عرض مشاركة واحدة
  #123  
قديم 05-06-2012, 01:23 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الأثر الخامس من آثار الحجر على المفلّس : بيع الحاكم ماله :
48 - يبيع الحاكم مال المحجور عليه لفلسٍ ، عند غير أبي حنيفة ومن وافقه ، ليؤدّي ما عليه من الدّيون . وإنّما يبيعه إن كان من غير جنس الدّين . ويراعي الحاكم عند البيع ما فيه المصلحة للمفلّس . وذكر ابن قدامة الأمور التّالية ، وذكرها غيره أيضاً :
أ - يبيع بنقد البلد لأنّه أوفر ، فإن كان في البلد نقودٌ باع بغالبها ، فإن تساوت باع بجنس الدّين .
ب - يستحبّ إحضار المفلّس البيع ، قال : ليحصي ثمنه ويضبطه ليكون أطيب لقلبه ، ولأنّه أعرف بجيّد متاعه ورديئه ، فإذا حضر تكلّم عليه ، فتكثر الرّغبة فيه .
ت - يستحبّ إحضار الغرماء أيضاً ، لأنّه يباع لهم ، وربّما رغبوا في شراء شيءٍ منه ، فزادوا في ثمنه ، فيكون أصلح لهم وللمفلّس ، وأطيب لنفوسهم وأبعد من التّهمة ، وربّما وجد أحدهم عين ماله فيأخذها .
ث - يستحبّ بيع كلّ شيءٍ في سوقه ، لأنّه أحوط وأكثر لطلاّبه وعارفي قيمته .
ج-يترك للمفلّس من ماله شيءٌ ، ويأتي تفصيل الكلام فيه .
ح- يلاحظ الحاكم نوعاً من التّرتيب تتحقّق به المصلحة ، فيما يقدّم بيعه وما يؤخّره ، فيقدّم الأيسر فالأيسر ، حسبما هو أنظر للمفلّس ، إذ قد يكتفي ببيع البعض ، فيبدأ ببيع الرّهن ،0 ويدفع إلى المرتهن قدر دينه ، ويردّ ما فضل من الثّمن على الغرماء ، وإن بقيت من دينه بقيّةٌ ضرب بها مع الغرماء .
ثمّ يبيع ما يسرع إليه الفساد من الطّعام الرّطب وغيره ، لأنّ إبقاءه يتلفه . وقدّمه الشّافعيّة على بيع الرّهن . ثمّ يبيع الحيوان ، لأنّه معرّضٌ للتّلف ، ويحتاج إلى مئونةٍ في بقائه .
ثمّ يبيع السّلع والأثاث ، لأنّه يخاف عليه الضّياع وتناله الأيدي .
ثمّ يبيع العقار آخراً . قال المالكيّة : يستأني به الشّهر والشّهرين .
ونصّ الشّافعيّة على أنّ هذا التّرتيب مستحبٌّ في غير الحيوان ، وما يسرع إليه الفساد ، وما يخاف عليه النّهب أو استيلاء نحو ظالمٍ عليه .
وذكر المالكيّة الأمور الآتية أيضاً :
خ - أنّه لا يبيع إلاّ بعد الإعذار في البيّنة للمفلّس فيما ثبت عنده من الدّين ، والإعذار لكلٍّ من القائمين ( الدّائنين المطالبين ) ، لأنّ لكلٍّ الطّعن في بيّنة صاحبه ، ويحلف كلاًّ من الدّائنين أنّه لم يقبض من دينه شيئاً ، ولا أحال به ، ولا أسقطه ، وأنّه باقٍ في ذمّته إلى الآن .
د - وأنّه يبيع بالخيار ثلاثاً لطلب الزّيادة في كلّ سلعةٍ ، إلاّ ما يفسده التّأخير .
ذ - وقال الشّافعيّة : لا يبيع بأقلّ من ثمن المثل ، وهو مذهب الحنابلة ، كما في مطالب أولي النّهى ، وبعض الشّافعيّة قال : يبيع بما تنتهي إليه الرّغبات ، قالوا جميعاً : فإن ظهر راغبٌ في السّلعة بأكثر ممّا بيعت به - وكان ذلك في مدّة خيارٍ ، ومنه خيار المجلس - وجب الفسخ ، والبيع للزّائد . وبعد مدّة الخيار لا يلزم الفسخ ، ولكن يستحبّ للمشتري الإقالة .
ر - وقالوا أيضاً : لا يبيع إلاّ بنقدٍ ، ولا يبيع بثمنٍ مؤجّلٍ ، ولا يسلّم المبيع حتّى يقبض الثّمن .
ما يترك للمفلّس من ماله :
49 - يترك للمفلّس من ماله ما يأتي :
أ - الثّياب : يترك للمفلّس بالاتّفاق دستٌ من ثيابه ، وقال الحنفيّة : أو دستان . ويباع ما عداهما من الثّياب . وقال الحنفيّة : يباع ما لا يحتاج إليه في الحال ، كثياب الشّتاء في الصّيف . وقال المالكيّة : يباع ثوبا جمعته إن كثرت قيمتهما ، ويشتري له دونهما ، وهو بمعنى ما صرّح به الحنابلة والشّافعيّة من أنّ الثّياب إن كانت رفيعةً لا يلبس مثله مثلها تباع ، ويترك له أقلّ ما يكفيه من الثّياب .
وقال المالكيّة والشّافعيّة : يترك لعياله كما يترك له من الملابس .
ب - الكتب : وتترك له الكتب الّتي يحتاج إليها في العلوم الشّرعيّة وآلتها ، إن كان عالماً لا يستغني عنها . عند الشّافعيّة ، وعلى قولٍ في مذهب المالكيّة . والمقدّم عند المالكيّة أنّها تباع أيضاً .
ت - دار السّكنى : قال مالكٌ والشّافعيّ - في الأصحّ عنه - وشريحٌ : تباع دار المفلّس ويكترى له بدلها ، واختار هذا ابن المنذر ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لغرماء الّذي أصيب في ثمارٍ ابتاعها : « خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلاّ ذلك » . وقال أحمد وإسحاق ، وهو قولٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة . لا تباع داره الّتي لا غنًى له عن سكناها . فإن كانت الدّار نفيسة بيعت واشتري له ببعض ثمنها مسكنٌ يبيت فيه ، ويصرف الباقي إلى الغرماء .
ث - آلات الصّانع : قال الحنابلة وبعض المالكيّة : تترك للمفلّس آلة صنعته ، ثمّ قال المالكيّة من هؤلاء : إنّما تترك إن كانت قليلة القيمة ، كمطرقة الحدّاد : وقال بعضهم : تباع أيضاً . ونصّ الشّافعيّة أنّها تباع .
ج - رأس مال التّجارة : قال الحنابلة وابن سريجٍ من الشّافعيّة : يترك للمفلّس رأس مالٍ يتّجر فيه ، إذا لم يحسن الكسب إلاّ به . قال الرّمليّ : وأظنّه يريد الشّيء اليسير ، أمّا الكثير فلا . ولم نر نصّاً في ذلك للحنفيّة والمالكيّة .
ح - القوت الضّروريّ : عند المالكيّة والحنابلة : يترك للمفلّس أيضاً من ماله قدر ما يكفيه وعياله من القوت الضّروريّ الّذي تقوم به البنية ، لا ما يترفّه . قال المالكيّة : وتترك له ولزوجاته وأولاده ووالديه النّفقة الواجبة عليه ، بالقدر الّذي تقوم به البنية . وهذا إن كان ممّن لا يمكنه الكسب ، أمّا إن كان ذا صنعةٍ يكتسب منها ، أو يمكنه أن يؤجّر نفسه فلا يترك له شيءٌ . ثمّ قد قال المالكيّة : يترك ذلك له ولمن ذكر قدر ما يكفيهم إلى وقتٍ يظنّ بحسب الاجتهاد أنّه يحصل له فيه ما تتأتّى معه المعيشة .
أمّا عند الشّافعيّة فلا يترك له من القوت شيءٌ ما عدا قوت يوم القسمة ، ولا نفقة عليه أيضاً لقريبٍ ، لأنّه معسرٌ بخلاف حاله قبل القسمة . وتسقط نفقة القريب لما بعد القسمة أيضاً عند الحنابلة .
الإنفاق على المفلّس وعلى عياله مدّة الحجر وقبل قسمة ماله على الغرماء :
50 - عند الحنفيّة على قول الصّاحبين ، والشّافعيّة والحنابلة ، وهو مقتضى مذهب المالكيّة كما تقدّم : يجب على الحاكم أن ينفق من مال المفلّس عليه - أي على المفلّس - بالمعروف ، وهو أدنى ما ينفق على مثله ، إلى أن يقسم ماله . وذلك لأنّ ملكه لم يزل عن ماله قبل القسمة . وكذلك ينفق على من تلزم المفلّس نفقته ، من زوجةٍ وقريبٍ ولو حدث بعد الحجر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول »، وهذا ما لم يستغن المفلّس بكسبٍ حلالٍ لائقٍ به .
وفي الخانيّة من كتب الحنفيّة : ولا يضيّق عليه في مأكوله ومشروبه وملبوسه ، ويقدّر له المعروف والكفاف . أمّا بعد القسمة فقد تقدّم بيان ما يترك له من النّفقة .
المبادرة بقسم مال المفلّس بين غرمائه :
51 - نصّ المالكيّة على أنّه لا ينبغي الاستيناء ( التّمهّل والتّأخير ) بقسم مال المفلّس ، وقال الشّافعيّة والحنابلة : يندب المبادرة بالقسم لبراءة ذمّة المدين ، ولئلاّ يطول زمن الحجر عليه ، ولئلاّ يتأخّر إيصال الحقّ لمستحقّه ، وتأخير قسمه مطلٌ وظلمٌ للغرماء . قال الشّافعيّة : ولا يفرّط في الاستعجال ، كي لا يطمع فيه بثمنٍ بخسٍ . وقال المالكيّة : إن كان يخشى أن يكون على المفلّس دينٌ لغير الغرماء الحاضرين فإنّ القاضي يستأني بالقسم باجتهادٍ .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يلزم الحاكم أن ينتظر ليتمّ بيع الأموال كلّها ، بل يندب للحاكم عندهم أن يقسم بالتّدريج كلّ ما يقبضه . فإن طلب الغرماء ذلك وجب . فإن تعسّر ذلك لقلّة الحاصل يؤخّر القسمة حتّى يجتمع ما تسهل قسمته ، فيقسمه ، ولو طلبه الغرماء لم يلزمه .
هل يلزم قبل القسمة حصر الدّائنين ؟
52 - نصّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه لا يكلّف القاضي غرماء المفلّس إثبات أنّه لا غريم غيرهم ، وذلك لاشتهار الحجر ، فلو كان ثمّة غريمٌ لظهر . وهذا بخلاف قسمة التّركة عند جميعهم ، فإنّ القاضي لا يقسم حتّى يكلّفهم بيّنةً تشهد بحصرهم .
ظهور غريمٍ بعد القسمة :
53 - لو قسم الحاكم مال المفلّس بين غرمائه ، فظهر غريمٌ بعد ذلك بدينٍ سابقٍ على الحجر ، شارك كلّ واحدٍ معهم بالحصّة ، ولم تنقض القسمة . فإن أتلف أحدهم ما أخذه رجع عليه كذلك ، على ما نصّ عليه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ثمّ قال الشّافعيّة : فإن كان الآخذ معسراً جعل ما أخذه كالمعدوم ، وشارك من ظهر الآخرين .
وقال المالكيّة : إن اقتسموا ، ولم يعلموا بالغريم الآخر ، يرجع على كلّ واحدٍ منهم بما ينوبه ، ولا يأخذ أحدٌ عن أحدٍ . وإن كانوا عالمين يرجع عليهم بحصّته ، ولكن يأخذ المليء عن المعدم ، والحاضر عن الغائب ، والحيّ عن الميّت ، أي في حدود ما قبضه كلٌّ منهم . وفي قولٍ عند الشّافعيّة : تنقض القسمة بكلّ حالٍ ، كما لو ظهر وارثٌ بعد قسمة التّركة .
كيفيّة قسمة مال المفلّس بين غرمائه :
54 - أ - يبدأ من مال المفلّس بإعطاء أجرة من يصنع ما فيه مصلحةٌ للمال ، من منادٍ وسمسارٍ وحافظٍ وحمّالٍ وكيّالٍ ووزّانٍ ونحوهم ، تقدّم على ديون الغرماء . ذكر ذلك صاحب الإقناع من الحنابلة . وذكر الدّردير من المالكيّة تقديم ساقي الزّرع الّذي أفلس ربّه على المرتهن ، وقال : إذ لولاه لما انتفع بالزّرع .
ب - ثمّ بمن له رهنٌ لازمٌ أي مقبوضٌ ، فيختصّ بثمنه إن كان قدر دينه ، لأنّ حقّه متعلّقٌ بعين الرّهن وذمّة الرّاهن . وما زاد من ثمن الرّهن ردّ على المال ، وما نقص ضرب به الغريم مع الغرماء . وأضاف المالكيّة : إنّ الصّانع أحقّ من الغرماء بما في يده إذا أفلس ربّ الشّيء المصنوع بعد تمام العمل حتّى يستوفي أجرته منه ، لأنّه وهو تحت يده كالرّهن ، حائزه أحقّ به في الفلس ، وإلاّ فليس أحقّ به إذا سلّمه لربّه قبل أن يفلّس ، أو أفلس ربّه قبل تمام العمل .
قالوا : ومن استأجر دابّةً ونحوها كسفينةٍ ، وأفلس ، فربّها أحقّ بالمحمول عليها من أمتعة المكتري ، يأخذه في أجرة دابّته وإن لم يكن ربّها معها ، ما لم يقبض المحمول ربّه - وهو المكتري - قبض تسلّمٍ . وهذا بخلاف مكتري الحانوت ونحوه فلا يختصّ بما فيه . والفرق أنّ بحيازة الظّهر لما فيها من الحمل والنّقل أقوى من حيازة الحانوت والدّار .
وقال المالكيّة أيضاً : وكذلك المكتري لدابّةٍ ونحوها أحقّ بها حتّى يستوفي من منافعها ما نقده من الكراء ، سواءٌ أكانت معيّنةً أو غير معيّنةٍ ، إلاّ أنّها إن كانت غير معيّنةٍ لم يكن أحقّ بها ما لم يقبضها قبل فلس المؤجّر .
ج - ثمّ من وجد عين ماله أخذها بشروطها المتقدّمة . وكذا من له عينٌ مؤجّرةٌ استأجرها منه المفلّس ، فله أخذها وفسخ الإجارة على الخلاف والتّفصيل المتقدّم .
د - ثمّ تقسم أموال المفلّس المتحصّلة بين غرمائه . وهذا إن كانت الدّيون كلّها من النّقد . وكذلك إن كانت كلّها عروضاً موافقةً لمال المفلّس في الجنس والصّفة ، فلا حاجة للتّقويم ، بل يتحاصّون بنسبة عرض كلٍّ منهم إلى مجموع الدّيون .
فإن كانت الدّيون كلّها أو بعضها عروضاً وكان مال المفلّس نقداً ، قوّمت العروض بقيمتها يوم القسمة ، وحاصّ كلّ غريمٍ بقيمة عروضه ، يشترى له بها من جنس عروضه وصفتها . ويجوز مع التّراضي أخذٌ الثّمن إن خلا من مانعٍ ، كما لو كان دينه ذهباً ، ونابه في القسم فضّةٌ ، فلا يجوز له أخذ ما نابه ، لأنّه يؤدّي إلى الصّرف المؤخّر . وهذا التّفصيل منصوص المالكيّة . ولو أنّ المفلّس أو الحاكم قضى ديون بعضهم دون بعضٍ ، أو قضى بعضاً منهم أكثر ممّا تقتضيه التّسوية المذكورة شاركوه فيما أخذ بالنّسبة .
ما يطالب به المفلّس بعد قسمة ماله :
55 - لا تسقط ديون الفلس الّتي لم يف ماله بها ، بل تبقى في ذمّته .
ثمّ إن كان هناك أرضٌ أو عقارٌ موصًى له بنفعه أو موقوفٌ عليه ، يلزم بإجارته ، ويصرف بدل المنفعة إلى الدّيون ، ويؤجّر مرّةً بعد أخرى إلى أن تتمّ البراءة ، صرّح بذلك الشّافعيّة والحنابلة . أمّا تكليف المفلّس حينئذٍ بالتّكسّب ، بإيجار نفسه لسداد الدّيون الباقية ، فقد قسّم الشّافعيّة الدّيون إلى قسمين :
الأوّل : ما كان المفلّس عاصياً بسببه ، كغاصبٍ ، وجانٍ متعمّدٍ ، فهذا يلزم بالتّكسّب ، ولو بإجارة نفسه ، ولو كان ذلك مزرياً به ، بل متى أطاقه لزمه ، قالوا : إذ لا نظر للمروآت في جنب الخروج من المعصية ، ولأنّ التّوبة من المعصية واجبةٌ ، وهي متوقّفةٌ في حقوق الآدميّين على الوفاء .
الثّاني : ما لم يعص به من الدّيون ، فهذا لا يلزمه التّكسّب ولا إيجار نفسه .
وأمّا المالكيّة فقد أطلقوا القول بأنّ المفلّس لا يلزم بالتّكسّب ولو كان قادراً عليه ، ولو كان قد شرط على نفسه ذلك في عقد الدّين . قالوا : لأنّ الدّين إنّما تعلّق بذمّته .
وأمّا الحنابلة فقد أطلقوا القول بإجبار المفلّس المحترف على الكسب ، وإيجار نفسه فيما يليق به من الصّنائع ، واحتجّوا بأنّ المنافع تجري مجرى الأعيان في صحّة العقد عليها ، فأجبر على العقد عليها ، كما يباع ماله رغماً عنه .
ثمّ قال المالكيّة والحنابلة : لا يجبر المفلّس على قبول التّبرّعات ، من هبةٍ أو وصيّةٍ أو عطيّةٍ أو صدقةٍ ، لئلاّ يلزم بتحمّل منّةٍ لا يرضاها ، ولا على اقتراضٍ . وكذا لا يجبر على خلع زوجته وإن بذلت ، لأنّ عليه في ذلك ضرراً ، ولا على أخذ ديةٍ عن قودٍ وجب له بجنايةٍ عليه أو على مورّثه ، لأنّ ذلك يفوّت المعنى الّذي لأجله شرع القصاص . ثمّ إن عفا باختياره على مالٍ ثبت وتعلّقت به حقوق الغرماء . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يجبر على التّكسّب ، ولا يؤاجره القاضي ، لسداد ديونه من الأجرة .
ما ينفكّ به الحجر عن المفلّس :
56 - عند الشّافعيّة - ومثلهم الحنابلة فيما لو بقي على المفلّس شيءٌ من الدّيون - لا ينفكّ الحجر عنه بقسمة ماله بين الغرماء ، قال الشّافعيّة : ولا ينفكّ الحجر أيضاً باتّفاق الغرماء على فكّه ، ولا بإبرائهم للمفلّس ، بل إنّما ينفكّ بفكّ القاضي ، لأنّه لا يثبت إلاّ بإثبات القاضي ، فلا ينفكّ إلاّ بفكّه ، ولأنّه يحتاج إلى نظرٍ واجتهادٍ ، ولاحتمال ظهور غريمٍ آخر . ولا ينتظر البراءة من كلّ الدّيون ، بل متى ثبت إعساره بالباقي يفكّ الحجر عليه كما لا يحجر على المعسر أصالةً . وقال القليوبيّ من الشّافعيّة : المعتمد يبقى محجوراً إلى تمام الأداء . وصرّح الحنابلة بأنّ الحجر ينفكّ عن المفلّس إن لم يبق عليه للغرماء شيءٌ ، دون حاجةٍ إلى فكّه من قبل الحاكم . قالوا : لأنّ المعنى الّذي حجر عليه لأجله قد زال .
أمّا عند المالكيّة ، وهو وجهٌ آخر عند الحنابلة ذكره صاحب المغني : فإنّ حجر المفلّس ينفكّ بمجرّد قسمة الموجود من ماله . قال المالكيّة : ويحلف أنّه لم يكتم شيئاً ، فينفكّ حينئذٍ ولو بلا حكم حاكمٍ . ثمّ قد قال المالكيّة والحنابلة : وإذا انفكّ الحجر عن المفلّس ، ثمّ ثبت أنّ عنده مالاً غير ما قسم ، أو اكتسب بعد فكّ الحجر مالاً ، يعاد الحجر عليه بطلب الغرماء ، وتصرّفه حينئذٍ قبل الحجر صحيحٌ . ولا يعاد الحجر عليه بعد انفكاكه ما لم يثبت أو يتجدّد له مالٌ . ولم نجد تصريحاً بحكم هذه المسألة لدى الحنفيّة ، غير أنّهم قالوا في الحجر على السّفيه ( وهو المبذّر لماله ) : لا يرتفع الحجر عنه إلاّ بحكم القاضي عند أبي يوسف .
ما يلزم المفلّس من الدّيون بعد فكّ الحجر :
57 - إذا انفكّ الحجر عن المفلّس بقسم ماله أو بفكّ القاضي الحجر عنه على التّفصيل المتقدّم ، وبقي عليه شيءٌ من الدّين ، فلزمته ديونٌ أخرى بعد فكّ الحجر عنه ، وتجدّد له مالٌ ، فحجر عليه مرّةً أخرى بطلب الغرماء ، قال الحنابلة : يشارك أصحاب الحجر الأوّل ببقيّة ديونهم أصحاب الحجر الثّاني بجميع ديونهم ، لأنّهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمّته ، فتساووا في الاستحقاق .
أمّا المالكيّة فقد فصلوا ، فقالوا : يشارك الأوّلون الآخرين فيما تجدّد بسببٍ مستقلٍّ ، كإرثٍ وصلةٍ وأرش جنايةٍ ووصيّةٍ ونحو ذلك ، ولا يشاركونهم في أثمان ما أخذه من الآخرين ، وفيما تجدّد عن ذلك إلاّ أن يفضل عن ديونهم فضلةٌ .
ومذهب الشّافعيّة أنّه لو فكّ الحجر عن المفلّس ، وحدث له مالٌ بعده فلا تعلّق لأحدٍ به ، فيتصرّف فيه كيف شاء ، فلو ظهر له مالٌ - كان قبل الفكّ - تبيّن بقاء الحجر فيه ، سواءٌ حدث له بعد الفكّ مالٌ وغرماء أو لا ، والمال الّذي ظهر أنّه كان قبل فكّ الحجر للغرماء الأوّلين ، ويشاركون من حدث بعدهم فيما حدث بعد الفكّ ، ولا يشارك غريمٌ حادثٌ من قبله في مالٍ حدث قبله أو معه .
أحكام من مات مفلّساً :
58 - من مات مفلّساً تجري بعض أحكام الإفلاس في حقّ ديونه ، ويمتنع جريان بعض أحكام الإفلاس الأخرى . ويرجع للتّفصيل إلى مصطلح ( تركةٌ ) .
أحكامٌ أخرى يستتبعها التّفليس :
59 - إذا فلّس المدين استتبع تفليسه أحكاماً في بعض ما كان صدر منه من التّصرّفات ، كما في توكيله أو ضمانه أو غير ذلك . وينظر حكم كلّ شيءٍ من ذلك في بابه .

أقارب *
انظر : قرابةٌ
إقالةٌ *
التعريف :
1 - الإقالة في اللّغة : الرّفع والإزالة ، ومن ذلك قولهم : أقال اللّه عثرته إذا رفعه من سقوطه . ومنه الإقالة في البيع ، لأنّها رفع العقد .
وهي في اصطلاح الفقهاء : رفع العقد ، وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطّرفين .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - البيع :
2 - تختلف الإقالة عن البيع في أمورٍ منها :
أنّهم اختلفوا في الإقالة ، فقال بعضهم : إنّها فسخٌ ، وقال آخرون : هي بيعٌ ، وهناك أقوالٌ أخرى سيأتي تفصيلها .
ومنها أنّ الإقالة يمكن أن يقع فيها الإيجاب بلفظ الاستقبال كقول أحدهما : أقلني ، بخلاف البيع فإنّه لا يقع إلاّ بلفظ الماضي ، لأنّ لفظة الاستقبال للمساومة حقيقةً ، والمساومة في البيع معتادةٌ ، فكانت اللّفظة محمولةً على حقيقتها ، فلم تقع إيجاباً ، بخلاف الإقالة ، لأنّ المساومة فيها ليست معتادةً ، فيحمل اللّفظ فيها على الإيجاب .
ب - الفسخ :
3 - تختلف الإقالة عن الفسخ في أنّ الفسخ هو رفع جميع أحكام العقد وآثاره واعتباره كأن لم يكن بالنّسبة للمستقبل . وأمّا الإقالة فقد اعتبرها بعضهم فسخاً ، واعتبرها آخرون بيعاً . حكم الإقالة التّكليفيّ :
4 - الإقالة دائرةٌ بين النّدب والوجوب بحسب حالة العقد ، فإنّها تكون مندوباً إليها إذا ندم أحد الطّرفين ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه : « من أقال مسلماً بيعته أقال اللّه عثرته » . وقد دلّ الحديث على مشروعيّة الإقالة ، وعلى أنّها مندوبٌ إليها ، لوعد المقيلين بالثّواب يوم القيامة .
وأمّا كون المقال مسلماً فليس بشرطٍ ، وإنّما ذكره لكونه حكماً أغلبيّاً ، وإلاّ فثواب الإقالة ثابتٌ في إقالة غير المسلم ، وقد ورد بلفظ : « من أقال نادماً ... » .
وتكون الإقالة واجبةً إذا كانت بعد عقدٍ مكروهٍ أو بيعٍ فاسدٍ ، لأنّه إذا وقع البيع فاسداً أو مكروهاً وجب على كلٍّ من المتعاقدين الرّجوع إلى ما كان له من رأس المال صوناً لهما عن المحظور ، لأنّ رفع المعصية واجبٌ بقدر الإمكان ، ويكون ذلك بالإقالة أو بالفسخ .
كما ينبغي أن تكون الإقالة واجبةً إذا كان البائع غارّاً للمشتري وكان الغبن يسيراً ، وإنّما قيّد الغبن باليسير هنا ، لأنّ الغبن الفاحش يوجب الرّدّ إن غرّه البائع على الصّحيح .
ركن الإقالة :
5 - ركن الإقالة الإيجاب والقبول الدّالاّن عليها . فإذا وجد الإيجاب من أحدهما والقبول من الآخر بلفظٍ يدلّ عليه فقد تمّ الرّكن ، وهي تتوقّف على القبول في المجلس ، نصّاً بالقول أو دلالةً بالفعل . ويأتي القبول من الآخر بعد الإيجاب ، أو تقدّم السّؤال ، أو قبض الآخر ما هو له في مجلس الإقالة أو مجلس علمها ، لأنّ مجلس العلم في حقّ الغائب كمجلس اللّفظ في الحاضر ، فلا يصحّ من الحاضر في غير مجلسها .
الألفاظ الّتي تنعقد بها الإقالة :
6 - لا خلاف في أنّ الإقالة تنعقد صحيحةً بلفظ الإقالة أو ما يدلّ عليها ، كما لا خلاف في أنّها تنعقد بلفظين يعبّر بهما عن الماضي .
ولكنّ الخلاف في صيغة اللّفظ الّذي تنعقد به إذا كان أحدهما ماضياً والآخر مستقبلاً . فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّها تصحّ بلفظين أحدهما مستقبلٌ والآخر ماضٍ ، كما لو قال : أقلني : فقال ، أقلتك ، أو قال له : جئتك لتقيلني ، فقال : أقلتك ، فهي تنعقد عندهما بهذين اللّفظين كما ينعقد النّكاح . ومع أنّ الإقالة بيعٌ عند أبي يوسف ، فإنّه لم يعط الإقالة حكمه ، لأنّ المساومة لا تجري في الإقالة ، فحمل اللّفظ على التّحقيق بخلاف البيع .
وأمّا محمّدٌ فهو يقول : إنّها لا تنعقد إلاّ بلفظين يعبّر بهما عن الماضي ، لأنّها كالبيع فأعطيت بسبب الشّبه حكم البيع ، وذلك بأن يقول أحدهما : أقلت ، والآخر : قبلت ، أو رضيت ، أو هويت ، أو نحو ذلك .
وتنعقد بفاسختك وتاركت ، كما تصحّ بلفظ " المصالحة " وتصحّ بلفظ " البيع " وما يدلّ على المعاطاة ، لأنّ المقصود المعنى ، وكلّ ما يتوصّل إليه أجزأ . خلافاً للقاضي من الحنابلة في أنّ ما يصلح للعقد لا يصلح للحلّ ، وما يصلح للحلّ لا يصلح للعقد . وتنعقد الإقالة بالتّعاطي كالبيع ، كما لو قال له : أقلتك فردّ إليه الثّمن ، وتصحّ بالكتابة والإشارة من الأخرس .
شروط الإقالة :
7 - يشترط لصحّة الإقالة ما يلي :
أ - رضى المتقايلين : لأنّها رفع عقدٍ لازمٍ ، فلا بدّ من رضى الطّرفين .
ب - اتّحاد المجلس : لأنّ معنى البيع موجودٌ فيها ، فيشترط لها المجلس ، كما يشترط للبيع .
ج - أن يكون التّصرّف قابلاً للنّسخ كالبيع والإجارة ، فإن كان التّصرّف لا يقبل الفسخ كالنّكاح والطّلاق فلا تصحّ الإقالة .
د - بقاء المحلّ وقت الإقالة ، فإن كان هالكاً وقت الإقالة لم تصحّ ، فأمّا قيام الثّمن وقت الإقالة فليس بشرطٍ .
هـ - تقابض بدلي الصّرف في إقالة الصّرف ، وهذا على قول من يقول : إنّها بيعٌ ، لأنّ قبض البدلين إنّما وجب حقّاً للّه تعالى ، وهذا الحقّ لا يسقط بإسقاط العبد .
و - ألاّ يكون البيع بأكثر من ثمن المثل في بيع الوصيّ ، فإن كان لم تصحّ إقالته .
حقيقتها الشّرعيّة :
8 - للفقهاء في تكييف الإقالة اتّجاهاتٌ :
الأوّل : أنّها فسخٌ ينحلّ به العقد في حقّ العاقدين وغيرهما ، وهو قول الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن . وجه هذا القول أنّ الإقالة في اللّغة عبارةٌ عن الرّفع ، يقال في الدّعاء : « اللّهمّ أقلني عثراتي »، أي ارفعها ، والأصل أنّ معنى التّصرّف شرعاً ما ينبئ عنه اللّفظ لغةً ، ورفع العقد فسخه ، ولأنّ البيع والإقالة اختلفا اسماً ، فتخالفا حكماً ، فإذا كانت رفعاً لا تكون بيعاً ، لأنّ البيع إثباتٌ والرّفع نفيٌ ، وبينهما تنافٍ ، فكانت الإقالة على هذا التّقدير فسخاً محضاً ، فتظهر في حقّ كافّة النّاس .
الثّاني : أنّها بيعٌ في حقّ العاقدين وغيرهما ، إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً فإنّها تكون فسخاً ، وهذا قول أبي يوسف والإمام مالكٍ . ومن أمثلة ذلك أن تقع الإقالة في الطّعام قبل قبضه . وجه هذا القول أنّ معنى البيع هو مبادلة المال بالمال ، وهو أخذ بدلٍ وإعطاء بدلٍ ، وقد وجد ، فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها ، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني .
الثّالث : أنّها فسخٌ في حقّ العاقدين بيعٌ في حقّ غيرهما ، وهو قول أبي حنيفة .
وجه هذا القول أنّ الإقالة تنبئ عن الفسخ والإزالة ، فلا تحتمل معنًى آخر نفياً للاشتراك ، والأصل العمل بحقيقة اللّفظ ، وإنّما جعل بيعاً في حقّ غير العاقدين ، لأنّ فيها نقل ملكٍ بإيجابٍ وقبولٍ بعوضٍ ماليٍّ ، فجعلت بيعاً في حقّ غير العاقدين محافظةً على حقّه من الإسقاط ، إذ لا يملك العاقدان إسقاط حقّ غيرهما .
آثار اختلاف الفقهاء في حقيقة الإقالة :
يترتّب على اختلاف الفقهاء في حقيقة الإقالة آثارٌ في التّطبيق في أحوالٍ كثيرةٍ منها ما يلي : أوّلاً - الإقالة بأقلّ أو أكثر من الثّمن :
9 - إذا تقايل المتبايعان ولم يسمّيا الثّمن الأوّل ، أو سمّيا زيادةً على الثّمن الأوّل ، أو سمّيا جنساً آخر سوى الجنس الأوّل ، قلّ أو كثر ، أو أجّلا الثّمن الأوّل ، فالإقالة على الثّمن الأوّل ، وتسمية الزّيادة والأجل والجنس الآخر باطلةٌ على القول بأنّ الإقالة فسخٌ ، سواءٌ أكانت الإقالة قبل القبض أو بعده ، وسواءٌ أكان المبيع منقولاً أم غير منقولٍ ، لأنّ الفسخ رفع العقد الأوّل ، والعقد وقع بالثّمن الأوّل ، فيكون فسخه بالثّمن الأوّل ، وحكم الفسخ لا يختلف بين ما قبل القبض وما بعده ، وبين المنقول وغير المنقول ، وتبطل تسمية الزّيادة والنّقصان والجنس الآخر والأجل ، وتبقى الإقالة صحيحةً ، لأنّ تسمية هذه الأشياء لا تؤثّر في الإقالة ، ولأنّ الإقالة رفع ما كان لا رفع ما لم يكن ، حيث إنّ رفع ما لم يكن ثابتاً محالٌ .
وتكون الإقالة أيضاً بمثل الثّمن الأوّل المسمّى ، لا بما يدفع بدلاً عنه ، حتّى لو كان عشرة دنانير فدفع إليه دراهم عوضاً عنها ، ثمّ تقايلا - وقد رخّصت الدّنانير - رجع بالدّنانير لا بما دفع ، لأنّه لمّا اعتبرت الإقالة فسخاً ، والفسخ يردّ على عين ما يردّ عليه العقد ، كان اشتراط خلاف الثّمن الأوّل باطلاً .
ثانياً - الشّفعة فيما يردّ بالإقالة :
10 - يقتضي القياس ألاّ يكون للشّفيع حقّ الشّفعة فيما ردّ بالإقالة إذا اعتبرت هذه الإقالة فسخاً مطلقاً ، وهذا قياسٌ على أصل محمّدٍ وزفر من الحنفيّة ، لأنّ الإقالة عند محمّدٍ فسخٌ ، إلاّ إذا لم يمكن جعلها فسخاً فتجعل بيعاً . وعن زفر : هي فسخٌ في حقّ النّاس كافّةً .
أمّا سائر الحنفيّة ، وكذلك بقيّة المذاهب الأخرى ، فإنّها تعطي الشّفيع حقّ الشّفعة فيما ردّ بالإقالة . فعلى اعتبار أنّها فسخٌ في حقّ العاقدين بيعٌ في حقٍّ ثالثٍ ، كما هو عند أبي حنيفة ، أو على اعتبار أنّها بيعٌ في حقّهما ، كما هو عند أبي يوسف ، فإنّ الشّفيع يأخذ بالشّفعة بعد تقايل البيع بين البائع والمشتري ، فمن اشترى داراً ولها شفيعٌ ، فسلّم الشّفعة ، ثمّ تقايلا البيع ، أو اشتراها ولم يكن بجنبها دارٌ ، ثمّ بنيت بجنبها دارٌ ، ثمّ تقايلا البيع ، فإنّ الشّفيع يأخذها بالشّفعة . وعلى أصل أبي حنيفة تكون الإقالة بيعاً في حقّ غير العاقدين ، والشّفيع غيرهما ، فتكون بيعاً في حقّه فيستحقّ . وعلى أصل أبي يوسف تعدّ الإقالة بيعاً جديداً في حقّ الكلّ ، ولا مانع من جعلها بيعاً في حقّ الشّفيع ، ولهذا الشّفيع الأخذ بالشّفعة ، إن شاء بالبيع الأوّل ، وإن شاء بالبيع الحاصل بالإقالة ، أو بمعنًى آخر من أيّهما شاء : من المشتري لأجل الشّراء ، أو من البائع لشرائه من المشتري بالإقالة ، حيث تكون الإقالة بيعاً من المشتري للبائع ، وحيث تكون فسخ بيعٍ فتؤخذ من المشتري فقط ، ولا يتمّ فسخه إلاّ إن رضي الشّفيع لأنّ الشّراء له .
إقالة الوكيل :
11 - من ملك البيع ملك الإقالة ، فصحّت إقالة الموكّل بيع وكيله ، وتصحّ إقالة الوكيل بالبيع إذا تمّت قبل قبض الثّمن . فإن أقال بعد قبضه يضمن الثّمن للموكّل ، إذ تعتبر الإقالة من الوكيل حينئذٍ شراءً لنفسه . وبإقالة الوكيل بالبيع يسقط الثّمن عن المشتري عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، ويلزم المبيع الوكيل . وعند أبي يوسف لا يسقط الثّمن عن المشتري أصلاً . وتجوز الإقالة من الوكيل بالسّلم في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ كالإبراء ، خلافاً لأبي يوسف . والمراد بإقالة الوكيل بالسّلم : الوكيل بشراء السّلم ، بخلاف الوكيل بشراء العين .
وإقالة الوكيل بالشّراء لا تجوز بإجماع الحنفيّة بخلاف الوكيل بالبيع ، وعند مالكٍ لا تجوز إقالة الوكيل بالبيع مطلقاً .
واتّفق الشّافعيّة والحنابلة على صحّة التّوكيل في حقّ كلّ آدميٍّ من العقود والفسوخ . وعلى هذا فيصحّ التّوكيل بالإقالة عندهم ابتداءً ، سواءٌ أقلنا : إنّ الإقالة فسخٌ على المذهب عندهم جميعاً أم بيعٌ . هذا ، ولم يذكر الشّافعيّة والحنابلة من له حقّ الإقالة من غير المتعاقدين سوى الورثة على الصّحيح من المذهبين .
أمّا حكم الإقالة الصّادرة من الوكيل بالبيع والوكيل بالشّراء فلم يتطرّقوا له . والمتولّي على الوقف إذا اشترى شيئاً بأقلّ من قيمته فإنّ إقالته لا تصحّ .
محلّ الإقالة :
12 - محلّ الإقالة العقود اللاّزمة في حقّ الطّرفين ممّا يقبل الفسخ بالخيار ، لأنّ هذه العقود لا يمكن فسخها إلاّ باتّفاق الطّرفين المتعاقدين ، وعلى ذلك فإنّ الإقالة تصحّ في العقود الآتية : البيع - المضاربة - الشّركة - الإجارة - الرّهن ( بالنّسبة للرّاهن فهي موقوفةٌ على إجازة المرتهن أو قضاء الرّاهن دينه ) - السّلم - الصّلح .
وأمّا العقود الّتي لا تصحّ فيها الإقالة فهي العقود غير اللاّزمة ، كالإعارة والوصيّة والجعالة ، أو العقود اللاّزمة الّتي لا تقبل الفسخ بالخيار ، مثل الوقف والنّكاح حيث لا يجوز فسخ أحدهما بالخيار .
أثر الشّروط الفاسدة في الإقالة :
13 - إذا اعتبرنا الإقالة فسخاً ، فإنّها لا تبطل بالشّروط الفاسدة ، بل تكون هذه الشّروط لغواً ، وتصحّ الإقالة . ففي الإقالة في البيع ، إذا شرط أكثر ممّا دفع ، فالإقالة على الثّمن الأوّل ، لمتعذّر الفسخ على الزّيادة ، وتبطل الشّرط ، لأنّه يشبه الرّبا ، وفيه نفعٌ لأحد المتعاقدين مستحقٌّ بعقد المعاوضة خالٍ عن العوض .
وكذا إذا شرط أقلّ من الثّمن الأوّل ، لتعذّر الفسخ على الأقلّ ، لأنّ فسخ العقد عبارةٌ عن رفعه على الوصف الّذي كان قبله ، والفسخ على الأقلّ ليس كذلك ، لأنّ فيه رفع ما لم يكن ثابتاً وهو محالٌ . والنّقصان لم يكن ثابتاً فرفعه يكون محالاً ، إلاّ أن يحدث في المبيع عيبٌ فتجوز الإقالة بالأقلّ ، لأنّ الحطّ يجعل بإزاء ما فات من العيب .
وهذا على قياس قول أبي حنيفة ومحمّدٍ وغيرهما ممّن يرون الإقالة فسخاً ، وأمّا على قياس قول من قال : إنّ الإقالة بيعٌ ، فإنّها تبطل بالشّروط الفاسدة ، لأنّ البيع يبطل بالشّروط الفاسدة ، فإذا زاد كان قاصداً بهذا ابتداء البيع ، وإذا شرط الأقلّ فكذلك .
الإقالة في الصّرف :
14 - الإقالة في الصّرف كالإقالة في البيع ، أي يشترط فيها التّقابض من الجانبين قبل الافتراق كما في ابتداء عقد الصّرف .
فلو تقايلا الصّرف ، وتقابضا قبل الافتراق ، مضت الإقالة على الصّحّة . وإن افترقا قبل التّقابض بطلت الإقالة ، سواءٌ اعتبرت بيعاً أم فسخاً .
فعلى اعتبارها بيعاً كانت المصارفة مبتدأةً ، فلا بدّ من التّقابض يداً بيدٍ ، ما دامت الإقالة بيعاً مستقلاًّ يحلّها ما يحلّ البيوع ، ويحرّمها ما يحرّم البيوع ، فلا تصلح الإقالة إذ حصل الافتراق قبل القبض .وعلى اعتبارها فسخاً في حقّ المتعاقدين ، فهي بيعٌ جديدٌ في حقٍّ ثالثٍ ، واستحقاق القبض حقٌّ للشّرع ، وهو هنا ثالثٌ ، فيعتبر بيعاً جديداً في حقّ هذا الحكم فيشترط فيه التّقابض . وهلاك البدلين في الصّرف لا يعدّ مانعاً من الإقالة ، لأنّه في الصّرف لا يلزمه ردّ المقبوض بعد الإقالة ، بل ردّه أو ردّ مثله ، فلم تتعلّق الإقالة بعينهما ، فلا تبطل بهلاكهما .
إقالة الإقالة :
15 - إقالة الإقالة إلغاءٌ لها والعودة إلى أصل العقد ، وهي تصحّ في أحوالٍ معيّنةٍ ، فلو تقايلا البيع ، ثمّ تقايلا الإقالة ، ارتفعت الإقالة وعاد البيع . وقد استثنى العلماء من إقالة الإقالة إقالة المسلم قبل قبض المسلم فيه ، فإنّها لا تصحّ ، لأنّ المسلم فيه دينٌ وقد سقط بالإقالة الأولى ، فلو انفسخت لعاد المسلم فيه الّذي سقط ، والسّاقط لا يعود .
ما يبطل الإقالة :
16 - من الأحوال الّتي تبطل فيها الإقالة بعد وجودها ما يأتي :
أ - هلاك المبيع : فلو هلك المبيع بعد الإقالة وقبل التّسليم بطلت ، لأنّ من شرطها بقاء المبيع ، لأنّها رفع العقد وهو محلّه ، بخلاف هلاك الثّمن فإنّه لا يمنع الإقالة لكونه ليس بمحلّ العقد ، ولذا بطل البيع بهلاك البيع قبل القبض دون الثّمن .
وهذا إذا لم يكن الثّمن قيميّاً ، فإن كان قيميّاً فهلك بطلت الإقالة .
ولكن لا يردّ على اشترط قيام المبيع لصحّة الإقالة إقالة السّلم قبل قبض المسلم فيه ، لأنّها صحيحةٌ سواءٌ أكان رأس المال عيناً أم ديناً ، وسواءٌ أكان قائماً في يد المسلم إليه أم هالكاً . لأنّ المسلم فيه وإن كان ديناً حقيقةً فله حكم العين حتّى لا يجوز الاستبدال به قبل قبضه .
ب - تغيّر المبيع : كأن زاد المبيع زيادةً منفصلةً متولّدةً ، كما لو ولدت الدّابّة بعد الإقالة ، فإنّها تبطل بذلك ، وكذلك الزّيادة المتّصلة غير المتولّدة كصبغ الثّوب . وعند المالكيّة تبطل الإقالة بتغيّر ذات المبيع مهما كان . كتغيّر الدّابّة بالسّمن والهزال ، بخلاف الحنابلة .
اختلاف المتقايلين :
17 - قد يقع الاختلاف بين المتقايلين على صحّة البيع ، أو على كيفيّته ، أو على الثّمن ، أو على الإقالة من أساسها . فإنّهما إذا اتّفقا على صحّة البيع ، ثمّ اختلفا في كيفيّته تحالفا ، فيحلف كلٌّ على نفي قول صاحبه وإثبات قوله .
ويستثنى من التّحالف ما لو تقايلا العقد ثمّ اختلفا في قدر الثّمن فلا تحالف ، بل القول قول البائع لأنّه غارمٌ . ولو اختلف البائع والمشتري ، فقال المشتري : بعته من البائع بأقلّ من الثّمن الأوّل قبل نقده وفسد البيع بذلك ، وقال البائع : بل تقايلناه ، فالقول للمشتري مع يمينه في إنكاره الإقالة .
فإن كان البائع هو الّذي يدّعي أنّه اشتراه من المشتري بأقلّ ممّا باعه ، والمشتري يدّعي الإقالة يحلف كلٌّ على دعوى صاحبه .
نهاية الجزء الخامس/ الموسوعة الفقهية
رد مع اقتباس