إنهاء الانتفاع وانتهاؤه :
41 - إنهاء الانتفاع معناه وقف آثار الانتفاع في المستقبل بإرادة المنتفع أو مالك الرّقبة أو القاضي ، وعبّر عنه الفقهاء بلفظ ( فسخ ) . وانتهاء الانتفاع معناه أن تتوقّف آثاره بدون إرادة المنتفع أو مالك العين ، وعبّر عنه الفقهاء بلفظ ( انفساخ ) .
أوّلاً : إنهاء الانتفاع : ينهى الانتفاع في الحالات الآتية :
أ - الإرادة المنفردة :
42 - يمكن إنهاء الانتفاع بالإرادة المنفردة في عقود التّبرّع ، سواء أكان من قبل مالك الرّقبة أو المنتفع نفسه . فكما أنّ الوصيّة بالانتفاع يمكن إنهاؤها من قبل الموصى له في حياته ، يصحّ إنهاؤها من قبل الموصى له بعد موت الموصي . وكما أنّ الإعارة يمكن إنهاؤها من قبل المعير ، فله أن يرجع في أيّ وقتٍ شاء على رأي الجمهور ، خلافاً للمالكيّة كما تقدّم . كذلك يسوغ للمستعير أن يردّها أيّ وقتٍ شاء . لأنّ الإعارة والوصيّة من العقود غير اللّازمة من الطّرفين كالوكالة ، فلكلّ واحدٍ منهما فسخها متى شاء ، ولو مؤقّتةً بوقتٍ لم ينقض أمده ، إلاّ في صورٍ مستثناةٍ لدفع الضّرر .
ب - حقّ الخيار :
43 - يصحّ إنهاء الانتفاع باستعمال الخيار في بعض العقود كالإجارة ، فإنّها تفسخ بالعيب ، سواء أكان العيب مقارناً للعقد أو حادثاً بعده ، لأنّ المعقود عليه في الإجارة - وهي المنافع - يحدث شيئاً فشيئاً ، فما وجد من العيب يكون حادثاً قبل القبض في حقّ ما بقي من المنافع ، فيوجد الخيار .
كذلك يمكن إنهاء الانتفاع في الإجارة بفسخها بسبب خيار الشّرط ، وخيار الرّؤية عند من يقول به ، لأنّ الإجارة بيع المنافع ، فكما يجوز فسخ البيع بخيار الشّرط والرّؤية ، كذلك يصحّ إنهاء الانتفاع في الإجارة بسبب هذين الخيارين .
وتفصيل ذلك في خيار الشّرط وخيار الرّؤية .
44 - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز إنهاء الانتفاع في حالة تعذّره ، وذلك في العقود اللّازمة ، كالإجارة . أمّا العقود غير اللّازمة كالإعارة فإنّها قابلة للفسخ بدون التّعذّر كما سبق . والتّعذّر أعمّ من التّلف عند المالكيّة ، فيشمل الضّياع والمرض والغصب وغلق الحوانيت قهراً . وقد توسّع الحنفيّة والحنابلة في إنهاء الانتفاع بسبب العذر . وعرّفه الحنفيّة بأنّه : عجز العاقد عن المضيّ بموجب العقد إلاّ بتحمّل ضررٍ زائدٍ ، كمن استأجر حانوتاً يتّجر فيه فأفلس .
وصرّح الحنابلة بأنّه إن تعذّر الزّرع بسبب غرق الأرض أو انقطاع مائها فللمستأجر الخيار . وإن قلّ الماء بحيث لا يكفي الزّرع فله الفسخ . وكذلك إذا انقطع الماء بالكلّيّة ، أو حدث بها عيب ، أو حدث خوف عامّ يمنع من سكنى المكان الّذي فيه العين المستأجرة . وقال الشّافعيّة : لا تنفسخ الإجارة بعذرٍ ، كتعذّر وقود الحمّام أو خراب ما حول الدّار والدّكّان . ومع ذلك فقد وافقوا الجمهور على جواز إنهاء الانتفاع في بعض الصّور حيث قالوا : إذا انقطع ماء أرضٍ للزّراعة فللمستأجر الخيار في الفسخ ، وما يمنع استيفاء المنفعة شرعاً يوجب الفسخ ، كما لو سكن ألم السّنّ المستأجر على قلعه .
ج - الإقالة :
45 - لا خلاف في أنّ الانتفاع يمكن إنهاؤه بسبب الإقالة ، وهي فسخ العقد بإرادة الطّرفين . وهذا إذا كان الانتفاع حاصلاً بسبب عقدٍ لازمٍ كالإجارة .
أمّا في غير العقد ، وفي العقود غير اللّازمة ، فلا يحتاج للإقالة ، لأنّه يمكن بالرّجوع عن الإذن أو الإرادة المنفردة ، كما تقدّم .
ثانياً : انتهاء الانتفاع :
ينتهي الانتفاع في الحالات الآتية :
أ - انتهاء المدّة :
46 - لا خلاف بين الفقهاء أنّ الانتفاع ينتهي بانتهاء المدّة المعيّنة أيّاً كان سببه ، فإذا أباح شخص لآخر الانتفاع من أملاكه الخاصّة لمدّةٍ معلومةٍ ينتهي الانتفاع بانتهاء تلك المدّة . وإذا آجره أو أعاره دابّةً لشهرٍ فإنّ الانتفاع بها ينتهي بمضيّ هذه المدّة ، وليس له أن ينتفع بها بعدها ، وإلاّ يكون غاصباً كما تقدّم .
ب - هلاك المحلّ أو غصبه :
47 - ينتهي الانتفاع بهلاك العين المنتفع بها عند عامّة الفقهاء . فتنفسخ الإجارة والإعارة والوصيّة بهلاك الدّابّة المستأجرة ، وبتلف العين المستعارة ، وبانهدام الدّار الموصى بمنفعتها . أمّا غصب المحلّ فموجب لفسخ العقد عند الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة ) لا للانفساخ . وقال بعض الحنفيّة : إنّ الغصب أيضاً موجب للانفساخ ، لزوال التّمكّن من الانتفاع .
ج - وفاة المنتفع :
سبق عند الكلام على توريث الانتفاع ما يتّصل بهذا السّبب . انظر فقرة ( 30 ) .
زوال الوصف المبيح :
48 - ينتهي الانتفاع كذلك بزوال الوصف المبيح كما في حالة الاضطرار ، حيث قالوا : إذا زالت حالة الاضطرار زال حلّ الانتفاع .
انتقال *
التّعريف :
1 - الانتقال في اللّغة : التّحوّل من موضعٍ إلى آخر . ويستعمل مجازاً في التّحوّل المعنويّ ، فيقال : انتقلت المرأة من عدّة الطّلاق إلى عدّة الوفاة . ويطلق عند الفقهاء على هذين المعنيين كما سيأتي .
الألفاظ ذات الصّلة :
الزّوال :
2-الزّوال في اللّغة بمعنى : التّنحّي ، ومعنى العدم .
والفرق بين الانتقال والزّوال : أنّ الزّوال يعني العدم في بعض الأحيان ، والانتقال لا يعني ذلك . وأيضاً : أنّ الانتقال يكون في الجهات كلّها ، أمّا الزّوال فإنّه يكون في بعض الجهات دون بعضٍ ، ألا ترى أنّه لا يقال : زال من سفلٍ إلى علوٍ . ويقال : انتقل من سفلٍ إلى علوٍ ، وثمّة فرق ثالث هو أنّ الزّوال لا يكون إلاّ بعد استقرارٍ وثباتٍ صحيحٍ أو مقدّرٍ ، تقول : زال ملك فلانٍ ، ولا تقول : ذلك إلاّ بعد ثبات الملك له ، وتقول : زالت الشّمس ، وهذا وقت الزّوال ، وذلك أنّهم يقدّرون أنّ الشّمس تستقرّ في كبد السّماء ثمّ تزول ، وذلك لما يظنّ من بطء حركتها . وليس كذلك الانتقال . فعلى هذا يكون الانتقال أتمّ من الزّوال .
الحكم التّكليفيّ :
قد يكون الانتقال واجباً ، وقد يكون جائزاً .
أ - الانتقال الواجب :
3 - إذا تعذّر الأصل وجب الانتقال إلى البدل ، والمتتبّع لأحكام الفقه يجد كثيراً من التّطبيقات لهذه القاعدة ، من ذلك أنّه إذا هلك المغصوب في يد الغاصب وجب مثله أو قيمته . وأنّ من عجز عن الوضوء لفقد الماء وجب عليه الانتقال إلى التّيمّم ، ومن عجز عن القيام في الصّلاة انتقل إلى القعود ، ومن عجز عن الصّيام لشيخوخةٍ وجبت عليه الفدية ، ومن عجز عن أداء صلاة الجمعة لمرضٍ أو غيره وجبت عليه صلاة الظّهر ، ومن أتلف لآخر شيئاً لا مثل له وجبت عليه قيمته ، وإذا لم يجد المصدّق - جابي الصّدقة - السّنّ المطلوبة من الإبل أخذ سنّاً أعلى منها ودفع الفرق ، أو أخذ سنّاً أدنى منها وأخذ الفرق ، ومن تزوّج امرأةً على خمرٍ وجب الانتقال إلى مهر المثل . ومن عجز عن خصال كفّارة اليمين انتقل إلى البدل وهو الصّيام ، وهكذا كلّ كفّارةٍ لها بدل ، يصار إلى البدل عند تعذّر الأصل .
ب - الانتقال الجائز :
4 - الانتقال الجائز قد يكون بحكم الشّرع ، وقد يكون باتّفاق الطّرفين ، ويجوز الانتقال من الأصل إلى البدل إذا كان في البدل مصلحة ظاهرة شرعاً ، فيجوز عند بعض الفقهاء الحنفيّة دفع بدل الواجب في الزّكاة ، والصّدقة ، وزكاة الفطر ، والنّذر ، والكفّارة ، والعشر ، والخراج . كما يجوز باتّفاق أصحاب العلاقة الانتقال من الواجب إلى البدل في دين القرض ، وبدل المتلفات مثلاً وقيمته ، وثمن المبيع ، والأجرة ، والصّداق ، وعوض الخلع ، وبدل الدّم ، ولا يجوز ذلك في دين المسلم .
أنواع الانتقال :
يتنوّع الانتقال إلى الأنواع الآتية :
أ - الانتقال الحسّيّ :
5 - إذا انتقلت الحاضنة من بلد الوليّ إلى آخر للاستيطان سقط حقّها في الحضانة . وينتقل القاضي أو نائبه أو من يندبه إلى المخدّرة ( وهي من لا تخرج في العادة لقضاء حاجتها ) والعاجزة لسماع شهادتها ، ولا تكلّف هي بالحضور إلى مجلس القاضي لأداء الشّهادة . ولا تنتقل المعتدّة رجعيّاً من بيعها إلاّ لضرورةٍ اقتضت ذلك
ب - انتقال الدّين :
6 - ينتقل الدّين الثّابت في الذّمّة إلى ذمّة شخصٍ آخر بالحوالة .
ج - انتقال النّيّة :
7 - انتقال النّيّة أثناء أداء العبادات البدنيّة المحضة يفسد تلك العبادة .
وقال الحنفيّة : لا تفسد إلاّ إذا رافقها شروع في غيرها ، ففي الصّلاة مثلاً : إذا انتقل وهو في الصّلاة من نيّة الفرض الّذي نواه إلى نيّة فرضٍ آخر ، أو إلى نفلٍ ، فسدت صلاته عند الجمهور ، وعند الحنفيّة لا تفسد إلاّ إذا كبّر للصّلاة الأخرى .
وإذا فسدت صلاته ، فهل تصحّ الصّلاة الجديدة الّتي انتقل إليها ؟
قال الجمهور : لا تصحّ ، وقال الحنفيّة : تصحّ مستأنفةً من حين التّكبير ، وقال بعضهم : إن نقل نيّة الفرض إلى النّفل صحّ النّفل ، وقال آخرون : لا تصحّ . ومن صور انتقال النّيّة أيضاً نيّة المقتدي الانفصال عن الإمام ، وقد أجاز ذلك بعض الأئمّة ومنعه آخرون ،
وتفصيل ذلك في مصطلح ( اقتداء ) .
د - انتقال الحقوق :
الحقوق من حيث قابليّتها للانتقال على نوعين ، حقوقٍ تقبل الانتقال ، وحقوقٍ لا تقبل الانتقال .
- 1 - الحقوق الّتي لا تقبل الانتقال :
8 - أوّلاً : الحقوق المتعلّقة بشخص الإنسان ، وتتعلّق بإرادته ، وهي حقوق غير ماليّةٍ في الغالب كاللّعان ، والفيء بعد الإيلاء ، والعود في الظّهار ، والاختيار بين النّسوة اللّاتي أسلم عليهنّ إذا كنّ أكثر من أربعٍ ، واختيار إحدى زوجتيه الأختين اللّتين أسلم عليهنّ ، وحقّ الزّوجة في الطّلاق بسبب الضّرر ونحوه ، وحقّ الوليّ في فسخ النّكاح لعدم الكفاءة ، وما فوّض إليه من الولايات والمناصب كالقضاء والتّدريس والأمانات والوكالات ونحو ذلك .
وقد تكون حقوقاً ماليّةً ، كحقّ الفسخ بخيار الشّرط ، وحقّ الرّجوع بالهبة ، وحقّ الخيار في قبول الوصيّة ، إذ لا تنتقل هذه الحقوق إلى الورثة بالموت .
على خلافٍ وتفصيلٍ يعرف في أبوابها
9 - ثانياً : حقوق اللّه تعالى البدنيّة الخالصة المفروضة فرضاً عينيّاً ، كالصّلاة ، والصّيام ، والحدود إلاّ القذف لما فيه من حقّ العبد .
- 2 - الحقوق الّتي تقبل الانتقال :
10 - قال القرافيّ : من الحقوق ما ينتقل إلى الوارث ، ومنها ما لا ينتقل ، فمن حقّ الإنسان أن يلاعن عند سبب اللّعان ، وأن يفيء بعد الإيلاء ، وأن يعود بعد الظّهار ، وأن يختار من نسوةٍ إذا أسلم عليهنّ ، وهنّ أكثر من أربعٍ ، وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهنّ ، وإذا حمل المتبايعان له الخيار فمن حقّه أن يملك إمضاء البيع عليهما وفسخه ، ومن حقّه ما فوّض إليه من الولايات والمناصب ، كالقصاص والإمامة والخطابة وغيرهما ، وكالأمانة والوكالة ، فجميع هذه الحقوق لا ينتقل للوارث منها شيء ، وإن كانت ثابتةً للمورث . بل الضّابط لما ينتقل إليه ما كان متعلّقاً بالمال ، أو يدفع ضرراً عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه . وما كان متعلّقاً بنفس المورث وعقله وشهواته لا ينتقل للوارث . والسّرّ في الفرق أنّ الورثة يرثون المال فيرثون ما يتعلّق به تبعاً له ، ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه ، فلا يرثون ما يتعلّق بذلك ، وما لا يورث لا يرثون ما يتعلّق به ، فاللّعان يرجع إلى أمرٍ يعتقده لا يشاركه فيه غيره غالباً ، والاعتقادات ليست من باب المال ، والفيئة شهوته ، والعود إرادته ، واختيار الأختين والنّسوة إربه وميله ، وقضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ورأيه ومناصبه وولاياته وآراؤه واجتهاداته وأفعاله الدّينيّة فهو دينه ، ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث ، لأنّه لم يرث مستنده وأصله .
وانتقل للوارث خيار الشّرط في البيعات ، وقاله الشّافعيّ رحمه الله تعالى ، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبلٍ : لا ينتقل إليه . وينتقل للوارث خيار الشّفعة عندنا ( عند المالكيّة ) وخيار التّعيين إذا اشترى موروثه عبداً من عبدين على أن يختار ، وخيار الوصيّة إذا مات الموصى له بعد موت الموصي ، وخيار الإقالة والقبول إذا أوجب البيع لزيدٍ فلوارثه القبول والرّدّ . وقال ابن الموّاز : إذا قال : من جاءني بعشرةٍ فغلامي له ، فمتى جاء أحد بذلك إلى شهرين لزمه ، وخيار الهبة وفيه خلاف ، ومنع أبو حنيفة خيار الشّفعة ، وسلّم خيار الرّدّ بالعيب ، وخيار تعدّد الصّفقة ، وحقّ القصاص ، وحقّ الرّهن ، وحبس المبيع ، وخيار ما وجد من أموال المسلمين في الغنيمة فمات ربّه قبل أن يختاره أخذه بعد القسمة ، ووافقناه نحن على خيار الهبة في الأب للابن بالاعتصار ، وخيار العتق واللّعان والكتابة والطّلاق ، بأن يقول : طلّقت امرأتي متى شئت ، فيموت المقول له ، وسلّم الشّافعيّ جميع ما سلّمناه ، وسلّم خيار الإقالة والقبول .
هـ - انتقال الأحكام :
11 - أوّلاً : إذا طلّق الرّجل زوجته غير الحامل ، ثمّ مات عنها وهي في العدّة فإنّها تنتقل من عدّة الطّلاق إلى عدّة الوفاة في الجملة . وإذا طلّقها وهي صغيرة لا تحيض ، فابتدأت عدّتها بالأشهر ثمّ حاضت ، انتقلت عدّتها إلى الحيض .
12 - ثانياً : حجب النّقصان ينتقل فيه الوارث من فرضٍ إلى فرضٍ أقلّ ، فالزّوج - مثلاً - ينتقل فرضه من النّصف إلى الرّبع ، عند وجود الفرع الوارث .
انتهاب *
التّعريف :
1 - الانتهاب في اللّغة من نهب نهباً : إذا أخذ الشّيء بالغارة والسّلب . والنّهبة ، والنّهبى : اسم للانتهاب ، واسم للمنهوب .
ويعرّف الفقهاء الانتهاب بقولهم : أخذ الشّيء قهراً ، أي مغالبةً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاختلاس :
2 - يفترق الانتهاب عن الاختلاس ، إذ الاعتماد في الاختلاس على سرعة الأخذ ، بخلاف الانتهاب ، فإنّ ذلك غير معتبرٍ فيه . وأيضاً فإنّ الاختلاس يستخفي فيه المختلس في ابتداء اختلاسه ، والانتهاب لا يكون فيه استخفاء في أوّله ولا آخره .
ب - الغصب :
3 - يفترق الانتهاب عن الغصب : في أنّ الغصب لا يكون إلاّ في أخذ ممنوعٍ أخذه ، والانتهاب قد يكون في ممنوعٍ أخذه ، وفيما أبيح أخذه .
ج - الغلول :
4 - الغلول : الأخذ من الغنيمة قبل القسمة ، وليس من الغلول أخذ الغزاة ما يحتاجون إليه من طعامٍ ونحوه ، أو الانتفاع بالسّلاح مع إعادته عند الاستغناء عنه ، فهذا من الانتهاب المأذون به من الشّرع ، وكذلك أخذ السّلب بشروطه ، ر : ( غلول ، سلب ، غنائم ) .
أنواع الانتهاب :
5 - الانتهاب على ثلاثة أنواعٍ :
أ - نوع لا تسبقه إباحة من المالك .
ب - نوع تسبقه إباحة من المالك ، كانتهاب . النّثار الّذي ينثر على رأس العروس ونحو ذلك ، فإنّ ناثره - المالك - أباح للنّاس انتهابه .
ج - نوع أباحه المالك ليؤكل على وجهٍ ما يؤكل به ، فانتهبه النّاس ، كانتهاب المدعوّين طعام الوليمة .
حكمه التّكليفيّ :
6 - اتّفق الفقهاء على تحريم النّوع الأوّل من الانتهاب - وهو انتهاب ما لم يبحه مالكه - لأنّه نوع من الغصب المحرّم بالإجماع . ويجب فيه التّعزير ، وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب السّرقة وكتاب الغصب .
7- أمّا النّوع الثّاني من الانتهاب ، كانتهاب النّثار ، فقد اختلف فيه الفقهاء ، فمنهم من منعه تحريماً له كالشّوكانيّ ، ومنهم من منعه كراهةً له كأبي مسعودٍ الأنصاريّ ، وإبراهيم النّخعيّ وعطاء بن أبي رباحٍ وعكرمة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن سيرين والشّافعيّ ومالكٍ وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه .
واستدلّ القائلون بالتّحريم بما ورد من « نهي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن النّهبى » . واستدلّ الآخرون : بأنّ الانتهاب المحرّم الّذي ورد النّهي عنه هو ما كانت عليه العرب في الجاهليّة من الغارات ، وعلى الامتناع منه وقعت البيعة في حديث عبادة عند البخاريّ « بايعنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ألاّ ننتهب » .
أمّا انتهاب ما أباحه مالكه فهو مباح ، ولكنّه يكره لما في الالتقاط من الدّناءة .
وأمّا من أباح الانتهاب ، فقد قال : إنّ تركه أولى ، ولكن لا كراهة فيه ، ومن هؤلاء : الحسن البصريّ ، وعامر الشّعبيّ وأبو عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ وابن المنذر والحنفيّة وبعض الشّافعيّة وبعض المالكيّة وأحمد بن حنبلٍ في روايةٍ ثانيةٍ عنه .
واستدلّ هؤلاء بما روته أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تزوّج بعض نسائه ، فنثر عليه التّمر » . وبما روى عبد اللّه بن قرطٍ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أحبّ الأيّام إلى اللّه يوم النّحر ثمّ يوم عرفة . فقرّبت إليه بدناتٍ خمساً أو ستّاً فطفقن يزدلفن إليه بأيّتهنّ يبدأ ، فلمّا وجبت - سقطت - جنوبها ، قال كلمةً خفيفةً لم أفهمها - أي لم يفهمها الرّاوي وهو عبد اللّه بن قرطٍ - فقلت للّذي كان إلى جنبي : ما قال رسول اللّه ؟ فقال- قال : من شاء اقتطع » .
« وشهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إملاك شابٍّ من الأنصار فلمّا زوّجوه قال : على الألفة والطّير الميمون والسّعة والرّزق ، بارك اللّه لكم ، دفّفوا على رأس صاحبكم ، فلم يلبث أن جاءت الجواري معهنّ الأطباق عليها اللّوز والسّكّر ، فأمسك القوم أيديهم ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : ألا تنتهبون ، فقالوا : يا رسول اللّه إنّك نهيت عن النّهبة ، قال : تلك نهبة العساكر ، فأمّا العرسات فلا ، فرأيت رسول اللّه يجاذبهم ويجاذبونه » .
8 - أمّا النّوع الثّالث : وهو ما أباحه مالكه لفئةٍ من النّاس ليتملّكوه دون انتهابٍ ، بل على وجه التّساوي ، أو على وجهٍ يقرب من التّساوي - كوضعه الطّعام أمام المدعوّين إلى الوليمة - فإنّ انتهابه حرام لا يحلّ ولا يجوز ، لأنّ مبيحه إنّما أراد أن يتساووا في أكله - مثلاً - فمن أخذ منه أكثر ممّا كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل ، فقد أخذ حراماً وأكل سحتاً . وقد ذكر الفقهاء ذلك عند حديثهم عن الوليمة في كتاب النّكاح .
أثر الانتهاب :
9 - يملك المنتهب ما انتهبه ممّا أباحه مالكه بالانتهاب بأخذه ، لأنّه مباح ، وتملك المباحات بالحيازة . أو هو هبة ، فيملك بما تملك به الهبات .
أنثيان *
التّعريف :
1 - الأنثيان : الخصيتان ، وهما في الاصطلاح بهذا المعنى .
الحكم الإجماليّ :
2 - أ - الأنثيان من العورة المغلّظة فتأخذ حكمها ( ر : عورة ) .
ب - الاختصاء والإخصاء والجبّ للإنسان حرام لنهي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عبد اللّه بن مسعودٍ عن الاختصاء ، فعن إسماعيل بن قيسٍ قال : قال عبد اللّه : « كنّا نغزو مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك » . وقيل : نزل في هذا { يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم } ،
وفي الباب جملة من الأحاديث الّتي تحرّم ذلك .
ج - في الجناية على الخصيتين في غير العمد الدّية ، وفي إحداهما نصف الدّية ، فإن قطع أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من الدّية ، وإن ذهب نسله بقطع إحداهما لم يجب أكثر من نصف الدّية . ( ر : دية ) .
أمّا في العمد ففيهما القصاص عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة ، وأمّا الحنفيّة فلا يوجبون في الأنثيين القصاص لأنّ ذلك لا يعلم له مفصل فلا يمكن استيفاء المثل . ( ر : قصاص ) .