عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-06-2012, 01:27 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

شراء الألبسة أو استئجارها للصّلاة فيها :
26 - أجاز الحنفيّة والشّافعيّة شراء الألبسة أو استئجارها للصّلاة . وقال الحنابلة : إن وجد من يبيعه ثوباً بثمن مثله ، أو يؤجّره بأجرة مثله ، أو زيادةٍ يتغابن النّاس بمثلها ، وقدر على ذلك العوض لزمه قبوله . وإن كانت كثيرةً لا يتغابن النّاس بمثلها لم يلزمه ، وقال المالكيّة : إذا كان بثمنٍ معتادٍ لزمه وإلاّ فلا . : ( ر : صلاة ، وإجارة ) .
ما يترك للمفلس من الألبسة :
27 - إذا حجر على المفلس يترك له من اللّباس أقلّ ما يكفيه ، وما لا غنى له عنه : قميص وسراويل وشيء يلبسه على رأسه ، إمّا عمامة أو قلنسوة أو غيرهما ممّا جرت به عادته ولرجله حذاء ، وإن احتاج إلى جبّةٍ أو فروةٍ أو نحوهما ترك له ذلك . وإن كان له ثياب رفيعة لا يلبس مثله مثلها بيعت واشتري له كسوة مثله ، وردّ الفضل على الغرماء . فإن كانت إذا بيعت واشتري له كسوة لا يفضل منها شيء تركت له ، فإنّه لا فائدة في بيعها . وفي قولٍ للحنفيّة : يترك له مثل ما هو لابسه ، لأنّه إذا غسل ثيابه لا بدّ له من ملبسٍ يلبسه . وتزاد المرأة ما لا غنى لها عنه ، كمقنعةٍ وغيرها ممّا يليق بها .
ويترك لعياله من الملابس والثّياب مثل ما يترك له . ( ر : إفلاس ) .
سلب القتيل من الألبسة :
28 - إذا قال الإمام : من قتل قتيلاً فله سلبه ، فسلب القتيل من الألبسة مباح لمن حارب الكفّار دفاعاً عن الإسلام والمسلمين ، وقتل منهم من يجوز قتله ، وذلك اتّفاقاً ، وكذلك إذا لم يقل الإمام ذلك عند الحنابلة . والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم « من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه » .
وسلب القتيل ما كان لابساً له من ثيابٍ وعمامةٍ وقلنسوةٍ ومنطقةٍ ودرعٍ ومغفرٍ وبيضةٍ وتاجٍ وأسورةٍ ورانٍ وخفٍّ بما فيه من حليةٍ ونحو ذلك .
وفي إعطائه لمن قتله تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( غنيمة ) .
سنن اللّبس وآدابه وأدعيته المأثورة :
29 - من السّنّة أن يبدأ المسلم وهو يلبس ثوبه أو نعله أو سراويله وشبهها باليمين ، بإدخال اليد اليمنى في كمّ الثّوب ، والرّجل اليمنى في كلٍّ من النّعل والسّراويل ، وفي الخلع بالأيسر ثمّ الأيمن . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعجبه التّيمّن في شأنه كلّه ، في طهوره وتنعّله وترجّله » وفي روايةٍ أخرى « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحبّ التّيامن ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وفي شأنه كلّه » . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه » وعنه رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إذا لبستم وإذا توضّأتم فابدءوا بميامنكم » وعن حفصة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ، ويجعل شماله لما سوى ذلك » رواه أبو داود وأحمد ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين ، وإذا نزع فليبدأ بالشّمال » .
ولهذا اتّفق العلماء على استحباب التّيامن في الأمور الشّريفة ، والتّياسر فيما سوى ذلك . فالتّيامن كلبس الثّوب والخفّ والمداس والسّراويل وغير ذلك ، والتّياسر كخلع الثّوب والسّراويل والخفّ وما أشبه ذلك فيستحبّ التّياسر فيه ، وذلك لكرامة اليمين وشرفها . ويستحبّ لمن لبس ثوبه سواء أكان قميصاً أم إزاراً أم عمامةً أم رداءً أن يقول : بسم اللّه ، وأن يدعو بما ورد . فعن معاذ بن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من لبس ثوباً جديداً فقال : الحمد للّه الّذي كساني هذا ، ورزقنيه من غير حولٍ منّي ولا قوّةٍ ، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه » . وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا استجدّ ثوباً سمّاه باسمه عمامةً أو قميصاً أو رداءً ثمّ يقول : اللّهمّ لك الحمد أنت كسوتنيه . أسألك خيره وخير ما صنع له ، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له » .
وعن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من لبس ثوباً جديداً فقال : الحمد للّه الّذي كساني ما أداري به عورتي ، وأتجمّل به في حياتي ، ثمّ عمد إلى الثّوب الّذي أخلق فتصدّق به ، كان في حفظ اللّه وفي كنف اللّه عزّ وجلّ وفي سبيل اللّه حيّاً وميّتاً » . ذلك هو سنن اللّبس وآدابه ، وما في ذلك من أدعيةٍ مأثورةٍ .

التباس *
التّعريف :
1 - الالتباس في اللّغة من اللّبس وهو : الخلط . ويأتي بمعنى الاشتباه والإشكال . يقال : التبس عليه الأمر أي : اشتبه وأشكل .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن هذا المعنى اللّغويّ ، حتّى إنّ بعضهم سوّى بين الاشتباه والالتباس ، وعرّف أحدهما بالآخر ، كما جاء في كتب المالكيّة : قال ابن عبد السّلام : الاشتباه الالتباس .
2 - ويظهر من تتبّع عبارات الفقهاء أنّ المالكيّة قد انفردوا باستعمال لفظ ( الالتباس ) ، وغير المالكيّة أكثروا من استعمال لفظي ( اشتباهٍ وشكٍّ ) بدلاً من كلمة التباسٍ ، كما هو الملاحظ في بحث خفاء القبلة ، ونكاح الأجنبيّة الّتي اشتبهت بأخته ، وطهارة الماء والثّياب والأواني الملتبسة وغيرها .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف حكم الالتباس تبعاً لاختلاف متعلّقه ، فإذا التبس الحلال بالحرام يرجّح جانب الحرمة احتياطاً ، كمن التبست عليه الأجنبيّة بأخته ، بأن شكّ في الأجنبيّة وأخته من الرّضاع حرمتا معاً . وكذا إذا اشتبهت المذكّاة بالميتة .
ومن التبست عليه القبلة سأل واجتهد وتحرّى ، فإذا خفيت تخيّر وصلّى مع تفصيلٍ في ذلك . كذلك لو اشتبه على شخصٍ ماء طاهر بماءٍ نجسٍ ، أو التبست عليه الأواني أو الثّياب ، يجتهد ويتحرّى عند جمهور الفقهاء ، وإن كان الأرجح عند بعض الحنفيّة الطّهارة . ولمعرفة أحكام الالتباس والألفاظ ذات الصّلة به يرجع إلى مصطلح ( اشتباه ) .

التزام *
التّعريف :
1-الالتزام في اللّغة يقال : لزم الشّيء يلزم لزوماً أي : ثبت ودام ، ولزمه المال وجب عليه ، ولزمه الطّلاق : وجب حكمه ، وألزمته المال والعمل فالتزمه ، والالتزام : الاعتناق . والالتزام : إلزام الشّخص نفسه ما لم يكن لازماً له ، أي ما لم يكن واجباً عليه قبل ، وهو بهذا المعنى شامل للبيع والإجارة والنّكاح وسائر العقود .
وهذا المعنى اللّغويّ جرت عليه استعمالات الفقهاء ، حيث تدلّ تعبيراتهم على أنّ الالتزام عامّ في التّصرّفات الاختياريّة ، وهي تشمل جميع العقود ، سواء في ذلك المعاوضات والتّبرّعات . وهو ما اعتبره الحطّاب استعمالاً لغويّاً ، فقد عرّفه بأنّه : إلزام الشّخص نفسه شيئاً من المعروف مطلقاً ، أو معلّقاً على شيءٍ ، فهو بمعنى العطيّة ، فدخل في ذلك الصّدقة والهبة والحبس ( الوقف ) والعاريّة والعمرى والعريّة والمنحة والإرفاق والإخدام والإسكان والنّذر .
قال الحطّاب في كتابه تحرير الكلام في مسائل الالتزام : وقد يطلق في العرف على ما هو أخصّ من ذلك ، وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العقد والعهد :
2 - من معاني العقد لغةً : العهد ، ويقال : عهدت إلى فلانٍ في كذا وكذا ، وتأويله : ألزمته ذلك ، فإذا قلت عاقدته أو عقدت عليه فتأويله : أنّك ألزمته ذلك باستيثاقٍ ، وتعاقد القوم : تعاهدوا . وفي المجلّة العدليّة : العقد : التزام المتعاقدين وتعهّدهما أمراً ، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول . وبذلك يكون العقد التزاماً .
3 - أمّا العهد فهو في اللّغة : الوصيّة ، يقال عهد إليه يعهد : إذا أوصاه ، والعهد : الأمان ، والموثق ، والذّمّة .
والعهد : كلّ ما عوهد اللّه عليه ، وكلّ ما بين العباد من المواثيق فهو عهد ، والعهد : اليمين يحلف بها الرّجل . وبذلك يعتبر العهد نوعاً من أنواع الالتزام أيضاً .
ب - التّصرّف :
4 - يقال صرف الشّيء : إذا أعمله في غير وجهٍ كأنّه يصرفه عن وجهٍ إلى وجهٍ ، ومنه التّصرّف في الأمور .
وبهذا المعنى يكون التّصرّف أعمّ من الالتزام ، إذ من التّصرّف ما ليس فيه التزام .
ج - الإلزام :
5 - الإلزام : الإثبات والإدامة ، وألزمته المال والعمل وغيره .
فالإلزام سبب الالتزام ، سواء أكان ذلك بإلزام الشّخص نفسه شيئاً ، أم بإلزام الشّارع له . يقول الرّاغب الأصفهانيّ : الإلزام ضربان : إلزام بالتّسخير من اللّه ، أو من الإنسان . وإلزام بالحكم والأمر ، والإلزام لا يتوقّف على القبول .
د - اللّزوم :
6 - اللّزوم : الثّبوت والدّوام ، ولزمه المال : وجب عليه ، ولزمه الطّلاق : وجب حكمه . فاللّزوم يصدق على ما يترتّب على الالتزام متى توفّرت شروطه ، وعلى ما يقرّره الشّرع إذا توافرت شروط معيّنة . أمّا الالتزام فهو أمر يقرّره الإنسان باختياره ابتداءً .
هـ- الحقّ :
7- الحقّ ضدّ الباطل ، وحقّ الأمر أي ثبت ، قال الأزهريّ : معناه وجب يجب وجوباً ، وهو مصدر حقّ الشّيء إذا وجب وثبت .
والحقّ اصطلاحاً : هو موضوع الالتزام ، أي ما يلتزم به الإنسان تجاه اللّه ، أو تجاه غيره من النّاس .
و - الوعد :
8 - الوعد يدلّ على ترجيةٍ بقولٍ ، والوعد يستعمل في الخير حقيقةً وفي الشّرّ مجازاً . والوعد : العهد .
والعدة ليس فيها إلزام الشّخص نفسه شيئاً الآن ، وإنّما هي كما قال ابن عرفة : إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل .
والفرق بين ما يدلّ على الالتزام ، وما يدلّ على العدة : هو ما يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال . والظّاهر من صيغة المضارع : الوعد ، مثل : أنا أفعل ، إلاّ أن تدلّ قرينة على الالتزام كما يفهم من كلام ابن رشدٍ . وذلك مثل ما لو سألك مدين أن تؤخّره إلى أجل كذا ، فقلت : أنا أؤخّرك ، فهو عدة ، ولو قلت : قد أخّرتك ، فهو التزام .
أسباب الالتزام :
9 - من تعريف الالتزام اللّغويّ والشّرعيّ ، ومن استعمالات الفقهاء وعباراتهم ، يتبيّن أنّ سبب الالتزام هو تصرّفات الإنسان الاختياريّة الّتي يوجب بها حقّاً على نفسه ، وسواء أكان هذا الحقّ تجاه شخصٍ ، كالالتزامات الّتي يبرمها ، ومنها العقود والعهود الّتي يتعهّد بها ، والأيمان الّتي يعقدها ، والشّروط الّتي يشترطها . أم كان لحقّ اللّه ، كنذرٍ صلاةٍ أو صومٍ أو اعتكافٍ أو صدقةٍ مثلاً . وهناك أسباب أخرى سيأتي ذكرها فيما بعد . وبيان ذلك فيما يأتي .
التّصرّفات الاختياريّة :
10 - التّصرّفات الّتي يباشرها الإنسان باختياره ويوجب بها حقّاً على نفسه تتناول العقود بالمعنى العامّ الّذي أطلقه الفقهاء ، وهي الّتي تنعقد بإرادتين متقابلتين ( أي بالإيجاب والقبول ) أو الّتي تنعقد بإرادةٍ واحدةٍ ( أي بالإيجاب فقط ) وهذه قد تسمّى عقوداً على سبيل التّوسّع .
والتّصرّف يتمّ بإيجابٍ وقبولٍ إذا كان من شأنه أن يرتّب التزاماً في جانب كلٍّ من الطّرفين ، كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة . أمّا التّصرّف الّذي يرتّب التزاماً في جانب أحد الطّرفين دون الآخر فيتمّ بإيجاب الطّرف الملتزم وحده ، كالوقف والوصيّة لغير معيّنٍ والجعالة والإبراء من الدّين والضّمان والهبة والعاريّة . وهذا في الجملة مع مراعاة اختلاف الفقهاء في اشتراط القبول في بعضها . ويدخل فيما يتمّ بإرادةٍ منفردةٍ : الأيمان والنّذور ، وما شاكل ذلك . فهذه التّصرّفات كلّها الّتي تتمّ بإرادتين ، أو بإرادةٍ واحدةٍ متى استوفت أركانها وشرائطها على النّحو المشروع ، فإنّه يترتّب عليها الالتزام بأحكامها .
11 - ونصوص الفقهاء صريحة في أنّ الالتزام يشمل كلّ ما ذكر ، ومن هذه النّصوص :
أ - في كتاب البيوع من المجلّة العدليّة . العقد : التزام المتعاقدين وتعهّدهما أمراً ، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول .
ب - جاء في المنثور في القواعد للزّركشيّ : العقد الشّرعيّ ينقسم باعتبار الاستقلال به وعدمه إلى ضربين :
الأوّل : عقد ينفرد به العاقد ، مثل عقد النّذر واليمين والوقف ، إذا لم يشترط القبول فيه ، وعدّ بعضهم منه الطّلاق والعتاق إذا كانا بغير عوضٍ ، قال الزّركشيّ : وإنّما هو رفع للعقد . والثّاني : عقد لا بدّ فيه من متعاقدين ، كالبيع والإجارة والسّلم والصّلح والحوالة والمساقاة والهبة . والشّركة والوكالة والمضاربة والوصيّة والعاريّة الوديعة والقرض والجعالة والمكاتبة والنّكاح والرّهن والضّمان والكفالة .
ج - وفي المنثور أيضاً : ما أوجبه اللّه على المكلّفين ينقسم إلى ما يكون سببه جنايةً ويسمّى عقوبةً ، وإلى ما يكون سببه التزاماً ويسمّى ثمناً أو أجرةً أو مهراً أو غيره د - في القواعد للعزّ بن عبد السّلام : المساقاة والمزارعة التّابعة لها هي التزام أعمال الفلاحة بجزءٍ شائعٍ من الغلّة المعمول على تحصيلها . وفيه كذلك : التزام الحقوق من غير قبولٍ أنواع : أحدها : بنذرٍ في الذّمم والأعيان .
الثّاني : التزام الدّيون بالضّمان .
الثّالث : ضمان الدّرك .
الرّابع : ضمان الوجه .
الخامس : ضمان ما يجب إحضاره من الأعيان المضمونات .
هـ-من الأمثلة الّتي ذكرها الحطّاب في الالتزامات :
- 1- إذا قال له : إن بعتني سلعتك بكذا فقد التزمت لك كذا وكذا ، فالشّيء الملتزم به داخل في جملة الثّمن ، فيشترط فيه ما يشترط في الثّمن .
-2- إذا قال له : إن أسكنتني دارك سنةً ، فهذا من باب الإجارة ، فيشترط فيه شروط الإجارة ، بأن تكون المدّة معلومةً والمنفعة معلومةً ، وأن يكون الشّيء الملتزم به ممّا يصحّ أن يكون أجرةً . وأمثال هذه النّصوص كثيرة في كتب الفقه .
ومنها يمكن القول بأنّ الأسباب الحقيقيّة للالتزامات : هي تصرّفات الإنسان الاختياريّة . إلاّ أنّ المشتغلين بالفقه في العصر الحديث زادوا على ذلك ثلاثة مصادر أخرى ليست في الحقيقة التزاماً ، بل هي إلزام أو لزوم ، ولكن يترتّب عليها مثل ما يترتّب بالالتزام باعتبار التّسبّب أو المباشرة . وبيانها كما يلي :
- 1- الفعل الضّارّ أو الفعل غير المشروع :
12 - الفعل الضّارّ الّذي يصيب الجسم أو المال يستوجب العقوبة أو الضّمان .
والأضرار متعدّدة فمنها إتلاف مال الغير ، ومنها الجناية على النّفس أو الأطراف ، ومنها التّعدّي بالغصب ، أو بالسّرقة ، أو بالتّجاوز في الاستعمال المأذون فيه ، كتجاوز المستأجر ، والمستعير ، والحجّام ، والطّبيب ، والمنتفع بالطّريق ، ومنها التّفريط في الأمانات كالودائع والرّهون . ففي كلّ ذلك يصير الفاعل ملزماً بضمان فعله ، وعليه العوض في المثليّ بمثله ، وفي القيميّ بقيمته ، وهذا في الجملة ، إذ من الإتلافات ما لا ضمان فيه ، كمن صال عليه إنسان أو بهيمة ولم يندفع إلاّ بالقتل فقتله ، كما أنّ من الأعمال المباحة ما فيه الضّمان ، كالمضطرّ الّذي يأكل مال غيره ، ففيه الضّمان عند غير المالكيّة .
والضّابط في ذلك ما قال الزّركشيّ : أنّ التّعدّي مضمون أبداً إلاّ ما قام دليله ، وفعل المباح ساقط أبداً إلاّ ما قام دليله . والأصل في منع الضّرر قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » وفي كلّ ما سبق تفصيلات كثيرة ينظر في مصطلحاتها وأبوابها .
- 2- الفعل النّافع أو الإثراء بلا سببٍ :
13 - قد يقوم الإنسان بفعلٍ نافعٍ لغيره ، فيصير دائنا لذلك الغير بما قام به أو بما أدّى عنه . وهذا ما يسمّيه المشتغلون بالفقه في العصر الحديث ( الإثراء بلا سببٍ ) وهم يعنون بذلك : أنّ من أدّى عن غيره ديناً أو أحدث له منفعةً فقد افتقر المؤدّي وأثرى المؤدّى عنه بلا سببٍ ، وبذلك يصبح المثري ملزماً بأداء أو ضمان ما أدّاه عنه غيره أو قام به .
وليست هناك قاعدة يندرج تحتها ذلك ، وإنّما هي مسائل متفرّقة في أبواب الفقه ، كإنفاق المرتهن على الرّهن ، والملتقط على اللّقيط أو اللّقطة ، والنّفقة على الرّقيق والزّوجات والأقارب والبهائم إذا امتنع من يجب عليه الإنفاق ، وإنفاق أحد الشّريكين على المال المشترك مع غيبة الآخر أو امتناعه . ومن ذلك : بناء صاحب العلوّ السّفل بدون إذن صاحبه . أو إذن الحاكم لاضطراره لذلك ، وبناء الحائط المشترك ، ودفع الزّكاة لغير المستحقّ .. وهكذا .
ففي مثل هذه المسائل يكون المنتفع ملزماً بما أدّى عنه ، ويكون لمن أنفق حقّ الرّجوع بما أنفق في بعض الأحوال .
وفي ذلك خلاف وتفصيل في بيان متى يحقّ له الرّجوع ، ومتى لا يحقّ ، إذ القاعدة الفقهيّة ، أنّ من دفع ديناً عن غيره بلا أمره يعتبر متبرّعاً ، ولا يرجع بما دفع .
والقاعدة الخامسة والسّبعون في قواعد ابن رجبٍ هي فيمن يرجع بما أنفق على مال غيره بغير إذنه ، وفيها كثير من هذه المسائل .
وتنظر هذه المسائل في أبواب الفقه ، كالشّركة والرّهن واللّقطة والزّكاة وغيرها ، وفي مجمع الضّمانات كثير من هذه الأمثلة ، وفي الفروق للقرافيّ : كلّ من عمل عملاً أو أوصل نفعاً لغيره من مالٍ أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك ، فإن كان متبرّعاً لم يرجع به ، أو غير متبرّعٍ وهو منفعة فله أجر مثله ، أو مال فله أخذه ممّن دفعه عنه بشرط أن يكون المنتفع لا بدّ له من عمل ذلك .
- 3- الشّرع :
14 - يعتبر المسلم بإسلامه ملتزماً بأحكام الإسلام وتكاليفه .
جاء في مسلّم الثّبوت : الإسلام : التزام حقيقة ما جاء به النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وممّا يعتبر المسلم ملتزماً به ما يلزمه به الشّارع نتيجة ارتباطاتٍ وعلاقاتٍ خاصّةٍ . ومن ذلك : إلزامه بالنّفقة على أقاربه الفقراء ، لقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف } . وقوله سبحانه { وعلى الوارث مثل ذلك } وقوله تعالى : { وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحساناً } .
ومن ذلك الولاية الشّرعيّة ، كولاية الأب والجدّ لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } .
وذلك لوفور الشّفقة في الوليّ وعدم حسن تصرّف القاصر .
ومن ذلك الالتزام بقبول الميراث ، وغير ذلك ممّا يعتبر المسلم ملتزماً به دون توقّفٍ على قبوله . يقول الكاسانيّ : اللّزوم هنا بإلزام من له ولاية الإلزام ، وهو اللّه تبارك وتعالى ، فلم يتوقّف على القبول ، كسائر الأحكام الّتي تلزم بإلزام الشّرع ابتداءً .
على أنّه يمكن أن يضاف إلى هذه الأسباب : الشّروع ، فمن شرع في عبادةٍ غير واجبةٍ أصبح ملتزماً بإتمامها بالشّروع فيها ، ووجب القضاء بفسادها ، كما يقول المالكيّة والحنفيّة . هذه هي المصادر الثّلاثة ( الفعل الضّارّ - والفعل النّافع - والشّرع ) الّتي عدّها المشتغلون بالفقه الإسلاميّ في العصر الحديث من مصادر الالتزام ، إلاّ أنّها في الحقيقة تعتبر من باب الإلزام ، وليست من باب الالتزام ، كما مرّ في كلام الكاسانيّ .
15 - والفقهاء عبّروا في التّصرّفات النّاشئة عن إرادة الإنسان بأنّها التزام ، أمّا ما كان بغير إرادته فالتّعبير فيها بالإلزام أو اللّزوم . ذلك أنّ الالتزام الحقيقيّ . هو ما أوجبه الإنسان على نفسه والتزم به . ولذلك يقول القرافيّ : إنّ الكافر إذا أسلم يلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الدّيون الّتي اقترضها ونحو ذلك ، ولا يلزمه القصاص والغصب والنّهب ، لأنّ ما رضي به حال كفره واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه لا يسقط بالإسلام ، وما لم يرض بدفعه لمستحقّه كالقتل والغصب ونحوه فإنّ هذه الأمور إنّما دخل عليها معتمداً على أنّه لا يوفّيها أجلها ، فهذا كلّه يسقط ، لأنّ في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيراً له عن الإسلام .
إلاّ إذا اعتبرنا هذه الإلزامات تنشئ التزاماتٍ حكماً وبذلك يمكن ردّ مصادر كلّ الالتزامات إلى الشّرع ، فالشّرع هو الّذي رسم حدوداً لكلّ التّصرّفات ، ما يصحّ منها وما لا يصحّ ، ورتّب عليها أحكامها .
لكن اللّه سبحانه وتعالى جعل لما أوجبه على الإنسان أسباباً مباشرةً ، ومن ذلك أنّه جعل تصرّفات الإنسان الاختياريّة سبب التزاماته .
ويوضّح ذلك الزّركشيّ إذ يقول : ما أوجبه اللّه على المكلّفين ينقسم إلى ما يكون سببه جنايةً ويسمّى عقوبةً ، وإلى ما يكون سببه إتلافاً ويسمّى ضماناً ، وإلى ما يكون سببه التزاماً ويسمّى ثمناً أو أجرةً أو مهراً أو غيره ، ومنه أداء الدّيون والعواريّ والودائع ، واجبة بالالتزام . ويقول : حقوق الآدميّين الماليّة تجب بسبب مباشرته من التزامٍ أو إتلافٍ .
الحكم التّكليفيّ للالتزام :
16 - الالتزام بأحكام الإسلام أمر واجب على كلّ مسلمٍ .
ومن ذلك ما أوجبه عليه من عقوباتٍ وضمان متلفاتٍ والقيام بالنّفقات وأعمال الولاية .
أمّا بالنّسبة لتصرّفات الإنسان الاختياريّة فالأصل فيها الإباحة . إذ لكلّ إنسانٍ الحرّيّة في أن يتصرّف التّصرّف المشروع الّذي يلتزم به أمراً ، ما دام ذلك لم يمسّ حقّاً لغيره . وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى .
فيكون واجباً ، كبذل المعونة بيعاً أو قرضاً أو إعارةً للمضطرّ لذلك . وكوجوب قبول الوديعة إذا لم يكن من يصلح لذلك غيره ، وخاف إن لم يقبل أن تهلك .
ويكون مندوباً ، إذا كان من باب التّبرّعات الّتي تعين النّاس على مصالحهم ، لأنّه إرفاق بهم ، يقول اللّه تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ معروفٍ صدقة » .
ويكون حراماً إذا كان فيه إعانة على معصيةٍ ، ولذلك لا يصحّ إعارة الجارية لخدمة رجلٍ غير محرمٍ ، ولا الوصيّة بخمرٍ لمسلمٍ ، ولا نذر المعصية .
ويكون مكروهاً ، إذا أعان على مكروهٍ ، كمن يفضّل بعض أولاده في العطيّة .
رد مع اقتباس