الشّريطة الثّالثة :
9 - يشترط أن تكون الدّيون على المفلس أكثر من ماله . وعلى هذا فلا يفلّس بدينٍ مساوٍ لماله ، وهو قول المالكيّة ، ويفهم أيضاً من كلام الحنابلة ، وقال المالكيّة : ولو لم يزد دينه الحالّ على ماله لكن بقي من مال المدين مالاً يفي بالمؤجّل يفلّس أيضاً ، كمن عليه مائتان . مائةٌ حالّةٌ ومائةٌ مؤجّلةٌ ، ومعه مائةٌ وخمسون فقط ، فيفلّس ، إلاّ إن كان يرجى من تنميته للفضلة - وهي خمسون في مثالنا - وفاء المؤجّل .
وقال الشّافعيّة : إن كانت ديونه بقدر ماله ، فإن كان كسوباً ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة ، وإن لم يكن كسوباً ، وكانت نفقته من ماله ، فيحجر عليه كي لا يضيّع ماله في نفقته على قولٍ عندهم . والأصحّ عندهم : أنّه لا حجر في هذه الحال أيضاً ، لتمكّن الغرماء من المطالبة في الحال .
الشّريطة الرّابعة :
10 - الدّين الّذي يحجر به هو دين الآدميّين . أمّا دين اللّه تعالى فلا يحجر به . نصّ على ذلك الشّافعيّة . قالوا : ولو فوريّاً ، كنذرٍ ، وإن كان مستحقّوه محصورين ، وكالزّكاة إذا حال الحول وحضر المستحقّون .
الشّريطة الخامسة :
11 - يشترط أن يكون الدّين المحجور به لازماً ، فلا حجر بالثّمن في مدّة الخيار ، نصّ على ذلك الشّافعيّة .
الحجر على المدين الغائب :
12 - يصحّ عند الحنفيّة على قول الصّاحبين الحجر على المدين الغائب ، ولكن يشترط علم المحجور عليه بعد الحجر ، حتّى إنّ كلّ تصرّفٍ باشره بعد الحجر قبل العلم به يكون صحيحاً عندهم .
وإن ثبت الدّين بإقراره ، أو ببيّنةٍ قامت عليه عند القاضي ، فغاب المطلوب قبل الحكم وامتنع من الحضور ، قال أبو يوسف : ينصب القاضي وكيلاً ، ويحكم عليه بالمال ، إن سأل الخصم ذلك ، وإن سأل الخصم أن يحجر عليه ، فعند أبي حنيفة ومحمّدٍ لا يحكم ولا يحجر حتّى يحضر الغائب ، ثمّ يحكم عليه ، ثمّ يحجر عليه عند محمّدٍ ، لأنّه إنّما يحجر بعد الحكم لا قبله . كذا في الذّخيرة . وفي النّوادر عن محمّدٍ : إن كانوا قد أثبتوا ديونهم يحجر عليه . ويصحّ الحجر على الغائب كذلك عند المالكيّة ، إن كانت غيبته متوسّطةً كعشرة أيّامٍ ، أو طويلةً كشهرٍ مثلاً ، أمّا الغائب الغيبة القريبة ففي حكم الحاضر .
واشترطوا للحجر على الغائب ألاّ يتقدّم العلم بملاءته قبل سفره . فإن علم ملاءته قبل سفره استصحب ذلك ولم يفلّس .. وعند ابن رشدٍ يفلّس في الغيبة الطّويلة ، وإن علم ملاءته حال خروجه . ولم نجد للشّافعيّة والحنابلة كلاماً عن هذه المسألة فيما اطّلعنا عليه .
من يحجر على المفلس :
13 - لا يكون المفلس محجوراً عليه إلاّ بحجر القاضي عليه . والحجر للقاضي دون غيره ، لاحتياجه إلى نظرٍ واجتهادٍ . هذا وإنّ لقيام الغرماء على المدين الّذي أحاط الدّين بماله بعض أحكام التّفليس عند المالكيّة ، ويسمّى هذا عند المالكيّة تفليساً عامّاً ، وهو أن يقوم الغرماء على من أحاط الدّين بماله - وقبل أن يحجر عليه الحاكم - فيسجنوه ، أو يقوموا عليه فيستتر عنهم فلا يجدونه ، ويحولون بينه وبين التّصرّف في ماله بالبيع والشّراء والأخذ والإعطاء ، هذا بالإضافة إلى منع تبرّعه ، ومنعهم لسفره ، كما في كلّ مدينٍ بدينٍ حالٍّ أو يحلّ في الغيبة ، وليس لهم في هذه الحال منعه من تزوّجٍ واحدةٍ ، وتردّدوا في حجّ الفريضة ، والفتوى عندهم على أنّ لهم منعه منه . ونقل ابن رجبٍ الحنبليّ في قواعده أنّ ابن تيميّة كان لا يرى نفاذ تبرّع المدين بالدّين المستغرق بعد المطالبة .
ونقل عن الإمام أحمد أنّ تصرّفه بالعين الّتي له حقّ الرّجوع فيها على المحجور عليه لا ينفذ إن طالبه بها صاحبها ، ولو قبل الحجر .
وأمّا عند سائر الفقهاء فإنّ المفلس قبل الحجر عليه كغير المفلس ، وما يفعله من بيعٍ أو هبةٍ أو إقرارٍ أو قضاء بعض الغرماء دون بعضٍ فهو جائزٌ نافذٌ ، لأنّه رشيدٌ غير محجورٍ عليه ، فنفذ تصرّفه كغيره . ونصّ شارح المنتهى من الحنابلة على أنّه يحرم عليه التّصرّف في ماله بما يضرّ غريمه . وصيغة الحجر أن يقول الحاكم : منعتك من التّصرّف ، أو حجرت عليك للفلس . ويقتضي كلام الجمهور التّخيير بين الصّيغتين ، ونحوهما - كفلّستك - من كلّ ما يفيد معنى الحجر .
الإثبات :
14 - لا حجر بالدّين إلاّ إن ثبت لدى القاضي بطريقٍ من طرق الإثبات الشّرعيّة ( ر : إثباتٌ ) .
إشهار الحجر بالإفلاس والإشهاد عليه :
15 - الّذين قالوا بمشروعيّة الحجر على المفلس قالوا : يستحبّ إظهار الحجر عليه وإشهاره لتجتنب معاملته ، كي لا يستضرّ النّاس بضياع أموالهم .
وقال الحنفيّة - على رأي الصّاحبين - والشّافعيّة والحنابلة : ويسنّ الإشهاد عليه لينتشر ذلك عنه ، ولأنّه ربّما عزل الحاكم أو مات ، فيثبت الحجر عند الآخر فيمضيه ، ولا يحتاج إلى ابتداء حجرٍ ثانٍ . ولأنّ الحجر تتعلّق به أحكامٌ ، وربّما يقع التّجاحد فيحتاج إلى إثباته . ولم يتعرّض المالكيّة لذلك فيما اطّلعنا عليه من كلامهم .
آثار الحجر على المفلس :
16 - إذا حجر القاضي على المفلس ، تعلّق بذلك من الآثار ما يلي :
أ - تتعلّق حقوق الغرماء بماله ، ويمنع من الإقرار على ذلك المال والتّصرّف فيه .
ب - انقطاع الطّلب عنه بدينٍ جديدٍ بعد الحكم بالإفلاس .
ج - حلول الدّين المؤجّل في ذمّة المدين .
د - استحقاق من وجد عين ماله عند المدين استرجاعه .
هـ-استحقاق بيع مال المفلّس وقسمه بين الغرماء .
وفيما يلي تفصيل القول في هذه الآثار .
الأوّل : تعلّق حقّ الغرماء بالمال :
17 - بالحجر يتعلّق حقّ الغرماء بالمال ، نظير تعلّق حقّ الرّاهن بالمال المرهون ، فلا ينفذ تصرّف المحجور عليه في ذلك المال بما يضرّهم ، ولا ينفذ إقراره عليه . والمال الّذي يتعلّق به حقّ الغرماء هو مال المدين الّذي يملكه حال الحجر اتّفاقاً عند من يقول بجواز تفليس المدين . وأمّا ما يحدث له بعد ذلك فلا يشمله الحجر عند صاحبي أبي حنيفة - رحمهم الله - والمالكيّة ، وعلى قولٍ عند الشّافعيّة - هو مقابل الأصحّ عندهم - قالوا : كما لا يتعدّى حجر الرّاهن على نفسه في العين المرهونة إلى غيرها .
والأصحّ عند الشّافعيّة ومذهب الحنابلة : يشمله الحجر كذلك ما دام الحجر قائماً ، نحو ما ملكه بإرثٍ ، أو هبةٍ أو اصطيادٍ أو صدقةٍ أو ديةٍ أو وصيّةٍ ، قال الشّافعيّة : أو شراءٍ في الذّمّة . قالوا : لأنّ مقصود الحجر وصول الحقوق إلى أهلها ، وذلك لا يختصّ بالموجود . فعلى قول الحنفيّة والمالكيّة يتصرّف المحجور عليه لفلسٍ فيما تجدّد له بعد الحجر من المال ، سواءٌ كان عن أصلٍ ، كربح مالٍ تركه بيده بعض من فلّسه ، أو عن معاملةٍ جديدةٍ ، أو عن غير أصلٍ كميراثٍ وهبةٍ ووصيّةٍ .
ولا يمنع من ذلك التّصرّف إلاّ بحجرٍ جديدٍ على ما صرّح به المالكيّة .
الإقرار :
18 - على قول الحنفيّة والحنابلة - وهو خلاف الأظهر عند الشّافعيّة - لا يقبل على الغرماء إقرار المفلّس بشيءٍ من ماله الّذي حجر عليه فيه ، لاحتمال التّواطؤ بين المفلّس ومن أقرّ له ، ويلزمه ما أقرّ به بعد فكّ الحجر عنه .
والأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يقبل في حقّ الغرماء ، إن أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر عليه أو أطلق ، لا إن أضافه إلى ما بعد الحجر . وعند المالكيّة تفصيلٌ ، قالوا : يقبل إقراره على غرمائه إن أقرّ بالمجلس الّذي حجر عليه فيه ، أو قريباً منه ، إن كان دينه الّذي حجر عليه به ثبت بالإقرار ، أو علم تقدّم المعاملة بينهما . أمّا في غير ذلك إن ثبت بالبيّنة ، فلا يقبل إمراره عليه لغيرهم .
تصرّفات المفلّس في المال :
19 - تصرّفات المفلّس ثلاثة أنواعٍ :
الأوّل : تصرّفاتٌ نافعةٌ للغرماء ، كقبوله الهبة والصّدقة ، فهذه لا يمنع منها .
الثّاني : تصرّفاتٌ ضارّةٌ ، كهبته لماله ، ووقفه له ، وتصدّقه به ، والإبراء منه ، وسائر التّبرّعات ، فهذه يؤثّر فيها الحجر عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وعلى الأظهر عند الشّافعيّة . والقول الثّاني عند الشّافعيّة : أنّ التّصرّف يقع موقوفاً ، فإن فضل ذلك عن الدّين نفذ وإلاّ لغا . ومن أجل ذلك قال الحنابلة : لا يكفّر المفلّس بغير الصّوم ، لئلاّ يضرّ بالغرماء . ويستثنى من هذا النّوع التّصرّف بعد الموت ، كما لو أوصى بمالٍ . وإنّما صحّ هذا لأنّ الوصيّة تخرج من الثّلث بعد حقّ الدّائنين . واستثنى الحنابلة أيضاً تصرّفه بالصّدقة اليسيرة . الثّالث : تصرّفاتٌ دائرةٌ بين النّفع والضّرّ ، كالبيوع والإجارة . والأصل في هذا النّوع أنّه باطلٌ على قول بعض الفقهاء ، منهم الحنابلة والشّافعيّة في الأظهر ، وابن عبد السّلام من المالكيّة .
ومذهب المالكيّة : أنّه يمنع من التّصرّف المذكور ، فإن أوقعه وقع موقوفاً على نظر الحاكم إن اختلف الغرماء ، وعلى نظرهم إن اتّفقوا ، ومذهب الحنفيّة على قول الصّاحبين أنّ للمفلّس أن يبيع ماله بثمنٍ مثله ، لأنّه لا يبطل حقّ الغرماء ، وإن باع بالغبن لا يصحّ منه ، سواءٌ أكان الغبن يسيراً أم فاحشاً ، ويخيّر المشتري بين إزالة الغبن وبين الفسخ .
ولو باع بعض ماله لغريمه بدينه ، فقال الحنابلة : لا يصحّ ، لأنّه محجورٌ عليه . وقال الشّافعيّة في الأصحّ عندهم : لا يصحّ إلاّ بإذن القاضي ، لأنّ الحجر يثبت على العموم ، ومن الجائز أن يظهر له غريمٌ آخر . ومقابله عند الشّافعيّة : يصحّ ، ولو بغير إذن القاضي ، لأنّ الأصل عدم الغريم الآخر . لكن لا يصحّ إلاّ بشرط أن يكون البيع للغرماء جميعهم بلفظٍ واحدٍ ، وأن يكون دينهم من نوعٍ واحدٍ .
وقال الحنفيّة : إن باع ماله من الغريم ، وجعل الدّين بالثّمن على سبيل المقاصّة صحّ إن كان الغريم واحداً . وإن كان الغريم أكثر من واحدٍ ، فباع ماله من أحدهم بمثل قيمته يصحّ ، كما لو باع من أجنبيٍّ بمثل قيمته ، ولكنّ المقاصّة لا تصحّ ، كما لو قضى دين بعض الغرماء دون بعضٍ . ولم نجد المالكيّة تعرّضوا لهذه المسألة بخصوصها ، فيظهر أنّها عندهم أيضاً موقوفةٌ على نظر القاضي أو الغرماء كما تقدّم .
التّصرّف في الذّمّة من المحجور عليه لفلسٍ :
20 - لو تصرّف المحجور عليه لفلسٍ تصرّفاً في ذمّته بشراءٍ أو بيعٍ أو كراءٍ صحّ ، نصّ على ذلك المالكيّة ، والشّافعيّة على الصّحيح عندهم ، والحنابلة ، وهو مقتضى مذهب الصّاحبين ، لأهليّته للتّصرّف ، والحجر يتعلّق بماله لا بذمّته ، ولأنّه لا ضرر فيه على الغرماء ، ويتبع به بعد فكّ الحجر عنه .
إمضاء التّصرّفات السّابقة على الحجر أو إلغاؤها :
21 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ للمفلّس بعد الحجر عليه إمضاء خيارٍ ، وفسخٌ لعيبٍ فيما اشتراه قبل الحجر ، لأنّه إتمامٌ لتصرّفٍ سابقٍ على حجره فلم يمنع منه ، كاسترداد وديعةٍ أودعها قبل الحجر عليه ، وسواءٌ أكان في ذلك الإمضاء أو الفسخ حظٌّ للمفلّس أو لم يكن . وقال المالكيّة : ينتقل الخيار للحاكم أو للغرماء ، فلهم الرّدّ أو الإمضاء .
وصرّح الحنفيّة بأنّ البيع ، إن كان بمثل القيمة جاز من المحجور عليه ، فيؤخذ منه مراعاةً لحظّ الغرماء في الفسخ أو الإمضاء .
حكم ما يلزم المفلّس من الحقوق في مدّة الحجر :
22 - ما لزم المفلّس من ديةٍ أو أرش جنايةٍ زاحم مستحقّها الغرماء ، وكذا كلّ حقٍّ لزمه بغير رضى الغريم واختياره ، كضمان إتلاف المال ، لانتفاء تقصيره . بخلاف التّصرّفات الّتي تقدّم ذكر المنع منها ، فإنّها تكون برضا الغريم واختياره . قال الشّافعيّة على الأصحّ عندهم : ولو أقرّ المفلّس بجنايةٍ قبل إقراره على الغرماء ، سواءٌ أسند المفلّس سبب الحقّ إلى ما قبل الحجر أو إلى ما بعده .
وجعل من ذلك صاحب المغني أنّه لو أفلس ، وله دارٌ مستأجرةٌ فانهدمت ، بعدما قبض المفلّس الأجرة ، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدّة ، وسقط من الأجرة بقدر ذلك . ثمّ إن وجد عين ما له أخذ بقدر ذلك ، وإن لم يجده شارك الغرماء بقدره .
الأثر الثّاني - انقطاع المطالبة عنه :
23 - وذلك لقول اللّه تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } وقول النّبيّ لغرماء معاذٍ : « خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلاّ ذلك » وفي روايةٍ « ولا سبيل لكم عليه » فمن أقرضه شيئاً أو باعه شيئاً عالماً بحجره لم يملك مطالبته ببدله حتّى ينفكّ الحجر عنه ، لتعلّق حقّ الغرماء حالة الحجر بعين مال المفلّس ، ولأنّه هو المتلف لماله بمعاملة من لا شيء معه ، لكن إن وجد المقرض أو البائع أعيان ما لهما فلهما أخذها كما سبق ، إن لم يعلما بالحجر .
الأثر الثّالث - حلول الدّين المؤجّل :
24 - في حلول الدّيون الّتي على المفلّس بالحجر عليه قولان للفقهاء :
الأوّل وهو قول المالكيّة المشهور عندهم ، وقولٌ للشّافعيّ هو خلاف الأظهر عند أصحابه ، وروايةً عن أحمد : أنّ الدّيون المؤجّلة الّتي على المفلّس تحلّ بتفليسه . قال المالكيّة : ما لم يكن المدين قد اشترط عدم حلولها بالتّفليس . واحتجّ أصحاب هذا القول : بأنّ التّفليس يتعلّق به الدّين بالمال ، فيسقط الأجل ، كالموت . قال المالكيّة : ولو طلب الدّائن بقاء دينه مؤجّلاً لم يجب لذلك .
والثّاني ، وهو قول الحنفيّة ، والشّافعيّ وهو الأظهر عند أصحابه ، وروايةً عن أحمد هي الّتي اقتصر عليها في الإقناع : لا يحلّ الأجل بالتّفليس . قالوا : لأنّ الأجل حقٌّ للمفلّس ، فلا يسقط بفلسه ، كسائر حقوقه ، ولأنّه لا يوجب حلول ما له ، فلا يوجب حلول ما عليه ، كالجنون والإغماء ، وليس هو كالموت ، فإنّ الموت تخرب به الذّمّة ، بخلاف التّفليس . فعلى هذا القول : لا يشارك أصحاب الدّيون المؤجّلة أصحاب الدّيون الحالّة ، إلاّ إن حلّ المؤجّل قبل قسمة المال فيحاصّهم . أو قبل قسمة بعضه فيشاركهم الدّائن في ذلك البعض . قال الرّمليّ من الشّافعيّة ، وصاحب الإقناع من الحنابلة : وإذا بيعت أموال المفلّس لم يدّخر منها شيءٌ للمؤجّل . ولا يرجع ربّ الدّين المؤجّل على الغرماء إذا حلّ دينه بشيءٍ ، لأنّه لم يستحقّ مشاركتهم حال القسمة . وقال الحنفيّة : يرجع عليهم فيما قبضوا بالحصص . أمّا على القول الأوّل : فيشارك أصحاب الدّيون المؤجّلة أصحاب الدّيون الحالّة في مال المفلّس . أمّا ديون المفلّس على النّاس فلا تحلّ بفلسه إذا كانت مؤجّلةً ، لا يعلم في ذلك خلافٌ .
الأثر الرّابع : مدى استحقاق الغريم أخذ عين ماله إن وجدها :
إذا أوقع الحجر على المفلّس ، فوجد أحد أصحاب الدّيون عين ماله الّتي باعها للمفلّس وأقبضها له ، ففي أحقّيّته باسترجاعها قولان للعلماء :
25 - القول الأوّل : أنّ بائعها أحقّ بها بشروطه ، وهو قول مالكٍ والشّافعيّ وأحمد والأوزاعيّ والعنبريّ وإسحاق وأبي ثورٍ وابن المنذر ، وروي هذا القول عن بعض الصّحابة ، منهم عثمان وعليٌّ رضي الله عنهما ، وعن عروة بن الزّبير من التّابعين . واحتجّ أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع « من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحقّ به من غيره » .
واحتجّوا أيضاً بأنّ هذا عقدٌ يلحقه الفسخ بالإقالة ، فجاز فيه الفسخ لتعذّر العوض ، كالمسلم فيه إذا تعذّر ، وبأنّه لو شرط في العقد رهناً ، فعجز عن تسليمه ، استحقّ الفسخ ، وهو وثيقةٌ بالثّمن ، فالعجز عن تسليم الثّمن نفسه أولى .
26 - القول الثّاني : قول أبي حنيفة وأهل الكوفة وقول ابن سيرين وإبراهيم من التّابعين وابن شبرمة . وروي عن عليٍّ رضي الله عنه :" أنّه ليس أحقّ بها ، بل هو في ثمنها أسوة الغرماء ". واحتجّوا بأنّ هذا مقتضى الأصول اليقينيّة المقطوع بها ، قالوا : وخبر الواحد إذا خالف الأصول يردّ ،
كما قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه :" لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا لحديث امرأةٍ ".
قالوا : ولما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : « أيّما رجلٍ مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة الغرماء » . قالوا : وهذا الحديث أولى من غيره ، لموافقته الأصول العامّة ، ولأنّ الذّمّة باقيةٌ وحقّه فيها .
الرّجوع فيما قبضه المدين بغير الشّراء :
27 - اختلف القائلون بالرّجوع فيما قبضه الغريم بغير الشّراء .
أ - فقد عمّم الشّافعيّة القول بأنّ له الرّجوع في عين ماله بالفسخ في سائر المعاوضات الماليّة المحضة كالقرض والسّلم ، بخلاف غيرها ، كالهبة ، والنّكاح والصّلح عن دم العمد والخلع .
وصنيع الحنابلة يوحي بأنّ قولهم في ذلك كقول الشّافعيّة ، وإن لم نرهم صرّحوا بذلك ، لكنّ تمثيلهم لما يرجع فيه بعين القرض ورأس مال السّلم والعين المؤجّرة يدلّ على ذلك .
ب - وأجاز المالكيّة الرّجوع للوارث ، ومن ذهب له الثّمن ، أو تصدّق عليه به ، أو أحيل به . وأبوا الرّجوع فيما لا يمكن الرّجوع فيه كعصمةٍ ، فلو خالعت زوجها على مالٍ ، ثمّ فلّست قبل أداء البدل ، لم يكن لمخالعها الرّجوع بالعصمة لأنّها خرجت منه ، ويحاصّ الغرماء ببدل الخلع ، وكما لو فلّس الجاني بعد الصّلح عن القصاص لم يكن لأولياء القتيل الرّجوع إلى القصاص ، لتعذّر ذلك شرعاً بعد العفو ، بل يحاصّون الغرماء بعوض الصّلح .
شروط الرّجوع في عين المال :
جملة الشّروط الّتي اشترطها القائلون بالرّجوع في عين المال الّتي عند المفلّس هي كما يلي : الشّرط الأوّل :
28 - أن يكون المفلّس قد ملكها قبل الحجر لا بعده . فإن كان ملكها بعد الحجر فليس البائع أحقّ بها ، ولو لم يكن عالماً بالحجر ، وذلك لأنّه ليس له المطالبة بثمنها في الحال ، فلم يملك الفسخ .
وقيل : ليس هذا شرطاً ، لعموم الخبر . وقيل بالتّفريق بين العالم ومن لم يعلم .
الشّرط الثّاني :
29 - قال الحنابلة : أن تكون السّلعة باقيةً بعينها ، ولم يتلف بعضها ، فإن تلفت كلّها أو تلف جزءٌ منها ، كما لو انهدم بعض الدّار ، أو تلفت ثمرة البستان ، لم يكن للبائع الرّجوع ، وكان أسوة الغرماء .
واحتجّوا بقول النّبيّ : « من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحقّ به من غيره » قالوا : فإنّ قوله : " بعينه " يقتضي ذلك . ولأنّه إذا أدركه بعينه فأخذه انقطعت الخصومة بينهما .
وعند المالكيّة والشّافعيّة يمنع تلف كلّه الرّجوع ، ولا يمنع تلف بعضه الرّجوع ، على تفصيلٍ عندهم في ذلك يرجع إليه في بابه .
الشّرط الثّالث :
30 - أن تكون السّلعة عند المفلّس على حالها الّتي اشتراها عليها . فإن انتقلت عين السّلعة عن الحال الّتي اشتراها عليها ، بعد شرائه لها - قال الحنابلة : بما يزيل اسمها - منع ذلك الرّجوع ، كما لو طحن الحنطة ، أو فصّل الثّوب ، أو ذبح الكبش ، أو تتمّر رطبه ، أو نجّر الخشبة باباً ، أو نسج الغزل ، أو فصّل القماش قميصاً . وهذا عند المالكيّة والحنابلة . وقالوا : لأنّه لم يجد عين ماله .
وقال الشّافعيّة : إن لم تزد القيمة بهذا الانتقال رجع ولا شيء للمفلّس . وإن نقصت فلا شيء للبائع إن رجع به . وإن زادت ، فالأظهر أنّه يباع وللمفلّس من ثمنه بنسبة ما زاد .
الشّرط الرّابع :
31 - ألاّ يكون المبيع قد زاد عند المفلّس زيادةً . متّصلةً ، كالسّمن والكبر ، وتجدّد الحمل - ما لم تلد - وهذا على قولٍ في مذهب أحمد .
وقول المالكيّة والشّافعيّة ، وهو روايةً عن أحمد : أنّ الزّيادة المتّصلة المتولّدة لا تمنع الرّجوع ، ويفوز بها البائع ، إلاّ أنّ المالكيّة يخيّرون الغرماء بين أن يعطوا السّلعة ، أو ثمنها الّذي باعها به . وهذا بخلاف نقص الصّفة فلا يمنع الرّجوع .
أمّا الزّيادة المنفصلة فإنّها لا تمنع الرّجوع ، وذلك كالثّمرة والولد . وهذا قول مالكٍ والشّافعيّ وأحمد ، سواءٌ أنقص بها المبيع أم لم ينقص ، إذا كان نقص صفةٍ . والزّيادة المنفصلة للمشتري وهو المفلّس .
الشّرط الخامس :
32 - ألاّ يكون قد تعلّق بالسّلعة حقٌّ للغير ، كأن وهبها المشتري أو باعها أو وقفها فلا رجوع ، لأنّه لم يدرك متاعه بعينه عند المفلّس ، فلا يدخل في النّصّ .
وقال المالكيّة في المرهون : إنّ للدّائن أن يفكّ الرّهن بدفع ما رهنت به العين ، ويأخذها ، ويحاصّ الغرماء بما دفع .
الشّرط السّادس :
33 - وهو للشّافعيّة . قالوا : أن يكون الثّمن ديناً ، فلو كان الثّمن عيناً قدّم على الغرماء بقبض العين الّتي هي ثمنٌ ، وذلك كما لو باع بقرةً ببعيرٍ ، ثمّ أفلس المشتري ، فالبائع يرجع بالبعير ولا يرجع بالمبيع ، أي البقرة .
الشّرط السّابع :
34 - قال الشّافعيّة : أن يكون الثّمن حالاًّ عند الرّجوع ، فلا رجوع فيما كان ثمنه مؤجّلاً ولم يحلّ ، إذ لا مطالبة في الحال .
وقال الحنابلة : إن كان الثّمن مؤجّلاً لم يحلّ رجوع البائع في السّلعة ، فتوقّف إلى الأجل ، فيختار البائع حينئذٍ بين الفسخ والتّرك . ولا تباع فيما يباع من مال المفلّس . قالوا : لأنّ حقّ البائع تعلّق بها ، فقدّم على غيره ، وإن كان مؤجّلاً ، كالمرتهن .
الشّرط الثّامن :
35 - وهو للحنابلة ، قالوا : يشترط ألاّ يكون البائع قد قبض من ثمنها شيئاً . وإلاّ سقط حقّه في الرّجوع . قالوا : والإبراء من بعض الثّمن كقبضه .
واحتجّوا بما روى الدّارقطنيّ من حديث أبي هريرة مرفوعاً : « أيّما رجلٍ باع سلعةً ، فأدرك سلعته بعينها عند رجلٍ قد أفلس ، ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً ، فهي له . وإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء » .
وقال الشّافعيّ في مذهبه الجديد : للبائع أن يرجع بما يقابل الباقي من دينه . وقال مالكٌ : هو مخيّرٌ إن شاء ردّ ما أخذه ورجع في جميع العين ، وإن شاء حاصّ الغرماء ولم يرجع .
الشّرط التّاسع :
36 - وهو للمالكيّة ، قالوا : يشترط ألاّ يفديه الغرماء بثمنه الّذي على المفلّس ، فإن فدوه - ولو بما لهم - لم يأخذه ، وكذا لو ضمنوا له الثّمن ، وهم ثقاتٌ ، أو أعطوا به كفيلاً ثقةً . وقال الشّافعيّة والحنابلة : لا يسقط حقّه في الفسخ ، ولو قال الغرماء له : لا تفسخ ونحن نقدّمك بالثّمن من التّركة . قال الحنابلة : لعموم الأدلّة . وقال الشّافعيّة : لما في ذلك من المنّة ، ولخوف ظهور غريمٍ آخر .
لكن لو أنّ الغرماء بذلوا الثّمن للمفلّس ، فأعطاه للبائع سقط حقّه في الفسخ .
الشّرط العاشر :
37 - أن يكون المفلّس حيّاً إلى أخذها ، فإن مات بعد الحجر عليه ، سقط حقّ البائع في الرّجوع . وهذا مذهب مالكٍ وأحمد . لحديث : « ... فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء » . وفي روايةٍ : « أيّما امرئٍ مات ، وعنده مال امرئٍ بعينه ، اقتضى منه شيئاً أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء » . قالوا : ولأنّه تعلّق به حقّ غير المفلّس ، وهم الورثة ، كالمرهون ، وكما لو باعه . وقال الشّافعيّ : له الفسخ واسترجاع العين ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً : « أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه » .
الشّرط الحادي عشر :
38 - أن يكون البائع أيضاً حيّاً ، فلو مات قبل الرّجوع فلا رجوع على قولٍ عند الحنابلة . وفي الإنصاف : للورثة الرّجوع .
الشّرط الثّاني عشر :
39 - قال الشّافعيّة على الأصحّ عندهم : له أن يرجع فور علمه بالحجر ، فإن تراخى في الرّجوع ، وادّعى أنّه جهل أنّ الرّجوع على الفور ، قبل منه . ولو صولح عن الرّجوع على مالٍ لم يصحّ الصّلح ، وبطل حقّه من الفسخ إن علم . ووجه اشتراطه عندهم أنّه كالرّدّ بالعيب ، بجامع دفع الضّرر . والقول الآخر للشّافعيّة ، وهو مذهب الحنابلة : أنّ الرّجوع على التّراخي . قالوا : وهو كرجوع الأب في هبته لابنه .
الرّجوع بعين الثّمن :
40 - لو كان الغريم اشترى من المفلّس شيئاً في الذّمّة ، وأسلم الثّمن ، ولم يقبض السّلعة ، حتّى حجر على المفلّس ، فهل يرجع الغريم بما أسلمه من النّقود ؟ قال المالكيّة : نعم يرجع إن ثبت عينها ببيّنةٍ أو طبعٍ ، قياساً للثّمن على المثمّن .
وقال أشهب من المالكيّة : لا يرجع ، لأنّ الأحاديث إنّما فيها « من وجد سلعته ... » و : « من وجد متاعه ... » والنّقدان لا يطلق عليهما ذلك عرفاً .
ثمّ قد قال المالكيّة : ولو اشترى شراءً فاسداً ففسخه الحاكم وأفلس البائع ، فالمشتري أحقّ بالثّمن إن كان موجوداً لم يفت . ولم نعثر على نصٍّ في هذه المسألة لسائر المذاهب . استحقاق مشتري العين أخذها إن حجر على البائع للفلس قبل تقبيضها :
41 - نصّ الحنابلة على أنّ الرّجل لو باع عيناً ، ثمّ أفلس قبل تقبيضها ، فالمشتري أحقّ بها من الغرماء ، لأنّها عين ملكه ، وذلك صادقٌ عندهم سواءٌ كانت السّلعة ممّا لا يحتاج لحقّ توفيةٍ ، كدارٍ وسيّارةٍ ، أو ما يحتاج إليه ، كالمكيل والموزون .
ولم نجد تعرّضاً لهذه المسألة في المذاهب الأخرى .
هل يحتاج الرّجوع إلى حكم حاكمٍ :
42 - لا يفتقر الرّجوع في العين إلى حكم حاكمٍ ، على مذهب الحنابلة ، وعلى الأصحّ في مذهب الشّافعيّة . قالوا : لأنّه ثبت بالنّصّ . ولو حكم بمنع الفسخ حاكمٌ فعند الشّافعيّة : لا ينقض حكمه قالوا : لأنّ المسألة اجتهاديّةٌ ، والخلاف فيها قويٌّ ، إذ النّصّ كما يحتمل أنّه " أحقّ بعين متاعه " يحتمل أنّه " أحقّ بثمنه " وإن كان الأوّل أظهر .
وعند الحنابلة : يجوز نقض حكمه ، نقل صاحب المغني عن نصّ أحمد : لو حكم حاكمٌ بأنّ صاحب المتاع أسوة الغرماء ، ثمّ رفع إلى رجلٍ يرى العمل بالحديث ، جاز له نقض حكمه . أي فما كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى حكم حاكمٍ .
ما يحصل به الرّجوع :
43 - يحصل الرّجوع بالقول ، بأن يقول : فسخت البيع أو رفعته أو نقضته أو أبطلته أو رددت . نصّ على هذا الشّافعيّة والحنابلة ، قال الحنابلة : فلو قال ذلك صحّ رجوعه ولو لم يقبض العين . فلو رجع كذلك ثمّ تلفت العين تلفت من مال البائع ما لم يتبيّن أنّها تلفت قبل رجوعه ، أو كانت بحالةٍ لا يصحّ الرّجوع فيها لفقد شريطةٍ من شرائط الرّجوع المعتبرة ، أو لمانعٍ يمنع الرّجوع ، كما لو كان دقيقاً فاتّخذه خبزاً ، أو حديداً فاتّخذه سيفاً .
أمّا الرّجوع بالفعل : فقد نصّ الشّافعيّة - في الأصحّ عندهم - والحنابلة على أنّ الرّجوع لا يحصل بالتّصرّف النّاقل للملكيّة كالبيع ، ولو نوى به الرّجوع . قال صاحب مطالب أولي النّهى : حتّى لو أخذ العين بنيّة الرّجوع لم يحصل الرّجوع . والقول الآخر : أنّه يحصل بذلك ، كالبيع في مدّة الخيار . ولم نجد للمالكيّة نصّاً في ذلك .
ظهور عينٍ مستحقّةٍ في مال المفلّس :
44 - لو ظهر شيءٌ مستحقٌّ في مال المفلّس فهو لصاحبه .
ولو أنّ المفلّس باعه قبل الحجر ثمّ استحقّ - والثّمن تالفٌ - فإنّ المشتري يشارك الغرماء كواحدٍ منهم ، وسواءٌ أكان تلف الثّمن قبل الحجر أو بعده ، لأنّ دينه من جملة الدّيون الثّابتة في ذمّة المفلّس قبل إفلاسه . وإن كان الثّمن غير تالفٍ ، فالمشتري أولى به على ما صرّح به الشّافعيّة ، ويفهم من كلام الحنابلة ، لأنّه عين ماله .
الرّجوع في الأرض بعد البناء فيها أو غرسها :
45 - عند الشّافعيّة والحنابلة : إذا أفلس مشتري الأرض وحجر عليه ، وكان قد غرس فيها غراساً أو بنى بناءً ، لم يمنع ذلك من رجوع البائع فيها . والزّرع الّذي يجذّ مرّةً بعد أخرى وتبقى أصوله كالغراس في هذا .
ثمّ إن تراضى الطّرفان - البائع من جهةٍ ، والغرماء مع المفلّس من الجهة الأخرى - على القلع ، أو أباه البائع وطلبوه هم فلهم ذلك ، لأنّه ملكٌ للمفلّس لا حقٌّ للبائع فيه ، ولا يمنع الإنسان من أخذ ملكه . ويلزم حينئذٍ تسوية الأرض من الحفر ، وأرش نقص الأرض بسبب القلع يجب ذلك في مال المفلّس ، لأنّه نقصٌ حصل لتخليص ملك المفلّس ، فكان عليه ، ويقدّم به الآخذ على حقوق الغرماء عند الشّافعيّة ، لأنّه لمصلحة تحصيل المال ، ويحاصّهم به عند الحنابلة . وإن أبى المفلّس والغرماء القلع ، لم يجبروا عليه ، لأنّه وضع بحقٍّ . وللآخذ حينئذٍ تملّك الغرس والبناء بقيمته قائماً ، لأنّه غرس أو بنى وهو صاحب حقٍّ ، وإن شاء فله القلع وإعطاؤه للغرماء مع أرش نقصه ، فإن أبى الآخذ تملّك الغرس والبناء ، وأبى أداء أرش النّقص ، فلا رجوع له على الأظهر عند الشّافعيّة والمقدّم عند الحنابلة ، لأنّ الرّجوع حينئذٍ ضررٌ على الغرماء ، ولا يزال الضّرر بالضّرر .
والوجه الآخر عند الطّرفين : له الرّجوع ، وتكون الأرض على ملكه ، والغرس والبناء للمفلّس . ولم يتعرّض المالكيّة والحنفيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه من كلامهم .
إفلاس المستأجر :
46 - عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا آجر عيناً له بأجرةٍ حالّةٍ ولم يقبضها حتّى حجر على المستأجر لفلسٍ ، فالمؤجّر مخيّرٌ ، إن شاء رجع في العين بالفسخ ، وإن شاء ترك ذلك للغرماء وحاصّ بجميع الأجرة .
وإن اختار الفسخ ، وكان قد مضى شيءٌ من المدّة ، فقال المالكيّة والشّافعيّة : يشارك المؤجّر الغرماء بأجرة ما مضى ، ويفسخ في الباقي . وقال الحنابلة : في هذه الحال يسقط حقّه في الفسخ بناءً على قولهم : إنّ تلف بعض السّلعة يمنع الرّجوع .
إفلاس المؤجّر :
47 - إن آجر داراً بعينها ثمّ أفلس المؤجّر ، فالإجارة ماضيةٌ ولا تنفسخ بفلسه للزومها ، وسواءٌ أقبض العين أم لم يقبضها . وإن طلب الغرماء بيع الدّار المعيّنة في الحال بيعت مؤجّرةً ، وإن اتّفقوا على تأخير بيعها حتّى تنقضي الإجارة جاز .
أمّا إن استأجر داراً موصوفةً في الذّمّة ، ثمّ أفلس المؤجّر قبل القبض ، فالمستأجر أسوة الغرماء ، لعدم تعلّق حقّه بعينٍ . وقال المالكيّة والشّافعيّة : وإن أفلس ملتزم عملٍ في الذّمّة ، وقد سلّم للمستأجر عيناً ليستوفي منها ، قدّم بها كالمعيّنة في العقد . ثمّ قال الشّافعيّة : فإن لم يكن سلّم له عيناً ، وكانت الأجرة باقيةً في يد المؤجّر ، فللمستأجر الفسخ ويستردّ الأجرة . فإن كانت تالفةً ضرب مع الغرماء بأجرة المثل للمنفعة ، ولا تسلّم إليه حصّته منها بالمحاصّة ، لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه ، إذ إجارة الذّمّة سلمٌ في المنافع ، فيحصل له بعض المنفعة الملتزمة إن تبعّضت بلا ضررٍ ، كحمل مائة رطلٍ مثلاً ، وإلاّ - كخياطة ثوبٍ - فسخ ، ويحاصّ بالأجرة المبذولة . ولم نجد للحنفيّة كلاماً في هذه المسائل .
|