عرض مشاركة واحدة
  #182  
قديم 05-11-2012, 09:29 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الأحكام الشّرعيّة المتعلّقة بالإنكار في الدّعوى .
7- يجب على المدّعي لإثبات حقّه أن يأتي ببيّنةٍ تثبت دعواه ، فإن لم تكن له بيّنة فإنّ المدّعى عليه يلزمه الجواب عمّا ادّعى عليه به ، فإمّا أن يقرّ ، وإمّا أن ينكر .
فإن أقرّ لزمه الحقّ ، وإن أنكر فعلى المدّعي البيّنة ، فإن أقام البيّنة قضى له ، وإن لم يقمها وطلب اليمين من المدّعى عليه حلّفه الحاكم ، فإن حلف برئ من المدّعي ، وإن نكل حكم عليه . وقيل : تردّ اليمين على المدّعي . هذا طريق الحكم إجمالاً ، لقول النّبيّ : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر »
وفي ذلك تفصيلات تنظر في ( إثباتٍ ، ودعوى ، حلفٍ ، إقرارٍ ، نكولٍ ) .
ما به يتحقّق الإنكار :
أوّلاً : النّطق :
8 - يتحقّق الإنكار بالنّطق . ويشترط في النّطق أن يكون صريحاً بحيث لا يحتمل إلاّ الإنكار ، كأن يقول لم تسلّفني ما تدّعيه . وهناك ألفاظ اختلف العلماء في كونها صريحةً أو غير صريحةٍ ، كأن يقول : لا حقّ له عندي . فإنّه لا يكون إنكاراً ، وهذا هو القول المقدّم عند المالكيّة ، وهو قول ابن القاسم ، ومذهب الحنفيّة .
والقول الآخر عند المالكيّة ، وهو قول للشّافعيّة ، وقول الحنابلة أن يكون إنكاراً ، لأنّ نفي المطلق يشمل نفي المقيّد ، فقوله ليس له عليّ حقّ نفي مطلق لحقّ المدّعي ، أيّاً كان سببه ، فيعتبر جواباً كافياً وإنكاراً موجباً للحلف بشروطه .
ثانياً : الامتناع من الإقرار والإنكار :
9 - لو قال المدّعى عليه : لا أقرّ ولا أنكر ، فقد اختلفت أقوال الفقهاء في حكم امتناعه هذا . فقال صاحبا أبي حنيفة رحمهم الله : هو إنكار ، فيستحلف بعده .
وعند الحنابلة - وهو قول للمالكيّة - إنّ قوله لا أقرّ ولا أنكر بمنزلة النّكول ، فيقضي بلا استحلافٍ ، كما يقضي على النّاكل عن اليمين ، وذلك بعد أن يعلمه القاضي أنّه إن لم يقرّ ولم ينكر حكم عليه . وقال أبو حنيفة ، وهو قول المالكيّة المقدّم عندهم : إن قال لا أقرّ ولا أنكر لا يستحلف ، لأنّه لم يظهر الإنكار ، ويحبس حتّى يقرّ وينكر .
وفي مذهب المالكيّة التّصريح بأنّ القاضي يؤدّبه حتّى يقرّ أو ينكر ، فإن استمرّ على امتناعه حكم عليه بغير يمينٍ . ونقل الكاسانيّ عن بعض الحنفيّة أنّ قوله لا أقرّ ولا أنكر إقرار .
ولم نر للشّافعيّة نصّاً في هذه المسألة .
ثالثاً : السّكوت :
10 - من ادّعى عليه أمام القضاء فسكت ، ففي اعتبار سكوته إنكاراً أقوال :
الأوّل : إنّ سكوته إنكار ، وهذا قول أبي يوسف من الحنفيّة ، وعليه الفتوى عندهم ، لأنّ الفتوى على قوله فيما يتعلّق بالقضاء ، وهو مذهب الشّافعيّة . قال صاحب البدائع : لأنّ الدّعوى أوجبت الجواب عليه ، والجواب إمّا إقرار وإمّا إنكار ، فلا بدّ من حمل السّكوت على أحدهما ، والحمل على الإنكار أولى ، لأنّ العاقل المتديّن لا يسكت عن إظهار الحقّ المستحقّ لغيره مع القدرة عليه ، فكان حمل السّكوت على الإنكار أولى ، فكان السّكوت إنكاراً دلالةً . وهذا إن كان سكوته لغير عذرٍ ، فإن كان لعذرٍ كما لو كان في لسانه آفة تمنعه عن التّكلّم ، أو في سمعه ما يمنعه من سماع الكلام ، فلا يعدّ سكوته إنكاراً .
وذكر الشّافعيّة من الأعذار أيضاً أن يسكت لدهشةٍ أو غباوةٍ . أمّا الأخرس فقالوا : إنّ تركه الإشارة بمنزله السّكوت . فعلى هذا القول يطلب القاضي من المدّعي البيّنة ، على ما صرّح به في درر الحكّام .
11 - القول الثّاني مذهب المالكيّة والحنابلة ، وهو ثاني قولين للشّافعيّة : أنّ سكوت المدّعى عليه بمنزلة النّكول ، فيحكم عليه القاضي بالسّكوت كما يحكم على المنكر النّاكل عن اليمين ، بعد أن يعلمه القاضي بحكم سكوته ، فيقول له : إن أجبت عن دعواه وإلاّ جعلتك ناكلاً وقضيت عليك ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة . على أنّه لا يحكم عليه إلاّ بعد ردّ اليمين على المدّعي عند الشّافعيّة والحنابلة .
12 - القول الثّالث : وهو قول للحنابلة أيضاً : يحبسه القاضي حتّى يجيب عن الدّعوى .
غيبة المدّعى عليه بعد إنكاره :
13 - إذا حضر المدّعى عليه بين يدي القاضي ، فأنكر ما ادّعى عليه به ، ثمّ غاب قبل إقامة البيّنة عليه ، لم يجز الحكم عليه عند أبي حنيفة .
وكذا إذا سمعت البيّنة عليه ثمّ غاب قبل القضاء ، لأنّ الشّرط قيام الإنكار وقت القضاء .
وخالفه أبو يوسف رحمه الله ، فقال بصحّة القضاء في هذه الحال ، لأنّ الشّرط عنده الإصرار على الإنكار إلى وقت القضاء ، والإصرار ثابت بعد غيبته بالاستصحاب .
وكذلك الحكم عند الشّافعيّة القائلين بجواز القضاء على الغائب أصلاً .
وقال الحنابلة : يقضى على الغائب في الحقوق كلّها والمعاملات والمداينات والوكالات وسائر الحقوق إلاّ العقار وحده ، فإنّه لا يحكم عليه فيه إلاّ أن تطول غيبته ويضرّ ذلك بخصمه .
حكم المنكر :
14 - إذا ادّعي على إنسانٍ بشيءٍ فأنكر ، فإنّ البيّنة تطلب من خصمه ، فإن أقامها حكم له ، وإن لم يتمكّن من إقامتها فإنّ القاضي يستحلف المنكر إذا طلب خصمه تحليفه ، فإن حلف حكم ببراءته من المدّعي ، وإن نكل قضى عليه عند الحنفيّة والحنابلة ، أمّا عند المالكيّة والشّافعيّة فلا يقضي عليه حتّى يردّ اليمن على طالب الحقّ ، فإن حلف الطّالب حينئذٍ قضى له . ودليل استحلاف المنكر حديث : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » السّابق ، وحديث وائل بن حجرٍ ، وفيه « أنّ رجلاً من حضرموت ، ورجلاً من كندة أتيا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميّ : إنّ هذا غلبني على أرضٍ لي ورثتها عن أبي . وقال الكنديّ : أرضي وفي يدي لا حقّ له فيها . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه . قال : إنّه لا يتورّع عن شيءٍ . قال : ليس لك إلاّ ذلك » .
شرط استحلاف المنكر :
15 - انفرد المالكيّة عن بقيّة المذاهب باشتراط شرطين لاستحلاف المنكر ، وعليه فقهاء المدينة السّبعة على ما ذكره ابن حجرٍ الهيتميّ في شرح الأربعين :
أ - أن يكون بين المتخاصمين مخالطة بدينٍ أو تكرّر بيعٍ ولو مرّةً ، فإن لم يكن بينهما مخالطة ، وأنكر ، ولم تكن بيّنة ، لم يثبت على المنكر شيء ، ولم يطالب بيمينٍ .
والمخالطة عندهم في كلّ معاملةٍ بحسبها .
واستثنوا مواضع تجب فيها اليمين بدون خلطةٍ : منها : أهل الظّلم ، والضّيف ، والمتّهم ، والمريض ، والصّنّاع فيما ادّعي عليهم استصناعه ، وأرباب الأسواق والحوانيت فيما ادّعي عليهم بيعه ، والرّفقاء في السّفر يدّعي بعضهم على بعضٍ ، الوديعة إذا ادّعيت على أهلها ، والمزايدة إذا ادّعي على من حضرها أنّه اشترى المعروض للبيع .
ب - أن يكون المدّعى عليه في دعوى التّعدّي والغصب ونحوهما معروفاً بمثل ما ادّعي عليه به ، فإن لم يكن متّهماً بمثله لم يستحلف .
وتفصيل ذلك في : دعوى ، وقضاءٍ ، ويمينٍ .
المواضع الّتي يستحلف فيها المنكر والّتي لا يستحلف فيها :
16- إنّه وإن كانت القاعدة أنّ « اليمين على من أنكر » إلاّ أنّ بعض الأمور لا استحلاف فيها ، لأنّ الحقوق نوعان :
الأوّل : حقوق اللّه تعالى ، كالعبادات والكفّارات والحدود : فيرى أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ واللّيث ، أنّ المنكر يستحلف فيها إذا اتّهم . وقد حكي عن الشّافعيّ فيمن تزوّج من لا تحلّ له ، ثمّ ادّعى الجهل . أنّه يحلف على دعواه . وكذا قال إسحاق في طلاق السّكران : يحلف أنّه ما كان يعقل ، وفي طلاق النّاسي : يحلف على نسيانه .
وقال الحنابلة : لا استحلاف في حقوق اللّه تعالى أصلاً . نصّ عليه أحمد في الزّكاة ، وبه قال طاووس والثّوريّ .
الثّاني : حقوق العباد . أجمع الفقهاء على الاستحلاف في الأموال ، واختلفوا في غيرها : فقال الشّافعيّ وأحمد في إحدى الرّوايات عنه : يستحلف في جميع حقوق الآدميّين .
وقال مالك : لا يستحلف إلاّ في كلّ دعوى لا تحتاج إلى شاهدين .
وعن أحمد : لا يستحلف إلاّ فيما يصحّ بذله . وفي روايةٍ ثالثةٍ : لا يستحلف إلاّ فيما يقضى فيه بالنّكول . ومثّل له ابن القيّم بمن ادّعى ديناً على ميّتٍ ، وللميّت وصيّ بقضاء دينه وتنفيذ وصاياه ، فأنكر . فإن كان للمدّعي بيّنة حكم بها ، وإن لم تكن له بيّنة ، وأراد تحليف الوصيّ على نفي العلم ، لم يكن له ذلك ، لأنّ مقصود التّحليف أن يقضى عليه بالنّكول ، والوصيّ لا يقبل إقراره بالدّين ، ولو نكل لم يقض عليه ، فلا فائدة في تحليفه .
وهذا الخلاف المتقدّم في حقوق الآدميّين هو في غير المؤتمن .
أمّا المؤتمن ففيه للعلماء ثلاثة أقوالٍ :
الأوّل : وهو قول أبي حنيفة ومالكٍ في روايةٍ عنه ، والشّافعيّ وأكثر الحنابلة ، عليه اليمين ، لأنّه منكر فيدخل في عموم الحديث السّابق : « اليمين على من أنكر » .
الثّاني : لا يمين ، لأنّه صدّقه ، ولا يمين مع التّصديق ، وهو قول الحارث العكليّ .
الثّالث : وهو الرّواية الأخرى عن مالكٍ ، وهو نصّ أحمد . لا يمين عليه إلاّ أن يتّهم ، لأنّه إذا قامت قرينة تنافي معنى الائتمان فقد اختلّ الائتمان .
وتفصيل ما عند الحنفيّة في هذه المسألة ، أنّ الاستحلاف لا يكون في الحدود واللّعان ، بأن ادّعت على زوجها أنّه قذفها بما يوجب اللّعان وأنكر الزّوج ذلك ، لأنّ الحدود تندرئ بالشّبهات ، واللّعان في معناها ، فلا يؤخذ فيهما بالنّكول .
واختلف قولهم فيما عدا ذلك . فقال أبو حنيفة : لا يستحلف المنكر في النّكاح والرّجعة والفيء في الإيلاء والرّقّ والاستيلاد والولاء . وقال أبو يوسف ومحمّد : يستحلف فيها . والفتوى على قولهما . وقيل عند المتأخّرين : ينبغي للقاضي أن ينظر في حال المدّعى عليه ، فإن رآه متعنّتاً يحلّفه أخذاً بقولهما ، وإن رآه مظلوماً لا يحلّفه أخذاً بقول أبي حنيفة .
ثمّ قد قال صاحب الأشباه : لا يستحلف في إحدى وثلاثين صورةً .
ونقل هذا صاحب الدّرّ وعدّدها بالتّفصيل ، وأضاف إليها هو وابن عابدين من الصّور ما تمّت به تسعاً وستّين صورةً .
حكم الإنكار كذباً :
17 - يجوز للمدّعى عليه الإنكار إن لم يكن للمدّعي عنده حقّ وكان مبطلاً في دعواه . أمّا إن كان المدّعى عليه عالماً بحقّ المدّعي عنده فلا يحلّ له الإنكار .
واستثنى الحنفيّة مسألتين يجوز فيهما الإنكار ، مع علمه بأنّ المدّعي محقّ :
الأولى : دعوى العيب القديم ، كما إذا ادّعى المشتري أنّ المال الّذي اشتريته منك فيه كذا ، فللبائع - ولو كان واقفاً على العيب القديم - أن ينكر وجوده حتّى يثبته المشتري ، ويردّه إليه ليتمكّن بدوره أن يردّه على من باعه إيّاه .
الثّانية : لوصيّ المتوفّى أن ينكر دين الميّت ولو كان عالماً بذلك .
هذا ما ذكره في درر الحكّام . وفي شرح الأتاسيّ على المجلّة ما يفيد أنّ القاعدة في ذلك أنّه يسوغ له الإنكار إن تحقّقت حاجته إلى البيّنة . قال : وهذا في مسائل منها : استحقّ المبيع في يد المشتري يعذر في الإنكار ، وإن علم صدق المدّعي ، إذ لو أقرّ هو لم يرجع على بائعه باليمين . وعند الشّافعيّة إذا نصب القاضي مسخّراً ( أي ممثّلاً للمدّعى عليه ) ينكر عن البائع جاز للمسخّر الإنكار وإن كان كاذباً . وعلّلوا ذلك بالمصلحة . ولعلّهم يقصدون مصلحة تمكين المدّعي من إقامة البيّنة ، لتكون البيّنة بناءً على إنكار منكرٍ .
وذكر المالكيّة أنّه يجوز الإنكار في حال الخوف على النّفس أو المال ، وجعلوا ذلك من باب الإكراه . قالوا : إذا استخفى الرّجل عند الرّجل من السّلطان الجائر الّذي يريد دمه أو ماله ، فسأله السّلطان عنه ، فستر عليه ، وجحد أن يكون عنده ، فقال له : احلف أنّه ليس عندك ، فحلف أنّه ليس عندي ، ليدفع عن نفسه ودمه ، أو ما دون ذلك من ماله ، فلا شيء عليه إن كان خائفاً على نفسه . أمّا إن كان آمناً على نفسه ، وإنّما أراد أن يقيه بيمينه فقد أجر فيما فعل ، ولزمه الحنث فيما حلف . قالوا : وكذلك فعل مالك في هذا بعينه .
أمّا التّخلّص من مثل هذا المأزق بالتّأويل والتّورية فينظر في مصطلح ( تورية )
جحد من عليه الحقّ كذباً ، إن كان الآخر جاحداً لحقّه :
18 - ذكر المالكيّة والحنابلة أنّ من عليه الدّين ليس له أن يجحده حتّى في حالة ما لو كان له دين قبل المدّعي ، وكان المدّعي قد جحده ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » .
ولأنّ الدّين الّذي على المدّعى عليه إن كان من غير جنس دينه ، كأن يكون دين أحدهما ذهباً ودين الآخر فضّةً ، فإنّ الجحد هنا يكون كبيع الدّين بالدّين ، وهو لا يجوز ولو تراضيا . وإن كان الدّينان من جنسٍ واحدٍ كان ذلك من قبيل المقاصّة ، وهي لا تجوز إلاّ بالتّراضي . إذن ليس له تعيين حقّه بغير صاحبه .
وأجاز الشّافعيّة للمدين جحد دين من جحد دينه ، إذا كان على الجاحد مثل ما له عليه ، أو أكثر منه ، فتحصل المقاصّة بين الدّينين ، وإن لم توجد شروطها للضّرورة .
فإن كان له دون ما للآخر جحد من حقّة بقدره . ولم نجد للحنفيّة تعرّضاً لهذه المسألة .
تعريض القاضي بالإنكار في الحدود :
19 - للفقهاء في حكم تعريض القاضي بالإنكار للمقرّ بحدٍّ ، ثلاثة أقوالٍ :
الأوّل : وهو قول الحنفيّة والحنابلة وهو اختيار بعض المالكيّة ، والقول الصّحيح عند الشّافعيّة - كما قال النّوويّ - أنّ من أقرّ لدى الحاكم ابتداءً ، أو بعد دعوى بما يستوجب عقوبةً لحقّ اللّه تعالى ، كالزّنى والسّرقة ، فإنّ للحاكم أن يعرض له بالرّجوع عن الإقرار . وهذا عند الشّافعيّة على سبيل الجواز ، وعند الحنفيّة ، والحنابلة على سبيل الاستحباب . واحتجّوا لذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لماعزٍ لمّا أقرّ بالزّنى : « لعلّك قبّلت ، أو غمزت ، أو نظرت » . وقوله صلى الله عليه وسلم للّذي أقرّ بالسّرقة .« ما أخالك سرقت ». القول الثّاني : وهو للشّافعيّة ، أنّه لا يجوز التّعريض بالإنكار في ذلك أصلاً .
والقول الثّالث : وهو للشّافعيّة أيضاً ، أنّه يعرض له بالرّجوع إن كان المقرّ لا يعلم أنّ له الرّجوع . فإن كان يعلم ذلك لا يعرض له .
أمّا التّصريح بالرّجوع عن الإقرار بالحدّ ، وتلقين المقرّ ذلك ، فقد صرّح الشّافعيّة بعدم جوازه . قالوا : لا يقول له : " ارجع عن إقرارك " وأجازه الحنفيّة والحنابلة ، فقالوا : لا بأس بتلقينه الرّجوع . وهذا يفهم منه جواز التّصريح . ويؤيّده احتجاج صاحب المغني من الحنابلة بما رواه سعيد بن منصورٍ عن أبي الدّرداء أنّه أتي بجاريةٍ سوداء قد سرقت ، فقال لها : " أسرقت ؟ قولي : لا " فقالت : لا . فخلّى سبيلها .
الضّمان بعد إنكار الحقّ :
20 - إذا أنكر المودع الوديعة بعد طلب ربّها لها ، دخلت في ضمانه ، فإن تلفت بعد إنكاره ، كأن كانت دابّةً فماتت ، أو داراً فانهدمت ، يتقرّر عليه ضمانها ، ويضمنها بقيمتها ، لأنّه بإنكاره لها يكون غاصباً ، ولأنّ العقد ينفسخ بطلب المالك الوديعة وإنكار المودع لها ، لأنّه بإنكاره عزل نفسه عن الحفظ الّذي هو مقتضى العقد ، فيبقى مال الغير بيده بغير إذنه ، فيكون مضموناً ، فإذا هلك ضمنه .
ولو أنّ المودع عاد بعد إنكاره ، فأقرّ الوديعة ، لم يزل عنه الضّمان .
وقال بعض الحنفيّة : لا يضمن المودع الوديعة بالإنكار ، إلاّ إن نقلها من مكانها الّذي كانت فيه وقت الإنكار ، إن كانت ممّا ينقل ، وإن لم ينقلها من ذلك المكان بعد الجحود ، فهلكت ، لا يضمن . أمّا إن ردّ الوديعة إلى صاحبها بعد الإنكار وقبل تلفها فيزول الضّمان ، فلو أودعه إيّاها مرّةً ثانيةً فتلفت فإنّه لا يضمن .
قطع منكر العاريّة :
مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد : أنّه لا قطع على منكر الوديعة أو العاريّة أو الأمانة ، وكذلك مذهب المالكيّة ، كما يفهم من كلامهم ، وذلك لعدم الأخذ من حرزٍ .
قالوا : ولحديث : « ليس على خائنٍ ، ولا منتهبٍ ، ولا مختلسٍ ، قطع » .
والخائن هو جاحد الوديعة ونحوها .
والرّواية الأخرى عند الحنابلة ، وهي المذهب ، عدم وجوب القطع عليهم ، إلاّ جاحد العاريّة خاصّةً يجب قطعه باعتبار أنّه سارق ، لما ورد « أنّ امرأةً كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقطع يدها » . قال أحمد : لا أعلم شيئاً يدفعه . وقال الجمهور : في حديث المخزوميّة هذا ، إنّ أكثر رواياته أنّها " سرقت " فيؤخذ بها .
ويحتمل أنّها كانت تستعير وتجحد ، وكانت تسرق فقطعت لسرقتها لا لجحودها .
ويرجع في تفصيل هذه المسألة والخلاف فيها إلى مصطلح : ( سرقة ) .
الإنكار بعد الإقرار :
21 - من أقرّ بحقٍّ ثمّ رجع عن إقراره ، فإمّا أن يكون إقراره في الحدود الّتي لحقّ اللّه ، أو في غير ذلك :
أ - الإنكار بعد الإقرار بما هو حقّ للّه :
22 - لو أقرّ رجل بالزّنى أو نحوه ممّا فيه حقّ اللّه ، ثمّ أنكره أو رجع عنه ، فللفقهاء في ذلك اتّجاهات ثلاثة :
الأوّل : وهو قول الحنفيّة والحنابلة ، والقول المقدّم عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة : لا يلزمه حكم إقراره ، بل إذا رجع وأنكر السّبب أو أكذب نفسه ، أو أنكر إقراره به ، أو أكذب الشّهود - أي شهود الإقرار - سقط الحدّ ، فلم يقم عليه . ولو كان رجوعه أثناء إقامة الحدّ سقط باقيه . قال المرغينانيّ : لأنّ الرّجوع خبر محتمل للصّدق ، كالإقرار ، وليس أحد يكذّبه فيه ، فتتحقّق الشّبهة في الإقرار ، بخلاف ما فيه حقّ العبد وهو القصاص وحدّ القذف ، لوجود من يكذّبه ، وليس كذلك ما هو حقّ خالص للشّرع .
ومثل حدّ الزّنى في ذلك حدّ السّرقة وشرب الخمر .
الثّاني : أنّ الحدّ إذا ثبت بالإقرار لم يسقط بإنكاره أو الرّجوع عنه .
وهذا قول للشّافعيّة في السّرقة خاصّةً .
الثّالث : وهو قول للمالكيّة قاله أشهب ، وروي عن مالكٍ ، أنّ الرّجوع لا يقبل إلاّ بأمرٍ يعذر به المقرّ - لا مطلقاً - ومثال ما يعذر به المقرّ أن يقول وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض ، فظننت أنّه زنًى .
ب - الإنكار بعد الإقرار فيما هو حقّ للعباد :
23 - قال ابن قدامة : حقوق الآدميّين وحقوق اللّه الّتي لا تدرأ بالشّبهات كالزّكاة والكفّارات لا يقبل رجوعه عن إقراره بها . لا نعلم في هذا خلافاً . حتّى أنّه لو أقرّ بالسّرقة ، ثمّ رجع عنها ثبت المال ، لأنّه حقّ العبد ، وسقط القطع ، لأنّه حقّ اللّه .
غير أنّ الشّبهة الّتي عرضت من احتمال أن يكون صادقاً في رجوعه عن إقراره ، دعت بعض الفقهاء أن يقولوا إنّ القاضي ، إن رجع المقرّ في إقرارٍ ، لا يقضي عليه إلاّ بعد استحلاف خصمه أنّ الإقرار لم يكن باطلاً .
قال ابن قدامة : لو أقرّ أنّه وهب وأقبض الهبة ، أو أنّه قبض المبيع ، أو آجر المستأجر ، ثمّ أنكر ذلك وسأل إحلاف خصمه ، فإنّه لا يستحلف على روايةٍ عن أحمد ، وهو قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّ دعواه تكذيب لإقراره ، ولأنّ الإقرار أقوى من البيّنة ، ولو شهدت البيّنة فقال : حلّفوه لي مع بيّنته لم يستحلف . فكذلك هنا . قال : وفي الرّواية الثّانية يستحلف وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف ، وعليه الفتوى عند الحنفيّة ، لأنّ العادة جارية بالإقرار قبل القبض ، فيحتمل صحّة ما قاله ، فينبغي أن يستحلف خصمه لنفي الاحتمال .
أثر جحود العقود في انفساخها :
24 - إذا جحد أحد المتبايعين البيع أو غيره من العقود اللّازمة - غير النّكاح - لم يترتّب على إنكاره له انفساخ العقد ، وكان للآخر التّمسّك بالعقد ، وله بعد الإثبات المطالبة بتنفيذه . لكن إن رضي هذا الآخر بالفسخ قولاً ، أو بتركه الخصومة مع فعلٍ يدلّ على الرّضى بالفسخ ، كنقله المبيع إلى منزله ، ينفسخ العقد . فلو قال المالك : اشتريت منّي هذه الدّابّة ، وأنكر الآخر الشّراء ، فرضي البائع ، انفسخ البيع ، وكان له أن يركب الدّابّة ، ولو أنّ المشتري ادّعى الشّراء بعد رضى البائع بالفسخ لا يقبل ، لانفساخ العقد .
أمّا النّكاح فلو جحد الرّجل أنّه تزوّج المرأة ، ثمّ ادّعى الزّواج وبرهن ، يقبل منه برهانه عند الحنفيّة ، لأنّ النّكاح لا يحتمل الفسخ بسائر الأسباب فكذا بهذا السّبب . ويوافق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة الحنفيّة على أنّ إنكار الزّوج النّكاح لا يكون فسخاً .
وليس هو أيضاً طلاقاً عند الحنفيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ولو نواه ، لأنّ الجحود هنا لعقد النّكاح ، لا لكونها امرأته . بخلاف ما لو قال : ليست هي امرأتي ، فإنّه إن نوى الطّلاق وقع طلاقاً . وعند المالكيّة : لو نوى الطّلاق بجحد النّكاح يكون طلاقاً ، كأنّهم جعلوه من كنايات الطّلاق .
أثر إنكار الرّدّة في حصول التّوبة منها :
25 - إذا ثبتت ردّة إنسانٍ بالبيّنة ، فأنكر أن يكون ارتدّ ، فللفقهاء في اعتبار ذلك الإنكار منه توبة قولان :
الأوّل : وهو قول الحنفيّة : أنّ من شهدت عليه البيّنة بالرّدّة ، وهو ينكرها ، وهو مقرّ بالتّوحيد وبمعرفة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبدين الإسلام ، فلا يتعرّض له ، لا لتكذيب الشّهود ، بل لأنّ إنكاره توبة ورجوع ، فيمتنع القتل فقط ، وتثبت بقيّة أحكام الرّدّة ، كحبوط عملٍ وبطلان وقفٍ ... إلخ .
الثّاني : وهو قول الشّافعيّة والحنابلة : يحكم بردّته ، ويلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلماً ، فإن لم يفعل استتيب ، فإن تاب وإلاّ قتل .
ولم يتعرّض المالكيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه من كلامهم . هذا وقد نصّ الحنابلة على أنّه إن كان ثبوت ردّته بالإقرار . فإنّ إنكاره يكون توبةً ، ولا يتعرّض له ، كما في سائر الحدود . ولم نجد لغير الحنابلة نصّاً في ذلك ، والظّاهر أنّه موضع اتّفاقٍ .
الصّلح مع الإنكار :
26 - الصّلح عقد يتوصّل به إلى الإصلاح بين المتخاصمين .
والصّلح في الأموال نوعان : صلح مع الإنكار ، وصلح مع الإقرار .
والصّلح مع الإنكار عندما يكون المدّعى عليه يرى أنّه لا حقّ عليه ، فيدفع إلى المدّعي شيئاً افتداءً ليمينه وقطعاً للخصومة ، وصيانةً لنفسه عن التّبذّل بالمخاصمة في مجالس القضاء . وقد اختلف الفقهاء في صحّة مثل هذا الصّلح ، فأجازه الجمهور ، منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد ، ومنعه الشّافعيّ . وأمّا متى كان المدّعى عليه مقرّاً بالحقّ فصالح عنه ببعضه ، فهو المسمّى بالصّلح مع الإقرار . وينظر تفصيل القول في نوعي الصّلح تحت عنوان ( صلح ) .
إنكار شيءٍ من أمور الدّين :
27 - لا يجوز للمسلم أن ينكر شيئاً من دين الإسلام . ولكن من أنكر شيئاً من أمور الدّين لا يحكم بكفره ، إلاّ إن كان ما أنكره أمراً مجمعاً عليه قد علم قطعاً مجيء النّبيّ صلى الله عليه وسلم به . كوجوب الصّلاة والزّكاة ، ولم يكن ذلك المنكر جاهلاً بالحكم ولا مكرهاً ، وهذا قول جمهور الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
واشترط بعض الحنفيّة وبعض المالكيّة وبعض الشّافعيّة أن يكون المجحود قد علم مجيء النّبيّ صلى الله عليه وسلم به بالضّرورة ، أي علماً ضروريّاً لا يتوقّف على نظرٍ واستدلالٍ . أو كما عبّر البعض : يعرفه كلّ المسلمين .
قال ابن الهمام في المسايرة : وأمّا ما أجمع عليه ، ولم يبلغ حدّ الضّرورة ، كاستحقاق بنت الابن السّدس مع البنت بإجماع المسلمين ، فظاهر كلام جمهور الحنفيّة الإكفار بجحده ، فإنّهم لم يشرطوا سوى القطع في الثّبوت . وأمّا عند من شرط كونه معلوماً بالضّرورة فلا يكفر عنده من جحد مثل هذا الحكم .
ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفيّة أنّ المسائل الإجماعيّة تارةً يصحبها التّواتر عن صاحب الشّرع ، وتارةً لا يصحبها . فالأوّل يكفر جاحده لمخالفته التّواتر لا لمخالفته الإجماع . ونقل ابن حجرٍ الهيتميّ مثل ذلك عن بعض الشّافعيّة . وقريب من قول من اشترط في المجحود أن يكون معلوماً من الدّين بالضّرورة قول الحنابلة ، فإنّهم اشترطوا لما يكفر بإنكاره أن يكون ظاهراً بين المسلمين لا شبهة فيه ، وعبارة شرح المنتهى : من جحد حكماً ظاهراً بين المسلمين - بخلاف ( نحو ) فرض السّدس لبنت الابن مع بنت الصّلب ، وكان ذلك الحكم مجمعاً عليه إجماعاً قطعيّاً لا سكوتيّاً ، لأنّ فيه - أي الإجماع السّكوتيّ - شبهةً ، كجحد تحريم الزّنى ، أو جحد تحريم لحم الخنزير ، أو مذكّاة بهيمة الأنعام والدّجاج ، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين ، أو كان مثله يجهله وعرف حكمه ، وأصرّ على الجحد ، كفر . وينظر التّفصيل في هذه المسألة تحت عنوان ( ردّة ) .
ثانياً :
رد مع اقتباس