عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 05-06-2012, 01:37 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ثالثاً - صيرورته ذمّيّاً بالتّبعيّة :
15 - هناك حالات يصير فيها غير المسلم ذمّيّاً تبعاً لغيره ، لعلاقةٍ بينهما تستوجب هذه التّبعيّة في الذّمّة منها :
أ - الأولاد الصّغار والزّوجة :
16 - صرّح جمهور الفقهاء : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الأولاد الصّغار يدخلون في الذّمّة تبعاً لآبائهم أو أمّهاتهم إذا دخلوا في الذّمّة ، لأنّ عقد الذّمّة فيه التزام أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، والصّغير في مثل هذا يتبع خير الوالدين ، كما علّله الحنفيّة ، وهذا ما يفهم من كلام المالكيّة ، حيث قالوا . لا تعقد الذّمّة إلاّ لكافرٍ حرٍّ بالغٍ ذكرٍ ، فأمّا المرأة والعبد والصّبيّ فهم أتباع .
واذا بلغ صبيان أهل الذّمّة تؤخذ منهم الجزية دون حاجةٍ إلى عقدٍ جديدٍ ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو وجه عند الشّافعيّة ، لأنّه لم يأت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من خلفائه تجديد العقد لهؤلاء ولأنّهم تبعوا الأب في الأمان ، فتبعوه في الذّمّة . والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه يستأنف له عقد الذّمّة ، لأنّ العقد الأوّل كان للأب دونه ، فعلى هذا جزيته على ما يقع عليه التّراضي . ومثل هذا الحكم أنّ التّبعيّة في الذّمّة يجري على الزّوجة عند الحنفيّة ، فإنّهم قالوا : لو أنّ زوجين مستأمنين دخلا دار الإسلام بالأمان ، أو تزوّج مستأمن مستأمنةً في دارنا ثمّ صار الرّجل ذمّيّاً ، أو دخلت حربيّة دار الإسلام بأمانٍ فتزوّجت ذمّيّاً ، صارت ذمّيّةً تبعاً للزّوج ، لأنّ المرأة في المقام تابعة لزوجها .
ب - اللّقيط :
17 - إذا وجد اللّقيط في مكان أهل الذّمّة ، كقريتهم أو بيعةٍ أو كنيسةٍ يعتبر ذمّيّاً تبعاً لهم ، ولو التقطه مسلم في ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : إذا وجد اللّقيط في دار الإسلام - وفيها أهل ذمّةٍ - أو بدارٍ فتحها المسلمون وأقرّوها بيد الكفّار صلحاً ، أو أقرّوها بيدهم بعد ملكها بجزيةٍ وفيها مسلم - ولو واحداً - حكم بإسلام اللّقيط ، لأنّه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليباً للإسلام .
وإن لم يكن فيما فتحوها مسلم فاللّقيط كافر .
رابعاً - الذّمّة بالغلبة والفتح :
18 - هذا النّوع من الذّمّة يتحقّق فيما إذا فتح المسلمون بلاداً غير إسلاميّةٍ ، ورأى الإمام ترك أهل هذه البلاد أحراراً بالذّمّة ، وضرب الجزية عليهم ، كما فعل عمر بن الخطّاب في فتح سواد العراق .
حقوق أهل الذّمّة
19 - القاعدة العامّة في حقوق أهل الذّمّة : أنّ لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وهذه القاعدة جرت على لسان فقهاء الحنفيّة ، وتدلّ عليها عبارات فقهاء المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . ويؤيّدها بعض الآثار عن السّلف ، فقد روي عن عليّ بن أبي طالبٍ أنّه قال :" إنّما قبلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ، ودماؤهم كدمائنا ".
لكنّ هذه القاعدة غير مطبّقةٍ على إطلاقها ، فالذّمّيّون ليسوا كالمسلمين في جميع الحقوق والواجبات ، وذلك بسبب كفرهم وعدم التزامهم أحكام الإسلام . وفيما يلي نذكر ما يتمتّع به أهل الذّمّة من الحقوق :
أوّلاً - حماية الدّولة لهم :
20 - يعتبر أهل الذّمّة من أهل دار الإسلام ، لأنّ المسلمين حين أعطوهم الذّمّة فقد التزموا دفع الظّلم عنهم والمحافظة عليهم ، وصاروا أهل دار الإسلام ، كما صرّح الفقهاء بذلك . وعلى ذلك فلأهل الذّمّة حقّ الإقامة آمنين مطمئنّين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، وعلى الإمام حمايتهم من كلّ من أراد بهم سوءاً من المسلمين أو أهل الحرب أو أهل الذّمّة ، لأنّه التزم بالعهد حفظهم من الاعتداء عليهم ، فيجب عليه الذّبّ عنهم ، ومنع من يقصدهم بالأذى من المسلمين أو الكفّار ، واستنقاذ من أسر منهم ، واسترجاع ما أخذ من أموالهم ، سواء كانوا مع المسلمين أم منفردين عنهم في بلدٍ لهم ، لأنّهم بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم . ومن مقتضيات عقد الذّمّة أنّ أهل الذّمّة لا يظلمون ولا يؤذون ، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ألا من ظلم معاهداً أو انتَقَصَه حقّه ، أو كلّفَهُ فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ منه ، فأنا حجيجه يوم القيامة » .
حتّى إنّ الفقهاء صرّحوا بأنّ أهل الحرب إذا استولوا على أهل الذّمّة ، فسبوهم وأخذوا أموالهم ، ثمّ قدر عليهم ، وجب ردّهم إلى ذمّتهم ، ولم يجز استرقاقهم ، وهذا في قول عامّة أهل العلم ، كما قال صاحب المغني : لأنّ ذمّتهم باقية ، ولم يوجد منهم ما ينقضها ، وحكم أموالهم حكم أموال المسلمين في حرمتها .
ثانياً - حقّ الإقامة والتّنقّل :
21 - لأهل الذّمّة أن يقيموا في دار الإسلام آمنين مطمئنّين على أنفسهم وأموالهم ، ما لم يظهر منهم ما ينتقض به عهدهم ، لأنّهم إنّما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا ، والمسلمون على شروطهم .
لكنّ الفقهاء اتّفقوا على عدم جواز إقامة الذّمّيّ واستيطانه في مكّة والمدينة ، على خلافٍ وتفصيلٍ فيما سواهما ، ينظر في مصطلح ( أرض العرب ) لقوله صلى الله عليه وسلم :
« لا يجتمع في أرض العرب دينان » ولقوله عليه الصلاة والسلام : « لئن عشت - إن شاء اللّه - لأخرجنّ اليهود والنّصارى من جزيرة العرب » .
أمّا في غيرها من المدن والقرى في دار الإسلام فيجوز لأهل الذّمّة أن يسكنوا فيها مع المسلمين أو منفردين ، لكن ليس لهم رفع بنائهم على المسلمين بقصد التّعلّي ، وإذا لزم من سكناهم في المصر بين المسلمين تقليل الجماعة أمروا بالسّكنى في ناحيةٍ - خارج المصر - ليس فيها جماعة المسلمين إذا ظهرت المصلحة في ذلك .
22 - وأمّا حقّ التّنقّل فيتمتّع أهل الذّمّة به في دار الإسلام أينما يشاءون للتّجارة وغيرها ، إلاّ أنّ في دخولهم مكّة والمدينة وأرض الحجاز تفصيل سبق بيانه في مصطلح ( أرض العرب ) .
ثالثاً - عدم التّعرّض لهم في عقيدتهم وعبادتهم :
23 - إنّ من مقتضى عقد الذّمّة ألاّ يتعرّض المسلمون لأهل الذّمّة في عقيدتهم وأداء عبادتهم دون إظهار شعائرهم ، فعقد الذّمّة إقرار الكفّار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملّة ، وإذا كان هناك احتمال دخول الذّمّيّ في الإسلام عن طريق مخالطته للمسلمين ووقوفه على محاسن الدّين ، فهذا يكون عن طريق الدّعوة لا عن طريق الإكراه ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى : { لا إكراه في الدّين } ، وفي كتاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأهل نجران : « ولنجران وحاشيتها جوار اللّه وذمّة محمّدٍ رسول اللّه على أموالهم وملّتهم وبيعهم وكلّ ما تحت أيديهم ... » وهذا الأصل متّفق عليه بين الفقهاء ، لكن هناك تفصيل وخلاف في بعض الفروع نذكره فيما يلي :
أ - معابد أهل الذّمّة :
24 - قسّم الفقهاء أمصار المسلمين على ثلاثة أقسامٍ :
الأوّل : ما اختطّه المسلمون وأنشئوه كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط ، فلا يجوز فيه إحداث كنيسةٍ ولا بيعةٍ ولا مجتمعٍ لصلاتهم ولا صومعةٍ بإجماع أهل العلم ، ولا يمكّنون فيه من شرب الخمر واتّخاذ الخنازير وضرب النّاقوس ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تبنى كنيسة في دار الإسلام ، ولا يجدّد ما خرب منها » ولأنّ هذا البلد ملك للمسلمين فلا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر ، ولو عاقدهم الإمام على التّمكّن من ذلك فالعقد باطل .
الثّاني : ما فتحه المسلمون عنوةً ، فلا يجوز فيه إحداث شيءٍ من ذلك بالاتّفاق ، لأنّه صار ملكاً للمسلمين ، وما كان فيه شيء من ذلك هل يجب هدمه ؟ قال المالكيّة : وهو وجه عند الحنابلة : لا يجب هدمه ، لأنّ الصّحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيراً من البلاد عنوةً فلم يهدموا شيئاً من الكنائس .
ويشهد لصحّة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد الّتي فتحها المسلمون عنوةً ، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله :" ألاّ يهدموا بيعةً ولا كنيسةً ولا بيت نارٍ ".
وفي الأصحّ عند الشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة : يجب هدمه ، فلا يقرّون على كنيسةٍ كانت فيه ، لأنّها بلاد مملوكة للمسلمين ، فلم يجز أن تكون فيها بيعة ، كالبلاد الّتي اختطّها المسلمون . وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تهدم ، ولكن تبقى بأيديهم مساكن ، ويمنعون من اتّخاذها للعبادة .
الثّالث : ما فتحه المسلمون صلحاً ، فإن صالحهم الإمام على أنّ الأرض لهم والخراج لنا ، فلهم إحداث ما يحتاجون إليه فيها من الكنائس عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، لأنّ الملك والدّار لهم ، فيتصرّفون فيها كيف شاءوا . وفي مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة : المنع ، لأنّ البلد تحت حكم الإسلام .
وإن صالحهم على أنّ الدّار لنا ، ويؤدّون الجزية ، فالحكم في الكنائس على ما يقع عليه الصّلح ، والأولى ألاّ يصالحهم إلاّ على ما وقع عليه صلح عمر رضي الله عنه من عدم إحداث شيءٍ منها . وإن وقع الصّلح مطلقاً ، لا يجوز الإحداث عند الجمهور : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويجوز في بلدٍ ليس فيه أحد من المسلمين عند المالكيّة .
ولا يتعرّض للقديمة عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المفهوم من كلام المالكيّة ، والأصحّ عند الشّافعيّة المنع من إبقائها كنائس .
ب - إجراء عباداتهم :
25 - الأصل في أهل الذّمّة تركهم وما يدينون ، فيقرّون على الكفر وعقائدهم وأعمالهم الّتي يعتبرونها من أمور دينهم ، كضرب النّاقوس خفيفاً في داخل معابدهم ، وقراءة التّوراة والإنجيل فيما بينهم ، ولا يمنعون من ارتكاب المعاصي الّتي يعتقدون بجوازها ، كشرب الخمر ، واتّخاذ الخنازير وبيعها ، أو الأكل والشّرب في نهار رمضان ، وغير ذلك فيما بينهم ، أو إذا انفردوا بقريةٍ . ويشترط في جميع هذا ألاّ يظهروها ولا يجهروا بها بين المسلمين ، وإلاّ منعوا وعزّروا ، وهذا باتّفاق المذاهب ، فقد جاء في شروط أهل الذّمّة لعبد الرّحمن بن غنمٍ : " ألاّ نضرب ناقوساً إلاّ ضرباً خفيّاً في جوف كنائسنا ، ولا نظهر عليها صليباً ، ولا نرفع أصواتنا في الصّلاة ولا القراءة في كنائسنا ، ولا نظهر صليباً ولا كتاباً في سوق المسلمين " إلخ .
هذا ، وقد فصّل بعض الحنفيّة بين أمصار المسلمين وبين القرى ، فقالوا : لا يمنعون من إظهار شيءٍ من بيع الخمر والخنزير والصّليب وضرب النّاقوس في قريةٍ ، أو موضعٍ ليس من أمصار المسلمين ، ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام ، وإنّما يكره ذلك في أمصار المسلمين ، وهي الّتي تقام فيها الجمع والأعياد والحدود ، لأنّ المنع من إظهار هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام ، فيختصّ المنع بالمكان المعدّ لإظهار الشّعائر ، وهو المصر الجامع .
وفصّل الشّافعيّة بين القرى العامّة والقرى الّتي ينفرد بها أهل الذّمّة ، فلا يمنعون في الأخيرة من إظهار عباداتهم .
رابعاً - اختيار العمل :
26 - يتمتّع الذّمّيّ باختيار العمل الّذي يراه مناسباً للتّكسّب ، فيشتغل بالتّجارة والصّناعة كما يشاء ، فقد صرّح الفقهاء أنّ الذّمّيّ في المعاملات كالمسلم ، هذا هو الأصل ، وهناك استثناءات في هذا المجال ستأتي في بحث ما يمنع منه الذّمّيّون .
أمّا الأشغال والوظائف العامّة ، فما يشترط فيه الإسلام كالخلافة ، والإمارة على الجهاد ، والوزارة وأمثالها ، فلا يجوز أن يعهد بذلك إلى ذمّيٍّ ، وما لا يشترط فيه الإسلام كتعليم الصّغار الكتابة ، وتنفيذ ما يأمر به الإمام أو الأمير ، يجوز أن يمارسه الذّمّيّون .
وتفصيل هذه الوظائف في مصطلحاتها . وانظر كذلك مصطلح : ( استعانةٍ ) .
المعاملات الماليّة لأهل الذّمّة :
27 - القاعدة العامّة أنّ أهل الذّمّة في المعاملات كالبيوع والإجارة وسائر التّصرّفات الماليّة كالمسلمين - إلاّ ما استثني من المعاملة بالخمر والخنزير ونحوهما كما سيأتي - .
وذلك لأنّ الذّمّيّ ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات الماليّة ، فيصحّ منهم البيع والإجارة والمضاربة والمزارعة ونحوها من العقود والتّصرّفات الّتي تصحّ من المسلمين ، ولا تصحّ منهم عقود الرّبا والعقود الفاسدة والمحظورة الّتي لا تصحّ من المسلمين ، كما صرّح به فقهاء المذاهب .
قال الجصّاص من الحنفيّة : إنّ الذّمّيّين في المعاملات والتّجارات كالبيوع وسائر التّصرّفات كالمسلمين ، ومثله ما قاله الإمام السّرخسيّ في المبسوط ، وصرّح به الكاسانيّ في البدائع حيث قال : كلّ ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذّمّة ، وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل ويفسد من بيوعهم ، إلاّ الخمر والخنزير .
بل إنّ الشّافعيّة صرّحوا ببطلان بيع الخمر والخنزير بينهم أيضاً قبل القبض . وكلام المالكيّة والحنابلة أيضاً يدلّ على صحّة هذه القاعدة في الجملة ، لأنّ أهل الذّمّة من أهل دار الإسلام ، وملتزمون أحكام الإسلام في المعاملات . قال الإمام الشّافعيّ في الأمّ : تبطل بينهم البيوع الّتي تبطل بين المسلمين كلّها ، فإذا مضت واستهلكت لم نبطلها وقال : فإن جاء رجلان منهم قد تبايعا خمراً ولم يتقابضاها أبطلنا البيع ، وإن تقابضاها لم نردّه ، لأنّه قد مضى .
إلاّ أنّ هناك ما يستثنى من هذه القاعدة نجمله فيما يلي :
أ - المعاملة بالخمر والخنزير :
28 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا تجوز المعاملة بالخمر والخنزير بين المسلمين مطلقاً ، لأنّهما لا يعتبران مالاً متقوّماً عند المسلمين ، وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ألا إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام » ، لكنّهم أقرّوا المعاملة بالخمر والخنزير بين أهل الذّمّة ، بنحو شربٍ أو بيعٍ أو هبةٍ أو مثلها ، بشرط عدم الإظهار ، لأنّ مقتضى عقد الذّمّة : أن يقرّ الذّمّيّ على الكفر مقابل الجزية ، ويترك هو وشأنه فيما يعتقده من الحلّ والحرمة ، والمعاملة بالخمر والخنزير ممّا يعتقد جوازها .
وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء في الجملة . ويستدلّ الحنفيّة لذلك بقولهم : إنّ الخمر والخنزير مال متقوّم في حقّهم ، كالخلّ والشّاة للمسلمين ، فيجوز بيعه ، وروي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه كتب إلى عُشّاره بالشّام :" أن ولّوهم بيعها ، وخذوا العشر من أثمانها ، ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع ".
ب - ضمان الإتلاف :
29 - إذا أتلف الخمر والخنزير لمسلمٍ فلا ضمان اتّفاقاً ، لعدم تقوّمهما في حقّ المسلمين . وكذلك إتلافهما لأهل الذّمّة عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ ما لا يكون مضموناً في حقّ المسلم لا يكون مضموناً في حقّ غيره .
لكنّ الحنفيّة صرّحوا بضمان متلفهما لأهل الذّمّة ، لأنّهما مال متقوّم في حقّهم ، وبهذا قال المالكيّة ، إذا لم يظهر الذّمّيّ الخمر والخنزير ، وتفصيله في مصطلح : ( ضمان ) .
ج - استئجار الذّمّيّ مسلماً للخدمة :
30 - تجوز معاملة الإيجار والاستئجار بين المسلمين وأهل الذّمّة في الجملة ، لكنّه إذا استأجر الذّمّيّ مسلماً لإجراء عملٍ ، فإذا كان العمل الّذي يؤاجر المسلم للقيام به ممّا يجوز لنفسه كالخياطة والبناء والحرث فلا بأس به ، أمّا إذا كان لا يجوز له أن يعمله كعصر الخمور ورعي الخنازير ونحو ذلك فلا يجوز .
وقال بعض الفقهاء : لا يجوز استئجار المسلم لخدمة الذّمّيّ الشّخصيّة ، لما فيه من إذلال المسلم لخدمة الكافر . وتفصيله في مصطلح : ( إجارةٍ )
د - وكالة الذّمّيّ في نكاح المسلمة :
31 - لا يصحّ أن يوكّل مسلم كافراً في عقد النّكاح له من مسلمةٍ عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ الذّمّيّ لا يملك عقد هذا النّكاح لنفسه فلا يجوز وكالته .
وقال الحنفيّة والمالكيّة : تصحّ هذه الوكالة ، لأنّ الشّرط لصحّة الوكالة : أن يكون الموكّل ممّن يملك فعل ما وكّل به ، وأن يكون الوكيل عاقلاً ، مسلماً كان أو غير مسلمٍ .
هـ – عدم تمكين الذّمّيّ من شراء المصحف وكتب الحديث :
32 - لا يجوز تمكين الذّمّيّ من شراء المصحف أو دفترٍ فيه أحاديث عند جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى ابتذاله .
ولم نعثر في كتب الحنفيّة على ما يمنع ذلك ، إلاّ أنّ أبا حنيفة وأبا يوسف يمنعان الذّمّيّ من مسّ المصحف ، وجوّزه محمّد إذا اغتسل لذلك . وتفصيله في مصطلح : ( مصحف ) .
و - شهادة أهل الذّمّة :
33 - لا تقبل شهادة أهل الذّمّة على المسلمين اتّفاقاً ، إلاّ في الوصيّة في السّفر إذا لم يوجد غيرهم عند الحنابلة . ويعلّل الفقهاء عدم قبول الشّهادة منهم بأنّ الشّهادة فيها معنى الولاية ، ولا ولاية للكافر على المسلم .
كذلك لا تقبل شهادة أهل الذّمّة بعضهم على بعضٍ عند جمهور الفقهاء : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، بدليل قوله تعالى : { وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكم } ، والكافر ليس بذي عدلٍ . وأجازها الحنفيّة وإن اختلفت مللهم ، ما داموا عدولاً في دينهم ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الذّمّة بعضهم على بعضٍ » ولأنّ بعضهم أولياء بعضٍ ، فتقبل شهادة بعضهم على بعضٍ . هذا ، وهناك استثناءات أخرى في مسائل الوصيّة وإثبات الشّفعة والتّملّك بإحياء الموات ونحوها ، تنظر في مصطلحاتها وفي مظانّها من كتب الفقه .
أنكحة أهل الذّمّة وما يتعلّق بها
34 - لا يختلف أحكام نكاح أهل الذّمّة عن غيرهم من أهل الكتاب وسائر الكفّار ، إلاّ أنّه يجوز للمسلم أن يتزوّج كتابيّةً .
ولا يجوز زواج المسلمة من غير المسلم ، ولو كان ذمّيّاً أو كتابيّاً . وذلك باتّفاق الفقهاء لقوله تعالى : { ولا تُنْكِحُوا المشركينَ حتّى يُؤْمنوا } ولقوله تعالى : { فلا تَرْجِعوهنّ إلى الكفّار لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلُّون لهنّ } ولا يجوز زواج مسلمٍ من ذمّيّةٍ غير كتابيّةٍ ، لقوله تعالى : { ولا تَنْكِحوا المشركاتِ حتّى يُؤْمِنّ } ويجوز للمسلم أن يتزوّج ذمّيّةً ، إذا كانت كتابيّةً كاليهوديّة والنّصرانيّة ، لقوله تعالى : { اليوم أُحِلّ لكم الطّيّباتُ } إلى قوله تعالى : { والمحصناتُ من الّذين أُوتوا الكتابَ من قبلكم } وتفصيل ذلك في النّكاح وغيره .
واجبات أهل الذّمّة الماليّة
35 - على أهل الذّمّة واجبات وتكاليف ماليّة يلتزمون بها قبل الدّولة الإسلاميّة مقابل ما يتمتّعون به من الحماية والحقوق ، وهذه الواجبات عبارة عن الجزية والخراج والعشور ، وفيما يلي نجمل أحكامها :
أ - الجزية : وهي المال الّذي تعقد عليه الذّمّة لغير المسلم لأمنه واستقراره ، تحت حكم الإسلام وصونه . وتؤخذ كلّ سنةٍ من العاقل البالغ الذّكر ، ولا تجب على الصّبيان والنّساء والمجانين اتّفاقاً ، كما يشترط في وجوبها : السّلامة من الزّمانة والعمى والكبر عند جمهور الفقهاء . وفي مقدارها ووقت وجوبها وما تسقط به الجزية وغيرها من الأحكام تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( جزية ) .
ب - الخراج : وهو ما وضع على رقاب الأرض من حقوقٍ تؤدّى عنها .
وهو إمّا أن يكون خراج الوظيفة الّذي يفرض على الأرض بالنّسبة إلى مساحتها ونوع زراعتها ، وإمّا أن يكون خراج المقاسمة الّذي يفرض على الخارج من الأرض كالخمس أو السّدس أو نحو ذلك ، كما هو مبيّن في مصطلح : ( خراج ) .
ج - العشور : وهي الّتي تفرض على أموال أهل الذّمّة المعدّة للتّجارة ، إذا انتقلوا بها من بلدٍ إلى بلدٍ داخل دار الإسلام ، ومقدارها نصف العشر ، وتؤخذ مرّةً واحدةً في السّنة حين الانتقال عند جمهور الفقهاء ، خلافاً للمالكيّة حيث أوجبوها في كلّ مرّةٍ ينتقلون بها . وتفصيله في مصطلح : ( عشرٍ ) .
ما يمنع منه أهل الذّمّة :
36 - يجب على أهل الذّمّة الامتناع عمّا فيه غضاضة على المسلمين ، وانتقاص دين الإسلام ، مثل ذكر اللّه سبحانه وتعالى أو كتابه أو رسوله أو دينه بسوءٍ لأنّ إظهار هذه الأفعال استخفاف بالمسلمين وازدراء بعقيدتهم .
وعدم التزام الذّمّيّ بما ذكر يؤدّي إلى انتقاض ذمّته عند جمهور الفقهاء ، خلافاً للحنفيّة ، كما سيأتي في بحث ما ينتقض به عهد الذّمّة .
كذلك يمنع أهل الذّمّة من إظهار بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين ، أو إدخالها فيها على وجه الشّهرة والظّهور . ويمنعون كذلك من إظهار فسقٍ يعتقدون حرمته كالفواحش ونحوها . ويؤخذ أهل الذّمّة بالتّمييز عن المسلمين في زيّهم ومراكبهم وملابسهم ، ولا يصدّرون في مجالس ، وذلك إظهاراً للصّغار عليهم ، وصيانةً لضعفة المسلمين عن الاغترار بهم أو موالاتهم . وتفصيل ما يميّز به أهل الذّمّة عن المسلمين في الزّيّ والملبس والمركب وغيرها من المسائل تنظر في كتب الفقه ، عند الكلام عن الجزية وعقد الذّمّة .
جرائم أهل الذّمّة وعقوباتهم
أوّلاً - ما يختصّ بأهل الذّمّة في الحدود :
37 - إذا ارتكب أحد من أهل الذّمّة جريمةً من جرائم الحدود ، كالزّنى أو القذف أو السّرقة أو قطع الطّريق ، يعاقب بالعقاب المحدّد لهذه الجرائم شأنهم في ذلك شأن المسلمين ، إلاّ شرب الخمر حيث لا يتعرّض لهم فيه ، لما يعتقدون من حلّها ، ومراعاةً لعهد الذّمّة ، إلاّ إن أظهروا شربها ، فيعزّرون ، وهذا عند جمهور الفقهاء في الجملة ، إلاّ أنّ هناك بعض الأحكام يختصّ بها أهل الذّمّة نجملها فيما يأتي :
أ - ذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف إلى المساواة في تطبيق عقوبة الرّجم على الذّمّيّ والمسلم ، ولو كان متزوّجاً من ذمّيّةٍ ، لعموم النّصوص في تطبيق هذه العقوبة ، ولما ورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر برجم يهوديّين ».
وصرّح أبو حنيفة ومالك بأنّ الزّاني من أهل الذّمّة إذا كان متزوّجاً لا يرجم ، لاشتراط الإسلام في تطبيق الرّجم عندهما ، وكذلك المسلم المتزوّج بالكتابيّة لا يرجم عند أبي حنيفة ، لأنّه يشترط في الإحصان : الإسلام والزّواج من مسلمةٍ مستدلّاً بما « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحذيفة حين أراد أن يتزوّج يهوديّةً : دعها فإنّها لا تحصنك » ،
ب - لا حدّ على من قذف أحداً من أهل الذّمّة ، بل يعزّر ، سواء كان القاذف مسلماً أم من أهل الذّمّة ، لأنّه يشترط في القذف أن يكون المقذوف مسلماً ، وهذا باتّفاق الفقهاء .
ج - يطبّق حدّ السّرقة على السّارق المسلم أو الذّمّيّ ، سواء أكان المسروق منه مسلماً أم من أهل الذّمّة اتّفاقاً ، إلاّ إذا كان المسروق خمراً أو خنزيراً ، لعدم تقوّمهما ، كما هو مبيّن في مصطلح : ( سرقة ) .
د - إذا بغى جماعة من أهل الذّمّة منفردين عن المسلمين انتقض عهدهم عند جمهور الفقهاء ، إلاّ إذا كان بينهم عن ظلمٍ ركبهم عند المالكيّة ، وإذا بغوا مع البغاة المسلمين ففيه تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( بغيٍ ) . هذا ، ويعاقب أهل الذّمّة بعقوبة قطع الطّريق ( الحرابة ) إذا توفّرت شروطها كالمسلمين بلا خلافٍ .
ثانياً - ما يختصّ بأهل الذّمّة في القصاص :
38 - أ - إذا ارتكب الذّمّيّ القتل العمد وجب عليه القصاص ، إذا كان القتيل مسلماً أو من أهل الذّمّة بلا خلافٍ ، وكذلك إن كان القتيل مستأمناً عند جمهور الفقهاء ، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال : إنّ عصمة المستأمن مؤقّتة ، فكان في حقن دمه شبهة تسقط القصاص .
أمّا إذا قتل مسلم ذمّيّاً أو ذمّيّةً عمداً ، فقد قال الشّافعيّة والحنابلة : لا قصاص على المسلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يقتل مسلم بكافرٍ » ، وعند الحنفيّة يقتصّ من المسلم للذّمّيّ ، وهذا قول المالكيّة أيضاً إذا قتله المسلم غيلةً ( خديعةً ) أو لأجل المال ، وتفصيله في مصطلح ( قصاص ) .
ب - لا فرق بين المسلم والذّمّيّ في وجوب الدّية في القتل الخطأ وشبه العمد وشبه الخطأ على عاقلة القاتل ، سواء أكان القتيل مسلماً أم من أهل الذّمّة .
وفي مقدار دية الذّمّيّ المقتول ، ومن يشترك في تحمّلها من عاقلة الذّمّيّ القاتل تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( دية ) و ( عاقلة ) .
ولا تجب الكفّارة على الذّمّيّ عند الحنفيّة والمالكيّة ، لما فيها من معنى القربة ، والكافر ليس من أهلها ، ويجب عند الشّافعيّة والحنابلة لأنّها حقّ ماليّ يستوي فيه المسلم والذّمّيّ ، لا إن كانت صياماً . ( ر : كفّارة ) .
ج - لا يقتصّ من المسلم للذّمّيّ في جرائم الاعتداء فيما دون النّفس ، من الجرح وقطع الأعضاء ، إذا وقعت بين المسلمين وأهل الذّمّة عند الشّافعيّة والحنابلة ، ويقتصّ من الذّمّيّ للمسلم ، وقال الحنفيّة بالقصاص بينهم مطلقاً إذا توفّرت الشّروط ، ومنع المالكيّة القصاص فيما دون النّفس بين المسلمين وبين أهل الذّمّة مطلقاً ، بحجّة عدم المماثلة . ولا خلاف في تطبيق القصاص إذا كانت الجروح فيما بين أهل الذّمّة وتوفّرت الشّروط . ( ر : قصاص ) .
ثالثاً - التّعزيرات :
39 - العقوبات التّعزيريّة يقدّرها وليّ الأمر حسب ظروف الجريمة والمجرم ، فتطبّق على المسلمين وأهل الذّمّة ، ويكون التّعزير مناسباً مع الجريمة شدّةً وضعفاً ومع حالة المجرم . وتفصيله في مصطلح : ( تعزيرٍ ) .
خضوع أهل الذّمّة لولاية القضاء العامّة
40 - جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على عدم جواز تقليد الذّمّيّ القضاء على الذّمّيّين ، وإنّما يخضعون إلى جهة القضاء العامّة الّتي يخضع لها المسلمون . وقالوا : وأمّا جريان العادة بنصب حاكمٍ من أهل الذّمّة عليهم ، فإنّما هي رئاسة وزعامة ، لا تقليد حكمٍ وقضاءٍ ، فلا يلزمهم حكمه بإلزامه ، بل بالتزامهم .
وقال الحنفيّة : إن حكم الذّمّيّ بين أهل الذّمّة جاز ، في كلّ ما يمكن التّحكيم فيه ، لأنّه أهل للشّهادة بين أهل الذّمّة ، فجاز تحكيمه بينهم . إلاّ أنّهم اتّفقوا على : أنّه لا يجوز تحكيم أهل الذّمّة فيما هو حقّ خالص للّه تعالى كحدّ الزّنى ، وأمّا تحكيمهم في القصاص ففيه خلاف بين الحنفيّة .
41 - وإذا رفعت الدّعوى إلى القضاء العامّ يحكم القاضي المسلم في خصومات أهل الذّمّة وجوباً ، إذا كان أحد الخصمين مسلماً باتّفاق الفقهاء .
أمّا إذا كان كلّهم من أهل الذّمّة ، فيجب الحكم بينهم أيضاً عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة ، بدليل قوله تعالى : { وأَنِ احْكُمْ بينهم بما أَنْزلَ اللّهُ } وفي روايةٍ أخرى للحنابلة : القاضي مخيّر بين الأمرين : الحكم أو الإعراض بدليل قوله تعالى : { فإنْ جَاءوك فاحْكُمْ بينهم أو أَعْرِضْ عنهم } .
أمّا المالكيّة فقد اشترطوا التّرافع من قبل الخصمين في جميع الدّعاوى ، وفي هذه الحالة يخيّر القاضي في النّظر في الدّعوى أو عدم النّظر فيها . وتفصيله في مصطلح : ( قضاءٍ ) ( وولايةٍ ) . وفي جميع الأحوال إذا حكم القاضي المسلم بين غير المسلمين لا يحكم إلاّ بالشّريعة الإسلاميّة ، لقوله تعالى : { وأن احْكمْ بينهم بما أنزل اللّه ولا تَتّبعْ أَهْواءهم واحْذرهم أن يَفْتِنُوك عن بعض ما أَنْزَل اللّه إليك } .
ما ينقض به عهد الذّمّة
42 - ينتهي عهد الذّمّة بإسلام الذّمّيّ ، لأنّ عقد الذّمّة عقد وسيلةً للإسلام ، وقد حصل المقصود . وينتقض عهد الذّمّة بلحوق الذّمّيّ دار الحرب ، أو بغلبتهم على موضعٍ يحاربوننا منه ، لأنّهم صاروا حرباً علينا ، فيخلو عقد الذّمّة عن الفائدة ، وهو دفع شرّ الحرب . وهذا باتّفاق المذاهب . وجمهور الفقهاء على أنّ عقد الذّمّة ينتقض أيضاً بالامتناع عن الجزية ، لمخالفته مقتضى العقد . وقال الحنفيّة : لو امتنع الذّمّيّ عن إعطاء الجزية لا ينتقض عهده ، لأنّ الغاية الّتي ينتهي بها القتال التزام الجزية لا أداؤها ، والالتزام باقٍ ، ويحتمل أن يكون الامتناع لعذر العجز الماليّ ، فلا ينقض العهد بالشّكّ .
43 - وهناك أسباب أخرى اعتبرها بعض الفقهاء ناقضةً للعهد مطلقاً ، وبعضهم بشروطٍ : فقد قال المالكيّة : ينقض عهد الذّمّة بالتّمرّد على الأحكام الشّرعيّة ، بإظهار عدم المبالاة بها ، وبإكراه حرّةٍ مسلمةٍ على الزّنى بها إذا زنى بها بالفعل ، وبغرورها وتزوّجها ووطئها ، وبتطلّعه على عورات المسلمين ، وبسبّ نبيٍّ مجمعٍ على نبوّته عندنا بما لم يقرّ على كفره به . فإن سبّ بما أقرّ على كفره به لم ينتقض عهده ، كما إذا قال : عيسى إله مثلاً ، فإنّه لا ينتقض عهده .
وقال الشّافعيّة : لو زنى ذمّيّ بمسلمةٍ ، أو أصابها بنكاحٍ ، أو دلّ أهل الحرب على عورة المسلمين ، أو فتن مسلماً عن دينه ، أو طعن في الإسلام أو القرآن ، أوذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم بسوءٍ ، فالأصحّ أنّه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض ، وإلاّ فلا ينتقض ، لمخالفته الشّرط في الأوّل دون الثّاني .
وقال الحنابلة في الرّواية المشهورة ، وهو وجه عند الشّافعيّة : إن فعلوا ما ذكر أو شيئاً منه نقض العهد مطلقاً ، ولو لم يشترط عليهم ، لأنّ ذلك هو مقتضى العقد .
أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بأنّ الذّمّيّ لو سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينقض عهده إذا لم يعلن السّبّ ، لأنّ هذا زيادة كفرٍ ، والعقد يبقى مع أصل الكفر ، فكذا مع الزّيادة ، وإذا أعلن قتل ، ولو امرأةً ، ولو قتل مسلماً أو زنى بمسلمةٍ لا ينقض عهده ، بل تطبّق عليه عقوبة القتل والزّنى ، لأنّ هذه معاصٍ ارتكبوها ، وهي دون الكفر في القبح والحرمة ، وبقيت الذّمّة مع الكفر ، فمع المعصية أولى .
رد مع اقتباس