عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 05-06-2012, 01:32 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أمة *
انظر : رقّ .

إمهال *
التّعريف :
1 - الإمهال لغةً : الإنظار وتأخير الطّلب .
وعند الفقهاء يستعمل كذلك بمعنى : الإنظار والتّأجيل . والإمهال ينافي التّعجيل .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - أ - الإعذار : وهو سؤال الحاكم من توجّه عليه موجب الحكم : هل له ما يسقطه ؟ وينظر مصطلح : ( إعذار ) .
ب - التّنجيم : هو تأجيل العوض بأجلين فصاعداً .
ج - التّلوّم : وهو التّمكّث والتّمهّل والتّصبّر ، ومنه أن يتصبّر الحاكم مثلاً للزّوج مدّةً قبل التّطليق عليه للإعسار .
د - التّربّص : وهو بمعنى الانتظار . ومدّة الإمهال تارةً تكون مقدّرةً كإمهال المولى ، وتارةً تكون غير مقدّرةٍ ، وقد يختلف ذلك عند بعض الفقهاء عن البعض الآخر .
الحكم الإجماليّ :
3 - يجب إنظار من ثبت إعساره عند الأئمّة الأربعة إلى وقت اليسار ، ولا يحبس ، لقول اللّه سبحانه { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرة إلى ميسرةٍ } .
والعنّين يضرب له القاضي سنةً عند الجمهور ، " كما فعل عمر رضي الله عنه " رواه الشّافعيّ وغيره ، فقد يكون تعذّر الجماع لعارض حرارةٍ فيزول في الشّتاء ، أو برودةٍ فيزول في الصّيف ، أو يبوسةٍ فتزول في الرّبيع ، أو رطوبةٍ فتزول في الخريف ، فإذا مضت السّنة ولم يطأ ، علمنا أنّه عجز خلقيّ . ( ر : عنّين ) .
4 - وأجل المولي أربعة أشهرٍ ، لقول اللّه سبحانه { للّذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهرٍ فإن فاءوا فإنّ اللّه غفور رحيم } ( ر : إيلاء ) .
5 - وفي القضاء لو استمهل المدّعي لإحضار بيّنته ، فإنّ أغلب الفقهاء على أنّه يمهل ، وهل هذا الإمهال واجب أو مستحبّ ، خلاف بين الفقهاء .
وقدّر بعضهم مدّة الإمهال ثلاثة أيّامٍ ، وبعضهم جعلها إلى اجتهاد القاضي .
وانظر للتّفصيل مصطلح ( قضاء ) .
وفي الإمهال لعذرٍ ، وفي منعه عند طلب الخصم ، يراجع ( قضاء ، ودعوى ) .
والإمهال يمتنع فيما تشترط فيه الفوريّة ، كاستمهال من طلّق إحدى زوجتيه : لتعيين المطلّقة منهما ، واستمهال المشتري ردّ المبيع بالعيب ، والشّفيع في طلب الشّفعة ، وغير ذلك من الأمور الّتي تشترط فيها الفوريّة .
مواطن البحث :
6 - من المواطن الّتي يذكر فيها الإمهال : مباحث الكفالة ، فيمهل الكفيل لإحضار المكفول عنه من مسافة القصر فما دونها . ومنها : النّفقة ، فيمهل الزّوج لإحضار ماله الّذي في مسافة القصر . وفي الصّداق تمهل الزّوجة للدّخول ، وكذا يمهل الزّوج لوجود بعض الأعذار كالتّنظيف ونحوه .

أموال *
انظر : مال .

أموال الحربيّين *
انظر : أنفال .

أمير *
انظر : إمارة .

أمين *
انظر : أمانة .

إناء *
انظر : آنيّة .

إنابة *
انظر : نيابة - توبة .

إنبات *
انظر : بلوغ .

أنبياء *
انظر : نبيّ .

انتباذ *
انظر : أشربة .

انتحار *
التّعريف :
1 - الانتحار في اللّغة مصدر : انتحر الرّجل ، بمعنى نحر نفسه أي : قتلها .
ولم يستعمله الفقهاء بهذا المعنى . لكنّهم عبّروا عنه بقتل الإنسان نفسه .
وفي حديث أبي هريرة : « أنّ رجلاً قاتل في سبيل اللّه أشدّ القتال ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّه من أهل النّار ، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرّجل ألم الجرح ، فأهوى بيده إلى كنانته ، فانتزع منها سهماً فانتحر بها » .
وفي الحديث نفسه : « انتحر فلان فقتل نفسه » رواه البخاريّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّحر والذّبح :
2 - النّحر عند الفقهاء هو : فري الأوداج وقطع كلّ الحلقوم ، ومحلّه من أسفل الحلقوم . ويطلق الانتحار على قتل الإنسان نفسه بأيّ وسيلةٍ كانت .
ولهذا ذكروا أحكامه باسم ( قتل الشّخص نفسه )
بم يتحقّق الانتحار :
3 - الانتحار نوع من القتل فيتحقّق بوسائل مختلفةٍ . ويتنوّع بأنواعٍ متعدّدةٍ كالقتل .
فإذا كان إزهاق الشّخص نفسه بإتيان فعلٍ منهيٍّ عنه ، كاستعمال السّيف أو الرّمح أو البندقيّة أو أكل السّمّ أو إلقاء نفسه من شاهقٍ أو في النّار " ليحترق أو في الماء ليغرق وغير ذلك من الوسائل ، فهو انتحار بطريق الإيجاب .
واذا كان الإزهاق بالامتناع عن الواجب ، كالامتناع من الأكل والشّرب وترك علاج الجرح الموثوق ببرئه بما فيه من خلافٍ سيأتي ، أو عدم الحركة في الماء أو في النّار أو عدم التّخلّص من السّبع الّذي يمكن النّجاة منه ، فهو انتحار بطريق السّلب .
4- ويقسّم الانتحار بحسب إرادة المنتحر إلى نوعين : الانتحار عمداً والانتحار خطأً .
فإذا ارتكب الشّخص عملاً حصل منه قتل نفسه ، وأراد النّتيجة الحاصلة من العمل ، يعتبر القتل انتحاراً عمداً . كرمي نفسه بقصد القتل مثلاً .
وإذا أراد صيداً أو قتل العدوّ فأصاب نفسه ، ومات ، يعتبر انتحاراً خطأً .
وستأتي أحكامهما قريباً .
ويمكن أن يحصل الانتحار بطريقٍ يعتبر شبه العمد عند غير المالكيّة ، كقتل الإنسان نفسه بما لا يقتل غالباً ، كالسّوط والعصا . ر : ( قتل ) .
أمثلة من الانتحار بطريق السّلب :
أوّلاً : الامتناع من المباح :
5 - من امتنع من المباح حتّى مات كان قاتلاً نفسه ، متلفاً لها عند جميع أهل العلم . لأنّ الأكل للغذاء والشّرب لدفع العطش فرض بمقدار ما يدفع الهلاك ، فإن ترك الأكل والشّرب حتّى هلك فقد انتحر ، لأنّ فيه إلقاء النّفس إلى التّهلكة المنهيّ عنه في محكم التّنزيل .
وإذا اضطرّ الإنسان للأكل أو الشّرب من المحرّم كالميتة والخنزير والخمر حتّى ظنّ الهلاك جوعاً لزمه الأكل والشّرب ، فإذا امتنع حتّى مات صار قاتلاً نفسه ، بمنزلة من ترك أكل الخبز وشرب الماء في حال الإمكان ، لأنّ تاركه ساعٍ في إهلاك نفسه ، وقد قال اللّه تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } .
وكذلك حكم الإكراه على أكل المحرّم ، فلا يباح للمكره الامتناع من أكل الميتة أو الدّم أو لحم الخنزير في حالة الإكراه ، لأنّ هذه الأشياء ممّا يباح عند الاضطرار لقوله تعالى : { إلاّ ما اضطررتم إليه } والاستثناء من التّحريم إباحة ، وقد تحقّق الاضطرار بالإكراه ، ولو امتنع عنه حتّى قتل يؤاخذ به ويعدّ منتحراً ، لأنّه بالامتناع عنه صار ملقياً نفسه إلى التّهلكة .
ثانياً : ترك الحركة عند القدرة :
6 - من ألقي في ماءٍ جارٍ أو راكدٍ لا يعدّ مغرقاً ، كمنبسطٍ يمكنه الخلاص منه عادةً ، فمكث فيه مضطجعاً مثلاً مختاراً لذلك حتّى هلك ، يعتبر منتحراً وقاتلاً نفسه ، ولذلك لا قود ولا دية على الّذي ألقاه في الماء عند عامّة العلماء ، لأنّ هذا الفعل لم يقتله ، وإنّما حصل الموت بلبثه فيه ، وهو فعل نفسه ، فلم يضمنه غيره . كذلك إن تركه في نارٍ يمكنه الخلاص منها لقلّتها ، أو لكونه في طرفٍ منها يمكنه الخروج بأدنى حركةٍ ، فلم يخرج حتّى مات . وفي وجهٍ عند الحنابلة : لو تركه في نارٍ يمكنه التّخلّص منها فلم يخرج يضمن ، لأنّه جانٍ بالإلقاء المفضي إلى الموت . وفارق الماء ، لأنّه غير مهلكٍ بنفسه ، ولهذا يدخله النّاس للسّباحة ، أمّا النّار فيسيرها يهلك ، ولأنّ النّار لها حرارة شديدة ، فربّما أزعجته حرارتها عن معرفة ما يتخلّص به ، أو أذهبت عقله بألمها وروعتها .
ثالثاً : ترك العلاج والتّداوي :
7 - الامتناع من التّداوي في حالة المرض لا يعتبر انتحاراً عند عامّة الفقهاء ، فمن كان مريضاً وامتنع من العلاج حتّى مات ، لا يعتبر عاصياً ، إذ لا يتحقّق بأنّه يشفيه .
كذلك لو ترك المجروح علاج جرحٍ مهلكٍ فمات لا يعتبر منتحراً ، بحيث يجب القصاص على جارحه ، إذ البرء غير موثوقٍ به وإن عالج .
أمّا إذا كان الجرح بسيطاً والعلاج موثوقاً به ، كما لو ترك المجنيّ عليه عصب العرق ، فإنّه يعتبر قد قتل نفسه ، حتّى لا يسأل جارحه عن القتل عند الشّافعيّة . وصرّح الحنابلة بخلافه ، وقالوا : إن ترك شدّ الفصاد مع إمكانه لا يسقط الضّمان ، كما لو جرح فترك مداواة جرحه . ومع تصريح الحنفيّة بأنّ ترك العلاج لا يعتبر عصياناً ، لأنّ البرء غير موثوقٍ به ، قالوا : إن ضرب رجلاً بإبرةٍ في غير المقتل عمداً فمات ، لا قود فيه فقد فصّلوا بين الجرح المهلك وغير المهلك الشّافعيّة ، فيفهم منه أنّ ترك الجرح اليسير لنزف الدّم حتّى الموت يشبه الانتحار . ولم نعثر على نصٍّ للمالكيّة في هذه المسألة .
حكمه التّكليفيّ :
8 - الانتحار حرام بالاتّفاق ، ويعتبر من أكبر الكبائر بعد الشّرك باللّه . قال اللّه تعالى : { ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ } وقال : { ولا تقتلوا أنفسكم إنّ اللّه كان بكم رحيماً } .
وقد قرّر الفقهاء أنّ المنتحر أعظم وزراً من قاتل غيره ، وهو فاسق وباغٍ على نفسه ، حتّى قال بعضهم : لا يغسّل ولا يصلّى عليه كالبغاة ، وقيل : لا تقبل توبته تغليظاً عليه .
كما أنّ ظاهر بعض الأحاديث يدلّ على خلوده في النّار . منها قوله « من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالداً مخلّداً فيها أبداً » .
وهناك حالات خاصّة تشبه الانتحار ، لكنّه لا عقاب على مرتكبها ، ولا يأثم فاعلها ، لأنّها ليست انتحاراً في الواقع كالآتي :
أوّلاً : الانتقال من سبب موتٍ إلى آخر :
9 - إذا وقع حريق في سفينةٍ ، وعلم أنّه لو ظلّ فيها احترق ، ولو وقع في الماء غرق . فالجمهور ( المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة ، وهو قول أبي حنيفة ) على أنّ له أن يختار أيّهما شاء . فإذا رمى نفسه في الماء ومات جاز ، ولا يعتبر ذلك انتحاراً محرّماً إذا استوى الأمران . وقال الصّاحبان من الحنفيّة ، وهو رواية عن أحمد : أنّه يلزمه المقام والصّبر ، لأنّه إذا رمى نفسه في الماء كان موته بفعله ، وإن أقام فموته بفعل غيره .
كذلك جاز له الانتقال من سبب موتٍ إلى سبب موتٍ آخر ، إذا كان في السّبب الّذي ينتقل إليه نوع خفّةٍ مع التّأكّد من القتل فيهما عند أبي حنيفة ، قال الزّيلعيّ : ولو قال له : لتلقين نفسك في النّار أو من الجبل ، أو لأقتلنك ، وكان الإلقاء بحيث لا ينجو منه ، ولكن فيه نوع خفّةٍ ، فله الخيار إن شاء فعل ذلك ، وإن شاء لم يفعل وصبر حتّى يقتل ، لأنّه ابتلي ببليّتين فيختار ما هو الأهون في زعمه ، وهذا هو مذهب الشّافعيّة . وعند الصّاحبين من الحنفيّة يصبر ولا يفعل ذلك ، لأنّ مباشرة الفعل سعي في إهلاك نفسه فيصبر تحامياً عنه .
أمّا إذا ظنّ السّلامة في الانتقال من سببٍ إلى سببٍ آخر للموت ، أو رجا طول الحياة ولو مع موتٍ أشدّ وأصعب من الموت المعجّل ، قد صرّح المالكيّة بوجوبه ، لأنّ حفظ النّفوس واجب ما أمكن ، وعبّر الحنابلة بأنّه هو الأولى ، ممّا يدلّ على عدم الوجوب .
10 - ومن أمثلة الانتقال من سبب موتٍ إلى سبب موتٍ آخر ما ذكروا من أنّه لو تبع بسيفٍ ونحوه مميّزاً هارباً منه فرمى نفسه بماءٍ أو نارٍ من سطحٍ فمات ، فلا ضمان عليه في قولٍ عند الشّافعيّة ، وهو قياس مذهب الحنفيّة ، لمباشرته إهلاك نفسه عمداً ، كما لو أكره إنساناً على أن يقتل نفسه فقتلها . فكأنّه يشبه الانتحار عندهم . والقول الآخر عند الشّافعيّة أنّ عليه نصف الدّية . أمّا لو وقع بشيءٍ ممّا ذكر جاهلاً به ، لعمًى أو ظلمةٍ مثلاً أو تغطية بئرٍ ، أو ألجأه إلى السّبع
بمضيقٍ ضمن من تبعه ، لأنّه لم يقصد إهلاك نفسه وقد ألجأه التّابع إلى الهرب المفضي للهلاك . وكذا لو انخسف به سقف في هربه في الأصحّ .
وقال الحنابلة : إذا طلب إنساناً بسيفٍ مشهورٍ فهرب منه ، فتلف في هربه ضمنه ، سواء أكان من الشّاهق ، أم انخسف به سقف أم خرّ في بئرٍ ، أم لقيه سبع ، أم غرق في ماءٍ ، أم احترق بنارٍ . وسواء أكان المطلوب صغيراً أم كبيراً ، أعمى أم بصيراً ، عاقلاً أم مجنوناً . وفصّل المالكيّة في الموضوع فقالوا : من أشار إلى رجلٍ بسيفٍ ، وكانت بينهما عداوة ، فتمادى بالإشارة إليه وهو يهرب منه ، فطلبه حتّى مات فعليه القصاص بدون القسامة إذا كان الموت بدون السّقوط ، وإذا سقط ومات فعليه القصاص مع القسامة .
أمّا إذا كان بدون عداوةٍ فلا قصاص ، وفيه الدّية على العاقلة .
ثانياً : هجوم الواحد على صفّ العدوّ :
11 - اختلف الفقهاء في جواز هجوم رجلٍ من المسلمين وحده على جيش العدوّ ، مع التّيقّن بأنّه سيقتل .
فذهب المالكيّة إلى جواز إقدام الرّجل المسلم على الكثير من الكفّار ، إن كان قصده إعلاء كلمة اللّه ، وكان فيه قوّة وظنّ تأثيره فيهم ، ولو علم ذهاب نفسه ، فلا يعتبر ذلك انتحاراً . وقيل إذا طلب الشّهادة ، وخلصت النّيّة فليحمل ، لأنّ مقصوده واحد من الأعداء ، وذلك بيّن في قوله تعالى : { ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه } .
وقيّده بعضهم بأن يكون قد غلب على ظنّه أن سيقتل من حمل عليه وينجو ، وكذلك لو علم وغلب على ظنّه أنّه يقتل ، لكن سينكي نكايةً أو سيبلي أو يؤثّر أثراً ينتفع به المسلمون . ولا يعتبر هذا إلقاء النّفس إلى التّهلكة المنهيّ عنه بقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } لأنّ معنى التّهلكة - كما فسّرها أكثر المفسّرين - هو الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الجهاد . لما روى التّرمذيّ عن أسلم أبي عمران حكايةً عن غزو القسطنطينيّة أنّه « حمل رجل من المسملين على صفّ الرّوم حتّى دخل فيهم ، فصاح النّاس ، وقالوا : سبحان اللّه ، يلقي بيديه إلى التّهلكة ، فقام أبو أيّوب الأنصاريّ فقال : يا أيّها النّاس ، إنّكم تتأوّلون هذه الآية هذا التّأويل ، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لمّا أعزّ اللّه الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعضٍ سرّاً دون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّ أموالنا قد ضاعت ، وإنّ اللّه قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل على نبيّه صلى الله عليه وسلم يردّ على ما قلنا { وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } فكانت التّهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو » .
ونقل الرّازيّ روايةً عن الشّافعيّ أنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر الجنّة ، فقال له رجل : أرأيت إن قتلت في سبيل اللّه فأين أنا ؟ قال : في الجنّة ، فألقى تمراتٍ في يديه ثمّ قاتل حتّى قتل » .
كذلك قال ابن العربيّ : والصّحيح عندي جوازه ، لأنّ فيه أربعة أوجهٍ :
الأوّل : طلب الشّهادة .
الثّاني : وجود النّكاية .
الثّالث : تجرئة المسلمين عليهم .
الرّابع : ضعف نفوس الأعداء ، ليروا أنّ هذا صنع واحدٍ منهم فما ظنّك بالجميع .
وصرّح الحنفيّة بأنّه : إن علم أنّه إذا حارب قتل ، وإذا لم يحارب أسر لم يلزمه القتال ، لكنّه إذا قاتل حتّى قتل جاز بشرط أن ينكي فيهم .
أمّا إذا علم أنّه لا ينكي فيهم فإنّه لا يحلّ له أن يحمل عليهم ، لأنّه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدّين كما نقل عن محمّد بن الحسن أنّه قال : لو حمل رجل واحد على ألف رجلٍ من المشركين ، وهو وحده ، لم يكن بذلك بأس ، إذا كان يطمع في نجاةٍ أو نكايةٍ في العدوّ .
ثالثاً : الانتحار لخوف إفشاء الأسرار :
12 - إذا خاف المسلم الأسر ، وعنده أسرار هامّة للمسلمين ، ويتيقّن أنّ العدوّ سوف يطّلع على هذه الأسرار ، ويحدث ضرراً بيّناً بصفوف المسلمين وبالتّالي يقتل ، فهل له أن يقتل نفسه وينتحر أو يستسلم ؟ .
لم نجد في جواز الانتحار خوف إفشاء الأسرار ، ولا في عدم جوازه نصّاً صريحاً في كتب الفقه . إلاّ أنّ جمهور الفقهاء أجازوا قتال الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين ولو تأكّدوا أنّ المسلمين سيقتلون معهم ، بشرط أن يقصد بالرّمي الكفّار ، ويتوقّى المسلمين بقدر الإمكان ، وقيّده بعضهم بما إذا كانت الحرب قائمةً ، وعلمنا أنّنا لو كففنا عنهم ظفروا بنا أو عظمت نكايتهم فينا ، وجعلوا هذا من تطبيقات قاعدة : ( يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ ) . والمعروف أنّ الفقهاء لم يجوّزوا إلقاء شخصٍ في البحر لخفّة ثقل السّفينة المشرفة للغرق ، لأجل نجاة ركّابها مهما كثر عددهم ، إلاّ ما نقل الدّسوقيّ المالكيّ عن اللّخميّ من جواز ذلك بالقرعة .
أمر الشّخص لغيره بقتله :
إذا قال الرّجل لآخر : اقتلني ، أو قال للقائل إن قتلتني أبرأتك ، أو قد وهبت لك دمي ، فقتله عمداً ، اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال :
الأوّل :
13 - أنّ القتل في هذه الحال لا يعتبر انتحاراً ، لكن لا يجب به القصاص ، وتجب الدّية في مال القاتل . هذا هو المذهب عند الحنفيّة - ما عدا زفر - وإليه ذهب بعض الشّافعيّة ، ورواه سحنون عن مالكٍ ، ووصفه بأنّه أظهر الأقوال ، لأنّ الإباحة لا تجري في النّفوس ، وإنّما سقط القصاص للشّبهة باعتبار الإذن ، والشّبهة لا تمنع وجوب المال ، فتجب الدّية في مال القاتل لأنّه عمد ، والعاقلة لا تحمل دية العمد .
وفصّل الحنفيّة في وجوب الدّية فقالوا : إن قتله بالسّيف فلا قصاص ، لأنّ الإباحة لا تجري في النّفس ، وسقط القصاص لشبهة الإذن ، وتجب الدّية في ماله ، وإن قتله بمثقلٍ فلا قصاص لكنّه تجب الدّية على العاقلة .
الثّاني :
14 - أنّ القتل في هذه الحال قتل عمدٍ ، ولا يأخذ شيئاً من أحكام الانتحار ، ولهذا يجب القصاص . وهذا قول عند المالكيّة حسّنه ابن القاسم ، وهو قول عند الشّافعيّة ، وإليه ذهب زفر من الحنفيّة ، لأنّ الأمر بالقتل لم يقدح في العصمة ، لأنّ عصمة النّفوس ممّا لا تحتمل الإباحة بحالٍ ، وإذنه لا يعتبر ، لأنّ القصاص لوارثه لا له ، ولأنّه أسقط حقّاً قبل وجوبه . الثّالث :
15 - أنّ القتل في هذه الحال له حكم الانتحار ، فلا قصاص على من قتله ولا دية .
وهذا مذهب الحنابلة ، والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنفيّة ، وصحّحه القدوريّ ، وهو رواية مرجوحة في مذهب مالكٍ .
أمّا سقوط القصاص فللإذن له في القتل والجناية ، ولأنّ صيغة الأمر تورث شبهةً ، والقصاص عقوبة مقدّرة تسقط بالشّبهة .
وأمّا سقوط الدّية فلأنّ ضمان نفسه هو حقّ له فصار كإذنه بإتلاف ماله ، كما لو قال : اقتل دابّتي ففعل فلا ضمان إجماعاً ، فصحّ الأمر ، ولأنّ المورث أسقط الدّية أيضاً فلا تجب للورثة . وإذا كان الآمر أو الآذن مجنوناً أو صغيراً فلا يسقط إذنه شيئاً من القصاص ولا الدّية ، لأنّه لا اعتبار بإذنهما .
16 - لو قال : اقطع يدي ، فإن كان لمنع السّراية كما إذا وقعت في يده آكلة فلا بأس بقطعه اتّفاقاً . وإن كان لغير ذلك فلا يحلّ ، ولو قطع بإذنه فلم يمت من القطع فلا قصاص ولا دية على القاطع عند الجمهور ، لأنّ الأطراف يسلك بها مسلك الأموال ، فكانت قابلةً للسّقوط بالإباحة والإذن ، كما لو قال له : أتلف مالي فأتلفه .
وقال المالكيّة : إن قال له : اقطع يدي ولا شيء عليك ، فله القصاص إن لم يستمرّ على الإبراء بعد القطع ، ما لم يترام به القطع حتّى مات منه ، فلوليّه القسامة والقصاص أو الدّية .
17 - ولو أمره أن يشجّه فشجّه عمداً ، ومات منها ، فلا قصاص عليه عند الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) .
واختلفوا في وجوب الدّية على الجارح : فقال الحنابلة وأبو حنيفة وهو رواية مرجوحة عند الشّافعيّة : يجب على القاتل الدّية ، لأنّ العفو عن الشّجّة لا يكون عفواً عن القتل ، فكذا الأمر : بالشّجّة لا يكون أمراً بالقتل ، وكان القياس وجوب القصاص ، إلاّ أنّه سقط لوجود الشّبهة ، فتجب الدّية . ولأنّه لمّا مات تبيّن أنّ الفعل وقع قتلاً ، والمأمور به هو القطع لا القتل . أمّا لو عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه فهو عفو عن النّفس .
وقال الشّافعيّ في الرّاجح ، وهو ما ذهب إليه الصّاحبان من الحنفيّة : إن سرى القطع المأذون به إلى النّفس فهدر ، لأنّ القتل الحاصل من القطع والشّجّة المأذون فيهما يشبه الانتحار ، فلا يجب فيه قصاص ولا دية ، ولأنّ العفو عن الشّجّة يكون عفواً عن القتل ، فكذا الأمر بالشّجّة يكون أمراً بالقتل . ولأنّ الأصحّ ثبوت الدّية للمورث ابتداءً ، وقد أسقطها بإذنه . وما تقدّم عن المالكيّة يفيد ثبوت القصاص في هذه الحال إن لم يستمرّ على الإبراء .
أمر الإنسان غيره بأن يقتل نفسه :
18 - إذا أمر الإنسان غيره - أمراً لم يصل إلى درجة الإكراه - بقتل نفسه فقتل نفسه ، فهو منتحر عند جميع الفقهاء ، ولا شيء على الآمر ، لأنّ المأمور قتل نفسه باختياره ، وقد قال اللّه تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ومجرّد الأمر لا يؤثّر في الاختيار ولا في الرّضى ، ما لم يصل إلى درجة الإكراه التّامّ الّذي سيأتي بيانه .
الإكراه على الانتحار :
19 - الإكراه هو : حمل المكره على أمرٍ يكرهه . وهو نوعان : ملجئ وغير ملجئٍ . فالملجئ : هو الإكراه الكامل ، وهو أن يكره بما يخاف على نفسه أو على تلف عضوٍ من أعضائه . وهذا النّوع يعدم الرّضى ، ويوجب الإلجاء ، ويفسد الاختيار .
وغير الملجئ : هو أن يكرهه بما لا يخاف على نفسه ، ولا يوجب الإلجاء ولا يفسد الاختيار . والمراد هنا الإكراه الملجئ الّذي يعدم الرّضى ويفسد الاختيار.
20- إذا أكره إنسان غيره إكراهاً ملجئاً ليقتل المكره ، بأن قال له : اقتلني وإلاّ قتلتك ، فقتله فهو في حكم الانتحار ، حتّى لا يجب على القاتل القصاص ولا الدّية عند الجمهور ( الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ) لأنّ المكره ( بفتح الرّاء ) كالآلة بيد المكره في الإكراه التّامّ ( الملجئ ) فينسب الفعل إلى المكره وهو المقتول ، فصار كأنّه قتل نفسه ، كما استدلّ به الحنفيّة ، ولأنّ إذن المكلّف يسقط الدّية والقصاص معاً كما قال الشّافعيّة ، فكيف إذا اشتدّ الأمر إلى درجة الإكراه الملجئ ؟ وفي قولٍ عند الشّافعيّة : تجب الدّية على المكره ، لأنّ القتل لا يباح بالإذن ، إلاّ أنّه شبهة تسقط القصاص . ولم نعثر للمالكيّة على نصٍّ في الموضوع ، وقد سبق رأيهم بوجوب القصاص على القاتل إذا أمره المقتول بالقتل . 21 -إذا أكره شخص غيره إكراهاً ملجئاً ليقتل الغير نفسه ، بأن قال له : اقتل نفسك وإلاّ قتلتك ، فليس له أن يقتل نفسه ، وإلاّ يعدّ منتحراً وآثماً ، لأنّ المكره عليه لا يختلف عن المكره به ، فكلاهما قتل ، فلأن يقتله المكره أولى من أن يقتل هو نفسه .
ولأنّه يمكن أن ينجو من القتل بتراجع المكره ، أو بتغيّر الحالة بأسبابٍ أخرى ، فليس له أن ينتحر ويقتل نفسه .
ويتفرّع على هذا أنّه إذا قتل نفسه فلا قصاص على المكره في الأظهر عند الشّافعيّة ، لانتفاء كونه إكراهاً حقيقةً ، لاتّحاد المأمور به والمخوّف به ، فكأنّه اختار القتل كما علّله الشّافعيّة ، لكنّه يجب على الآمر نصف الدّية ، بناءً على أنّ المكره شريك ، وسقط عنه القصاص للشّبهة بسبب مباشرة المكره قتل نفسه .
وقال الحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة : يجب القصاص على المكره ، إذا قتل المكره نفسه ، كما لو أكرهه على قتل غيره .
ولو أكرهه على قتل نفسه بما يتضمّن تعذيباً شديداً كإحراقٍ أو تمثيلٍ إن لم يقتل نفسه ، كان إكراهاً كما جرى عليه البزّار ، ومال إليه الرّافعيّ من علماء الشّافعيّة ، وإن نازع فيه البلقينيّ . وفصّل الحنفيّة في الموضوع فقالوا : لو قال لتلقين نفسك في النّار أو من رأس الجبل أو لأقتلنّك بالسّيف ، فألقى نفسه من الجبل ، فعند أبي حنيفة تجب الدّية على عاقلة المكره ، لأنّه لو باشر بنفسه لا يجب عليه القصاص عنده ، لأنّه قتل بالمثقل ، فكذا إذا أكره عليه . وعند أبي يوسف تجب الدّية على المكره في ماله ، وعند محمّدٍ يجب القصاص ، لأنّه كالقتل بالسّيف عنده . أمّا إذا ألقى نفسه في النّار فاحترق ، فيجب القصاص على المكره عند أبي حنيفة أيضاً . هذا ، ولم نجد في المسألة نصّاً عند المالكيّة ، وانظر ( إكراه ) .
رد مع اقتباس