ز - تقييد الإقرار بالأجل :
49 - إذا أقرّ شخص بدينٍ عليه لآخر وقال : إنّه مؤجّل ، وادّعى المقرّ له حلوله ولزومه ، أي صدقه في الدّين وكذبه في التّأجيل ، فإنّ الدّين يلزمه حالاً عند الحنفيّة ، وهو قول للمالكيّة ، لأنّه أقرّ على نفسه بمالٍ ، وادّعى حقّاً لنفسه أنكره المقرّ له ، فالقول للمنكر بيمينه . والقول الآخر للمالكيّة أنّ المقرّ يحلف ، ويقبل قوله في التّنجيم والتّأجيل ، وقد اختلف في يمين المقرّ ، وهذا أحوط ، وبه كان يقضي متقدّمو قضاة مصر وهو مذهب كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة .
ح - الاستدراك في الإقرار :
50 - قال الحنفيّة : إن كان الاستدراك في القدر ، فهو على ضربين : إمّا أن يكون في الجنس كأن يقول : لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ لا بل ألفان ، فعليه ألفان وهو قول الجمهور . وقيل : يكون عليه ثلاثة آلافٍ ، وهو قول زفر وهو القياس ، والأوّل استحسان . وجه الاستحسان أنّ الإقرار إخبار ، والمخبر عنه ما يجري الغلط في قدره أو وصفه عادةً ، فقبل الاستدراك ما لم يكن متّهماً فيه . بخلاف الاستدراك في خلاف الجنس لأنّ الغلط لا يقع فيه عادةً . ووجه القياس أنّ قوله : لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ إقرار بألفٍ وهذا لا رجوع فيه ، والاستدراك صحيح ، فأشبه الاستدراك في خلاف الجنس ، فأشبه ما لو قال لامرأته : أنت طالق واحدةً بل ثنتين ، إذ يقع ثلاث تطليقاتٍ .
وإن كان الاستدراك في صفة المقرّ به ، فعليه أرفع الصّفتين ، لأنّه غير متّهمٍ في ذلك ، أمّا بالنّسبة لأنقصهما فهو متّهم ، فكان مستدركاً في الزّيادة راجعاً في النّقصان ، فيصحّ استدراكه ولا يصحّ رجوعه ، وإن أرجع الاستدراك إلى المقرّ له ، بأن قال : هذه الألف لفلانٍ بل لفلانٍ ، وادّعاها كلّ واحدٍ منهما كانت لمن أقرّ له أوّلاً ، لأنّه لمّا أقرّ له بها صحّ إقراره له ، فصار واجب الدّفع إليه ، فقوله بعد ذلك رجوع عن الإقرار الأوّل فلا يصحّ في حقّه ، وصحّ إقراره بها للثّاني في حقّه - أي الثّاني - لكن إن دفعه للأوّل بغير قضاءٍ ضمن للثّاني ، لإتلافها عليه بدفعها للأوّل .
هذا بخلاف ما لو قال : غصبت هذا الشّيء من فلانٍ لا بل من فلانٍ ، فإنّه يدفعه للأوّل ويضمن للثّاني ، سواء دفعه للأوّل بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ ، لأنّ الغصب سبب لوجوب الضّمان ، فكان الإقرار به إقراراً بوجود سبب وجوب الضّمان ، وهو ردّ القيمة عند القدرة وقيمتها عند العجز ، وقد عجز عن ردّها إلى المقرّ له الثّاني ، فيلزمه ردّ قيمتها .
عدم اشتراط القبول في صحّة الإقرار :
51 - الإقرار ليس بعقدٍ حتّى تتكوّن صيغته من إيجابٍ وقبولٍ . وإنّما هو تصرّف قوليّ والتزام من جانب المقرّ وحده ، فليس القبول شرطاً لصحّة الإقرار ، لكنّه يرتدّ بالرّدّ ، والملك يثبت للمقرّ له بلا تصديقٍ وقبولٍ ، ولكن يبطل بردّه ، فالإقرار للحاضر يلزم من جانب المقرّ حتّى لا يصحّ إقراره لغيره به قبل ردّه ، ولا يلزم من جانب المقرّ له فيصحّ ردّه . أمّا الإقرار للغائب فإنّه وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه لا يلزم ، وإنّما يتوقّف لزومه على عدم الرّدّ ، ولعدم لزومه للمقرّ صحّ إقراره لغيره ، كما لا يلزم المقرّ له فيصحّ له ردّه . وكلّ من أقرّ لرجلٍ بملكٍ فكذّبه به بطل إقراره ، لأنّه لا يثبت للإنسان ملك لا يعترف به ، والإقرار بما في الذّمّة ليس من التّبرّعات ، وفي المال وجهان : يترك في يد المقرّ لأنّه كان محكوماً له به فإذا بطل إقراره بقي على ما كان عليه . وقيل : يؤخذ إلى بيت المال لأنّه لم يثبت له مالك . وقيل : يؤخذ فيحفظ حتّى يظهر مالكه ، لأنّه لا يدّعيه أحد . فإن عاد أحدهما فكذّب نفسه دفع إليه ، لأنّه يدّعيه ولا منازع له فيه .
الصّوريّة في الإقرار :
52 - لمّا كان الإقرار إخباراً يحتمل الصّدق والكذب جاز تخلّف مدلوله الوضعيّ ، بمعنى أنّه قد يكون في الحقيقة كاذباً يترتّب عليه أثره لزوماً . فإذا ادّعى أنّ مورثه أقرّ تلجئةً ، قال بعضهم : له تحليف المقرّ له ، ولو ادّعى أنّه أقرّ كاذباً لا يقبل . ووجه الفرق : أنّ في التّلجئة يدّعي الوارث على المقرّ له فعلاً له ، وهو تواطؤه مع المقرّ في السّرّ ، فلذا يحلف بخلاف دعوى الإقرار كاذباً كما لا يخفى .
ونقل الموّاق عن سماع أشهب وابن نافعٍ لو سأل شخص ابن عمّه أن يسكنه منزلاً فقال : هو لزوجتي ، ثمّ قال : لثانٍ ولثالثٍ كذلك ، ثمّ طلبت امرأته بذلك فقال : إنّما قلته اعتذاراً لنمنعه ، فلا شيء لها بذلك الإقرار . أي لا يعتبر كلامه إقراراً . ويقول الشّيخ منصور البهوتيّ الحنبليّ : إذا خاف شخص أن يأخذ آخر ماله ظلماً جاز له الإقرار - صورةً - بما يدفع هذا الظّلم ، ويحفظ المال لصاحبه . مثل أن يقرّ بحاضرٍ أنّه ابنه أو أخوه أو أنّ له عليه كذا ديناً ، ويتأوّل في إقراره ، بأن يعني بكونه ابنه صغره ، أو بقوله أخي أخوّة الإسلام . والاحتياط أن يشهد على المقرّ له أنّ هذا الإقرار تلجئة ، تفسيره كذا وكذا . وعلى هذا فالإقرار لا يعتبر ما دام قد ثبتت صوريّته ، وقواعد الشّافعيّة لا تأبى ذلك .
التّوكيل في الإقرار :
53 - الأصل أنّ التّوكيل يجوز في كلّ ما يقبل النّيابة ، ومن ذلك الإقرار ، كما هو مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وفي قولٍ عند الشّافعيّة ، إذ الإخبار من الموكّل حقيقةً ، ومن الوكيل حكماً ، لأنّ فعل الوكيل كفعل الموكّل ، فكأنّ الإقرار صدر ممّن عليه الحقّ . وصرّح الشّافعيّة بأنّ إقرار الوكيل بالتّصرّف إذا أنكره الموكّل لا ينفذ ، كما صرّح المالكيّة بأنّ إقرار الوكيل يلزم الموكّل إن كان مفوّضاً أو جعل له الإقرار . والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ التّوكيل في الإقرار لا يجوز . نعم يكون بالتّوكيل بالإقرار مقرّاً لثبوت الحقّ عليه . وبالنّسبة لإقرار الوكيل بالخصومة فإنّه لا يقبل إقراره بقبض الدّين إلاّ إذا كان قد فوّض في ذلك عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي ليلى ، لأنّ الإقرار معنًى يقطع الخصومة وينافيها فلا يملكه الوكيل ، ولأنّ الإذن في الخصومة لا يقتضي الإقرار ، فإن أقرّ بشيءٍ لم يلزم الموكّل ما أقرّ به ، ويكون الوكيل كشاهدٍ . وقال أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن : يقبل إقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود والقصاص ، وقال أبو يوسف : يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره ، لأنّ الإقرار أحد جوابي الدّعوى ، فصحّ من الوكيل بالخصومة كما يصحّ منه الإنكار ، لكنّ الحنفيّة يتّفقون على أنّ الموكّل إذا نصّ في عقد الوكالة على أنّ الوكيل ليس له الإقرار ، لم يكن له حقّ الإقرار في ظاهر الرّواية ، فلو أقرّ عند القاضي لا يصحّ ، وخرج به عن الوكالة ، كما نصّوا على أنّ التّوكيل بالإقرار يصحّ ، ولا يصير الموكّل بمجرّد التّوكيل مقرّاً خلافاً للشّافعيّة ، ونقل ابن عابدين عن الطّواويسيّ : معناه أن يوكّل بالخصومة ويقول : خاصم ، فإذا رأيت لحوق مئونةٍ أو خوف عارٍ عليّ فأقرّ بالمدّعى يصحّ إقراره على الموكّل كما في البزّازيّة . وقال ابن عابدين : ويظهر منه وجه عدم كونه إقراراً أي بمجرّد الوكيل .
أثر الشّبهة في الإقرار :
54 - الشّبهة لغةً : الالتباس ، وشبّه عليه الأمر : خلّط حتّى اشتبه لغيره وعرّفها الفقهاء بأنّها : ما يشبه الثّابت وليس بثابتٍ فهي بهذا تؤثّر على الإثبات ومنه الإقرار . فلو احتمل الإقرار اللّبس أو التّأويل أو شابه شيء من الغموض والخفاء اعتبر ذلك شبهةً ، والشّيء المقرّ به إمّا أن يكون حقّاً للّه تعالى أو حقّاً للعباد . وحقوق العباد تثبت مع الشّبهات ، بخلاف حقوق اللّه تعالى ، فإنّ منها ما يسقط بالشّبهة ، كالزّنى والسّرقة وشرب الخمر ، ومنها ما لا يسقط بالشّبهة ، كالزّكاة والكفّارة . على تفصيلٍ يبيّن في موضعه ، وينظر في مصطلح ( حقّ ، وشبهة ) .
55 - وجمهور الفقهاء على عدم الاعتداد بإقرار الأخرس بالإشارة غير المفهمة ، لما فيها من الشّبهة . يقول ابن قدامة : وأمّا الأخرس فإن لم تفهم إشارته فلا يتصوّر منه إقرار . وإن فهمت إشارته ، فقال القاضي : عليه الحدّ ، وهو قول الشّافعيّ وابن القاسم من المالكيّة وأبي ثورٍ وابن المنذر . لأنّ من صحّ إقراره بغير الزّنى صحّ إقراره به كالنّاطق . وقال أصحاب أبي حنيفة : لا يحدّ ، لأنّ الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره ، فيكون ذلك شبهةً في درء الحدّ ، وهو احتمال كلام الخرقيّ .
56 - وقد سبق الكلام عن إقرار الصّبيّ والمجنون والسّكران والمكره وأثر ذلك كلّه في الإقرار . كما أنّ تكذيب المقرّ له للمقرّ فيما أقرّ به ، أو ظهور كذب المقرّ - كمن يقرّ بالزّنى فظهر مجبوباً - مانع من إقامة الحدّ ، لتيقّن كذب الإقرار .
ولو أقرّ بشيءٍ وكذّبه المقرّ له ، وكان أهلاً للتّكذيب ، فلا يصحّ ، لأنّه منكر ، والقول له ، كإقراره بدينٍ بسبب كفالةٍ . ويقول الشّيرازيّ : لو أقرّ لرجلٍ بمالٍ في يده فكذّبه المقرّ له بطل الإقرار ، لأنّه ردّه ، وفي المال وجهان :
أحدهما : أنّه يؤخذ منه ويحفظ لأنّه لا يدّعيه ، والمقرّ له لا يدّعيه ، فوجب على الإمام حفظه كالمال الضّائع .
والثّاني : لا يؤخذ منه ، لأنّه محكوم له بملكه ، فإذا ردّه المقرّ له بقي في ملكه .
وفي المغني : لو أقرّ أنّه زنى بامرأةٍ فكذّبته فعليه الحدّ دونها ، وبه قال الشّافعيّ ، لأنّ استيفاء ثبوته في حقّها لا يبطل إقراره ، كما لو سكتت ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا حدّ عليه لأنّا صدّقناها في إنكارها فصار محكوماً بكذبه .
وينصّ المالكيّة على أنّه يلزم لإبطال الإقرار بتكذيب المقرّ له أن يستمرّ التّكذيب ، بحيث إذا رجع المقرّ له إلى تصديقه صحّ الإقرار ولزم ، ما لم يرجع المقرّ .
كلّ هذا ممّا يوجد شبهةً في الإقرار . فوجود الشّبهة فيه أو وجود ما يعارضه أولى بالاعتداد به من الإقرار نفسه ، لأنّ الأصل براءة الذّمّة ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلاّ بدليلٍ ثابتٍ يقينيٍّ لا يوجد ما يعارضه أو يوهن منه .
الشّبهة بتقادم الإقرار في حقوق اللّه :
57 - جاء في الهداية والفتح : التّقادم لا يبطل الإقرار عند محمّدٍ ، كما في حدّ الزّنى الّذي لا يبطل التّقادم الإقرار به اتّفاقاً . وفي نوادر ابن سماعة عن محمّدٍ قال : أنا أقيم عليه الحدّ وإن جاء بعد أربعين عاماً . وعندهما لا يقام الحدّ على الشّارب إلاّ إذا أقرّ به عند قيام الرّائحة . فالتّقادم يؤثّر على الإقرار بالشّرب عندهما فيسقط الحدّ .
وفي الهداية والفتح والبحر : التّقادم يؤثّر على الشّهادة في حقوق اللّه عدا حدّ القذف ، لما فيه من حقّ العبد ، لما فيه من رفع العار عنه ، بخلاف الإقرار ، فإنّ التّقادم لا يؤثّر عليه ، ويحدّ بإقراره مع التّقادم إلاّ في حدّ الشّرب فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، فإنّ التّقادم فيه يبطل الإقرار خلافاً لمحمّدٍ .
58 - أمّا حقوق العباد فإنّ التّقادم لا يؤثّر فيها ، لا في الإقرار بها ولا في الشّهادة عليها . ويقول ابن قدامة : إن أقرّ بزنًى قديمٍ وجب الحدّ ، وبهذا قال الحنابلة والمالكيّة والأوزاعيّ والنّوويّ وإسحاق وأبو ثورٍ . لعموم الآية ولأنّه حقّ يثبت على الفور فيثبت بالبيّنة بعد تطاول الزّمان كسائر الحقوق . ونقل عن أبي حنيفة أنّه قال : لا أقبل بيّنةً على زنًى قديمٍ وأحدّه بالإقرار به ، وأنّه قول ابن حامدٍ ، وذكره ابن أبي موسى مذهباً لأحمد .
الرّجوع عن الإقرار :
59 - الرّجوع قد يكون صريحاً كأن يقول : رجعت عن إقراري ، أو كذبت فيه ، أو دلالةً كأن يهرب عند إقامة الحدّ ، إذ الهرب دليل الرّجوع ، فإن كان بحقٍّ من حقوق اللّه الّتي تسقط بالشّبهة كالزّنى ، فإنّ جمهور الفقهاء : الحنفيّة والمشهور عند المالكيّة ومذهب كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة على أنّ الرّجوع يعتبر ، ويسقط الحدّ عنه ، لأنّه يحتمل أن يكون صادقاً في الرّجوع وهو الإنكار ، ويحتمل أن يكون كاذباً فيه ، فإن كان صادقاً في الإنكار يكون كاذباً في الإقرار ، وإن كان كاذباً في الإنكار يكون صادقاً في الإقرار ، فيورث شبهةً في ظهور الحدّ ، والحدود لا تستوفى مع الشّبهات ، وقد روي أنّ« ماعزاً لمّا أقرّ بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالزّنى لقّنه الرّجوع ». فلو لم يكن محتملاً للسّقوط بالرّجوع ما كان للتّلقين معنًى ، سواء أرجع قبل القضاء أم بعده ، قبل الإمضاء أم بعده . ويستوي أن يكون الرّجوع بالقول أو بالفعل بأن يهرب عند إقامة الحدّ عليه ، وإنكار الإقرار رجوع ، فلو أقرّ عند القاضي بالزّنى أربع مرّاتٍ ، فأمر القاضي برجمه فقال : ما أقررت بشيءٍ يدرأ عنه الحدّ . ولأنّ من شرط إقامه الحدّ بالإقرار البقاء عليه إلى تمام الحدّ ، فإن رجع عن إقراره أو هرب كفّ عنه ، وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزّهريّ وحمّاد ومالك والثّوريّ والشّافعيّ وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف . وقال الحسن وسعيد بن جبيرٍ وابن أبي ليلى : يقام عليه الحدّ ولا يترك ، لأنّ ماعزاً هرب فقتلوه ولم يتركوه ، ولو قبل رجوعه للزمتهم الدّية ، ولأنّه حقّ وجب بإقراره ، فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق . وحكي عن الأوزاعيّ أنّه إن رجع حدّ للفرية على نفسه ، وإن رجع عن السّرقة والشّرب ضرب دون الحدّ . ونقل الشّيرازيّ عن أبي ثورٍ أنّه لا يقبل رجوعه ، لأنّه حقّ ثبت بالإقرار فلم يسقط بالرّجوع كالقصاص وحدّ القذف .
واستدلّ ابن قدامة للجمهور القائلين باعتبار الرّجوع بأنّ « ماعزاً هرب ، فذكر ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : هلاّ تركتموه يتوب فيتوب اللّه عليه ؟ »
ففي هذا أوضح الدّلائل على أنّه يقبل رجوعه . ولأنّ الإقرار إحدى بيّنتي الحدّ ، فيسقط بالرّجوع عنه كالشّهود إذا رجعوا قبل إقامة الحدّ . وإنّما لم يجب ضمان ماعزٍ على الّذين قتلوه بعد هربه ، لأنّه ليس بصريحٍ في الرّجوع . أمّا إن رجع صراحةً بأن قال : كذبت في إقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه ، فإن قتله قاتل بعد ذلك وجب ضمانه ، لأنّه قد زال إقراره بالرّجوع عنه فصار كمن لم يقرّ ، ولا قصاص على القاتل للاختلاف في صحّة الرّجوع فكان شبهةً .
وقيّد الإمام مالك في الرّواية غير المشهورة عنه قبول رجوع المقرّ في حقوق اللّه الّتي تسقط بالشّبهة بأن يكون الرّجوع لوجود شبهةٍ ، أمّا لو رجع عن إقراره بغير شبهةٍ فلا يعتدّ برجوعه ، فقد نصّ أشهب على أنّه لا يعذر إلاّ إذا رجع بشبهةٍ ، وروي ذلك عن مالكٍ ، وبه قال ابن الماجشون .
والشّافعيّة في الأصحّ عندهم لا يعتبرون إلاّ الرّجوع الصّريح . ولا يرون مثل الهروب عند تنفيذ الحدّ رجوعاً ، فلو قال المقرّ : اتركوني أو لا تحدّوني ، أو هرب قبل حدّه أو في أثنائه لا يكون رجوعاً في الأصحّ ، لأنّه لم يصرّح به ، وإن كان يجب تخليته حالاً ، فإن صرّح فذاك وإلاّ أقيم عليه الحدّ ، وإن لم يخلّ لم يضمن ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليهم شيئاً في خبر ماعزٍ ».
60 - أمّا من أقرّ بحقٍّ من حقوق العباد أو بحقٍّ للّه تعالى لا يسقط بالشّبهة - كالقصاص وحدّ القذف وكالزّكاة والكفّارات - ثمّ رجع في إقراره فإنّه لا يقبل رجوعه عنها من غير خلافٍ ، لأنّه حقّ ثبت لغيره فلم يملك إسقاطه بغير رضاه ، لأنّ حقّ العبد بعد ما ثبت لا يحتمل السّقوط بالرّجوع ، ولأنّ حقوق العباد مبنيّة على المشاحّة ، وما دام قد ثبت له فلا يمكن إسقاطه بغير رضاه .
وقد وضّح القرافيّ الإقرار الّذي يقبل الرّجوع عنه والّذي لا يقبل الرّجوع عنه ، فقال : الأصل في الإقرار اللّزوم من البرّ والفاجر ، لأنّه على خلاف الطّبع . وضابط ما لا يجوز الرّجوع عنه ، هو ما ليس له فيه عذر عاديّ ، وضابط ما يجوز الرّجوع عنه ، أن يكون له في الرّجوع عنه عذر عاديّ ، فإذا أقرّ الوارث للورثة أنّ ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما عهد في الشّريعة ، ثمّ جاء شهود أخبروه أنّ أباه أشهدهم أنّه تصدّق عليه في صغره بهذه الدّار وحازها له ، فإنّه إذا رجع عن إقرارٍ معتذراً بإخبار البيّنة له ، وأنّه لم يكن عالماً بذلك ، فإنّه تسمع دعواه وعذره ، ويقيم بيّنته ، ولا يكون إقراره السّابق مكذّباً للبيّنة وقادحاً فيها ، فيقبل الرّجوع في الإقرار .
وإذا قال : له عليّ مائة درهمٍ إن حلف - أو مع يمينه - فحلف المقرّ له ، فرجع المقرّ وقال : ما ظننت أنّه يحلف ، لا يلزم المقرّ شيء ، لأنّ العادة جرت بأنّ هذا الاشتراط يقضي عدم اعتقاد لزوم ما أقرّ به ، والعادة جرت على أنّ هذا ليس بإقرارٍ . ويقول ابن جزيٍّ : من أقرّ بحقٍّ لمخلوقٍ لم ينفعه الرّجوع ، وإن أقرّ بحقٍّ للّه تعالى كالزّنى وشرب الخمر فإن رجع إلى شبهةٍ قبل منه ، وإن رجع إلى غير شبهةٍ ففيه قولان : قول يقبل منه وفاقاً لأبي حنيفة والشّافعيّ . وقيل : لا يقبل منه وفاقاً للحسن البصريّ .
هل الإقرار يصلح سبباً للملك ؟
61 - نصّ الحنفيّة : على أنّه لو أقرّ لغيره بمالٍ ، والمقرّ له يعلم أنّه كاذب في إقراره ، لا يحلّ له أخذه عن كرهٍ منه فيما بينه وبين اللّه تعالى ، إلاّ أن يسلّمه بطيبٍ من نفسه ، فيكون تمليكاً مبتدأً على سبيل الهبة ، ونقل ابن عابدين عن ابن الفضل : أنّ الإقرار لا يصلح سبباً للتّمليك ، وفي الهداية وشروحها : والمقرّ له إذا صدّقه ثمّ ردّه لا يصحّ ردّه . وحكمه لزوم ما أقرّ به على المقرّ ، وعمله إظهار المخبر به لغيره لا التّمليك به ابتداءً ، ويدلّ عليه مسائل :
أ - أنّ الرّجل إذا أقرّ بعينٍ لا يملكها يصحّ إقراره ، حتّى لو ملكها المقرّ يوماً من الدّهر يؤمر بتسليمها إلى المقرّ له ، ولو كان الإقرار تمليكاً مبتدأً لما صحّ ذلك ، لأنّه لا يصحّ تمليك ما ليس بمملوكٍ له ، وصرّح الشّافعيّة بموافقة الحنفيّة في صحّة الإقرار ، لكن لم نجد في كلامهم أنّ المقرّ إذا ملك العين يؤمر بتسليمها للمقرّ له ، وكذلك لم نجد من المالكيّة والحنابلة ذكراً لهذه المسألة .
ب - الإقرار بالخمر للمسلم يصحّ حتّى يؤمر بالتّسليم إليه ، ولو كان تمليكاً مبتدأً لم يصحّ ، لكن ذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم صحّة الإقرار بالخمر ، وفرّق الشّافعيّة بين الخمر إذا كان محترماً أو غير محترمٍ ، وصحّحوا الإقرار بالخمر المحترم .
ج - المريض مرض الموت الّذي لا دين عليه إذا أقرّ بجميع ماله لأجنبيٍّ صحّ إقراره ، ولا يتوقّف على إجازة الورثة ، ولو كان تمليكاً مبتدأً لم ينفذ إلاّ بقدر الثّلث عند عدم إجازتهم ، وبقولهم مال جمهور العلماء ، وعند الحنابلة قولان آخران ، قيل : لا يصحّ مطلقاً ، وقيل : لا يصحّ إلاّ في الثّلث .
د - العبد المأذون إذا أقرّ لرجلٍ بعينٍ في يده صحّ إقراره ، ولو كان الإقرار سبباً للملك ابتداءً كان تبرّعاً من العبد ، وهو لا يجوز في الكثير . ومثله عند الجمهور إلاّ أنّهم لم يفرّقوا بين القليل والكثير .
الإقرار بالنّسب :
62 - إذا أقرّ أحد الورثة بوارثٍ ثالثٍ مشاركٍ لهما في الميراث لم يثبت النّسب بالإجماع ، لأنّ النّسب لا يتبعّض فلا يمكن إثباته في حقّ المقرّ دون المنكر ، ولا يمكن إثباته في حقّهما ، لأنّ أحدهما منكر ولم توجد شهادة يثبت بها النّسب . ولكنّه يشارك المقرّ في الميراث في قول أكثر أهل العلم ، لأنّه أقرّ بسبب مالٍ لم يحكم ببطلانه فلزمه المال ، كما لو أقرّ ببيعٍ أو بدينٍ فأنكر الآخر . ويجب له فضل ما في يد المقرّ من ميراثه ، وبهذا قال ابن أبي ليلى ، ومالك ، والثّوريّ ، والحسن بن صالحٍ ، وشريك ، ويحيى بن آدم وإسحاق وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ . وتقسم حصّة المقرّ أثلاثاً فلا يستحقّ المقرّ له ممّا في يد المقرّ إلاّ الثّلث ( وهو سدس جميع المال ) كما لو ثبت نسبه ببيّنةٍ ، لأنّه إقرار بحقٍّ يتعلّق بحصّته وحصّة أخيه ، فلا يلزمه أكثر ممّا يخصّه ، كالإقرار بالوصيّة ، وإقرار أحد الشّريكين على مال الشّركة ، وقال أبو حنيفة : إذا كان اثنان فأقرّ أحدهما بأخٍ لزمه دفع نصف ما في يده ، وإن أقرّ بأختٍ لزمه ثلث ما في يده ، لأنّه أخذ ما لا يستحقّ من التّركة ، فصار كالغاصب ، فيكون الباقي بينهما ، ولأنّ الميراث يتعلّق ببعض التّركة كما يتعلّق بجميعها ، فإذا ملك بعضها أو غصب تعلّق الحقّ بباقيها ، والّذي في يد المنكر كالمغصوب فيقتسمان الباقي بالسّويّة ، كما لو غصبه أجنبيّ .
وقال الشّافعيّ : لا يشارك المقرّ في الميراث ( قضاءً ) ، وحكي ذلك عن ابن سيرين ، وقال إبراهيم : ليس بشيءٍ حتّى يقرّوا جميعاً ، لأنّه لم يثبت نسبه فلا يرث ، كما لو أقرّ بنسب معروف النّسب . ولأصحاب الشّافعيّ فيما إذا كان المقرّ صادقاً فيما بينه وبين اللّه تعالى . هل يلزمه أن يدفع إلى المقرّ له نصيبه ؟ على وجهين : أحدهما يلزمه ( ديانةً ) وهو الأصحّ ، وهل يلزمه أن يدفع إلى المقرّ له نصف ما في يده أو ثلثه ؟ على وجهين .
وإن أقرّ جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث ثبت نسبه ، سواء أكان الورثة واحداً أم جماعةً ، ذكوراً أم إناثاً ، وبهذا قال الشّافعيّ وأبو يوسف وحكاه عن أبي حنيفة ، لأنّ الوارث يقوم مقام الميّت في ميراثه وديونه … وكذلك في النّسب ، وقد روت السّيّدة عائشة رضي الله عنها أنّ « سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه اختصم هو وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة ، فقال سعد : أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكّة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة وأقبضه فإنّه ابنه ، فقال عبد بن زمعة : هو أخي وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هو لك يا عبد بن زمعة » ولأنّه حقّ يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه العدد ، ولأنّه قول لا تعتبر فيه العدالة فلم يعتبر العدد فيه ، والمشهور عن أبي حنيفة أنّه لا يثبت إلاّ بإقرار رجلين أو رجلٍ وامرأتين ، وقال مالك : لا يثبت إلاّ بإقرار اثنين ، لأنّه يحمل النّسب على غيره فاعتبر فيه العدد كالشّهادة .
شروط الإقرار بالنّسب :
63 - يشترط لصحّة الإقرار بالنّسب على المقرّ نفسه :
- 1 - أن يكون المقرّ به مجهول النّسب .
- 2 - ألاّ ينازعه فيه منازع ، لأنّه إن نازعه فيه غيره تعارضا ، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر .
- 3 - وأن يمكن صدقه بأن يحتمل أن يولد مثله لمثله .
- 4 - أن يكون ممّن لا قول له كالصّغير والمجنون ، أو يصدّق المقرّ إن كان من أهل التّصديق . فإن كبر الصّغير وعقل المجنون فأنكر لم يسمع إنكاره ، لأنّ نسبه قد ثبت فلا يسقط ، ولأنّ الأب لو عاد فجحد النّسب لم يقبل منه .
64 - وإن كان الإقرار عليه وعلى غيره كإقرارٍ بأخٍ اعتبر فيه الشّروط الأربعة السّابقة ، وشرط خامس ، وهو كون المقرّ جميع الورثة . فإن كان الوارث بنتاً أو أختاً أو أمّاً أو ذا فرضٍ يرث جميع المال بالفرض والرّدّ ، ثبت النّسب بقوله عند الحنفيّة والحنابلة القائلين بالرّدّ ، وعند من لا يرى الرّدّ كالشّافعيّ لا يثبت بقوله النّسب ، لأنّه لا يرى الرّدّ ويجعل الباقي لبيت المال ، ولهم فيما إذا وافقه الإمام في الإقرار وجهان ، يقول الشّيرازيّ : وإن مات وخلّف بنتاً فأقرّت بنسب أخٍ لم يثبت النّسب ، لأنّها لا ترث جميع المال . فإن أقرّ معها الإمام ففيه وجهان :
أحدهما : أن يثبت ، لأنّ الإمام نافذ الإقرار في مال بيت المال .
والثّاني : أنّه لا يثبت لأنّه لا يملك المال بالإرث ، وإنّما يملكه المسلمون وهم لا يتبيّنون ، فلا يثبت النّسب . وينصّ المالكيّة على أنّ من أقرّ بأخٍ وعمٍّ لم يرثه إن وجد وارث ، وإلاّ يكن له وارث أصلاً أو وارث غير حائزٍ فخلاف ، والرّاجح : إرث المقرّ به من المقرّ جميع المال سواء أكان الإقرار في حال الصّحّة أم في حالة المرض ، وفي قولٍ : يحلف المقرّ به أنّ الإقرار حقّ .
65 - وإن كان أحد الوارثين غير مكلّفٍ كالصّبيّ والمجنون فأقرّ المكلّف بأخٍ ثالثٍ لم يثبت النّسب بإقراره ، لأنّه لا يحوز الميراث كلّه ، فإن بلغ الصّبيّ أو أفاق المجنون فأقرّا به أيضاً ثبت نسبه لاتّفاق جميع الورثة عليه ، وإن ماتا قبل أن يصيرا مكلّفين ثبت نسب المقرّ به لأنّه وجد الإقرار من جميع الورثة ، فإنّ المقرّ صار جميع الورثة ، هذا فيما إذا كان المقرّ يحوز جميع الميراث بعد من مات ، فإن كان للميّت وارث سواه أو من يشاركه في الميراث لم يثبت النّسب ، ويقوم وارث الميّت مقامه ، فإذا وافق المقرّ في إقراره ثبت النّسب ، وإن خالفه لم يثبت . وإذا أقرّ الوارث بمن يحجبه كأخٍ أقرّ بابنٍ للميّت ثبت نسب المقرّ به وورث وسقط المقرّ ... وهذا اختيار ابن حامدٍ والقاضي وقول أبي العبّاس بن سريجٍ . لأنّه ابن ثابت النّسب لم يوجد في حقّه أحد موانع الإرث فيرثه ، كما لو ثبت نسبه ببيّنةٍ ، ولأنّ ثبوت النّسب سبب للميراث فلا يجوز قطع حكمه عنه ، ولا يورث محجوب به مع وجوده وسلامته من الموانع . وقال أكثر الشّافعيّة : يثبت نسب المقرّ به ولا يرث ، لأنّ توريثه يفضي إلى إسقاط توريث المقرّ ، فيبطل إقراره ، فأثبتنا النّسب دون الإقرار . يقول الشّيرازيّ : إن كان المقرّ به يحجب المقرّ ، مثل أن يموت الرّجل ويخلّف أخاً فيقرّ الأخ بابنٍ للميّت يثبت له النّسب ولا يرث ، لأنّا لو أثبتنا له الإرث أدّى ذلك إلى إسقاط إرثه ، لأنّ توريثه يخرج المقرّ عن أن يكون وارثاً فيبطل إقراره ، لأنّه إقرار من غير وارثٍ .