عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 05-06-2012, 01:30 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

إمارة *
التّعريف :
1 - الإمارة بالكسر ، والإمرة : الولاية ، يقال : أمر على القوم يأمر ، من باب قتل فهو أمير . وأمر يأمر إمارةً وإمرةً : صار لهم أميراً . ويطلق على منصب الأمير ، وعلى جزءٍ من الأرض يحكمه أمير .
والاصطلاح الفقهيّ لا يخرج عن هذا المعنى في الجملة ، إلاّ أنّ الإمارة تكون في الأمور العامّة ، ولا تستفاد إلاّ من جهة الإمام ، أمّا الولاية فقد تكون في الأمور العامّة ، وقد تكون في الأمور الخاصّة ، وتستفاد من جهة الإمام أو من جهة الشّرع أو غيرهما ، كالوصيّة بالاختيار والوكالة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الخلافة :
2 - الخلافة في اللّغة : مصدر خلفه خلافةً : أي بقي بعده ، أو قام مقامه .
وهي في الاصطلاح الشّرعيّ : منصب الخليفة . وهي رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا نيابةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتسمّى أيضاً الإمامة الكبرى .
ب - السّلطة :
3 - السّلطة هي : السّيطرة والتّمكّن والقهر والتّحكّم ، ومنه السّلطان وهو من له ولاية التّحكّم والسّيطرة في الدّولة ، فإن كانت سلطته قاصرةً على ناحيةٍ خاصّةٍ فليس بخليفةٍ ، وإن كانت عامّةً فهو الخليفة ، وقد وجدت في العصور الإسلاميّة المختلفة خلافة بلا سلطةٍ ، كما وقع في أواخر عهد العبّاسيّين ، وسلطة بلا خلافةٍ كما وقع في عهد المماليك .
تقسيم الإمارة ، وحكمها التّكليفيّ :
4 - تنقسم الإمارة إلى عامّةٍ وخاصّةٍ : أمّا العامّة فالمراد بها الخلافة أو الإمامة الكبرى ، وهي فرض كفايةٍ ، وينظر تفصيل أحكامها في مصطلح ( إمامة كبرى ) .
وأمّا الإمارة الخاصّة : فهي لإقامة فرضٍ معيّنٍ من فروض الكفاية دون غيره ، كالقضاء والصّدقات والجند إذا دعت الحاجة إلى ذلك التّخصيص .
وقد يكون التّخصيص مكانيّاً ، كالإمارة على بلدٍ أو إقليمٍ خاصٍّ . كما يكون زمانيّاً ، كأمير الحاجّ ونحوه . والإمارة الخاصّة من المصالح العامّة للمسلمين والمنوطة بنظر الإمام .
« وكان الرّسول صلى الله عليه وسلم ينيب عنه عمّالاً على القبائل والمدن »، وفعل ذلك الخلفاء الرّاشدون . وعدّها أصحاب كتب الأحكام السّلطانيّة من الأمور اللّازمة على الإمام ، فيجب عليه أن يقيم الأمراء على النّواحي والجيوش والمصالح المتعدّدة فيما لا يستطيع أن يباشره بنفسه .
إمارة الاستكفاء :
5 - هي : أن يفوّض الإمام باختياره إلى شخصٍ إمارة بلدٍ أو إقليمٍ ولايةً على جميع أهله ونظراً في المعهود من سائر أعماله .
ويشتمل نظر الأمير في هذه الإمارة على أمورٍ :
أولاً : النّظر في تدبير الجيوش .
ثانياً : النّظر في الأحكام ، وتقليد القضاة .
ثالثاً : جباية الخراج ، وأخذ الصّدقات .
رابعاً : حماية الدّين ، والذّبّ عن ديار الإسلام .
خامساً : إقامة الحدود .
سادساً : الإمامة في الجمع والجماعات .
سابعاً : تسيير الحجيج ( إمارة الحجّ ) .
ثامناً : قسم الغنائم .
وحاجة الأمّة قد تستدعي إضافة مهامّ أخرى بحسب ما يجدّ من أحوالٍ ، كرعاية شئون التّعليم والصّحّة ونحوها .
شروط إمارة الاستكفاء :
6 - يشترط فيمن يولّى إمارة الاستكفاء ما يشترط لوزارة التّفويض :
فمنها شروط متّفق عليها وهي : الإسلام ، والتّكليف ( العقل والبلوغ ) ، والذّكورة .
ومنها شروط مختلف فيها وهي : العدالة والاجتهاد والكفاية .
ولا يشترط ( النّسب ) اتّفاقاً في الإمارة . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( إمامة كبرى ) .
صيغة عقد إمارة الاستكفاء :
7 - لا بدّ لتقليد الإمارة من صيغةٍ كسائر العقود ، فيتحدّد نوعها بالصّيغة ، فتعمّ الإمارة بعموم الصّيغة ، أو تخصّ بخصوصها . كأن يقول في الإمارة الّتي تعمّ التّصرّفات مثلاً : قلّدتك ناحية كذا أو إقليم كذا إمارةً على أهلها ، ونظراً على جميع ما يتعلّق بها . إلخ .
نفاذ تصرّفات أمير الاستكفاء :
8 - يجوز لأمير الاستكفاء أن يقلّد من يعيّنه في تنفيذ مهامّه لأنّه معيّن له ، ونائب عنه في مباشرة الأعمال الّتي لا تتيسّر مباشرتها للأمير نفسه . ولكنّه لا يجوز له أن يفوّض لشخصٍ آخر ما عهد إليه من أصل الولاية إلاّ بإذن الإمام ، لأنّه مستقلّ النّظر .
إمارة الاستيلاء :
9 - الأصل في الفقه الإسلاميّ : ألاّ يتولّى أحد منصباً إلاّ بتقليدٍ صحيحٍ من الإمام ، أو من ينوب عنه في ذلك كوزير التّفويض . على أنّه في بعض الظّروف ، قد يحدث أن يستبدّ أمير أو والٍ بالسّلطة ، بعد تولّيه بتقليدٍ من الإمام . ويخشى فتنة في عزله ، فللإمام أن يقرّه على إمارته . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة هذا التّقليد من الإمام للضّرورة ، وحسماً للفتنة ويسمّونها : إمارة الاستيلاء تفريقاً بينها وبين إمارة الاستكفاء .
وهي وإن خرجت على عرف التّقليد ( التّولية ) ، وشروطه وأحكامه ، فالحكمة في إقرارها هي حفظ وحدة كلمة المسلمين بالاعتراف بوجود الخلافة الواحدة في الجملة ، وإضفاء صفة الشّرعيّة على الأحكام الّتي يصدرها المستولي ، وصونها عن الفساد .
وجاء في الأحكام السّلطانيّة للماورديّ : والّذي ينحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشّرع سبعة أشياء ، فيشترك في التزامها الخليفة ، والمستولي . وعدّد الأشياء ، ولا تخرج في عمومها عمّا ذكرناه ، من حفظ مركز الخلافة ، والاعتراف بوجودها ، وإضفاء الصّفة الشّرعيّة على أعمال الإمارة وصونها عن الفساد .
ولا يخفى أنّ صحّة هذا النّوع من الإمارة هو من باب الضّرورة ، كما صرّح بذلك الحصكفيّ وغيره .
الإمارة الخاصّة ( من حيث الموضوع ) :
10 - الإمارة الخاصّة هي ما كان الأمير مقصور النّظر فيها على أمرٍ خاصٍّ ، كقيادة الجيش ، فيقتصر نظره فيما حدّد له ، في عقد التّقليد ، فلا يتعرّض لغيرها ، كالقضاء ، وجباية الخراج ، وقبض الصّدقات ، وإمارة الجهاد ، وإمارة الحجّ ، وإمارة السّفر .
إمارة الحجّ :
11 - جمهور الفقهاء على أنّه يستحبّ للإمام - إن لم يخرج بنفسه - أن ينصب للحجيج أميراً يخرج بهم ، ويرعى مصالحهم في حلّهم وترحالهم ، ويخطب فيهم في الأماكن الّتي شرعت فيها الخطبة ، يعلّمهم فيها مناسك الحجّ وأعماله وما يتعلّق به . وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ تنصيب أميرٍ لإقامة الحجّ واجب على الإمام ، إن لم يخرج بنفسه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « بعث في السّنة الثّامنة من الهجرة عتّاب بن أسيدٍ ، وفي التّاسعة أبا بكرٍ . وخرج بنفسه في العاشرة » .
أقسام إمارة الحجّ :
كتب الأحكام السّلطانيّة وحدها دون كتب الفقه فيما نعلم قسّمت هذه الإمارة إلى قسمين : إمارة إقامة الحجّ . وإمارة تسيير الحجيج .
أ - إمارة تسيير الحجيج :
12 - إمارة تسيير الحجيج هي : ولاية سياسيّة ، وزعامة وتدبير . فيشترط لأميرها : أن يكون مطاعاً ، ذا رأيٍ وشجاعةٍ ، وهيبةٍ . وقد عدّ الماورديّ عشرة أشياء جعلها من واجبات أمير الحجيج وهي :
أولاً : جمع النّاس في مسيرهم ونزولهم حتّى لا يتفرّقوا .
ثانياً : ترتيبهم في السّير والنّزول ، وتقسيمهم إلى مجموعاتٍ لكلٍّ منها رئيس ، حتّى يعرف كلّ فريقٍ منهم جماعته إذا سار ، ويألف مكانه إذا نزل ، فلا يتنازعون فيه ، ولا يضلّون عنه .
ثالثاً : يرفق بهم في السّير حتّى لا يعجز عنه ضعيفهم ، ولا يضلّ عنه منقطعهم .
رابعاً : أن يسلك بهم أوضح الطّرق وأخصبها ، ويتجنّب أجدبها وأوعرها .
خامساً : أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت ، والمراعي إذا قلّت .
سادساً : أن يحرسهم إذا نزلوا ، ويحوطهم إذا رحلوا .
سابعاً : أن يمنع عنهم من يصدّهم عن المسير .
ثامناً : أن يصلح بين المتشاجرين ، ويتوسّط بين المتنازعين .
تاسعاً : أن يؤدّب خائنهم ، ولا يتجاوز التّعزير .
عاشراً : أن يراعي اتّساع الوقت حتّى يؤمن فوات الحجّ عليهم .
الحكم بين الحجيج :
13 - ليس لأمير الحجّ أن يتعرّض للحكم بين الحجيج إجباراً إلاّ أن يفوّض إليه الحكم ، وهو أهل للقضاء ، فيجوز له حينئذٍ أن يحكم بينهم . فإن دخلوا في بلدٍ فيه حاكم جاز له أن يحكم بينهم . كما يجوز لحاكم البلد أن يحكم بينهم . هذا إذا كان النّزاع بين الحجّاج . أمّا إذا كان بين الحجيج وبين أهل البلد لم يحكم بينهم إلاّ حاكم البلد .
إقامة الحدود فيهم :
14 - لا يجوز لأمير الحجّ إقامة الحدود في الحجيج إلاّ أن يؤذن له فيها وهو من أهل القضاء . فإن أذن فله إقامتها فيهم . فإن دخل في بلدٍ فيه من يتولّى إقامة الحدود ، فإن كان المحدود قد أتى بموجب الحدّ قبل دخول البلد ، فأمير الحجيج أولى بإقامة الحدّ عليه .
أمّا إذا أتى به بعد دخول البلد فحاكم البلد أولى بإقامة الحدّ من أمير الحجيج .
انتهاء ولايته :
15 - إذا وصل الحجيج إلى مكّة زالت ولايته عمّن لا يرغب العودة . أمّا من كان عازماً على العود فيبقى تحت ولايته حتّى يصلوا إلى بلادهم .
ب - إمارة إقامة الحجّ :
16 - هي أن ينصب الإمام أميراً للحجيج يخرج بهم نيابةً عنه في المشاعر .
ويشترط في أمير إقامة الحجّ شروط إمامة الصّلاة ، مضافاً إليها أن يكون عالماً بمناسك الحجّ وأحكامه عارفاً بمواقيته وأيّامه .
انتهاء إمارته :
17 - تنتهي ولاية أمير إقامة الحجّ بانتهاء أعمال الحجّ ، ولا تتجاوزها ، وتبدأ بابتدائها ، فتبدأ من وقت صلاة الظّهر في اليوم السّابع من ذي الحجّة ، وتنتهي في يوم النّفر الثّاني ، وهو اليوم الثّالث عشر من ذي الحجّة .
وإذا كان تقليده مطلقاً على إقامة الحجّ فله إقامته في كلّ عامٍ حتّى يصرف عنه .
أمّا إذا كان تقليده لعامٍ واحدٍ فليس له إقامته في غيره من الأعوام ، إلاّ بتقليدٍ جديدٍ .
اختصاصه :
18 - يختصّ نظره في كلّ ما يتعلّق بأعمال الحجّ : من الإشعار بوقت الإحرام ، والخروج بالنّاس إلى مشاعرهم ، وإلقاء الخطب في الأماكن الّتي شرعت فيها ، وترتيبه المناسك على ما استقرّ الشّرع عليه لأنّه متبوع فيها ، فلا يقدّم مؤخّراً ولا يؤخّر مقدّماً سواء كان التّرتيب واجباً أو مستحبّاً .
إقامة الحدود :
19 - ليس لأمير إقامة الحجّ إقامة الحدّ ، أو التّعزير على من أتى ما يوجب ذلك من أفراد الحجيج ، إن كان الموجب ممّا لا يتعلّق بالحجّ . أمّا إذا كان موجب الحدّ أو التّعزير ممّا يتعلّق بالحجّ فله التّعزير . وفي إقامة الحدّ وجهان : أحدهما ليس له ذلك . لأنّه خارج من أحكام الحجّ ، وولايته خاصّة بالحجّ . والثّاني له إقامته عليه .
الحكم بين الحجيج :
20 - لا يجوز لأمير إقامة الحجّ أن يحكم بين الحجيج فيما تنازعوا فيه من غير أحكام الحجّ .
إمارة السّفر :
21 - يستحبّ لكلّ جماعةٍ ( ثلاثةٍ فأكثر ) قصدوا السّفر أن يؤمّروا أحدهم ، ويجب عليهم طاعته فيما يتعلّق بما هم فيه ، ويحرم عليهم مخالفته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا خرج ثلاثة في السّفر فليؤمّروا أحدهم » . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( سفر ) .

إمام *
انظر : إمامة .

إمامة الصّلاة *
الإمامة الصّغرى
التّعريف :
1 - الإمامة في اللّغة : مصدر أمّ يؤمّ ، وأصل معناها القصد ، ويأتي بمعنى التّقدّم ، يقال : أمّهم وأمّ بهم : إذا تقدّمهم .
وفي اصطلاح الفقهاء تطلق الإمامة على معنيين : الإمامة الصّغرى ، والإمامة الكبرى . ويعرّفون الإمامة الكبرى بأنّها : استحقاق تصرّفٍ عامٍّ على الأنام ( أي النّاس ) ، وهي رئاسة عامّة في الدّين والدّنيا خلافةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم . ( ر : إمامة كبرى ) . أمّا الإمامة الصّغرى ( وهي إمامة الصّلاة ) فهي ارتباط صلاة المصلّي بمصلٍّ آخر بشروطٍ بيّنها الشّرع . فالإمام لم يصر إماماً إلاّ إذا ربط المقتدي صلاته بصلاته ، وهذا الارتباط هو حقيقة الإمامة ، وهو غاية الاقتداء .
وعرّفها بعضهم بأنّها : كون الإمام متّبعاً في صلاته كلّها أو جزءٍ منها .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - القدوة :
2 - القدوة اسم للاقتداء أي : الاتّباع ، ويطلق على الشّخص المتبوع ، يقال : فلان قدوة أي يقتدى به .
ب - الاقتداء والتّأسّي :
3 - الاقتداء والتّأسّي كلّ منهما بمعنى الاتّباع ، سواء كان ذلك في صلاةٍ أو غيرها ، فالمأموم يقتدي بالإمام ويتأسّى به ، فيعمل مثل عمله ، ويطلق على المقتدى به أنّه قدوة وأسوة .
مشروعيّة الإمامة وفضلها :
4 - إمامة الصّلاة تعتبر من خير الأعمال الّتي يتولّاها خير النّاس ذوو الصّفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة وغيرها كما سيأتي ، ولا تتصوّر صلاة الجماعة إلاّ بها .
وصلاة الجماعة من شعائر الإسلام ، ومن السّنن المؤكّدة الّتي تشبه الواجب في القوّة عند أكثر الفقهاء ، وصرّح بعضهم بوجوبها ، وتفصيله في مصطلح : ( صلاة الجماعة ) .
وقد صرّح جمهور الفقهاء ، ومنهم الحنفيّة ، وبعض المالكيّة ، وهو رواية في مذهب أحمد : بأنّ الإمامة أفضل من الأذان والإقامة ، لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الرّاشدين عليها ، ولهذا أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوم بها أعلم النّاس وأقرؤهم ، كما روي في حديث أبي سعيدٍ الخدريّ . قال : « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إذا كانوا ثلاثةً فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم أقرؤهم » .
ولمّا مرض النّبيّ عليه السلام اختار أفضل الصّحابة للإمامة حيث قال : « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » ، ففهم الصّحابة من تقديمه في الإمامة الصّغرى استحقاقه الإمامة الكبرى . وفي قولٍ آخر : الأذان أفضل ، وهو قول بعض المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّ ، ورواية في مذهب أحمد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الإمام ضامن والمؤذّن مؤتمن ، اللّهمّ أرشد الأئمّة واغفر للمؤذّنين » والأمانة أعلى من الضّمان ، والمغفرة أعلى من الإرشاد . وقال عمر رضي الله عنه : " لولا الخلافة لأذّنت ".
شروط الإمامة :
يشترط لصحّة الإمامة الأمور التّالية :
أ - الإسلام :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في الإمام أن يكون مسلماً . وعلى هذا لا تصحّ الصّلاة خلف من هو كافر يعلن كفره ، أمّا إذا صلّى خلف من لا يعلم كفره ، ثمّ تبيّن أنّه كافر ، فإنّ الحنفيّة والحنابلة قالوا : إذا أمّهم زماناً على أنّه مسلم ، ثمّ ظهر أنّه كان كافراً ، فليس عليهم إعادة الصّلاة ، لأنّها كانت محكوماً بصحّتها ، وخبره غير مقبولٍ في الدّيانات لفسقه باعترافه .
وقال الشّافعيّة : لو بان إمامه كافراً معلناً ، وقيل : أو مخفياً ، وجبت الإعادة ، لأنّ المأموم مقصّر بترك البحث . وقال الشّربينيّ : إنّ الأصحّ عدم وجوب الإعادة إذا كان الإمام مخفياً كفره . ومثله مذهب المالكيّة حيث قالوا : تبطل الصّلاة بالاقتداء بمن كان كافراً ، سواء أكانت سرّيّةً أم جهريّةً ، وسواء أطالت مدّة صلاته إماماً بالنّاس أم لا . وصرّح الحنابلة ، وهو رواية عند المالكيّة ، بعدم جواز إمامة الفاسق ، وهو الّذي أتى بكبيرةٍ كشارب خمرٍ وزانٍ وآكل الرّبا ، أو داوم على صغيرةٍ . لكنّ الحنفيّة والشّافعيّة ذهبوا إلى جواز إمامة الفاسق مع الكراهة ، وهذا هو المعتمد عند المالكيّة إذا لم يتعلّق فسقه بالصّلاة ، وإلاّ بطلت عندهم كقصده الكبر بالإمامة ، وإخلاله بركنٍ أو شرطٍ أو سنّةٍ عمداً . وفي صلاة الجمعة والعيدين جاز إمامة الفاسق بغير كراهةٍ ، مع تفصيلٍ ينظر في مواضعه .
ب - العقل :
6 - يشترط في الإمام أن يكون عاقلاً ، وهذا الشّرط أيضاً متّفق عليه بين الفقهاء ، فلا تصحّ إمامة السّكران ، ولا إمامة المجنون المطبق ، ولا إمامة المجنون غير المطبق حال جنونه ، وذلك لعدم صحّة صلاتهم لأنفسهم فلا تبنى عليها صلاة غيرهم .
أمّا الّذي يجنّ ويفيق ، فتصحّ إمامته حال إفاقته .
ت - البلوغ :
7 - جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - على أنّه يشترط لصحّة الإمامة في صلاة الفرض أن يكون الإمام بالغاً ، فلا تصحّ إمامة مميّزٍ لبالغٍ في فرضٍ عندهم ، لما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا تقدّموا صبيانكم » ، ولأنّها حال كمالٍ والصّبيّ ليس من أهلها ، ولأنّ الإمام ضامن وليس هو من أهل الضّمان ، ولأنّه لا يؤمن معه الإخلال بالقراءة حال السّرّ . واستدلّوا كذلك على عدم صحّة إمامة الصّبيّ للبالغ في الفرض أنّ صلاة الصّبيّ نافلة فلا يجوز بناء الفرض عليها .
أمّا في غير الفرض كصلاة الكسوف أو التّراويح فتصحّ إمامة المميّز للبالغ عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة - لأنّه لا يلزم منها بناء القويّ على الضّعيف . والمختار عند الحنفيّة عدم جواز إمامة المميّز للبالغ مطلقاً ، سواء أكانت في الفرائض أم في النّوافل ، لأنّ نفل الصّبيّ ضعيف لعدم لزومه بالشّروع ، ونفل المقتدي البالغ قويّ لازم مضمون عليه بعد الشّروع . ولم يشترط الشّافعيّة في الإمام أن يكون بالغاً ، فتصحّ إمامة المميّز للبالغ عندهم مطلقاً ، سواء أكانت في الفرائض أم النّوافل ،
لحديث « عمرو بن سلمة أنّه كان يؤمّ قومه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستّ أو سبع سنين » لكنّهم قالوا : البالغ أولى من الصّبيّ ، وإن كان الصّبيّ أقرأ أو أفقه ، لصحّة الاقتداء بالبالغ بالإجماع ، ولهذا نصّ في البويطيّ على كراهة الاقتداء بالصّبيّ . أمّا إمامة المميّز لمثله فجائزة في الصّلوات الخمس وغيرها عند جميع الفقهاء .
ث - الذّكورة :
8 - يشترط لإمامة الرّجال أن يكون الإمام ذكراً ، فلا تصحّ إمامة المرأة للرّجال ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء ، لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » والأمر بتأخيرهنّ نهي عن الصّلاة خلفهنّ . ولما روى جابر مرفوعاً : « لا تؤمّنّ امرأة رجلاً » ولأنّ في إمامتها للرّجال افتتاناً بها .
أمّا إمامة المرأة للنّساء فجائزة عند جمهور الفقهاء - وهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - واستدلّ الجمهور لجواز إمامة المرأة للنّساء بحديث « أمّ ورقة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تؤمّ نساء أهل دارها » .
لكن كره الحنفيّة إمامتها لهنّ ، لأنّها لا تخلو عن نقصٍ واجبٍ أو مندوبٍ ، فإنّه يكره لهنّ الأذان والإقامة ، ويكره تقدّم المرأة الإمام عليهنّ . فإذا صلّت النّساء صلاة الجماعة بإمامة امرأةٍ وقفت المرأة الإمام وسطهنّ . أمّا المالكيّة فلا تجوز إمامة المرأة عندهم مطلقاً ولو لمثلها في فرضٍ أو نفلٍ . ولا تصحّ إمامة الخنثى للرّجال ولا لمثلها بلا خلافٍ ، لاحتمال أن تكون امرأةً والمقتدي رجلاً ، وتصحّ إمامتها للنّساء مع الكراهة أو بدونها عند جمهور الفقهاء ، خلافاً للمالكيّة حيث صرّحوا بعدم جوازها مطلقاً .
ج - القدرة على القراءة :
9- يشترط في الإمام أن يكون قادراً على القراءة وحافظاً مقدار ما يتوقّف عليه صحّة الصّلاة على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ( قراءة ) .
وهذا الشّرط إنّما يعتبر إذا كان بين المقتدين من يقدر على القراءة ، فلا تصحّ إمامة الأمّيّ للقارئ ، ولا إمامة الأخرس للقارئ أو الأمّيّ ، لأنّ القراءة ركن مقصود في الصّلاة ، فلم يصحّ اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه ، ولأنّ الإمام ضامن ويتحمّل القراءة عن المأموم ، ولا يمكن ذلك في الأمّيّ ، ولتفصيل المسألة ( ر : اقتداء ) .
أمّا إمامة الأمّيّ للأمّيّ والأخرس فجائزة ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء .
هذا ، وتكره إمامة الفأفاء ( وهو من يكرّر الفاء ) والتّمتام ( وهو من يكرّر التّاء ) واللّاحن لحناً غير مغيّرٍ للمعنى عند الشّافعيّة والحنابلة . وقال الحنفيّة : الفأفأة ، والتّمتمة ، واللّثغة ( وهي تحرّك اللّسان من السّين إلى الثّاء ، أو من الرّاء إلى الغين ونحوه ) تمنع من الإمامة . وعند المالكيّة في جواز إمامة هؤلاء وأمثالهم خلاف .
ح - السّلامة من الأعذار :
10 - يشترط في الإمام إذا كان يؤمّ الأصحّاء أن يكون سالماً من الأعذار ، كسلس البول وانفلات الرّيح والجرح السّائل والرّعاف ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو رواية عند الشّافعيّة ، لأنّ أصحاب الأعذار يصلّون مع الحدث حقيقةً ، وإنّما تجوز صلاتهم لعذرٍ ، ولا يتعدّى العذر لغيرهم لعدم الضّرورة ، ولأنّ الإمام ضامن ، بمعنى أنّ صلاته تضمن صلاة المقتدي ، والشّيء لا يضمن ما هو فوقه .
ولا يشترط في المشهور عند المالكيّة - وهو الأصحّ عند الشّافعيّة - السّلامة من العذر لصحّة الإمامة ، لأنّ الأحداث إذا عفي عنها في حقّ صاحبها عفي عنها في حقّ غيره .
وأمّا إمامة صاحب العذر لمثله فجائزة باتّفاق الفقهاء مطلقاً ، أو إن اتّحد عذرهما ( ر : اقتداء ) .
خ - القدرة على توفية أركان الصّلاة :
11 - يشترط في الإمام أن يكون قادراً على توفية الأركان ، وهذا إذا كان يصلّي بالأصحّاء ، فمن يصلّي بالإيماء ركوعاً أو سجوداً لا يصحّ أن يصلّي بمن يقدر عليهما عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) خلافاً للشّافعيّة فإنّهم أجازوا ذلك قياساً على صحّة إمامة المستلقي أو المضطجع للقاعد .
واختلفوا في صحّة إمامة القاعد للقائم ، فالمالكيّة والحنابلة لا يجوّزونها ، لأنّ فيه بناء القويّ على الضّعيف ، واستثنى الحنابلة إمام الحيّ إذا كان مرضه ممّا يرجى زواله ، فأجازوا إمامته ، واستحبّوا له إذا عجز عن القيام أن يستخلف ، فإن صلّى بهم قاعداً صحّ . والشّافعيّة يقولون بالجواز ، وهو قول أكثر الحنفيّة ، لحديث عائشة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « صلّى آخر صلاةٍ صلّاها بالنّاس قاعداً ، والقوم خلفه قيام » .
أمّا إمامة العاجز عن توفية الأركان لمثله فجائزة باتّفاق الفقهاء ، وللتّفصيل ( ر : اقتداء ) .
د - السّلامة من فقد شرطٍ من شروط الصّلاة :
12 - يشترط في الإمام السّلامة من فقد شرطٍ من شروط صحّة الصّلاة كالطّهارة من حدثٍ أو خبثٍ ، فلا تصحّ إمامة محدثٍ ولا متنجّسٍ إذا كان يعلم ذلك ، لأنّه أخلّ بشرطٍ من شروط الصّلاة مع القدرة على الإتيان به ، ولا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر ، ولا بين نجاسة الثّوب والبدن والمكان .
وصرّح المالكيّة والشّافعيّة أنّ علم المقتدي بحدث الإمام بعد الصّلاة مغتفر ، وقال الحنفيّة : من اقتدى بإمامٍ ثمّ علم أنّ إمامه محدث أعاد لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أمّ قوماً ثمّ ظهر أنّه كان محدثاً أو جنباً أعاد صلاته » .
وفصّل الحنابلة فقالوا : لو جهله المأموم وحده وعلمه الإمام يعيدون كلّهم ، أمّا إذا جهله الإمام والمأمومون كلّهم حتّى قضوا الصّلاة صحّت صلاة المأموم وحده ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلّى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمّت للقوم صلاتهم » . وتفصيله في مصطلح : ( طهارة ) .
ذ - النّيّة :
13 - يشترط في الإمام عند الحنابلة نيّة الإمامة ، فإنّهم قالوا : من شرط صحّة الجماعة : أن ينوي الإمام أنّه إمام وينوي المأموم أنّه مأموم . ولو أحرم منفرداً ثمّ جاء آخر فصلّى معه ، فنوى إمامته صحّ في النّفل ، لحديث ابن عبّاسٍ أنّه قال : « بتّ عند خالتي ميمونة ، فقام النّبيّ صلى الله عليه وسلم متطوّعاً من اللّيل ، فقام إلى القربة فتوضّأ ، فقام فصلّى ، فقمت لمّا رأيته صنع ذلك ، فتوضّأت من القربة ، ثمّ قمت إلى شقّه الأيسر ، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشّقّ الأيمن » .
أمّا في الفرض فإن كان ينتظر أحداً ، كإمام المسجد يحرم وحده ، وينتظر من يأتي فيصلّي معه ، فيجوز ذلك أيضاً .
واختار ابن قدامة أنّ الفرض كالنّفل في صحّة صلاة من أحرم منفرداً ثمّ نوى أن يكون إماماً . وقال الحنفيّة : نيّة الرّجل الإمامة شرط لصحّة اقتداء النّساء إن كنّ وحدهنّ ، وهذا في صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجودٍ ، لا في صلاة الجنازة ، لما يلزم من الفساد بمحاذاة المرأة له لو حاذته ، وإن لم ينو إمامة المرأة ونوت هي الاقتداء به لم تضرّه ، فتصحّ صلاته ولا تصحّ صلاتها ، لأنّ الاشتراك لا يثبت دون النّيّة .
ولا يشترط نيّة الإمام الإمامة عند المالكيّة والشّافعيّة ، إلاّ في الجمعة والصّلاة المعادة والمنذورة عند الشّافعيّة ، لكنّه يستحبّ عندهم للإمام أن ينوي الإمامة في سائر الصّلوات للخروج من خلاف الموجب لها ، وليحوز فضيلة الإمامة وصلاة الجماعة .
الأحقّ بالإمامة :
14 - وردت في ذلك الأحاديث التّالية : عن أبي سعيدٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا كانوا ثلاثةً فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم » رواه أحمد ومسلم والنّسائيّ . وعن أبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :
« يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنّاً ، ولا يؤمّنّ الرّجل الرّجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلاّ بإذنه » .
15 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمع قوم وكان فيهم ذو سلطانٍ ، كأميرٍ ووالٍ وقاضٍ فهو أولى بالإمامة من الجميع حتّى من صاحب المنزل وإمام الحيّ ، وهذا إذا كان مستجمعاً لشروط صحّة الصّلاة كحفظ مقدار الفرض من القراءة والعلم بأركان الصّلاة ، حتّى ولو كان بين القوم من هو أفقه أو أقرأ منه ، لأنّ ولايته عامّة ، ولأنّ ابن عمر كان يصلّي خلف الحجّاج . وإن لم يكن بينهم ذو سلطانٍ يقدّم صاحب المنزل ، ويقدّم إمام الحيّ وإن كان غيره أفقه أو أقرأ أو أورع منه ، إن شاء تقدّم وإن شاء قدّم من يريده . لكنّه يستحبّ لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه .
واتّفقوا كذلك على أنّ بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، ومن استجمع خصال العلم وقراءة القرآن والورع وكبر السّنّ وغيرها من الفضائل كان أولى بالإمامة .
ولا خلاف في تقديم الأعلم والأقرأ على سائر النّاس ، ولو كان في القوم من هو أفضل منه في الورع والسّنّ وسائر الأوصاف .
وجمهور الفقهاء : ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) على أنّ الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ ، لحديث : « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » وكان ثمّة من هو أقرأ منه ، لا أعلم منه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أقرؤكم أبيٍّ » ، ولقول أبي سعيدٍ :" كان أبو بكرٍ أعلمنا "، وهذا آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيكون المعوّل عليه . ولأنّ الحاجة إلى الفقه أهمّ منها إلى القراءة ، لأنّ القراءة إنّما يحتاج إليها لإقامة ركنٍ واحدٍ ، والفقه يحتاج إليه لجميع الأركان والواجبات والسّنن .
وقال الحنابلة ، وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة : إنّ أقرأ النّاس أولى بالإمامة ممّن هو أعلمهم ، لحديث أبي سعيدٍ قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم » ولأنّ القراءة ركن لا بدّ منه ، والحاجة إلى العلم إذا عرض عارض مفسد ليمكنه إصلاح صلاته ، وقد يعرض وقد لا يعرض .
16 - أمّا إذا تفرّقت خصال الفضيلة من العلم والقراءة والورع وكبر السّنّ وغيرها في أشخاصٍ فقد اختلفت أقوال الفقهاء . فمنهم من قدّم الأعلم على الأقرأ ، وقالوا : إنّما أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ ، لأنّ أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم ، فإنّهم كانوا إذا تعلّموا القرآن تعلّموا معه أحكامه ، وهذا قول جمهور الفقهاء . والأصل في أولويّة الإمامة حديث أبي مسعودٍ الأنصاريّ أنّ النّبيّ عليه السلام قال : « يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنّاً » .
17 - وفي ترتيب الأولويّة في الإمامة بعد الاستواء في العلم والقراءة ، قال الحنفيّة والشّافعيّة : يقدّم أورعهم أي الأكثر اتّقاءً للشّبهات ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « من صلّى خلف عالمٍ تقيٍّ فكأنّما صلّى خلف نبيٍّ » ولأنّ الهجرة المذكورة بعد القراءة والعلم بالسّنّة نسخ وجوبها بحديث : « لا هجرة بعد الفتح » فجعلوا الورع - وهو هجر المعاصي - مكان تلك الهجرة .
ومثله ما صرّح به المالكيّة حيث قالوا : الأولويّة بعد الأعلم والأقرأ للأكثر عبادةً . ثمّ إن استووا في الورع يقدّم عند الجمهور الأقدم إسلاماً ، فيقدّم شابّ نشأ في الإسلام على شيخٍ أسلم حديثاً . أمّا لو كانوا مسلمين من الأصل ، أو أسلموا معاً فإنّه يقدّم الأكبر سنّاً ، لقوله عليه السلام : « وليؤمّكما أكبركما سنّاً » . ولأنّ الأكبر في السّنّ يكون أخشع قلباً عادةً ، وفي تقديمه كثرة الجماعة .
18 - فإن استووا في الصّفات والخصال المتقدّمة من العلم والقراءة والورع والسّنّ ، قال الحنفيّة يقدّم الأحسن خلقاً ، لأنّ حسن الخلق من باب الفضيلة ، ومبنى الإمامة على الفضيلة ، فإن كانوا فيه سواءً فأحسنهم وجهاً ، لأنّ رغبة النّاس في الصّلاة خلفه أكثر ، ثمّ الأشرف نسباً ، ثمّ الأنظف ثوباً . فإن استووا يقرع بينهم .
وقال المالكيّة : يقدّم بعد الأسنّ الأشرف نسباً ، ثمّ الأحسن صورةً ، ثمّ الأحسن أخلاقاً ، ثمّ الأحسن ثوباً .
والشّافعيّة كالمالكيّة في تقديم الأشرف نسباً ، ثمّ الأنظف ثوباً وبدناً ، وحسن صوتٍ ، وطيّب صفةٍ وغيرها ، ثمّ يقرع بينهم . أمّا الحنابلة فقد صرّحوا أنّه إن استووا في القراءة والفقه فأقدمهم هجرةً ، ثمّ أسنّهم ، ثمّ أشرفهم نسباً ، ثمّ أتقاهم وأورعهم ، فإن استووا في هذا كلّه أقرع بينهم . ولا يقدّم بحسن الوجه عندهم ، لأنّه لا مدخل له في الإمامة ، ولا أثر له فيها . وهذا التّقديم إنّما هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الاشتراط ولا الإيجاب ، فلو قدّم المفضول كان جائزاً اتّفاقاً ما دام مستجمعاً شرائط الصّحّة ، لكن مع الكراهة عند الحنابلة . والمقصود بذكر هذه الأوصاف وربط الأولويّة بها هو كثرة الجماعة ، فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ، لأنّ رغبة النّاس فيه أكثر .
رد مع اقتباس