عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-06-2012, 01:36 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ثالثاً : الأحكام الّتي تتعلّق بالأنثى :
للأنثى أحكام فقهيّة متنوّعة فمنها ما يختصّ بالعورة وما يتّصل بها ، ومنها الأحكام الّتي تترتّب على ارتباطها بزوجٍ ، ومنها الأحكام الخاصّة بالعبادات أو الولايات أو الجنايات .. وهكذا . وبيان ذلك فيما يأتي :
بول الأنثى الرّضيعة الّتي لم تأكل الطّعام :
16 - يختلف الحكم في إزالة نجاسة بول الأنثى الرّضيعة الّتي لم تأكل الطّعام عن بول الذّكر الرّضيع الّذي لم يأكل الطّعام ، وذلك عند الشّافعيّة والحنابلة . فيجزئ عندهم في التّطهير من بول الغلام نضحه بالماء ( أي أن يرشّه بالماء ) ولا يكفي ذلك في إزالة بول الأنثى ، بل لا بدّ من غسله كغيره من النّجاسات ، وذلك لحديث أمّ قيس بن محصنٍ « أنّها أتت بابنٍ لها صغيرٍ لم يأكل الطّعام إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره ، فبال على ثوبه ، فدعا بماءٍ فنضحه ولم يغسله » . متّفق عليه ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّما يُغْسل من بول الأنثى ، وينضح من بول الذّكر » .
أمّا الحنفيّة والمالكيّة فلا يفرّقون بينهما فيغسل ما أصابه بول كلٍّ من الصّبيّ أو الصّيّبة لنجاسته ، لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم : « استنزهوا من البول » .
الأحكام الّتي تتّصل بما تختصّ به من حيضٍ وحملٍ :
17- من الفطرة الّتي خلق اللّه سبحانه وتعالى الإنسان عليها أنّ كلّاً من الذّكور والإناث يميل إلى الآخر ، وجعل الاتّصال الشّرعيّ بينهما وسيلةً لامتداد الجنس البشريّ بالتّناسل والتّوالد . واختصّ الأنثى من ذلك بأنّها هي الّتي تحيض وتحمل وتلد وترضع .
وهذه الأمور يترتّب عليها بعض الأحكام الفقهيّة نوجزها فيما يلي :
- 1 - يعتبر الحيض والحمل من علامات بلوغ الأنثى .
- 2 - التّخفيف عنها في العبادة في هذه الأحوال ، فتسقط عنها الصّلاة أثناء الحيض دون قضاءٍ ، ويجب عليها الإفطار مع القضاء في أيّامٍ أخر ، وجواز الإفطار أثناء الحمل أو الرّضاعة ، إن كان الصّيام يضرّ بها أو بولدها .
- 3 - والاعتبار بالحيض وبالحمل في احتساب العدّة .
- 4 - والامتناع عن قراءة القرآن ، وعن دخول المسجد ، وعن تمكين زوجها منها أثناء الحيض والنّفاس .
- 5 - ووجوب الغسل عند انقطاع دم الحيض والنّفاس .
وهذا في الجملة ، وينظر تفصيل ذلك في ( حيضٍ ، حملٍ ، نفاسٍ ، رضاعٍ ) .
لبن الأنثى :
18 - لا يختلف لبن الأنثى بالنّسبة لطهارته عن لبن الذّكر - لو كان له لبن - فلبن الأنثى طاهر باتّفاقٍ . ولكنّه يختلف عنه في أنّ لبن الأنثى يتعلّق به محرميّة الرّضاع .
أمّا الرّجل فلو كان له لبن فلا يتعلّق به التّحريم . وللتّفصيل ينظر ( الرّضاع ، والنّكاح ) .
خصال الفطرة بالنّسبة للأنثى :
19 - تختصّ المرأة من خصال الفطرة بأنّه يسنّ لها إزالة لحيتها لو نبتت . والسّنّة في عانتها النّتف . ولا يجب ختانها في وجهٍ وإنّما هو مكرمة . وتمنع من حلق رأسها .
عورة الأنثى :
20 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة أنّ بدن الأنثى الحرّة البالغة كلّه عورة بالنّسبة للصّلاة عدا الوجه والكفّين ، وهو الصّحيح من المذهب عند الحنابلة بالنّسبة للوجه ، وفي روايةٍ بالنّسبة للكفّين ، وفي الرّواية الأخرى هما عورة .
واختلف الحنفيّة في ظاهر الكفّين ، ففي ظاهر الرّواية هما عورة ، وفي شرح المنية : الأصحّ أنّهما ليسا بعورةٍ ، واعتمده الشّرنبلاليّ .
وأمّا القدمان فهما عورة عند المالكيّة والشّافعيّة غير المزنيّ ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وهو رأي بعض الحنفيّة . والمعتمد عند الحنفيّة أنّهما ليستا بعورةٍ ، وهو رأي المزنيّ من الشّافعيّة ، والشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة من الحنابلة . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عورةٍ ) . والدّليل على أنّ بدن المرأة عورة قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « المرأة عورة » وقوله : « لا يَقْبَل اللّه صلاة حائضٍ إلاّ بخمارٍ » والمراد بالحائض البالغة .
انتقاض الوضوء بلمس الأنثى :
21 - يختلف الفقهاء في انتقاض الوضوء بلمس الرّجل للأنثى المشتهاة .
فعند الحنفيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد أنّ الوضوء لا ينتقض باللّمس ، لرواية عائشة رضي الله تعالى عنها : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبّل بعض نسائه ، ثمّ صلّى ولم يتوضّأ » وروي ذلك عن عليٍّ وابن عبّاسٍ وعطاءٍ وطاوسٍ والحسن ومسروقٍ .
وعند المالكيّة ينتقض الوضوء باللّمس إن قصد اللّذّة أو وجدها حين اللّمس ، وهو المشهور من مذهب أحمد رحمه الله ، وهو أنّ لمس النّساء لشهوةٍ ينقض الوضوء ، ولا ينتقض الوضوء إن كان اللّمس بغير شهوةٍ . وهو قول علقمة وأبي عبيدة والنّخعيّ والحكم وحمّادٍ والثّوريّ وإسحاق والشّعبيّ . والقبلة بالفم تنقض مطلقاً عند المالكيّة ، أي دون تقييدٍ بقصد اللّذّة أو وجدانها ، إلاّ إذا كانت لوداعٍ أو رحمةٍ فلا تنقض .
وعند الشّافعيّة ، وفي روايةٍ ثالثةٍ عن الإمام أحمد : أنّ اللّمس ينقض الوضوء بكلّ حالٍ ، لعموم قوله تعالى : { أوْ لامَسْتُم النّساء } .
ولا ينتقض الوضوء بلمس الأنثى الصّغيرة الّتي لا تشتهى ، وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة . وعند الحنابلة فيه الأقوال السّابقة . ولا ينتقض الوضوء كذلك بلمس المحرم على الأصحّ عند المالكيّة ، وفي الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو على الرّوايات السّابقة عند الحنابلة .
و ينظر تفصيل ذلك في ( وضوءٍ ) .
حكم دخول المرأة الحمّامات العامّة .
22 - ينبني حكم دخول النّساء الحمّامات العامّة على كشف العورة وسترها عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإن كانت العورة مستورةً ، ولا ترى واحدة عورة الأخرى فالدّخول جائز ، وإلاّ كان الدّخول مكروهاً تحريماً ، كما يقول الحنفيّة ، وغير جائزٍ كما يقول المالكيّة .
ولم يستحسنه الإمام مالك مطلقاً ، وعند الشّافعيّة قيل : يكره . وقيل : يحرم ولم يجوّزه الحنابلة ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « ستفتح عليكم أرض العجم ، وستجدون فيها حمّاماتٍ ، فامنعوا نساءكم إلاّ حائضاً أو نفساء » .
وعلى ذلك فإنّه يجوز لها دخول الحمّام لعذرٍ من حيضٍ أو نفاسٍ أو مرضٍ .
المحافظة على مظاهر الأنوثة :
23 - يعتني الإسلام بجعل الأنثى تحافظ على مظاهر أنوثتها ، فحرّم عليها التّشبّه بالرّجال في أيّ مظهرٍ من لباسٍ أو حديثٍ أو أيّ تصرّفٍ . وقد لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المتشبّهات من النّساء بالرّجال . وفي الطّبرانيّ « أنّ امرأةً مرّت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متقلّدةً قوساً ، فقال : لعن اللّه المتشبّهات من النّساء بالرّجال ، والمتشبّهين من الرّجال بالنّساء » . وقد ذكر ابن القيّم أنّ من الكبائر : ترجّل المرأة وتخنّث الرّجل .
وقد أباح لها الإسلام أن تتّخذ من وسائل الزّينة ما يكفل لها المحافظة على أنوثتها ، فيحلّ ثقب أذنها لتعليق القرط فيه . يقول الفقهاء : لا بأس بثقب آذان النّسوان ، ولا بأس بثقب آذان الأطفال من البنات ،« لأنّهم كانوا يفعلون ذلك في زمان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غير إنكارٍ »، يقول ابن القيّم : الأنثى محتاجة للحلية فثقب الأذن مصلحة في حقّها.
ويباح لها التّزيّن بلبس الحرير والذّهب دون الرّجال ، لأنّه من زينة النّساء ، فقد روى أبو موسى أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « حرام لباس الحرير والذّهب على ذكور أمّتي ، وأحلّ لإناثهم » قال ابن قدامة : أبيح التّحلّي في حقّ المرأة لحاجتها إلى التّزيّن للزّوج والتّجمّل عنده . كذلك يجوز لها أن تخضب يديها ، وأن تعلّق الخرز في شعرها ، ونحو ذلك من ضروب الزّينة .
وجوب التّستّر وعدم الاختلاط بالرّجال الأجانب :
24 - إذا خرجت المرأة لحاجتها لا تخرج إلاّ متستّرةً . قال ابن عابدين : وحيث أبحنا لها الخروج فإنّما يباح بشرط عدم الزّينة ، وعدم تغيير الهيئة إلى ما يكون داعيةً لنظر الرّجال والاستمالة ، قال اللّه تعالى : { ولا تَبَرَّجْنَ تبرّجَ الجاهليّةِ الأولى } .
قال مجاهد : كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرّجال ، فذلك تبرّج الجاهليّة .
وقال قتادة : كانت لهنّ مشية تكسّرٍ وتغنّجٍ ، فنهى اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك .
ولا يجوز أن تكون الثّياب الّتي تظهر بها أمام النّاس ممّا يظهر معه شيء من جسدها الواجب ستره ، وكذلك إذا كان يشفّ عمّا تحته ، لأنّه إذا استبان جسدها كانت كاسيةً عاريّةً حقيقةً . وقد قال النّبيّ : « سيكون في آخر أمّتي نساءٌ كاسياتٌ عاريّات ، على رءوسهنّ كأسنمة البُخْت ، الْعَنُوهنّ فإنّهنّ ملعونات » .
وفي الفواكه الدّواني : لا يلبس النّساء من الرّقيق ما يصفهنّ إذا خرجن من بيوتهنّ ، والخروج ليس بقيدٍ ، وحاصل المعنى : أنّه يحرم على المرأة لبس ما يرى منه جسدها بحضرة من لا يحلّ له النّظر .
ولا يجوز لها أن تأتي من الأعمال ما يلفت النّظر إليها ويترتّب عليه الافتتان بها ، قال تعالى : { ولا يَضْربن بأرجلهنّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفين من زينتهنّ } قال ابن كثيرٍ : كانت المرأة في الجاهليّة إذا كانت تمشي في الطّريق ، وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته ، ضربت برجلها الأرض فيسمع الرّجال طنينه ، فنهى اللّه سبحانه وتعالى المؤمنات عن مثل ذلك ، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً ، فتحرّكت بحركةٍ لتظهر ما هو خفيّ دخل في هذا النّهي لقوله تعالى : { ولا يَضْرِبْنَ بأرجلهنّ } .
ومن ذلك أنّها تنهى عن التّعطّر والتّطيّب عند خروجها من بيتها فيشمّ الرّجال طيبها ، فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كلّ عينٍ زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا » يعني زانيةً .
ومن ذلك أيضاً أنّهنّ ينهين عن المشي في وسط الطّريق ، لما روى حمزة بن أبي أسيدٍ الأنصاريّ عن أبيه أنّه « سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد ، وقد اختلط النّساء مع الرّجال في الطّريق ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للنّساء : استأخرن ، فإنّه ليس لكنّ أن تحققن الطّريق ، عليكنّ بحافّات الطّريق » .
ولا تجوز خلوة المرأة بالأجنبيّ ولو في عملٍ ، والمراد بالخلوة المنهيّ عنها أن تكون المرأة مع الرّجل في مكان يأمنان فيه من دخول ثالثٍ . ( ر : خلوة ) .
قال أبو حنيفة : أكره أن يستأجر الرّجل امرأةً حرّةً يستخدمها ويخلو بها ، لأنّ الخلوة بالمرأة الأجنبيّة معصية .
وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يخلونّ رجل بامرأةٍ إلاّ كان الشّيطان ثالثهما » .
ويمنع الاختلاط المريب بين الرّجال والنّساء على ما سبق تفصيله في مصطلح ( اختلاط ) .
الأحكام الّتي تخصّ النّساء بالنّسبة للعبادة :
25 - الأصل أنّه لا فرق بين الرّجل والمرأة في أهليّة العبادة .
إلاّ أنّه نظراً لكونها مأمورةً بالتّستّر وعدم الاختلاط المريب بالرّجال الأجانب فإنّها تختصّ ببعض الأحكام في عباداتها . ومن ذلك :
- أ - الأذان والإقامة : فالأصل أنّها لا تؤذّن ولا تقيم ( ر : أذان . إقامة ) .
- ب - ولا تؤمّ الرّجال ، بل يكره لها عند بعض المذاهب أن تؤمّ النّساء . ( ر : إمامة ) . - ت - ومنها صلاة الجماعة بإمامة إحداهنّ ، فالأصل عند الحنفيّة والمالكيّة أنّ الجماعة غير مشروعةٍ لهنّ في تلك الحال ، خلافاً للشّافعيّة والحنابلة القائلين بندبها لهنّ ، ولو لم يؤمّهنّ رجال . وتفصيل ذلك ينظر في ( صلاة الجماعة ) .
- ث - ومنها حضور المرأة الجمعة والعيدين وصلاة الجماعة مع الرّجال : فيجوز عند جمهور الفقهاء حضور المرأة صلاة الجماعة مع الرّجال في المسجد ، وكذا حضورها الجمعة والعيدين . وانظر للتّفصيل ( صلاة الجماعة . صلاة الجمعة . صلاة العيدين ) .
ج - هيئتها في الصّلاة :
26- الأصل أنّه لا فرق بين الرّجال والنّساء في عمل العبادات ، إلاّ أنّ المرأة تختصّ ببعض الهيئات في الصّلاة ، وذلك كما يأتي :
يستحبّ أن تجمع المرأة نفسها في الرّكوع ، فتضمّ مرفقيها إلى الجنبين ولا تجافيهما ، وتنحني قليلاً في ركوعها ، ولا تعتمد ، ولا تفرّج بين أصابعها ، بل تضمّها ، وتضع يديها على ركبتيها ، وتحني ركبتها ، وتلصق مرفقيها بركبتيها .
وفي سجودها تفترش ذراعيها ، وتنضمّ وتلزق بطنها بفخذيها ، لأنّ ذلك أستر لها ، فلا يسنّ لها التّجافي كالرّجال ، لحديث زيد بن أبي حبيبٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأتين تصلّيان ، فقال : إذا سجدتما فضمّا بعض اللّحم إلى بعضٍ ، فإنّ المرأة ليست في ذلك كالرّجل » .
ولأنّها عورة فالأليق بها الانضمام . كذلك ينبغي لها أن تكثّف جلبابها وتجافيه راكعةً وساجدةً ، لئلاّ تصفها ثيابها ، وأن تخفض صوتها ، وتجلس متربّعةً ، لأنّ ابن عمر كان يأمر النّساء أن يتربّعن في الصّلاة ، أو تسدل رجليها عن يمينها ، وهو أفضل من التّربّع ، لأنّه غالب فعل عائشة رضي الله تعالى عنها وأشبه بجلسة الرّجل ، وهو ما قاله الإمام الشّافعيّ والإمام أحمد .
كما أنّه يستحبّ أن ينصرف النّساء عقب الصّلاة قبل الرّجال ، حتّى لا يختلطن بالرّجال .
فقد روت أمّ سلمة قالت : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا سلّم قام النّساء حين يقضي تسليمه ، وهو يمكث في مكانه يسيراً قبل أن يقوم . قالت : نرى - واللّه أعلم - أنّ ذلك كان لكي ينصرف النّساء قبل أن يدركهنّ الرّجال » .
ح - الحجّ :
27 - ما يتّصل بفرض الحجّ على المرأة أمران :
الأوّل : بالنّسبة للوجوب . وبيان ذلك كما يأتي :
من المقرّر أنّ الاستطاعة - بالزّاد والرّاحلة وغيرهما - من شرائط وجوب الحجّ مطلقاً ، ويزاد على ذلك بالنّسبة للمرأة : أن يكون معها زوج أو محرم ، للأحاديث الّتي وردت في ذلك ، وهذا باتّفاقٍ . لكنّ الفقهاء يختلفون في وجوب الحجّ على المرأة دون زوجٍ أو محرمٍ . فعند الحنفيّة ، والمذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب عليها الحجّ ، لأنّها إذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها ، إذ النّساء لحم على وضمٍ ، إلاّ ما ذبّ عنه . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( حجٍّ ) .
وهذا بالنّسبة لحجّ الفريضة ، أمّا النّفل فلا يجوز لها الخروج له دون الزّوج أو المحرم . الثّاني : بالنّسبة لبعض الأعمال فالمرأة كالرّجل في أركان الحجّ والعمرة ، إلاّ أنّها تختلف عنه في بعض الأعمال ومن ذلك :
أ - أنّها تلبس المخيط كالقميص والقباء والسّراويل والخفّين وما هو أستر لها ، لأنّ بدنها عورة ، ولا تنتقب ولا تلبس القفّازين . وفي ذلك خلاف وتفصيل ( ر : إحرام ) .
ب - وليس على المرأة رمل في طوافها ، ولا إسراع بين الميلين الأخضرين في السّعي ، وليس عليها اضطباع أيضاً . والمشروع للمرأة التّقصير دون الحلق . ( ر : حجّ ) .
ج - ولا ترفع المرأة صوتها بالتّلبية إلاّ بمقدار ما تسمع رفيقتها . ( ر : حجّ . تلبية ) .
خ - الخروج من المنزل :
28 - إذا كانت المرأة متزوّجةً فإنّها ترتبط في خروجها من المنزل بإذن زوجها .
وقد روى ابن عمر قال : « رأيت امرأةً أتت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول اللّه ما حقّ الزّوج على زوجته ؟ قال : حقّه عليها أن لا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه ، فإن فعلت لعنها اللّه وملائكة الرّحمة وملائكة الغضب حتّى تتوب أو ترجع » ، ولأنّ حقّ الزّوج واجب ، فلا يجوز تركه بما ليس بواجبٍ .
وخروج الزّوجة من غير إذن زوجها يجعلها ناشزاً ، ويسقط حقّها في النّفقة في الجملة ، لكن لا ينبغي للزّوج أن يمنع زوجته من زيارة أبويها وعيادتهما ، لأنّ عدم الزّيارة نوع من العقوق وقطيعة الرّحم .
كذلك لا ينبغي أن يمنعها من الصّلاة في المسجد وحضور الجمعة والعيدين ودروس الوعظ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه » وفي روايةٍ : « إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها » .
لكن هذا مقيّد بما إذا أمن عليها ، وكان لا يخشى الفتنة من خروجها ، فإن كان يخشى الفتنة فله منعها . وكره متأخّرو الحنفيّة خروجها ولو عجوزاً لفساد الزّمان ، لما روي عن السّيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :" لو أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النّساء لمنعهنّ المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل ".
د - التّطوّع بالعبادات :
29 - الزّوجة مرتبطة كذلك بإذن الزّوج في التّطوّع بالعبادات ، فلا يجوز لها إذا كان زوجها حاضراً أن تتطوّع بصلاةٍ أو صومٍ أو حجٍّ أو اعتكافٍ بدون إذنه ، إذا كان ذلك يشغلها عن حقّه ، لأنّ حقّ الزّوج فرض ، فلا يجوز تركه بنفلٍ ، ولأنّ له حقّ الاستمتاع بها ، ولا يمكنه ذلك أثناء الصّوم أو الحجّ أو الاعتكاف ، وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد أي حاضر إلاّ بإذنه » . رواه البخاريّ .
فإن تطوّعت بصومٍ أو حجٍّ أو اعتكافٍ دون إذنه فله أن يفطرها في الصّوم ، ويحلّلها من الحجّ ، ويخرجها من الاعتكاف لما فيه من تفويت حقّ غيرها بغير إذنه ، فكان لربّ الحقّ المنع . وهذا باتّفاقٍ ، واستثنى الشّافعيّة الصّوم الرّاتب كعرفة وعاشوراء ، فلا يمنعها منه لتأكّده ، وكذلك صلاة النّفل المطلق لقصر زمنه .
وإن أذن الزّوج لها أن تتطوّع بصومٍ أو اعتكافٍ أو حجٍّ ، فعند الشّافعيّة والحنابلة : له أن يمنعها من الصّوم أو الاعتكاف ولو كانت شرعت فيه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة وحفصة وزينب رضي الله تعالى عنهن في الاعتكاف ، ثمّ منعهنّ منه بعد أن دخلن فيه ، فقد أخرج الشّيخان عن عائشة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فاستأذنته عائشة فأذن لها ، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت ، فلمّا رأت ذلك زينب بنت جحشٍ أمرت ببناءٍ فبني لها . قالت : وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا صلّى انصرف إلى بنائه ، فأبصر الأبنية فقال : ما هذا ؟ قالوا : بناء عائشة وحفصة وزينب . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : آلبرّ أردن بهذا ؟ ما أنا بمعتكفٍ » . وعند الحنفيّة ليس له أن يمنعها ، لأنّه لمّا أذن لها فقد ملّكها منافع الاستمتاع بها ، وهي من أهل الملك فلا يملك الرّجوع عن ذلك .
وعند المالكيّة : له أن يمنعها ما لم تشرع في العبادة ، فإن شرعت فلا يمنعها .
وما أوجبته المرأة على نفسها بنذرٍ ، فإن كان بغير إذنه فله أن يمنعها منه ، وهذا باتّفاقٍ . وإن كان بإذنه ، فإن كان في زمانٍ معيّنٍ فليس له منعها منه . وإن كان في زمانٍ مبهمٍ ، فله المنع عند المالكيّة إلاّ إذا دخلت فيه ، وهو على وجهين عند الشّافعيّة والحنابلة .
ما يتعلّق بالأنثى من أحكام الولايات :
30 - الولايات - كالإمامة والقضاء والوصاية والحضانة وغيرها - مناصب تحتاج إلى استعداداتٍ خاصّةٍ ، بدنيّةٍ ونفسيّةٍ ، كالقوّة والكفاية والخبرة والرّعاية والحنان وحسن التّصرّف . وتختلف الولايات عن بعضها فيما تحتاج إليه من صفاتٍ .
وإذا كان الرّجال مقدّمين في بعض المناصب على النّساء ، فذلك لفارق التّكوين الطّبيعيّ لكلٍّ منهما ، ولما منح اللّه سبحانه وتعالى كلّ جنسٍ من صفاتٍ خاصّةٍ .
وكذلك تقدّم النّساء في بعض الولايات ، لتناسبها مع تكوينهنّ واستعدادهنّ الفطريّ .
قال القرافيّ : اعلم أنّه يجب أن يقدّم في كلّ ولايةٍ من هو أقوم بمصالحها على من هو دونه ، فيقدّم في ولاية الحروب من هو أعرف بمكائد الحروب وسياسة الجيوش ، ويقدّم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشّرعيّة وأشدّ تفطّناً لحجاج الخصوم وخدعهم .
ويقدّم في أمانة اليتيم من هو أعلم بتنمية أموال اليتامى وتقدير أموال النّفقات .
والنّساء مقدّمات في باب الحضانة على الرّجال لأنّهنّ أصبر على الصّبيان وأشدّ شفقةً ورأفةً . فقدّمن لذلك وأخّر الرّجال عنهنّ ، وأخّرن في الإمامة والحروب وغيرهما من المناصب ، لأنّ الرّجال أقوم بمصالح تلك الولايات منهنّ .
والقضاء من الولايات الّتي يقدّم فيها الرّجال عند جمهور الفقهاء .
ويجوز عند الحنفيّة أن تقضي في غير حدٍّ وقودٍ ، إلاّ أنّه يكره توليتها القضاء ، ويأثم من يولّيها ، لما فيه من محادثة الرّجال ، ومبنى أمرهنّ على السّتر ، قال ابن عابدين : ولو قضت في حدٍّ وقودٍ فرفع إلى قاضٍ آخر يرى جوازه ، فأمضاه ليس لغيره إبطاله .
وحكي عن ابن جريرٍ الطّبريّ أنّه لا تشترط الذّكوريّة في القاضي ، لأنّ المرأة يجوز أن تكون مفتيةً ، فيجوز أن تكون قاضيةً .
ومن الولايات الّتي يصحّ أن تسند إلى الأنثى : الشّهادة والوصاية ونظارة الوقف ، قال ابن عابدين : تصلح المرأة ناظرةً لوقفٍ ووصيّةً ليتيمٍ وشاهدةً ، فصحّ تقريرها في النّظر والشّهادة في الأوقاف . قال ابن قدامة : تصحّ الوصيّة إلى المرأة في قول أكثر أهل العلم ، وروي ذلك عن شريحٍ ، وبه قال مالك والثّوريّ والأوزاعيّ وإسحاق والشّافعيّ وأبو ثورٍ وأصحاب الرّأي ، لما روي أنّ عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة ، ولأنّها من أهل الشّهادة فأشبهت الرّجل . قال الخطيب الشّربينيّ : أمّ الأطفال أولى من غيرها من النّساء عند اجتماع الشّروط ، لوفور شفقتها وخروجها من خلاف الإصطخريّ ، فإنّه يرى أنّها تلي بعد الأب والجدّ ، وكذا هي أولى من الرّجال أيضاً لما ذكر ، إذا كان فيها ما فيهم من الكفاية والاسترباح ونحوهما ، وإلاّ فلا ، قال الأذرعيّ : وكم من محبٍّ مشفقٍ لا يقدر على تحصيل الأرباح والمصالح التّامّة لمن يلي أمره .
هذا ، وشهادتها عند الجمهور تكون في الأموال وتوابعها فقط ، وعند الحنفيّة تكون فيما عدا القود والحدود ، وشهادتها على النّصف من شهادة الرّجل لقوله تعالى : { فإن لم يَكُونا رجلين فَرَجُلٌ وامرأتان } وتقبل شهادتها دون الرّجال فيما لا يطّلع عليه الرّجال .
وينظر تفصيل ذلك في ( شهادةٍ ) .
والولاية على مال الصّغير تكون للذّكور عند جمهور الفقهاء ، لأنّ الولاية ثبتت بالشّرع ، فلم تثبت للأنثى ، لكن يجوز أن يوصي إليها ، فتصير وصيّةً بالإيصاء . وفي رأي الإصطخريّ من الشّافعيّة ، وهو خلاف الأصحّ عندهم ، وقول القاضي أبي يعلى ، وابن تيميّة من الحنابلة : أنّ الأمّ تكون لها الولاية بعد الأب والجدّ ، لأنّها أحد الأبوين ، وأكثر شفقةً على الابن . ولا ولاية للأنثى كذلك في النّكاح عند جمهور الفقهاء ، لأنّ المرأة لا تملك تزويج نفسها ولا غيرها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا تنكح المرأة المرأة ، ولا المرأة نفسها » . وعند أبي حنيفة وزفر والحسن بن زيادٍ ، وهو ظاهر الرّواية عن أبي يوسف : أنّ المرأة يجوز أن تزوّج نفسها ، وأن تزوّج غيرها بالولايات أو الوكالة ، لقوله تعالى : { فلا جُنَاحَ عليكم فيما فَعَلْنَ في أنفسهنّ من معروفٍ } فأضاف النّكاح والفعل إليهنّ ، وذلك يدلّ على صحّة عبارتهنّ ونفاذها ، لأنّه أضافه إليهنّ على سبيل الاستقلال ، إذ لم يذكر معها غيرها ، وقد روي أنّ امرأةً زوّجت بنتها برضاها ، فجاء الأولياء وخاصموها إلى عليٍّ رضي الله تعالى عنه ، فأجاز النّكاح . وهذا دليل الانعقاد بعبارة النّساء ، وأنّه أجاز النّكاح بغير وليٍّ ، لأنّهم كانوا غائبين ، لأنّها تصرّفت في خالص حقّها ، ولا ضرر فيه لغيرها ، فينفذ ، كتصرّفها في مالها ، والولاية في النّكاح أسرع ثبوتاً منها في المال ، ولأنّ النّكاح خالص حقّها ، حتّى يجبر الوليّ عليه عند طلبها ، وهي أهل لاستيفاء حقوقها . وتفصيل ذلك في ( نكاحٍ ) .
رد مع اقتباس