك .
2 - والإيماء في اصطلاح الأصوليّين : دلالة النّصّ على التّعليل بالقرينة ،لا بصراحة اللّفظ.
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإشارة :
3 - الإشارة لغةً أعمّ من الإيماء ، عند من يرى أنّ الإيماء إشارة خفيّة .
أمّا من يرى أنّه مطلق الإشارة فهما مترادفان .
وفي الاصطلاح عند الأصوليّين : الإشارة دلالة اللّفظ على معنى لم يسق الكلام لأجله . نحو دلالة قوله تعالى : { وعلى المولودِ له رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهنّ } على أنّ النّسب يثبت للأب ، وأنّ الأب لا يشاركه أحد في النّفقة على الولد ، فالإيماء عندهم أخصّ من الإيماء عند غيرهم من الفقهاء واللّغويّين ، سواء أخذ في مفهوم الإيماء الإشارة مطلقاً أو الخفيّة .
وأجاز الغزاليّ تسمية الإيماء إشارةً .
ب - الدّلالة :
4 - الدّلالة أن يكون الشّيء بحالةٍ يلزم من العلم به العلم بشيءٍ آخر ، وقيل : كون الشّيء بحيث يفهم منه شيء آخر ، والأوّل يسمّى الدّالّ ، والثّاني يسمّى المدلول .
والدّلالة اللّفظيّة إمّا على تمام ما وضع له اللّفظ ، أو على جزئه ، أو على خارجٍ عنه لازمٍ له ، كدلالة لفظ " السّقف " على الحائط أو التّحيّز أو الظّلّ ، ومن هذه الدّلالة الالتزاميّة الإيماء ، لأنّه دلالة اللّفظ غير الموضوع للتّعليل على التّعليل .
الحكم الإجماليّ :
أوّلاً : عند الفقهاء :
5 - المصلّي العاجز عن الرّكوع أو السّجود لمرضٍ أو خوفٍ أو نحوهما ، يصلّي بالإيماء ، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه . ويذكر الفقهاء أحكام ذلك في أبواب صلاة المريض ، وأبواب صلاة الخوف . وفي اعتبار الإيماء بالرّأس ونحوه في العقود والتّصرّفات من النّاطق والأخرس والمعتقل لسانه تفصيل ( ر : إشارة . وعقد ، وطلاق ) .
وفي مفسدات الصّلاة في بعض الأحوال عند بعض الأئمّة ( ر : مفسدات الصّلاة ) .
ثانياً : عند الأصوليّين :
6 - الإيماء عند أكثر الأصوليّين نوع من أنواع المنطوق . لكنّه غير صريحٍ . ويذكرونه في الدّلالات من مباحث الألفاظ ، ومسالك العلّة من مباحث القياس .
أنواع الإيماء :
7 - أنواع الإيماء كثيرة ، حتّى قال الغزاليّ : وجوه التّنبيه لا تنضبط إلاّ أنّهم ذكروا الأنواع التّالية :
أ - أن يقع الحكم في جواب سؤالٍ . ومثاله « قول الرّجل الأنصاريّ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم : واقعت أهلي في نهار رمضان . فقال : أعتق رقبةً » فإنّه يدلّ على أنّ الوقاع في نهار رمضان علّة للإعتاق . ووجه فهم التّعليل هنا : أنّ غرض الأنصاريّ معرفة حكم ما فعل ، وما ذكره النّبيّ صلى الله عليه وسلم جواب له ليحصل غرضه ، فصار الجواب مقدّراً فيه السّؤال ، كأنّه قال : كفّر لأنّك واقعت . وهو لو صرّح بحرف التّعليل بقوله : كفّر لأنّك واقعت ، لم يكن مومئاً للعلّيّة ، بل يكون مصرّحاً بها .
وقد يجتمع التّصريح بالعلّة والإيماء بها ، ومثاله « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن بيع الرّطب بالتّمر ، فقال : أينقص الرّطب إذا يبس ؟ قال : نعم . قال : فلا ، إذن » فإنّ " إذن " صريح في التّعليل . ولو لم يذكر " إذن " لفهم التّعليل من القرينة ، فاجتمعا .
ب - أن يقترن الوصف المناسب بالحكم في كلام المتكلّم : ومثاله « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الهرّة : إنّها ليست بنجسٍ ، إنّها من الطّوّافين عليكم » ، فأفهم أنّ علّة طهارتها الطّواف ، إذ لو لم يكن هذا الوصف علّةً لكان لغواً ، أو - على تعبير بعض الأصوليّين - لكان بعيداً جدّاً ، فيحمل الوصف على التّعليل ، صيانةً لكلام الشّارع عن اللّغو والعبث .
ج - ومنه أن يفرّق بين حكمين بوصفين ، فيعلم أنّ أحدهما علّة لأحد الحكمين ، والآخر علّة للآخر . والتّفريق يكون بطرقٍ :
- 1 - إمّا بصيغة صفةٍ . مثل حديث « للفارس سهمان وللرّاجل سهم » ومثل « القاتل لا يرث » وقد ثبت من الدّين بالضّرورة توريث العصبات وغيرهم من أصحاب الفروض .
- 2 - وإمّا بصيغة الغاية ، نحو { ولا تَقْرَبُوهنّ حتّى يَطْهُرنَ } .
- 3 - وإمّا بصيغة الشّرط ، نحو « فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ » ناط الجواز باختلاف الجنس .
- 4 - أو بصيغة استدراكٍ . نحو { لا يؤاخذُكم اللّهُ باللّغوِ في أيمانِكم ولكن يُؤاخِذُكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ } فدلّ على أنّ الانعقاد علّة الكفّارة .
- 5 - أو بصيغة استثناءٍ نحو قوله تعالى : { فنصفُ ما فرضْتُم إلاّ أن يَعْفُون } يفيد علّيّة العفو لسقوط المطالبة بالمهر .
الإيماء بذكر النّظير :
8 - قد يكون الإيماء إلى العلّة بذكر نظيرٍ لمحلّ السّؤال .
ومثاله « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لامرأةٍ من جهينة ، وقد سألته : إنّ أمّي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتّى ماتت ، أفأحجّ عنها ؟ قال : نعم حجّي عنها ، أرأيت لو كان على أمّك دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا اللّه فاللّه أحقّ بالوفاء » .
سألته عن دين اللّه فذكر نظيره ، وهو دين الآدميّ . فنبّه على التّعليل به ، وإلاّ لزم العبث . ففهم منه أنّ نظيره - وهو دين اللّه - كذلك علّة لمثل ذلك الحكم ، وهو وجوب القضاء .
مراتب الإيماء :
9 - أ - قد يذكر الحكم والوصف كلّ منهما صريحاً ، نحو قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يقضي القاضي وهو غضبان » فهذا إيماء إلى أنّ الغضب علّة عدم جواز الحكم ، ومثل : أكرم العلماء وأهن الجهّال فهو إيماء إلى أنّ علّة الإكرام العلم ، وعلّة الإهانة الجهل .
فهذا النّوع إيماء بالاتّفاق .
ب - وقد يذكر الوصف صريحاً والحكم مستنبط . نحو { وأحلّ اللّه البيع } فالوصف إحلال البيع ، والحكم الصّحّة ، أو يذكر الحكم والوصف مستنبط ، نحو : حرّمت الخمر ، ولا تذكر الشّدّة المطربة ، وهي الوصف . فقد اختلف في هذين النّوعين فقيل : هما من الإيماء ، وقيل : لا لعدم الاقتران بين الحكم والوصف لفظاً .
أيمان *
التّعريف :
1 - الأيمان : جمع يمينٍ ، وهي مؤنّثة وتذكّر . وتجمع أيضاً على ( أيمنٍ ) ومن معاني اليمين لغةً : القوّة والقسم ، والبركة ، واليد اليمنى ، والجهة اليمنى . ويقابلها : اليسار ، بمعنى : اليد اليسرى ، والجهة اليسرى .
أمّا في الشّرع ، فقد عرّفها صاحب غاية المنتهى من الحنابلة بأنّها : توكيد حكمٍ بذكر معظّمٍ على وجهٍ مخصوصٍ . ومقتضى هذا التّعريف تخصيص اليمين بالقسم ، لكن يستفاد من كلام الحنابلة في مواضع كثيرةٍ من كتبهم تسمية التّعليقات السّتّة أيماناً ، وهي تعليق الكفر والطّلاق والظّهار والحرام والعتق والتزام القربة ، وقرّر ذلك ابن تيميّة في مجموع الفتاوى. حكمة التّشريع :
2 - من أساليب التّأكيد المتعارفة في جميع العصور أسلوب التّأكيد باليمين ، إمّا لحمل المخاطب على الثّقة بكلام الحالف ، وأنّه لم يكذب فيه إن كان خبراً ، ولا يخلفه إن كان وعداً أو وعيداً أو نحوهما ، وإمّا لتقوية عزم الحالف نفسه على فعل شيءٍ يخشى إحجامها عنه ، أو ترك شيءٍ يخشى إقدامها عليه ، وإمّا لتقوية الطّلب من المخاطب أو غيره وحثّه على فعل شيءٍ أو منعه عنه . فالغاية العامّة لليمين قصد توكيد الخبر ثبوتاً أو نفياً .
تقسيمات اليمين :
أوّلاً :
تقسيم اليمين بحسب غايتها العامّة
تنقسم اليمين بحسب غايتها العامّة إلى قسمين :
3 - القسم الأوّل : اليمين المؤكّدة للخبر ، سواء أكان ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً ، وسواء أكان إثباتاً أم نفياً ، وسواء أكان مطابقاً للواقع أم مخالفاً . واليمين على ما طابق الواقع تسمّى ( اليمين الصّادقة ) كقوله تبارك وتعالى : { زَعَمَ الّذين كفروا أَنْ لنْ يُبْعَثُوا قل بلى وربِّي لَتُبْعَثُنَّ ثمّ لَتُنَبَّؤُنَّ بما عَمِلْتم } فهذا أمر للنّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يحلف بربّه عزّ وجلّ على أنّهم سيبعثون يوم القيامة ، ثمّ يحاسبون على أعمالهم .
واليمين على ما خالف الواقع إن كان الحالف بها كاذباً عمداً تسمّى ( اليمين الغموس ) لأنّها تغمس صاحبها في الإثم .
ومن أمثلتها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عن المنافقين في آياتٍ كثيرةٍ منها :
قوله تعالى : { وَيَحْلِفُون باللّه إنّهم لَمِنكم وما هم منكم ولكنّهم قومٌ يَفْرَقُون } .
فهذا من المنافقين حلف على أنّهم من المؤمنين ، وهم كاذبون فيه ، وما حملهم على الكذب إلاّ أنّهم يخافون غضب المؤمنين عليهم . وإن كان الحالف بها متعمّداً صدّقها ، غير أنّه أخطأ في اعتقاده ، لم تكن غموساً ولا صادقةً ، وإنّما تكون ( لغواً ) على بعض الأقوال . ومن أمثلتها أن يقول إنسان : واللّه إنّ الشّمس طلعت ، بناءً على إشارة السّاعة والتّقويم ، ثمّ يتبيّن أنّه لم لم تكن طلعت ، وأنّه أخطأ النّظر ، أو كان بالسّاعة خلل ، أو بالتّقويم خطأ .
4 - القسم الثّاني : اليمين المؤكّدة للإنشاء . والإنشاء إمّا حثّ أو منع ، والمقصود بالحثّ : حمل الحالف نفسه أو غيره على فعل شيءٍ في المستقبل .
والمقصود بالمنع : حمل الحالف نفسه أو غيره على ترك شيءٍ في المستقبل .
مثال الحثّ : واللّه لأفعلنّ كذا ، أو لتفعلنّ كذا ، أو ليفعلنّ فلان كذا .
ومثال المنع : واللّه لا أفعل كذا ، أو لا تفعل كذا ، أو لا يفعل فلان كذا .
وهذه اليمين تسمّى ( منعقدةً ) أو ( معقودةً ) متى تمّت شرائطها ، وسيأتي بيانها .
وممّا هو جدير بالملاحظة أنّ قول القائل : لأفعلنّ ، أو لا أفعل يدلّ على حثّ نفسه على الفعل أو التّرك حقيقةً إن كان يتحدّث في خلوةٍ ، نحو : واللّه لأصومنّ غداً ، أو لا أشرب الخمر ، أو لأقتلنّ فلاناً ، أو لا أفعل ما أمرني به .
وأمّا إن كان يتحدّث في مواجهة غيره ، فإنّه يدلّ على حثّ نفسه ظاهراً ، وقد يكون هذا الظّاهر موافقاً للحقيقة ، بأن يكون عازماً على الوفاء ، وقد يكون مخالفاً لها ، بأن يكون عازماً على عدم الوفاء .
وقول القائل : لتفعلنّ أو لا تفعل يدلّ على حثّ المخاطب على الفعل أو التّرك ، ويكون بمثابة الأمر إن كان من أعلى لأدنى ، والدّعاء إن كان من أدنى لأعلى ، والالتماس إن كان بين متماثلين . ثمّ إنّه قد يكون حقيقيّاً ، وقد يكون ظاهريّاً فقط بقصد المجاملة أو غيرها .
5- هذا ، وتنقسم اليمين على المستقبل إلى : يمين برٍّ ، ويمين حنثٍ .
فيمين البرّ : هي ما كانت على النّفي ، نحو : واللّه لا فعلت كذا ، بمعنى : لا أفعل كذا ، وسمّيت يمين برٍّ لأنّ الحالف بارّ حين حلفه ، ومستمرّ على البرّ ما لم يفعل .
ويمين الحنث : ما كانت على الإثبات ، نحو : واللّه لأفعلنّ كذا ، وإنّما سمّيت يمين حنثٍ لأنّ الحالف لو استمرّ على حالته حتّى مضى الوقت أو حصل اليأس حنث .
ثانياً : تقسيم اليمين بحسب صيغتها العامّة
6 - القسم الأوّل : القسم المنجّز بالصّيغة الأصليّة لليمين ، وتكون بذكر اسم اللّه تعالى ، مثل ( واللّه ) ( والرّحمن ) أو صفةٍ له مثل ( وعزّة اللّه ) ( وجلاله ) .
وكان النّاس في الجاهليّة يحلفون باللّه وبمعبوداتهم كاللّاتي والعزّى ، وبما يعظّمونه من المخلوقات ممّا لا يعبدون كالآباء والأمّهات والكعبة ، وبما يحمدونه من الأخلاق كالأمانة . وفي صدر الإسلام بطل تعظيمهم للأصنام ونحوها ممّا كانوا يعبدونه من دون اللّه ، فبطل حلفهم بها إلاّ ما كان سبق لسانٍ ، واستمرّ حلفهم بما يحبّونه ويعظّمونه من المخلوقات ، فنهاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمرهم بالاقتصار على الحلف باللّه تعالى ، وسيأتي بيان ذلك كلّه تفصيلاً .
7- القسم الثّاني : التّعليق ، ويمكن تحصيل الغاية العامّة من اليمين - وهي تأكيد الخبر أو الحثّ أو المنع - بطريقٍ آخر ، وهو ترتيب المتكلّم جزاءً مكروهاً له في حالة مخالفة الواقع أو تخلّف المقصود .
ولهذا الجزاء أنواع كثيرة بحسب العادة ، لكن لم يعتبر الفقهاء منها إلاّ ستّة أنواعٍ وهي : الكفر ، والطّلاق ، والظّهار ، والحرام ، والعتق ، والتزام القربة .
وأمثلتها : إن فعلت كذا ، أو : إن لم أفعل كذا ، أو : إن لم يكن الأمر كما قلت فهو بريء من الإسلام . أو : فامرأته طالق ، أو : فامرأته عليه كظهر أمّه ، أو : فحلال اللّه عليه حرام ، أو : فعبده حرّ ، أو فعليه حجّة .
وقد يكون الطّريق المحصّل للغاية ترتيب جزاءٍ محبوبٍ للمخاطب على فعل أمرٍ محبوبٍ للمتكلّم ، كما لو قال إنسان لعبده : إن بشّرتني فأنت حرّ ، فهذا الجزاء محبوب للمخاطب من حيث كونه تخلّصاً من الرّقّ ، وإن كان شاقّاً على المتكلّم من حيث كونه إزالةً للملك ، غير أنّه يستسهله لما فيه من مكافأةٍ على فعل ما يحبّه وشكرٍ للّه عزّ وجلّ على ذلك .
والجزاء المحبوب لا يتصوّر كونه ظهاراً ولا كفراً ، فهو منحصر في العتق والتزام القربة والطّلاق والحرام ، كتطليق ضرّة المخاطبة وتحريمها . وسيأتي تفصيل ذلك كلّه .
التّعليق بصورة القسم :
8 - قد يعدل الحالف عن أداء الشّرط والجملة الشّرطيّة ، ويأتي بالجزاء بدون الفاء ، ويذكر بعده جملةً شبيهةً بجواب القسم ، فيقول : هو يهوديّ ليفعلنّ كذا ، أو لا يفعل كذا ، أو امرأته طالق لا يفعل كذا ، أو ليفعلنّ كذا ، فالجملة الّتي بدئ الكلام بها جزاء لشرطٍ محذوفٍ ، تدلّ عليه الجملة المذكورة بعد ، وسيأتي بيان ذلك .
الجواب الإنشائيّ يتضمّن الخبر :
9 - القسم حينما يكون إنشائيّاً للحثّ أو المنع ، فالحلف عليه لا يمكن أن يكون حلفاً على الإنشاء المحض ، فإنّ هذا الإنشاء يحصل معناه بمجرّد النّطق به ، فلا يحتاج إلى حلفٍ . فإنّ الّذي يحتاج إلى الحلف ، هو الأمر الّذي يخشى تخلّفه ، وهو الوفاء بمضمون الجملة الإنشائيّة . فمن حلف فقال : واللّه لأقضينّك حقّك غداً ، وقد حثّ نفسه على القضاء ، وهذا الحثّ قد حصل بمجرّد النّطق ، فهو غير محتاجٍ إلى القسم من حيث ذاته ، فالقسم إذن إنّما هو على الحثّ المستتبع لأثره ، وهو حصول القضاء بالفعل في غدٍ ، وهذا المعنى خبريّ ، ولهذا لو لم يقضه حقّه لكان حانثاً . فمن قال : لأقضينّك حقّك . أثبت معنيين :
أحدهما : إنشائيّ ، وهو حثّ نفسه على القضاء ، وهذا هو المعنى الصّريح .
وثانيهما : خبريّ ، وهو الإخبار بأنّ هذا القضاء سيحصل في الغد ، وهذا المعنى ضمنيّ ، واليمين إنّما أتي بها من أجل هذا المعنى الضّمنيّ . ولهذا لا يصحّ في اللّغة العربيّة أن يجاب القسم بفعل الأمر ، ولا بفعل النّهي ، فلا يقال : واللّه قم ، أو لا تقم .
مرادفات اليمين :
10 - قال الكمال : أسماء هذا المعنى التّوكيديّ ستّة : الحلف والقسم والعهد والميثاق والإيلاء واليمين . فاليمين مرادفة للألفاظ الخمسة الّتي ذكرت معها .
وهناك ألفاظ أخرى ، فقد أفاد صاحب البدائع أنّه لو قال إنسان : أشهد أو أعزم أو شهدت أو عزمت باللّه لأفعلنّ كذا . كان يميناً ، لأنّ العزم معناه الإيجاب ، ولأنّ الشّهادة وردت في قوله تعالى : { إذا جاءك المنافقون قالوا نَشْهدُ إِنّك لَرسولُ اللّهِ واللّهُ يَعْلَمُ إنّك لَرسولُه واللّهُ يَشْهَدُ إنّ المنافقين لكاذبون اتَّخَذوا أيمانَهم جُنَّةً فَصَدّوا عن سبيل اللّه إنّهم سَاءَ ما كانوا يَعْمَلون } فالآية الثّانية أفادت أنّ شهادتهم يمين .
ويؤخذ من هذا أنّ الشّهادة والعزم من مرادفات اليمين عرفاً ، وأفاد أيضاً أنّ الذّمّة كالعهد والميثاق ، فمن قال : عليّ ذمّة اللّه لأفعلنّ كان يميناً .
11 - وأفاد ابن عابدين أنّه لو نذر الإنسان صوماً ، كأن قال : للّه عليّ أن أصوم ، فإن لم ينو شيئاً ، أو نوى النّذر ولم يخطر اليمين بباله ، أو نوى النّذر ونفى اليمين كان نذراً فقط . وإن نوى اليمين ونفى النّذر كان يميناً فقط . وعليه الكفّارة إن أفطر . وإن نواهما معاً ، أو نوى اليمين ولم يخطر بباله النّذر كان نذراً ويميناً ، حتّى لو أفطر قضى وكفّر عن يمينه . ويؤخذ من هذا أنّ صيغة النّذر تكون يميناً بالنّيّة عند الحنفيّة ، فتكون من قبيل الكناية ، بخلاف الألفاظ السّابقة ، فظاهر كلامهم أنّها صريحة عندهم ، وإن كان بعضها كنايةً عند غيرهم كما سيأتي . وسيأتي الخلاف في النّذر المبهم مثل عليّ نذر . وسيأتي أيضاً أنّ الكفالة والأمانة المضافين للّه كالعهد عند الشّافعيّة ، فقد قالوا : من قال : عليّ عهد اللّه ، أو ميثاقه ، أو ذمّته ، أو كفالته ، أو أمانته لأفعلنّ كذا ، أو لا أفعل كذا ، كان قوله ذلك يميناً بالنّيّة .
12 - هذا ما في كتب الفقه ، وقد يجد الباحث في كتب اللّغة ألفاظاً أخرى كالنّفل . ففي القاموس المحيط : نفل : حلف . وهو من باب نصر . ويؤخذ من لسان العرب أنّ ( نفل ) ( وانتفل ) و ( أنفل ) معناها حلف ، ويقال : نفّلته بتشديد الفاء أي : حلّفته .
أيمان خاصّة
أ - الإيلاء :
13 - هو أن يحلف الزّوج على الامتناع من وطء زوجته مطلقاً أو مدّة أربعة أشهرٍ ، سواء أكان الحلف باللّه تعالى أم بتعليق الطّلاق أو العتق أو نحوهما . ولهذا الإيلاء أحكام خاصّة مأخوذة من قوله تعالى : { لِلّذين يُؤْلون من نسائهم تَرَبُّصُ أربعةِ أشهرٍ فإن فَاءُوا فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ وإن عَزَمُوا الطّلاقَ فإنّ اللّهَ سميعٌ عليمٌ } ولتفصيلها ( ر : إيلاء ) .
ب - اللّعان :
14 - اللّعان في اللّغة : مصدر لاعن ، بمعنى شاتم ، فإذا تشاتم اثنان ، فشتم كلّ منهما الآخر بالدّعاء عليه ، بأن يلعنه اللّه ، قيل لهما : تلاعنا ، ولاعن كلّ منهما صاحبه .
واللّعان في الشّرع لا يكون إلاّ أمام القاضي ، وهو : قول الزّوج لامرأته مشيراً إليها : أشهد باللّه إنّي لمن الصّادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزّنى .
وإذا كانت حاملاً أو ولدت ولداً واعتقد أنّه ليس منه زاد : وأنّ هذا الحمل أو الولد ليس منّي . ويكرّر ذلك كلّه أربع مرّاتٍ ، ويزيد بعد الرّابعة : وعليه لعنة اللّه إن كان من الكاذبين . ولعان المرأة زوجها إذا لم تصدّقه أن تقول بعد لعانه إيّاها : أشهد باللّه إنّ زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزّنى ، وتزيد لإثبات نسبة الحمل أو الولد : وأنّ هذا الولد منه . وتكرّر ذلك كلّه أربع مرّاتٍ ، وتزيد بعد الرّابعة : وعليها غضب اللّه إن كان من الصّادقين . ولعان الحاكم بين الزّوجين هو : أن يحضرهما ، ويأمر الزّوج بملاعنة زوجته إن كان مصرّاً على قذفها ، وليس معه أربعة شهودٍ عدولٍ ، ولم تعترف الزّوجة بما قاله ، ثمّ يأمر الزّوجة - بعد انتهاء الزّوج من الملاعنة - أن تلاعنه ، فإذا لَاعَنته فرّق بينهما .
ومعلوم أنّ قول كلٍّ من الزّوج والزّوجة : أشهد باللّه معناه أقسم باللّه ، فعلى هذا يكون اللّعان يميناً خاصّةً لها أحكام تخصّها ، ولتفصيلها ( ر : لعان ) .
ج - القسامة :
15 - القسامة في اللّغة لها معانٍ : منها اليمين .
وفي الشّرع : أن يقسم خمسون من أولياء القتيل على استحقاقهم دية قتيلهم ، إذا وجدوه قتيلاً بين قومٍ ، ولم يعرف قاتله . فإن لم يكونوا خمسين رجلاً أقسم الموجودون خمسين يميناً . فإن امتنعوا وطلبوا اليمين من المتّهمين ردّها القاضي عليهم ، فأقسموا بها على نفي القتل عنهم . فإن حلف المدّعون استحقّوا الدّية . وإن حلف المتّهمون لم تلزمهم الدّية . على خلافٍ وتفصيلٍ ينظر في ( قسامةٍ ) .
د - اليمين المغلّظة :
16 - هي اليمين الّتي غلّظت بالزّمان ، والمكان ، وزيادة الأسماء والصّفات ، وبحضور جمعٍ ، وبالتّكرار . فالتّغليظ بالزّمان هو : أن يكون الحلف بعد العصر ، وعصر الجمعة أولى من غيره . والتّغليظ بالمكان : أن يكون الحلف عند منبر المسجد الجامع من جهة المحراب ، وكونه على المنبر أولى . أمّا التّغليظ في مكّة ، فهو أن يكون بين الرّكن الأسود والمقام . والتّغليظ بالزّمان والمكان يكون في اللّعان والقسامة وبعض الدّعاوى .
والتّغليظ بزيادة الأسماء والصّفات نحو : واللّه الطّالب الغالب المدرك المهلك الّذي يعلم السّرّ وأخفى ، ونحو : واللّه الّذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشّهادة الرّحمن الرّحيم الّذي يعلم من السّرّ ما يعلم من العلانية . وهذا التّغليظ يكون في بعض الدّعاوى .
والتّغليظ بحضور جمعٍ هو : أن يحضر الحلف جماعة من أعيان البلدة وصلحائها ، أقلّهم أربعة . وهذا التّغليظ يكون في اللّعان . والتّغليظ بالتّكرار هو : تكرار اليمين خمسين مرّةً . وهذا يكون في القسامة . ولتفصيل ذلك كلّه ( ر : لعان وقسامة ودعوى ) .
هـ – أيمان البيعة :
17- ممّا أحدثه الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ ، أن حلّف النّاس على بيعتهم لعبد الملك بن مروان بالطّلاق والعتاق واليمين باللّه وصدقة المال . فكانت هذه الأيمان الأربعة أيمان البيعة القديمة المبتدعة . ثمّ أحدث المستحلفون من الأمراء عن الخلفاء والملوك وغيرهم أيماناً كثيرةً ، تختلف فيها عاداتهم ، ومن أحدث ذلك فعليه إثم ما ترتّب على هذه الأيمان من الشّرّ . فإذا حلف إنسان بأيمان البيعة ، بأن قال : عليّ أيمان البيعة ، أو أيمان البيعة تلزمني إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا مثلاً :
فالمالكيّة اختلفوا ، فقال أبو بكر بن العربيّ : أجمع المتأخّرون على أنّه يحنث فيها بالطّلاق لجميع نسائه ، والعتق لجميع عبيده ، وإن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبةٍ واحدةٍ ، والمشي إلى مكّة ، والحجّ ولو من أقصى المغرب ، والتّصدّق بثلث جميع أمواله ، وصيام شهرين متتابعين . ثمّ قال : جلّ الأندلسيّين قالوا : إنّ كلّ امرأةٍ له تطلق ثلاثاً ثلاثاً ، وقال القرويّون : إنّما تطلق واحدةً واحدةً . وألزمه بعضهم صوم سنةٍ إذا كان معتاداً للحلف بذلك . وقال الشّافعيّ وأصحابه : إن لم يذكر في لفظه طلاقها أو عتاقها أو حجّها أو صدقتها لم يلزمه شيء ، سواء أنواه أم لم ينوه ، إلاّ أن ينوي طلاقها أو عتاقها ، فاختلف أصحابه ، فقال العراقيّون : يلزمه الطّلاق والعتاق ، فإنّ اليمين بهما تنعقد بالكناية مع النّيّة ، وقال صاحب التّتمّة : لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفّظ به ، لأنّ الصّريح لم يوجد ، والكناية إنّما يترتّب عليها الحكم فيما يتضمّن الإيقاع ، فأمّا الالتزام فلا .
والحنابلة اختلفوا ، فقال أبو القاسم الخرقيّ : إن نواها لزمته ، سواء أعرفها أم لم يعرفها . وقال أكثر الأصحاب ومنهم صاحب المغني : إن لم يعرفها لم تنعقد يمينه بشيءٍ ممّا فيها ، وفي غاية المنتهى : يلزم بأيمان البيعة - وهي يمين رتّبها الحجّاج تتضمّن اليمين باللّه تعالى والطّلاق والعتاق وصدقة المال - ما فيها إن عرفها ونواها ، وإلاّ فلغو .