عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-06-2012, 01:30 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ما تنعقد به الإمامة :
تنعقد الإمامة بطرقٍ ثلاثةٍ ، باتّفاق أهل السّنّة :
أوّلاً - البيعة :
13 - والمراد بالبيعة بيعة أهل الحلّ والعقد ، وهم : علماء المسلمين ورؤساؤهم ووجوه النّاس ، الّذين يتيسّر اجتماعهم حالة البيعة بلا كلفةٍ عرفاً ، ولكن هل يشترط عدد معيّن ؟ اختلف في ذلك الفقهاء ، فنقل عن بعض الحنفيّة أنّه يشترط جماعة دون تحديد عددٍ معيّنٍ . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّها لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد ، بالحضور والمباشرة بصفقة اليد ، وإشهاد الغائب منهم من كلّ بلدٍ ، ليكون الرّضى به عامّاً ، والتّسليم بإمامته إجماعاً .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يشترط اتّفاق أهل الحلّ والعقد من سائر البلاد ، لتعذّر ذلك وما فيه من المشقّة ، وذكروا أقوالاً خمسةً في ذلك فقالت طائفة : أقلّ ما تنعقد به الإمامة خمسة ، يجتمعون على عقدها أو يعقد أحدهم برضى الباقين ، واستدلّوا بخلافة أبي بكرٍ لأنّها انعقدت بخمسةٍ اجتمعوا عليها ، ثمّ تابعهم النّاس فيها . وجعل عمر الشّورى في ستّةٍ ليعقدوا لأحدهم برضى الخمسة .
وذهبت طائفة إلى أنّ الإمامة لا تنعقد بأقلّ من أربعين ، لأنّها أشدّ خطراً من الجمعة ، وهي لا تنعقد بأقلّ من أربعين ، والرّاجح عندهم : أنّه لا يشترط عدد معيّن ، بل لا يشترط عدد ، حتّى لو انحصرت أهليّة الحلّ والعقد بواحدٍ مطاعٍ كفت بيعته لانعقاد الإمامة ، ولزم على النّاس الموافقة والمتابعة .
شروط أهل الاختيار :
14 - يشترط الفقهاء لأهل الاختيار أموراً ، هي : العدالة بشروطها ، والعلم بشروط الإمامة ، والرّأي والحكمة والتّدبير .
ويزيد الشّافعيّة شرطاً آخر وهو : أن يكون مجتهداً في أحكام الإمامة إن كان الاختيار من واحدٍ ، وأن يكون فيهم مجتهد إن كان أهل الاختيار جماعةً .
ثانياً : ولاية العهد : (الاستخلاف ) :
15 - وهي : عهد الإمام بالخلافة إلى من يصحّ إليه العهد ليكون إماماً بعده . قال الماورديّ : انعقاد الإمامة بعهد من قبله ممّا انعقد الإجماع على جوازه ، ووقع الاتّفاق على صحّته ، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما .
أحدهما : أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه ، فأثبت المسلمون إمامته بعهده .
والثّاني : أنّ عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشّورى ، فقبلت الجماعة دخولهم فيها ، وهم أعيان العصر اعتقاداً لصحّة العهد بها وخرج باقي الصّحابة منها ، وقال عليّ للعبّاس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدّخول في الشّورى :" كان أمراً عظيماً في أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه ". فصار العهد بها إجماعاً في انعقاد الإمامة ، فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحقّ بها والأقوم بشروطها ، فإذا تعيّن له الاجتهاد في واحدٍ نظر فيه :
فإن لم يكن ولداً ولا والداً جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه ، وإن لم يستشر فيه أحداً من أهل الاختيار ، لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرّضى منهم شرطاً في انعقاد بيعته أو لا ؟ فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أنّ رضى أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمّة ، لأنّها حقّ يتعلّق بهم ، فلم تلزمهم إلاّ برضى أهل الاختيار منهم ، والصّحيح أنّ بيعته منعقدة وأنّ الرّضى بها غير معتبرٍ ، لأنّ بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقّف على رضى الصّحابة ، ولأنّ الإمام أحقّ بها فكان اختياره فيها أمضى ، وقوله فيها أنفذ .
وإن كان وليّ العهد ولداً أو والداً فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب .
أحدهما : لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولدٍ ولا لوالدٍ ، حتّى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلاً لها ، فيصحّ منه حينئذٍ عقد البيعة له ، لأنّ ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشّهادة ، وتقليده على الأمّة يجري مجرى الحكم ، وهو لا يجوز أن يشهد لوالدٍ ولا لولدٍ ، ولا يحكم لواحدٍ منهما للتّهمة العائدة إليه بما جبل من الميل إليه .
والمذهب الثّاني : يجوز أن يفرد بعقدها لولدٍ ، ووالدٍ ، لأنّه أمير الأمّة نافذ الأمر لهم وعليهم . فغلب حكم المنصب على حكم النّسب ، ولم يجعل للتّهمة طريقاً على أمانته ولا سبيلاً إلى معارضته ، وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده ، وهل يكون رضى أهل الاختيار بعد صحّة العهد معتبراً في لزومه للأمّة أو لا ؟ على ما قدّمناه من الوجهين .
والمذهب الثّالث : أنّه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده ، ولا يجوز أن ينفرد بها لولده ، لأنّ الطّبع يبعث على ممايلة الولد أكثر من ممّا يبعث على ممايلة الوالد ، ولذلك كان كلّ ما يقتنيه في الأغلب مذخوراً لولده دون والده .
فأمّا عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرّده بها . وقال ابن خلدونٍ ، بعد أن قدّم الكلام في الإمامة ومشروعيّتها لما فيها من المصلحة ، وأنّ حقيقتها للنّظر في مصالح الأمّة لدينهم ودنياهم . قال : فالإمام هو وليّهم والأمين عليهم ، ينظر لهم ذلك في حياته ، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ، ويقيم لهم من يتولّى أمورهم كما كان هو يتولّاها ، ويثقون بنظره لهم في ذلك ، كما وثقوا به فيما قبل ، وقد عرف ذلك من الشّرع بإجماع الأمّة على جوازه وانعقاده ، إذ وقع بعهد أبي بكرٍ رضي الله عنه لعمر بمحضرٍ من الصّحابة ، وأجازوه ، وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضي الله عنه وعنهم ، وكذلك عهد عمر في الشّورى إلى السّتّة بقيّة العشرة ، وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ، ففوّض بعضهم إلى بعضٍ ، حتّى أفضى ذلك إلى عبد الرّحمن بن عوفٍ ، فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متّفقين على عثمان وعلى عليٍّ ، فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إيّاه على لزوم الاقتداء بالشّيخين في كلّ ما يعرض له دون اجتهاده ، فانعقد أمر عثمان لذلك ، وأوجبوا طاعته ، والملأ من الصّحابة حاضرون للأولى والثّانية ، ولم ينكره أحد منهم ، فدلّ على أنّهم متّفقون على صحّة هذا العهد ، عارفون بمشروعيّته ، والإجماع حجّة كما عرف ، ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه ، لأنّه مأمون على النّظر لهم في حياته ، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعةً بعد مماته ، خلافاً لمن قال باتّهامه في الولد والوالد ، أو لمن خصّص التّهمة بالولد دون الوالد ، فإنّه بعيد عن الظّنّة في ذلك كلّه ، لا سيّما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحةٍ أو توقّع مفسدةٍ فتنتفي الظّنّة في ذلك رأساً .
هذا ، وللإمام أن يجعلها شورى بين اثنين فأكثر من أهل الإمامة ، فيتعيّن من عيّنوه بعد موت الإمام ، لأنّ عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستّةٍ ، فاتّفقوا على عثمان رضي الله عنه ، فلم يخالف من الصّحابة أحد ، فكان ذلك إجماعاً .
استخلاف الغائب :
16 - صرّح الفقهاء بأنّه يصحّ استخلاف غائبٍ عن البلد ، إن علم حياته ، ويستقدم بعد موت الإمام ، فإن طال غيابه وتضرّر المسلمون بغيابه يجوز لأهل الاختيار نصب نائبٍ عنه ، وينعزل النّائب بقدومه .
شروط صحّة ولاية العهد :
17 - يشترط جمهور الفقهاء لصحّة ولاية العهد شروطاً منها :
أ - أن يكون المستخلف جامعاً لشروط الإمامة ، فلا يصحّ الاستخلاف من الإمام الفاسق أو الجاهل .
ب - أن يقبل وليّ العهد في حياة الإمام ، فإن تأخّر قبوله عن حياة الإمام تكون وصيّةً بالخلافة ، فيجري فيها أحكام الوصيّة ، وعند الشّافعيّة قول ببطلان الوصيّة في الاستخلاف ، لأنّ الإمام يخرج عن الولاية بالموت .
ج - أن يكون وليّ العهد مستجمعاً لشروط الإمامة ، وقت عهد الولاية إليه ، مع استدامتها إلى ما بعد موت الإمام ، فلا يصحّ - عند جمهور الفقهاء - عهد الولاية إلى صبيٍّ أو مجنونٍ أو فاسقٍ وإن كملوا بعد وفاة الإمام ، وتبطل بزوال أحد الشّروط من وليّ العهد في حياة الإمام . وذهب الحنفيّة إلى جواز العهد إلى صبيٍّ وقت العهد ، ويفوّض الأمر إلى والٍ يقوم به ، حتّى يبلغ وليّ العهد . وصرّحوا أيضاً بأنّه إذا بلغ جدّدت بيعته وانعزل الوالي المفوّض عنه ببلوغه .
ثالثاً : الاستيلاء بالقوّة :
18 - قال الماورديّ : اختلف أهل العلم في ثبوت إمامة المتغلّب وانعقاد ولايته بغير عقدٍ ولا اختيارٍ ، فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته ، وانعقاد إمامته ، وحمل الأمّة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار ، لأنّ مقصود الاختيار تمييز المولّى ، وقد تميّز هذا بصفته . وذهب جمهور الفقهاء والمتكلّمين إلى أنّ إمامته لا تنعقد إلاّ بالرّضى والاختيار ، لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له ، فإن توقّفوا أثموا لأنّ الإمامة عقد لا يتمّ إلاّ بعاقدٍ . وقال أبو يعلى : الإمامة تنعقد من وجهين :
أحدهما : باختيار أهل الحلّ والعقد .
والثّاني : بعهد الإمام من قبل .
فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد ، فلا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد . قال أحمد ، في رواية إسحاق بن إبراهيم : الإمام : الّذي يجتمع عليه ، كلّهم يقول : هذا إمام .
وظاهر هذا : أنّها تنعقد بجماعتهم .
وروي عنه ما دلّ على أنّها تثبت بالقهر والغلبة ، ولا تفتقر إلى العقد . فقال في رواية عبدوس بن مالكٍ العطّار : ومن غلب عليهم بالسّيف حتّى صار خليفةً وسمّي أمير المؤمنين ، فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً ، برّاً كان أو فاجراً . وقال أيضاً في رواية أبي الحارث - في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم - : تكون الجمعة مع من غلب واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة . وقال :" نحن مع من غلب ".
وجه الرّواية الأولى : أنّه لمّا اختلف المهاجرون والأنصار ، فقالت الأنصار :" منّا أمير ومنكم أمير " حاجّهم عمر ، وقال لأبي بكرٍ رضي الله عنهما :" مدّ يدك أبايعك "فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع وجود الاختلاف .
ووجه الثّانية : ما ذكره أحمد عن ابن عمر وقوله : نحن مع من غلب ولأنّها لو كانت تقف على عقدٍ لصحّ رفعه وفسخه بقولهم وقوله ، كالبيع وغيره من العقود ، ولمّا ثبت أنّه ( أي المتغلّب ) لو عزل نفسه أو عزلوه لم ينعزل ، دلّ على أنّه لا يفتقر إلى عقده .
ولأنّ عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزّبير واستولى على البلاد وأهلها ، حتّى بايعوه طوعاً وكرهاً ، فصار إماماً يحرم الخروج عليه ، ولما في الخروج عليه من شقّ عصا المسلمين ، وإراقة دمائهم ، وذهاب أموالهم . ولخبر : « اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشيّ أجدع » . وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء .
وذكر الشّافعيّة قولاً : يشترط لصحّة إمامة المتغلّب استجماع شروط الإمامة . كما يشترط الشّافعيّة أيضاً : أن يستولي على الأمر بعد موت الإمام المبايع له ، وقبل نصب إمامٍ جديدٍ بالبيعة ، أو أن يستولي على حيٍّ متغلّبٍ مثله . أمّا إذا استولى على الأمر وقهر إماماً مولًّى بالبيعة أو بالعهد فلا تثبت إمامته ، ويبقى الإمام المقهور على إمامته شرعاً .
اختيار المفضول مع وجود الأفضل :
19 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تعيّن لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة ، فبايعوه على الإمامة ، فظهر بعد البيعة من هو أفضل منه ، انعقدت بيعتهم إمامة الأوّل ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه . كما اتّفقوا على أنّه لو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل لعذرٍ ، ككون الأفضل غائباً أو مريضاً ، أو كون المفضول أطوع في النّاس ، وأقرب إلى قلوبهم ، انعقدت بيعة المفضول وصحّت إمامته ، ولو عدلوا عن الأفضل في الابتداء لغير عذرٍ لم يجز .
أمّا الانعقاد فقد اختلفوا في انعقاد بيعة المفضول مع وجود الأفضل بغير عذرٍ ، فذهبت طائفة إلى أنّ بيعته لا تنعقد ، لأنّ الاختيار إذا دعا إلى أولى الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره . وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلّمين إلى أنّ الإمامة جائزة للمفضول مع وجود الأفضل ، وصحّت إمامته إذا توفّرت فيه شروط الإمامة . كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأنّ زيادة الفضل مبالغة في الاختيار ، وليست شرطاً فيه . وقال أبو بكرٍ يوم السّقيفة : قد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين : أبي عبيدة بن الجرّاح ، وعمر بن الخطّاب . وهما - على فضلهما دون أبي بكرٍ في الفضل ، ولم ينكره أحد .
ودعت الأنصار إلى بيعة سعدٍ ، ولم يكن أفضل الصّحابة بالاتّفاق ، ثمّ عهد عمر رضي الله عنه إلى ستّةٍ من الصّحابة ، ولا بدّ أن يكون بعضهم أفضل من بعضٍ .
وقد أجمع أهل الإسلام حينئذٍ على أنّه لو بويع أحدهم فهو الإمام الواجب طاعته . فصحّ بذلك إجماع الصّحابة رضي الله عنهم ، على جواز إمامة المفضول .
عقد البيعة لإمامين :
20 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجوز كون إمامين في العالم في وقتٍ واحدٍ ، ولا يجوز إلاّ إمام واحد . واستدلّوا بخبر : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » . وقوله تعالى : { وأطيعوا اللّه ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا } .
ووجه الاستدلال : أنّ اللّه سبحانه وتعالى : حرّم على المسلمين التّفرّق والتّنازع ، وإذا كان إمامان فقد حصل التّفرّق المحرّم ، فوجد التّنازع ووقعت المعصية للّه تعالى .
فإن عقدت لاثنين معاً بطلت فيهما ، أو مرتّباً فهي للسّابق منهما . ويعزّر الثّاني ومبايعوه . لخبر : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » . وإن جهل السّابق منهما بطل العقد فيهما عند الشّافعيّة ، لامتناع تعدّد الأئمّة ، وعدم المرجّح لأحدهما .
وعند الإمام أحمد روايتان : إحداهما : بطلان العقد ، والثّانية : استعمال القرعة .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا تباعدت البلاد ، وتعذّرت الاستنابة ، جاز تعدّد الأئمّة بقدر الحاجة ، وهو قول عند الشّافعيّة ..
طاعة الإمام :
21 - اتّفقت الأمّة جمعاء على وجوب طاعة الإمام العادل وحرمة الخروج عليه للأدلّة الواردة في ذلك كخبر : « من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر » . وقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم } وحديث : « من خرج من الطّاعة ، وفارق الجماعة فمات ، مات ميتةً جاهليّةً » .
أمّا حكم الخروج على الجائر من الأئمّة فقد سبق بيانه عند الكلام عن دوام الإمامة .
ويدعو للإمام بالصّلاح والنّصرة وإن كان فاسقاً . ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه من الصّفات كالصّالح والعادل ، كما يحرم أن يوصف بما لا يجوز وصف العباد به . مثل شاهنشاه الأعظم ، ومالك رقاب النّاس ، لأنّ الأوّل من صفات اللّه فلا يجوز وصف العباد به ، والثّاني كذب .
من ينعزل بموت الإمام :
22 - لا ينعزل بموت الإمام من عيّنه الإمام في وظيفةٍ عامّةٍ كالقضاة ، وأمراء الأقاليم ، ونظّار الوقف ، وأمين بيت المال ، وأمير الجيش . وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء ، لأنّ الخلفاء الرّاشدين - رضي الله عنهم - ولّوا حكّاماً في زمنهم ، فلم ينعزل أحد بموت الإمام ، ولأنّ الخليفة أسند إليهم الوظائف نيابةً عن المسلمين ، لا نوّاباً عن نفسه ، فلا ينعزلون بموته ، وفي انعزالهم ضرر على المسلمين وتعطيل للمصالح .
أمّا الوزراء فينعزلون بموت الإمام وانعزاله ، لأنّ الوزارة نيابة عن الإمام فينعزل النّائب بموت المستنيب . لأنّ الإمام استناب الوزير ليعينه في أمور الخلافة .
عزل الإمام وانعزاله :
23 - سبق نقل كلام الماورديّ في مسألة عزل الإمام لطروء الفسق والجور عند الكلام عن دوام الإمام . ثمّ قال الماورديّ : أمّا ما طرأ على بدنه من نقصٍ فينقسم ثلاثة أقسامٍ :
أحدها : نقص الحواسّ ، والثّاني : نقص الأعضاء ، والثّالث : نقص التّصرّف .
فأمّا نقص الحواسّ فينقسم ثلاثة أقسامٍ : قسم يمنع من الإمامة ، وقسم لا يمنع منها ، وقسم مختلف فيه .
فأمّا القسم المانع منها فشيئان : أحدهما : زوال العقل . والثّاني : ذهاب البصر .
فأمّا زوال العقل فضربان : أحدهما : ما كان عارضاً مرجوّ الزّوال كالإغماء ، فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج منها ، لأنّه مرض قليل اللّبث سريع الزّوال ،« وقد أغمي على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مرضه » .
والضّرب الثّاني : ما كان لازماً لا يرجى زواله كالجنون والخبل ، فهو على ضربين :
أحدهما : أن يكون مطبقاً دائماً لا يتخلّله إفاقة ، فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحقّقه والقطع به ،
والضّرب الثّاني : أن يتخلّله إفاقة يعود بها إلى حال السّلامة فينظر فيه : فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، ويخرج بحدوثه منها ، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد الإمامة .
واختلف في منعه من استدامتها ، فقيل : يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها ، فإذا طرأ بطلت به الإمامة ، لأنّ في استدامته إخلالاً بالنّظر المستحقّ فيه ، وقيل : لا يمنع من استدامة الإمامة ، وإن منع من عقدها في الابتداء ، لأنّه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة ، وفي الخروج منها نقص كامل .
وأمّا ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، فإذا طرأ بطلت به الإمامة ، لأنّه لمّا أبطل ولاية القضاء ، ومنع من جواز الشّهادة ، فأولى أن يمنع من صحّة الإمامة .
وأمّا غشاء العين ، وهو : ألاّ يبصر عند دخول اللّيل ، فلا يمنع من الإمامة في عقدٍ ولا استدامةٍ ، لأنّه مرض في زمان الدّعة يرجى زواله .
وأمّا ضعف البصر ، فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة ، وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرفها منع من الإمامة عقداً واستدامةً .
وأمّا القسم الثّاني من الحواسّ ، الّتي لا يؤثّر فقدها في الإمامة فشيئان : أحدهما : الخشم في الأنف الّذي يدرك به شمّ الرّوائح . والثّاني : فقد الذّوق الّذي يفرّق به بين الطّعوم . فلا يؤثّر هذا في عقد الإمامة ، لأنّهما يؤثّران في اللّذّة ، ولا يؤثّران في الرّأي والعمل .
وأمّا القسم الثّالث من الحواسّ المختلف فيها فشيئان : الصّمم ، والخرس ، فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة ، لأنّ كمال الأوصاف بوجودهما مفقود .
واختلف في الخروج بهما من الإمامة ، فقالت طائفة : يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التّدبير والعمل ، وقال آخرون : لا يخرج بهما من الإمامة ، لقيام الإشارة مقامهما ، فلم يخرج منها إلاّ بنقصٍ كاملٍ . وقال آخرون : إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإمامة ، وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما ، لأنّ الكتابة مفهومة والإشارة موهومة ، والأوّل من المذاهب أصحّ .
وأمّا تمتمة اللّسان ، وثقل السّمع ، مع إدراك الصّوت إذا كان عالياً ، فلا يخرج بهما من الإمامة إذا حدثا . واختلف في ابتداء عقدها معهما ، فقيل : يمنع ذلك ابتداء عقدها ، لأنّهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال ، وقيل : لا يمنع ، لأنّ نبيّ اللّه موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النّبوّة فأولى ألاّ يمنع من الإمامة .
وأمّا فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسامٍ :
أحدها : ما لا يمنع من صحّة الإمامة في عقدٍ ولا استدامةٍ ، وهو ما لا يؤثّر فقده في رأيٍ ولا عملٍ ولا نهوضٍ ولا يشين في المنظر ، فلا يمنع من عقد الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد ، لأنّ فقده لا يؤثّر في الرّأي والحنكة . مثل قطع الأذنين لأنّهما لا يؤثّران في رأيٍ ولا عملٍ ، ولهما شين يمكن أن يستتر فلا يظهر .
والقسم الثّاني : ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها : وهو ما يمنع من العمل ، كذهاب اليدين ، أو من النّهوض كذهاب الرّجلين ، فلا تصحّ معه الإمامة في عقدٍ ولا استدامةٍ ، لعجزه عمّا يلزمه من حقوق الأمّة في عملٍ أو نهضةٍ .
والقسم الثّالث : ما يمنع من عقد الإمامة : واختلف في منعه من استدامتها ، وهو ما ذهب به بعض العمل ، أو فقد به بعض النّهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرّجلين ، فلا يصحّ معه عقد الإمامة لعجزه عن كمال التّصرّف ، فإن طرأ بعد عقد الإمامة ففي خروجه منها مذهبان للفقهاء :
أحدهما : يخرج به من الإمامة ، لأنّه عجز يمنع من ابتدائها فمنع من استدامتها .
والمذهب الثّاني : أنّه لا يخرج به من الإمامة وإن منع من عقدها ، لأنّ المعتبر في عقدها كمال السّلامة ، وفي الخروج منها كمال النّقص .
والقسم الرّابع : ما لا يمنع من استدامة الإمامة . واختلف في منعه من ابتداء عقدها ، وهو ما يشين ويقبّح ، ولا يؤثّر في عملٍ ولا في نهضةٍ ، كجدع الأنف وسمل إحدى العينين ، فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها ، لعدم تأثيره في شيءٍ من حقوقها ، وفي منعه من ابتداء عقدها مذهبان للفقهاء :
أحدهما : أنّه لا يمنع من عقدها ، وليس ذلك من الشّروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها .
والمذهب الثّاني : أنّه يمنع من عقد الإمامة ، وتكون السّلامة منه شرطاً معتبراً في عقدها ليسلم ولاة الملّة من شينٍ يعاب ونقصٍ يزدرى ، فتقلّ به الهيبة ، وفي قلّتها نفور عن الطّاعة ، وما أدّى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمّة .
وأمّا نقص التّصرّف فضربان : حجر ، وقهر .
فأمّا الحجر : فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبدّ بتنفيذ الأمور من غير تظاهرٍ بمعصيةٍ ولا مجاهرةٍ بمشاقّةٍ ، فلا يمنع ذلك من إمامته ، ولا يقدح في صحّة ولايته .
وأمّا القهر فهو أن يصير مأسوراً في يد عدوٍّ قاهرٍ لا يقدر على الخلاص منه ، فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له ، لعجزه عن النّظر في أمور المسلمين ، وسواء كان العدوّ مشركاً أو مسلماً باغياً ، وللأمّة اختيار من عداه من ذوي القدرة . وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعلى كافّة الأمّة استنقاذه ، لما أوجبته الإمامة من نصرته ، وهو على إمامته ما كان مرجوّ الخلاص مأمول الفكاك إمّا قتال أو فداء ، فإن وقع اليأس منه ، لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة المسلمين ، فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه ، واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة ، وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته . وإن كان مأسوراً مع بغاة المسلمين ، فإن كان مرجوّ الخلاص فهو على إمامته ، وإن لم يرج خلاصه ، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه ، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها ، فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها .
واجبات الإمام :
24 - من تعريف الفقهاء للإمامة الكبرى بأنّها رئاسة عامّة في سياسة الدّنيا وإقامة الدّين نيابةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتبيّن أنّ واجبات الإمام إجمالاً هي كما يلي :
أ - حفظ الدّين على أصوله الثّابتة بالكتاب والسّنّة وإجماع سلف الأمّة وإقامة شعائر الدّين .
ب - رعاية مصالح المسلمين بأنواعها .
كما أنّهم - في معرض الاستدلال لفرضيّة نصب الإمام بالحاجة إليه - يذكرون أموراً لا بدّ للأمّة ممّن يقوم بها وهي : تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود ، وسدّ الثّغور ، وتجهيز الجيوش ، وأخذ الصّدقات ، وقبول الشّهادات ، وتزويج الصّغار والصّغائر الّذين لا أولياء لهم ، وقسمة الغنائم . وعدّها أصحاب كتب الأحكام السّلطانيّة عشرةً . ولا تخرج في عمومها عمّا ذكره الفقهاء فيما مرّ ، على أنّ ذلك يزيد وينقص بحسب تجدّد الحاجات الزّمنيّة وما تقضي المصالح بأن لا يتولّاه الأفراد والهيئات ، بل يتولّاه الإمام .
ولايات الإمام :
25 - الولاة من قبل الإمام تنقسم ولايتهم إلى أربعة أقسامٍ :
أ - ولاية عامّة في الأعمال العامّة ، وهي : الوزارة ، فهي نيابة عن الإمام في الأمور كلّها من غير تخصيصٍ .
ب - ولاية عامّة في أعمالٍ خاصّةٍ ، وهي الإمارة في الأقاليم ، لأنّ النّظر فيما خصّ بها عامّ في جميع الأمور .
ج - ولاية خاصّة في الأعمال العامّة : كرئاسة القضاء ونقابة الجيش ، لأنّ كليهما مقصور على نظرٍ خاصٍّ في جميع الأعمال .
د - ولاية خاصّة في أعمالٍ خاصّةٍ كقاضي بلدٍ ، أو مستوفي خراجه ، وجابي صدقاته ، لأنّ كلّاً من ولاية هؤلاء خاصّ بعملٍ مخصوصٍ لا يتجاوزه ،
والتّفصيل في مصطلحي : ( وزارة ، إمارة )
رد مع اقتباس