د - أفعال لا يحلّ للمكره الإقدام عليها بحالٍ من الأحوال ، كقتل النّفس بغير حقٍّ ، أو قطع عضوٍ من أعضائها ، أو الضّرب الّذي يؤدّي إلى الهلاك ، فهذه الأفعال لا يجوز للمكره الإقدام عليها ، ولو كان في امتناعه عنها ضياع نفسه ، لأنّ نفس الغير معصومة كنفس المكره ، ولا يجوز للإنسان أن يدفع الضّرر عن نفسه بإيقاعه على غيره ، فإن فعل كان آثماً ، ووجب عقاب الحامل له على هذا الفعل باتّفاق علماء المذهب ، والخلاف بينهم إنّما هو في نوع هذا العقاب .
فأبو حنيفة ومحمّد يقولان : إنّه القصاص ، لأنّ القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له ، والقصاص إنّما يكون على القاتل لا على آلة القتل .
وأبو يوسف يقول : إنّه الدّية ، لأنّ القصاص لا يثبت إلاّ بالجناية الكاملة ، ولم توجد الجناية الكاملة بالنّسبة لكلٍّ من الحامل والمكره .
وهذا القتل يقوم مانعاً من الإرث بالنّسبة للمكرِه ( بالكسر ) إذا كان المكرَه ( بالفتح ) مكلّفاً . أمّا إذا كان غير مكلّفٍ كالصّبيّ أو المجنون فلا يكون مانعاً . وهذا عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، أمّا أبو يوسف فلا يحرم ولو كان المكره مكلّفاً . أمّا بالنّسبة للمكرَه ( بالفتح ) فلا يحرم باتّفاق الحنفيّة . وإنّما يجب القصاص عند أبي حنيفة ومحمّدٍ على المكره إذا كان المطلوب قتله شخصاً ثالثاً غير المكره ولا المكره ، فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه كأن قال للّذي قتله : اقتلني وإلاّ قتلتك ، فقتله ، فلا قصاص على القاتل ، وتجب الدّية لوجود الشّبهة ، ولأنّ الدّية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثاً عن المقتول .
وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ، فإنّه لا يكون ثمّ إكراه ، لأنّ المهدّد به لا يزيد على القتل ، فلا يتحقّق الإكراه ولا شيء من آثاره ، فلا قصاص ولا دية في هذا القتل ، إلاّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع كما لو قال له : لتلقينّ نفسك في النّار أو لأقتلنك ، فعند أبي حنيفة يختار ما هو الأهون في ظنّه ، وعند الصّاحبين : يصبر ولا يقتل نفسه ، لأنّ مباشرة الفعل سعي في إهلاك نفسه فيصبر تحامياً عنه . ثمّ إذا ألقى نفسه في النّار فاحترق فعلى المكره القصاص باتّفاقهم ، كما في الزّيلعيّ .
ونقل صاحب مجمع الأنهر أنّ القصاص إنّما هو عند أبي حنيفة خلافاً للصّاحبين .
ومن هذا النّوع أيضاً : الزّنى ، فإنّه لا يرخّص فيه مع الإكراه ، كما لا يرخّص فيه حالة الاختيار ، لأنّ حرمة الزّنى لا ترتفع بحالٍ من الأحوال ، فإذا فعله إنسان تحت تأثير الإكراه كان آثماً ، ولكن لا يجب عليه الحدّ ، لأنّ الإكراه يعتبر شبهةً ، والحدود تدرأ بالشّبهات . وقد أورد البابرتيّ من الحنفيّة ضابطاً لأثر الإكراه نصّه : الإكراه الملجئ معتبر شرعاً سواء ، أكان على القول أم الفعل . والإكراه غير الملجئ إن كان على فعلٍ فليس بمعتبرٍ ، ويجعل كأنّ المكره فعل ذلك الفعل بغير إكراهٍ . وإن كان على قولٍ ، فإن كان قولاً يستوي فيه الجدّ والهزل فكذلك ، وإلاّ فهو معتبر .
أثر الإكراه عند المالكيّة :
22 - يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكره عليه :
أ - فإن كان المكره عليه عقداً أو حلّاً أو إقراراً أو يميناً لم يلزم المكره شيء ، ويكون الإكراه في ذلك بالتّخويف بقتلٍ أو ضربٍ مؤلمٍ أو سجنٍ أو قيدٍ أو صفعٍ لذي مروءةٍ على ملأٍ من النّاس . وإن أجاز المكرَه ( بالفتح ) شيئاً ممّا أكره عليه - غير النّكاح - طائعاً بعد زوال الإكراه لزم على الأحسن ، وأمّا النّكاح فلا تصحّ إجازته .
ب - وإن كان الإكراه على الكفر بأيّ صورةٍ من صوره ، أو قذف المسلم بالزّنى ، أو الزّنى بامرأةٍ طائعةٍ خليّةٍ ( غير متزوّجةٍ ) ، فلا يحلّ له الإقدام على شيءٍ من هذه الأشياء إلاّ في حالة التّهديد بالقتل ، لا فيما دونه من قطعٍ أو سجنٍ ونحوه ، فإن فعل ذلك اعتبر مرتدّاً ، ويحدّ في قذف المسلم ، وفي الزّنى .
ج - وإن كان الإكراه على قتل مسلمٍ ، أو قطع عضوٍ منه ، أو على زنًى بمكرهةٍ ، أو بامرأةٍ لها زوج ، فلا يجوز الإقدام على شيءٍ من ذلك ولو أكره بالقتل . فإن قتل يقتصّ منه ، ويعتبر القتل هنا مانعاً للقاتل من ميراث المقتول ، لأنّه شريك في الفعل ، وكذلك المكرِه ( بالكسر ) يقتصّ منه أيضاً ويمنع من الميراث . وإنّما يجب القصاص عندهم على المكره والمكره ، إذا كان المطلوب قتله شخصاً ثالثاً غيرهما .
فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه ( بالكسر ) كما لو قال للّذي قتله : اقتلني وإلاّ قتلتك فقتله ، فلا قصاص عندهم وتجب الدّية ، لمكان الشّبهة من ناحيةٍ ، وبناءً على أنّ الدّية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثاً . وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ( بالفتح ) ، فالأصل أنّه لا يتحقّق الإكراه في هذه الحالة ، ولا قصاص فيه ولا دية ، إلاّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع ، كالإحراق بالنّار وبتر الأعضاء حتّى الموت ، فإنّ المكرَه ( بالفتح ) يختار أهون الميتتين ، جزم به اللّقانيّ . وإن زنى يحدّ .
د - وأمّا لو أكره على فعل معصيةٍ - غير الكفر - لا حقّ فيها لمخلوقٍ كشرب خمرٍ وأكله ميتةً ، أو إبطال عبادةٍ كصلاةٍ وصومٍ ، أو على تركها فيتحقّق الإكراه بأيّة وسيلةٍ من قتلٍ أو غيره . ويترتّب عليه في الصّوم القضاء دون الكفّارة . وفي الصّلاة يكون الإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها ، ولا يسقط وجوبها . وفي شرب الخمر لا يقام الحدّ . وألحق سحنون بهذا النّوع الزّنى بامرأةٍ طائعةٍ لا زوج لها ، خلافاً للمذهب .
ويضيف المالكيّة أنّ القطع في السّرقة يسقط بالإكراه مطلقاً ، ولو كان بضربٍ أو سجنٍ لأنّه شبهة تدرأ الحدّ .
أثر الإكراه عند الشّافعيّة :
23 - يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكره عليه .
أ - الإكراه بالقول : إذا كان المكره عليه عقداً أو حلّاً أو أيّ تصرّفٍ قوليٍّ أو فعليٍّ ، فإنّه لا يصحّ عملاً بعموم الحديث الصّحيح : « رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » إذ المقصود ليس رفع ما وقع لمكان الاستحالة ، وإنّما رفع حكمه ، ما لم يدلّ دليل على خلاف ذلك ، فيخصّص هذا العموم في موضع دلالته . وبمقتضى أدلّة التّخصيص يقرّر الشّافعيّة أنّه لا أثر لقول المكرَه ( بالفتح ) إلاّ في الصّلاة فتبطل به وعلى هذا فيباح للمكرَه ( بالفتح ) التّلفّظ بكلمة الكفر ، ولا يجب ، بل الأفضل الامتناع مصابرةً على الدّين واقتداءً بالسّلف .
وفي طلاق زوجة المكرِه ( بالكسر ) أو بيع ماله ونحوهما من كلّ ما يعتبر الإكراه فيه إذناً أبلغ . والإكراه في شهادة الزّور الّتي تفضي إلى القتل أو الزّنى ، وفي الإكراه بالحكم الباطل الّذي يفضي إلى القتل أو الزّنى ، فلا يرتفع الإثم عن شاهد الزّور ، ولا عن الحاكم الباطل ، وحكمهما في هذه الحالة من حيث الضّمان حكم المكرِه ( بالكسر )
ب - الإكراه بالفعل : لا أثر للإكراه بالفعل عند الشّافعيّة إلاّ فيما يأتي :
-1 -الفعل المضمّن كالقتل أو إتلاف المال أو الغصب ، فعلى المكرَه ( بالفتح ) القصاص أو الضّمان ، وقرار الضّمان على المكرِه ( بالكسر ) ، وإن قيل : لا رجوع له على المكرِه ( بالكسر ) بما غرم في إتلاف المال ، لأنّه افتدى بالإتلاف نفسه عن الضّرر . قال القليوبيّ في مسألة القتل : فيقتل هو المكرَه ( بالفتح ) ومن أكرهه .
-2- الزّنى وما إليه : يأثم المكرَه ( بالفتح ) بالزّنى ، ويسقط الحدّ للشّبهة ، ويترتّب على وطء الشّبهة حكمه .
-3 - الرّضاع : فيترتّب عليه التّحريم المؤبّد في المناكحات وما ألحق بها .
-4- كلّ فعلٍ يترتّب عليه بطلان الصّلاة ، كالتّحوّل عن القبلة ، والعمل الكثير ، وترك قيام القادر في الفريضة ، والحدث ، فتبطل الصّلاة بما تقدّم برغم الإكراه عليه .
-5- ذبح الحيوان : تحلّ ذبيحة المكرَه ( بالفتح ) الّذي تحلّ ذبيحته ، كالمسلم والكتابيّ ولو كان المكرِه ( بالكسر ) مجوسيّاً ، أو محرّماً والمذبوح صيد .
قال السّيوطيّ : وقد رأيت الإكراه يساوي النّسيان ، فإنّ المواضع المذكورة ، إمّا من باب ترك المأمور ، فلا يسقط تداركه ، ولا يحصل الثّواب المرتّب عليه ، وإمّا من باب الإتلاف ، فيسقط الحكم المرتّب عليه ، وتسقط العقوبة المتعلّقة به ، إلاّ القتل على الأظهر .
أثر الإكراه عند الحنابلة :
24 - يختلف أثر الإكراه عند الحنابلة باختلاف المكره عليه :
أ - فالتّصرّفات القوليّة تقع باطلةً مع الإكراه إلاّ النّكاح ، فإنّه يكون صحيحاً مع الإكراه ، قياساً للمكره على الهازل . وإنّما لم يقع الطّلاق مع الإكراه للحديث الشّريف
« لا طلاق في إغلاقٍ » ، والإكراه من الإغلاق .
ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدّاً ، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه ، والأفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذّمّيّ والمستأمن ، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام ، حتّى يوجد منه ما يدلّ على إسلامه طوعاً .
أمّا من يجوز إكراهه على الإسلام كالمرتدّ ، فإنّه إذا أكره فأسلم حكم بإسلامه ظاهراً .
ج - والإكراه يسقط الحدود عن المكره ، لأنّه شبهة ، والحدود تدرأ بالشّبهات .
د - وإذا أكره رجل آخر على قتل شخصٍ فقتله ، وجب القصاص على المكره والمكره جميعاً ، وإن صار الأمر إلى الدّية وجبت عليهما ، وإن أحبّ وليّ المقتول قتل أحدهما ، وأخذ نصف الدّية من الآخر أو العفو فله ذلك . ويعتبر القتل هنا مانعاً من الميراث بالنّسبة للمكره والمكره . والقصاص عندهم لا يجب على المكره والمكره ، إلاّ إذا كان المطلوب قتله شخصاً ثالثاً غيرهما . فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه ( بالكسر ) فإنّه يكون هدراً ، ولا قصاص ولا دية في المختار عندهم . وأمّا إن كان المطلوب قتله هو المكرَه ( بالفتح ) ، فلا يتحقّق الإكراه في هذه الحالة ، ولا دية ولا قصاص عند بعضهم . إلاّ إذا كان التّهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى الرّوايتين .
أثر إكراه الصّبيّ على قتل غيره :
25 - إذا كان المكره على القتل صبيّاً ، فإنّه يعتبر آلةً في يد المكره عند الحنفيّة ، فلا قصاص ولا دية ، وإنّما القصاص على المكرِه ( بالكسر ) .
وذهب المالكيّة إلى وجوب القصاص على المكره ( بالكسر ) ونصف الدّية على عاقلة الصّبيّ . وذهب الشّافعيّة إلى التّفرقة بين الصّبيّ المميّز ، وغير المميّز .
فإن كان غير مميّزٍ ، اعتبر آلةً عندهم ، ولا شيء عليه ، ويجب القصاص على المكره . وإن كان مميّزاً ، فيجب نصف الدّية على عاقلته ، والقصاص على المكرِه ( بالكسر ) . وذهب الحنابلة إلى أنّ الصّبيّ غير المميّز إذا أكره على قتل غيره فلا قصاص عليه ، والقصاص على المكرِه ( بالكسر ) . وفي قولٍ : لا يجب القصاص لا عليه وعلى من أكرهه ، لأنّ عمد الصّبيّ خطأ ، والمكرِه ( بالكسر ) شريك المخطئ ، ولا قصاص على شريك مخطئٍ . أمّا إذا كان الصّبيّ مميّزاً فلا يجب القصاص على المكرِه ( بالكسر ) ولا يجب على الصّبيّ المميّز .
إكسال *
التّعريف :
1 - الإكسال لغةً : مصدر أكسل ، وأكسل المجامع : خالط المرأة ولم ينزل ، أو عزل ولم يرد ولداً .
وعند الفقهاء : أن يجامع الرّجل ثمّ يفتر ذكره بعد الإيلاج ، فلا ينزل .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاعتراض :
2 - الاعتراض هو : عدم انتشار الذّكر للجماع . وقد يكون الاعتراض قبل الإيلاج أو بعده . فالاعتراض ليس من الإكسال .
ب - العنّة :
3 - العنّة : عجز الرّجل عن إتيان النّساء ، وقد يكون عنّيناً عن امرأةٍ دون أخرى .
والفرق بين العنّة والإكسال واضح .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - لا يغيّر الإكسال الأحكام المتعلّقة بالجماع ، ولا يختلف الجماع مع الإنزال عنه بدونه ، إلاّ ما حكي عن جماعةٍ من الصّحابة رضي الله عنهم ، كانوا يقولون : لا غسل على من جامع فأكسل يعني لم ينزل . ورووا في ذلك أحاديث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
أمّا بقيّة الفقهاء فإنّه يجب الغسل عندهم وإن أكسل المجامع ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل » والتقاء الختانين كناية عن الإيلاج .
قال سهل بن سعدٍ : حدّثني أبيّ بن كعبٍ أنّ : « الماء من الماء » كان رخصةً أرخص فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ نهى عنها .
ولم يختلفوا أنّ الزّنا الّذي يجب به الحدّ يكون بمجرّد إيلاج الحشفة ، ولو لم يكن من إنزالٍ . كذلك يثبت الإحصان بالجماع مع الإكسال عند من يقول : إنّ الإحصان لا يحصل إلاّ بتغييب الحشفة .
وتحصل فيئة المولي إن غيّب حشفته ، وإن لم ينزل . وترفع العنّة بالوطء دون إنزالٍ أيضاً . ويحصل التّحليل لمطلّق المرأة ثلاثاً بمجرّد الإيلاج من الزّوج الآخر ، لحديث عائشة رضي الله عنها : « أنّ رفاعة القرظيّ تزوّج امرأةً ثمّ طلّقها فتزوّجت آخر ، فأتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له : أنّه لا يأتيها وأنّه ليس معه إلاّ مثل هدبةٍ ، فقال : لا . حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » . رواه البخاريّ .
وهذا قول الجمهور ، وقالوا : العسيلة هي : الجماع ، وشذّ الحسن البصريّ فقال : لا يحلّها إلاّ إذا أنزل ، وشذّ سعيد بن المسيّب فقال : يكفي في إحلالها العقد .
وتنظر مسائل أحكام الجماع في مصطلح : ( وطء ) .
أكل *
حكم الطّعام المأكول ذاته :
1 - إنّ بيان ما يحلّ ويحرم من الأطعمة ومعرفتهما من مهمّات الدّين . فقد ورد الوعيد الشّديد على أكل الحرام ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ لحمٍ نبت من حرامٍ فالنّار أولى به » .
وقد حرّم اللّه في القرآن العظيم أشياء كما في قوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع إلاّ ما ذكّيتم وما ذبح على النّصب وأن تستقسموا بالأزلام } . ونحوها من الآيات .
وحرّمت أشياء بالسّنّة النّبويّة كما في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ ذي نابٍ من السّباع فأكله حرام » .
وسكت الشّرع عن أشياء . ويرجع إلى إيضاح ذلك كلّه تحت عنوان ( أطعمة ) .
صفة الأكل بالنّسبة للآكل :
2 - إنّ الأكل قد يكون فرضاً ، يثاب الإنسان على فعله ويعاقب على تركه ، وذلك إذا كان للغذاء بقدر ما يدفع عنه الهلاك ، لأنّ الإنسان مأمور بإحياء نفسه وعدم إلقائها إلى التّهلكة . وقد يكون واجباً ، وذلك بقدر ما يستطيع معه أداء الصّلاة المفروضة عليه قائماً ، وأداء الصّوم الواجب ، لأنّه من قبيل ما لا يتمّ الواجب إلاّ به .
ومنه مندوب ، وهو ما يعينه على تحصيل رزقه وتحصيل العلم وتعلّمه وتحصيل النّوافل . وقد يكون الأكل مباحاً يجوز للإنسان أن يتناوله ، وذلك إلى حدّ الشّبع الّذي لا يضرّ معه الامتلاء . وقد يكون حراماً ، وهو ما فوق الشّبع ، وكلّ طعامٍ غلب على ظنّه أنّه يفسد معدته ، لأنّه إسراف منهيّ عنه ، لقوله تعالى : { ولا تسرفوا } إلاّ إذا كانت الزّيادة على الشّبع لا تضرّه ، وقصد بالأكل القوّة على صوم الغد ، أو الزّيادة في الطّاعات ، أو لئلاّ يستحيي الحاضر معه بعد إتمام طعامه . وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ما ملأ آدميّ وعاءً شرّاً من بطنٍ ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » .
ومن الأكل ما هو مكروه ، وهو ما زاد على الشّبع قليلاً ، فإنّه يتضرّر به ، وقد قال البعض : إنّ الآكل لا ينبغي له أن يقصد به التّلذّذ والتّنعّم ، فإنّ اللّه تعالى ذمّ الكافرين بأكلهم للتّمتّع والتّنعّم وقال : { والّذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، والنّار مثوًى لهم } . وقال النّبيّ عليه الصلاة والسلام « المسلم يأكل في معًى واحدٍ ، والكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ » . هذا ، والتّحقيق أنّه يجوز للإنسان الأكل بقصد التّمتّع والتّلذّذ بما أنعم اللّه علينا به ، لقصد التّقوّي على أعمال الخير لقوله تعالى : { قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدّنيا خالصةً يوم القيامة } وأمّا الآية الّتي احتجّ بها هذا القائل فإنّ اللّه تعالى ينعي عليهم أنّهم يتمتّعون بالأطعمة الّتي رزقهم اللّه من غير أن يفكّروا في المنعم ، وأن يشكروه على نعمه . وأمّا الحديث فليس فيه دلالة على ما احتجّوا عليه ، وإنّما فيه النّعي على من أكثر من الطّعام .
حكم الأكل من الأضحيّة والعقيقة :
3 - يتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ للمضحّي أن يأكل من أضحيّته ، لقوله تعالى : { فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ... } وهذا وإن كان وارداً في الهدي إلاّ أنّ الهدي والأضحيّة من بابٍ واحدٍ . ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا ضحّى أحدكم فليأكل من أضحيّته ويطعم منها غيره » ولأنّه ضيف اللّه عزّ شأنه في هذه الأيّام ، فله أن يأكل من ضيافة اللّه تعالى . ويتّفقون كذلك على أنّ له أن يطعم غيره منها . وهذا الاتّفاق في الأضحيّة الّتي لم تجب . أمّا إذا وجبت الأضحيّة ففي حكم الأكل منها اختلاف الفقهاء .
ووجوبها يكون بالنّذر أو بالتّعيين ، وهي واجبة عند الحنفيّة من حيث الأصل بشرط الغنى ، ولو اشتراها الفقير من أجل التّضحية وجبت عليه . فعند المالكيّة ، والأصحّ عند الحنابلة ، أنّ له أن يأكل منها ويطعم غيره ، لأنّ النّذر محمول على المعهود ، والمعهود من الأضحيّة الشّرعيّة ذبحها والأكل منها ، والنّذر لا يغيّر من صفة المنذور إلاّ الإيجاب .
وعند بعض الحنابلة ، وهو ظاهر كلام أحمد : أنّه لا يجوز الأكل من الأضحيّة المنذورة ، بناءً على الهدي المنذور ، وهذا هو المذهب عند الشّافعيّة ، وفي قولٍ آخر للشّافعيّة : إن وجبت الأضحيّة بنذرٍ مطلقٍ جاز له الأكل منها . والحكم عند الحنفيّة - كما فصّله ابن عابدين - أنّه يجوز للغنيّ الأكل من الأضحيّة الواجبة عليه ، كما يجوز له الأكل من الأضحيّة الّتي نذرها إن قصد بنذره الإخبار عن الواجب عليه ، فإن كان النّذر ابتداءً فلا يجوز له الأكل منها . وبالنّسبة للفقير إذا وجبت عليه بالشّراء ، ففي أحد القولين : له الأكل منها ، وفي القول الثّاني : لا يجوز له الأكل منها . هذا ما ذكره ابن عابدين توضيحاً لما ذكره الزّيلعيّ من أنّه لا يجوز الأكل من الأضحيّة المنذورة دون تفصيلٍ .
غير أنّ الكاسانيّ ذكر في البدائع أنّه يجوز بالإجماع - أي عند فقهاء الحنفيّة - الأكل من الأضحيّة ، سواء أكانت نفلاً أم واجبةً ، منذورةً كانت أو واجبةً ابتداءً .
4 - ومن وجبت عليه أضحيّة فمضت أيّام النّحر قبل أن يذبحها ، فعند الجمهور يذبحها قضاءً ، ويصنع بها ما يصنع بالمذبوح في وقته ، لأنّ الذّبح أحد مقصودي الأضحيّة فلا يسقط بفوات وقته . وعند الحنفيّة : يجب عليه أن يتصدّق بها حيّةً ، ولا يأكل من لحمها ، لأنّه انتقل الواجب من إراقة الدّم إلى التّصدّق .
وإذا ولدت الأضحيّة قبل التّضحية ، فحكم ولدها في الأكل منه حكم الأمّ ، وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة : لا يجوز الأكل منه . ومن أوجب أضحيّةً ثمّ مات قام ورثته مقامه ، فيجوز لهم الأكل منها وإطعام غيرهم . وهذا عند المالكيّة والحنابلة .
وعند الشّافعيّة ، وهو المختار عند الحنفيّة : لا يجوز لهم الأكل منها ، بل سبيلها التّصدّق .
5- والعقيقة ( وهي ما يذبح عن المولود ) حكمها في استحباب الأكل منها ، وإطعام الغير منها حكم الأضحيّة ، إلاّ أنّ الحنفيّة لا يرونها واجبةً . وقد ورد في مراسيل أبي داود عن جعفر بن محمّدٍ عن أبيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة الّتي عقّتها فاطمة عن الحسن والحسين :« أن يبعثوا إلى القابلة برجلٍ ، وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظماً » .
حكم الأكل من الكفّارات والنّذور :
6 - يتّفق الفقهاء على أنّ من وجب عليه إطعام في كفّارة يمينٍ أو ظهارٍ أو إفطارٍ في نهار رمضان أو فدية الأذى في الحجّ فإنّه لا يجوز له أن يأكل منه ، لأنّ الكفّارة تكفير للذّنب . هذا بالنّسبة للمكفّر .
أمّا المعطى - وهو المستحقّ - فعند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يكفي إباحة الإطعام ، وإنّه لا بدّ من تمليك المستحقّ ، لأنّ تدارك الجناية بالإطعام أشبه البدل ، والبدليّة تستدعي تمليك البدل ، ولأنّ المنقول عن الصّحابة إعطاؤهم ، ففي قول زيدٍ وابن عبّاسٍ وابن عمر وأبي هريرة مدّاً لكلّ مسكينٍ وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكعبٍ في فدية الأذى : « أطعم ثلاثة آصعٍ من تمرٍ بين ستّة مساكين » ولأنّه مال وجب للفقراء شرعاً فوجب تمليكهم إيّاه كالزّكاة . وعلى ذلك فلا يجزئ أن يغدّيهم ويعشّيهم ، لأنّ ذلك يعتبر إباحةً لا تمليكاً .
والأصل عند المالكيّة هو التّمليك ، وخاصّةً في كفّارتي الظّهار وفدية الأذى ، لقول الإمام مالكٍ : لا أحبّ الغداء والعشاء للمساكين ، حتّى حمل أبو الحسن كلام الإمام على الكراهة ، وحمله ابن ناجي على التّحريم . والعلّة في التّمليك هو خشية ألاّ يبلغ ما يأكله الواحد منهم مقدار الواجب إخراجه ، ولذلك قال مالك : لا أظنّه ( الغداء والعشاء ) يبلغ ذلك ( المقدار الواجب إخراجه ) ومن هنا قال الدّردير : فلو تحقّق بلوغه أجزأ .
وفي كفّارة اليمين يجزئ شبعهم مرّتين . وإجزاء الإطعام بغداءٍ وعشاءٍ إن بلغ مقدار الواجب لهم هو رواية عن الإمام أحمد ، لأنّه أطعم المساكين ، فأجزأه كما لو ملّكهم .
ويرى الحنفيّة أنّ التّمليك ليس بشرطٍ لجواز الإطعام بل الشّرط هو التّمكين . وإنّما يجوز التّمليك من حيث هو تمكين ، لا من حيث هو تمليك ، لأنّ النّصّ ورد بلفظ الإطعام { فكفّارته إطعام عشرة مساكين } والإطعام في متعارف اللّغة اسم للتّمكين من المطعم لا التّمليك ، وإنّما يطعمون على سبيل الإباحة دون التّمليك .
وفي النّذر لا يجوز للنّاذر الأكل من نذره ، لأنّه صدقة ، ولا يجوز الأكل من الصّدقة ، وهذا في الجملة ، لأنّ الأضحيّة المنذورة فيها خلاف على ما سبق بيانه . وكذلك النّذر المطلق الّذي لم يعيّن للمساكين - لا بلفظٍ ولا بنيّةٍ - يجوز الأكل منه ، عند المالكيّة وبعض الشّافعيّة .
وبالنّسبة للمنذور له فذلك يكون بحسب كيفيّة النّذر ، فمن نذر إطعام المساكين أطعمهم ، ومن نذر على سبيل التّمليك ملّكه لهم . وينظر تفصيل ذلك في ( كفّارة ) ( ونذر ) .
الأكل من الوليمة والأكل مع الضّيف :
7 - من دعي إلى طعام الوليمة - وهي طعام العرس - فإن كان مفطراً فإنّه يستحبّ له الأكل ، وهذا باتّفاقٍ في الجملة ، لخبر مسلمٍ : « إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب ، فإن كان صائماً فليصلّ . وإن كان مفطراً فليطعم » أي فليدع بالبركة .
ووقع للنّوويّ في شرح مسلمٍ تصحيح وجوب الأكل . وهو قول عند بعض المالكيّة . وإن كان صائماً تطوّعاً ، فعند الشّافعيّة والحنابلة يستحبّ له الأكل ، وإفطاره لجبر خاطر الدّاعي أفضل من إمساكه ولو آخر النّهار ، لما روي أنّه « صنع أبو سعيدٍ الخدريّ طعاماً فدعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل من القوم : إنّي صائم ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صنع لك أخوك وتكلّف لك أخوك أفطر وصم يوماً مكانه » . ولأنّ في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السّرور على قلبه .
وعند الحنفيّة والمالكيّة يكتفي الصّائم بالدّعاء لصاحب الوليمة ، ومن أضاف أحداً وقدّم له الطّعام فالمستحبّ أن يأكل صاحب الطّعام مع ضيفه ، وألاّ يقوم عن الطّعام وغيره يأكل ، ما دام يظنّ به حاجة إلى الأكل ، قال الإمام أحمد : يأكل بالسّرور مع الإخوان ، وبالإيثار مع الفقراء ، وبالمروءة مع أبناء الدّنيا .