إعذار المدين :
24 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الموسر إذا امتنع من قضاء الدّين فإنّه يحبس حتّى يؤدّي الدّين مستدلّين بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ليّ الواجد ظلمٌ . يحلّ عقوبته وعرضه » فعقوبته حبسه ، وعرضه أي يحلّ القول بالإغلاظ له .
وثبوت اليسار يكون بإقرار المدين أو بالبيّنة ، ومدّة الحبس محلّ خلافٍ كما سيأتي .
وإذا اختلف الدّائن والمدين في اليسار أو الإعسار ، ففي كلّ مذهبٍ تفصيلاتٌ وأحكامٌ .
وإذا لم يثبت يساره ولا إعساره فإنّه يمهل للتّحقّق من أمره ، فإن كان معسراً فنظرةٌ إلى ميسرةٍ ، وإن كان موسراً عوقب بالحبس وتفصيله في ( دينٌ ) .
الإعذار عند الأخذ للاضطرار :
25 - أجمع فقهاء المذاهب على أنّ الأكل للغذاء والشّرب للعطش - ولو من حرامٍ ، أو ميتةٍ أو من مال غيره - فرضٌ يثاب عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه ليؤجر في كلّ شيءٍ ، حتّى اللّقمة يرفعها العبد إلى فيه » فإن ترك الأكل والشّرب حتّى هلك فقد عصى ، لأنّ فيه إلقاء النّفس إلى التّهلكة ، وهو منهيٌّ عنه في محكم التّنزيل بقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } والقدر الواجب هو ما يدفع به الإنسان الهلاك عن نفسه ، والمباح إلى الشّبع ، وما فوق ذلك فحرامٌ .
وأجمع الفقهاء على أنّ من خاف الموت جوعاً ، ومع غيره طعامٌ زائدٌ عن حاجته ، أخذ منه قدر ما يسدّ جوعته ، وكذا يأخذ منه قدر ما يدفع العطش ، فإن منعه أخذه رغماً عنه ، فإن قاتله صاحب الطّعام فله مقاتلته . لكن على المضطرّ أن يعذر إلى صاحب الطّعام ، فيقول له : إن لم تعطني قاتلتك عليه ، فإن لم يعطه وقتله ، فدم صاحب الطّعام هدرٌ في صريح مذاهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ولم يصرّح الحنفيّة بحكم ذلك ، ولكن مقتضى قولهم : أنّه يباح للمضطرّ قتال صاحب الطّعام أنّه إن قتله فلا شيء عليه .
من له حقّ الإعذار ؟ وبم يكون ؟ وجزاء الممتنع ؟
26 - اتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الإعذار إلى الخصم هو حقّ القاضي ، فلا يملك الخصم إجبار خصمه على حضور مجلس القضاء لسماع الخصومة من غير أمر القاضي . لكنّهم قالوا : إذا طلب الخصم من القاضي إحضار المدّعى عليه أجابه إلى ذلك في حالاتٍ ، وفي كلّ مذهبٍ تفصيلٌ ينظر في مواطنه من كتاب الدّعوى والقضاء .
27 - ويلحظ أنّ ما ذكره الفقهاء فيمن له حقّ الإعذار ، وفي وسيلته ، وجزاء الممتنع ، القصد منه إعلام المدّعى عليه بما ادّعي به عليه ، وقطع عذره لئلاّ يقول بعد الحكم عليه : إنّه لم يكن يعلم بأنّ الأمر سيؤدّي إلى ما أدّى إليه من تطليق زوجته ، أو إلزامه بما ادّعي عليه من دينٍ أو نحو ذلك .
أمّا الوسائل الّتي ذكرها الفقهاء للإعذار ، وكيفيّة ذلك فإنّها تتّفق وما عهد في أيّامهم من إجراءاتٍ ، فليست مبنيّةً على نصوصٍ شرعيّةٍ واجبة الاتّباع ، بل هي باجتهادهم . وقد استحدثت في هذا العصر وسائل يعمل بها في المحاكم ، وهي تتّفق وما قرّره الفقهاء من قصد إعلام المدّعى عليه . فتنيط بموظّفين طلب إعلان الخصوم بأوراقٍ رسميّةٍ يوقّع عليها نفس المدّعى عليه ، أو من يقيم معه من زوجٍ أو ولدٍ أو خادمٍ ، وهناك حالاتٌ يستدعى فيها المدّعى عليه بواسطة الشّرطة إذا امتنع من الحضور ، وحالاتٌ يحكم عليه بغرامةٍ ماليّةٍ ، والأصل فيها أنّها وسائل مشروعةٌ فلا بأس من العمل بها والسّير عليها .
أعراب*ٌ
انظر : بدوٌ .
أعرج *
التعريف :
1 - الأعرج : من كانت به علّةٌ لازمةٌ له في مشيته . يقال : عرج فهو أعرج .
الحكم الإجماليّ :
2 - اعتبر العلماء العرج عيباً يردّ به العبد في البيع ، ويمنع الإجزاء في الأضحيّة إذا كان عرجاً بيّناً .
كما اعتبروه في الأشخاص من الأعذار الّتي تعفي من الجهاد . لقوله تعالى : { ليس على الأعمى حرجٌ ولا على الأعرج حرجٌ } وتفصيله في : ( الأضحيّة ، والبيع ، والجهاد ) .
إعسارٌ *
التعريف :
1 - الإعسار في اللّغة : مصدر أعسر ، وهو ضدّ اليسار ، والعسر : اسم مصدرٍ وهو الضّيق والشّدّة والصّعوبة ، قال تعالى : { سيجعل اللّه بعد عسرٍ يسراً } وفي التّنزيل : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } والعسرة : قلّة ذات اليد ، وكذلك الإعسار .
وفي الاصطلاح : هو عدم القدرة على النّفقة ، أو أداء ما عليه بمالٍ ولا كسب . وقيل : هو زيادة خرجه عن دخله ، وهما تعريفان متقاربان .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإفلاس :
2 - الإفلاس معناه في اللّغة : الانتقال من حالة اليسر إلى حالة العسر . وفي الاصطلاح : أن يكون الدّين الّذي على الشّخص أكثر من ماله ، فالفرق بينه وبين الإعسار أنّ الإفلاس لا ينفكّ عن دينٍ ، أمّا الإعسار فقد يكون عن دينٍ أو عن قلّة ذات اليد .
ب - الفقر :
3 - الفقر : لغةً الحاجة ، وفي الاصطلاح عرّف بعض الفقهاء الفقير : بأنّه الّذي لا شيء له ، والمسكين : الّذي له بعض ما يكفيه ، وعرّفهما بعضهم بعكسه . هذا إذا اجتمعا ، كما في قوله تعالى : { إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين } أمّا إذا افترقا بأن ذكر أحدهما دون الآخر ، فإنّ أحدهما يدلّ على مطلق الحاجة .
ما يثبت به الإعسار :
4 - يثبت الإعسار بأمورٍ منها :
أ - إقرار المستحقّ ( صاحب الدّين ) فإذا أقرّ أنّ مدينه معسرٌ فإنّه يؤخذ بإقراره ، ويخلّى سبيل المدين ، لأنّه استحقّ الإنظار بالنّصّ . لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ليس له ملازمته خلافاً للحنفيّة حيث قالوا : لا يمنع من ملازمته .
ب - ويثبت الإعسار بأدلّةٍ أخرى كالشّهادة واليمين والقرائن وغير ذلك .
وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( إثباتٌ ) .
آثار الإعسار :
أوّلاً : آثار الإعسار في حقوق اللّه الماليّة :
أ - أثر الإعسار في سقوط الزّكاة بعد وجوبها :
5 - قد يكون سبب الإعسار تلف المال الّذي فيه الزّكاة على وجهٍ يصير به المزكّي معسراً . وعلى هذا إذا لم يكن لدى المزكّي غير المال التّالف فهو معسرٌ بحقّ الزّكاة ، فيثبت في ذمّته عند الجمهور ، خلافاً للحنفيّة . وتفصيله في ( الزّكاة ) .
ب - أثر الإعسار في منع وجوب الحجّ ابتداءً :
6 - أجمع المسلمون على أنّ الحجّ لا يجب إلاّ على المستطيع ، ومن الاستطاعة القدرة الماليّة ، لقوله تعالى : { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً } « وسئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن السّبيل فقال : الزّاد والرّاحلة » . فمن لم يجد الزّاد والرّاحلة يكون معسراً ، فلا يجب عليه الحجّ ابتداءً .
وصرّح الحنابلة بأنّ المعسر لو تكلّف الحجّ بدون إلحاق ضررٍ بغيره ، مثل أن يمشي ويكتسب بصناعته ، أو معاونة من ينفق عليه ، ولا يسأل النّاس ، استحبّ له الحجّ . واستدلّوا لذلك بقوله تعالى : { يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامرٍ } فقدّم ذكر الرّجال وهم المشاة . أمّا من بلغ واستطاع الحجّ فلم يحجّ ثمّ أعسر ، ثبت في ذمّته الحجّ ، وعليه أداؤه إذا أيسر ، ويأثم إذا مات ولم يؤدّه ، فإن أوصى وله تركةٌ وجب الإحجاج عنه قبل تقسيم التّركة .
ت - أثر الإعسار في سقوط النّذر :
7 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه إن نذر التّصدّق بشيءٍ ، وليس في ملكه إلاّ أقلّ منه ، لا يلزمه غيره ، لأنّ النّذر بما لا يملك لا يصحّ .
وذهب المالكيّة إلى أنّ من نذر ما لا يملك لزمه إن قدر عليه ، فإن لم يقدر لزمه بدله أو بدل بدله ، فلو نذر بدنةً لزمته ، فإن أعسر عنها فبقرةٌ ، فإن أعسر عنها فسبع شياهٍ ، فلو قدر على ما دون السّبعة من الغنم فإنّه لا يلزمه إخراج شيءٍ من ذلك ، وهو ظاهر كلام خليلٍ والموّاق ، وفي كلام بعضهم أنّه يلزمه إخراج ما دون السّبعة من الغنم ، ثمّ يكمّل ما بقي متى أيسر ، لأنّه ليس عليه أن يأتي بها كلّها في وقتٍ واحدٍ .
وعند الحنابلة : من نذر طاعةً لا يطيقها ، أو كان قادراً عليها فعجز عنها فعليه كفّارة يمينٍ ، لما روى « عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال : نذرت أختي أن تمشي إلى بيت اللّه حافيةً ، فأمرتني أن أستفتي لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال : لتمش ولتركب » . وعن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا نذر في معصية اللّه ، وكفّارته كفّارة يمينٍ » . قال : « ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفّارته كفّارة يمينٍ »
ث - أثر الإعسار في كفّارة اليمين :
8 - إذا حنث الحالف في الأيمان فعليه الكفّارة ، لقوله تعالى { ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان } إن شاء أعتق رقبةً ، وإن شاء أطعم عشرة مساكين أو كساهم ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ متتابعاتٍ ، لقوله تعالى : { فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبةٍ } على التّخيير بينها { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ } وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ( ثلاثة أيّامٍ متتابعاتٍ ) وقراءته مع شذوذها عند القرّاء هي كالخبر المشهور من حيث الرّواية .
فمقتضى هذا أنّ الإعسار بالعتق أو الإطعام أو الكسوة ينتقل به المعسر إلى الصّيام .
ج -الإعسار بقيمة الماء للوضوء والغسل :
9 -ذهب الفقهاء إلى أنّه لو لم يجد الماء مريد الوضوء والغسل إلاّ أن يشتريه بثمن المثل وقدر عليه فإنّ عليه أن يشتريه ، ولا يجب عليه أن يشتريه بأكثر ، والكثير ما فيه غبنٌ فاحشٌ ، وفي مقدار الغبن خلافٌ وتفصيلٌ ، وأولى ما قيل فيه : إنّه ما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين .
وعلى هذا فإن أعسر بما لزمه شراء الماء به ، فإنّه يتيمّم ولو كان الماء موجوداً .
ح - أثر الإعسار في الفدية :
10 - ذهب الحنفيّة وبعض الحنابلة إلى أنّه إذا أعسر بالفدية في الصّوم سقطت ، ويستغفر اللّه تعالى . وذهب الشّافعيّة ، وهو الصّحيح من مذهب الحنابلة إلى أنّه إذا عجز عن الفدية تبقى في ذمّته . أمّا المالكيّة فالفدية عندهم مندوبةٌ .
ثانياً : آثار الإعسار في حقوق العباد :
أ - الإعسار بمئونة تجهيز الميّت وتكفينه :
11 - إذا مات الإنسان معسراً فكفنه على من وجبت عليه نفقته في حال حياته ، وهو قول أبي حنيفة فيما نقل عنه - وهو المفتى به - وإذا لم يكن للميّت من تجب عليه نفقته ، أو كان - وهو فقيرٌ - فكفنه على بيت المال ، فإن لم يكن بيت المال معموراً أو منتظماً فعلى المسلمين تكفينه . وتفصيله في ( تكفينٌ ) .
ب - الإعسار بأجرة الأجير وأجرة البيت ونحوه :
12 - قال الحنفيّة : إنّ الإجارة تفسخ بالأعذار ، كما لو آجر دكّاناً أو داراً ثمّ أفلس - ولزمته ديونٌ لا يقدر على قضائها إلاّ بثمن ما آجر - فسخ القاضي العقد وباعها في الدّيون ، لأنّ في الجري على موجب العقد إلزام ضررٍ زائدٍ لم يستحقّ بالعقد ، وهو الحبس ، لأنّه قد لا يصدّق على عدم مالٍ آخر .
وعند الشّافعيّة : أجر الأجير دينٌ ، ومتى كان على رجلٍ ، وكان مؤجّلاً ، لم يجز مطالبته به حتّى يحين أجله ، لأنّه لو جاز مطالبته به سقطت فائدة التّأجيل . وإن كان حالاًّ ، فإن كان معسراً لم يجز مطالبته به لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } ولا يملك ملازمته ، لأنّ كلّ دينٍ لا يملك المطالبة به لم يملك الملازمة عليه كالدّين المؤجّل . فإن كان يحسن صنعةً فطلب الغريم أن يؤجّر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك ، لأنّه إجبارٌ على التّكسّب ، فلم يجز كالإجبار على التّجارة ، وإن أكرى أرضاً فأفلس المكتري بالأجرة ، فإن كان قبل استيفاء شيءٍ من المنافع فله أن يفسخ ، لأنّ المنافع في الإجارة كالأعيان المبيعة في البيع ، ثمّ إذا أفلس المشتري والعين باقيةٌ ثبت له الفسخ ، فكذلك إذا أفلس المكتري والمنافع باقيةٌ وجب أن يثبت له الفسخ .
ت - إعسار المحال عليه :
13 - لا يرجع المدين على المحيل إلاّ أن يموت المحال عليه مفلساً ، أو يجحد ولا بيّنة عليه ، لأنّه عجز عن الوصول إلى حقّه ، والمقصود من الحوالة سلامة حقّه ، فكانت مقيّدةً بالسّلامة ، فإذا فاتت السّلامة انفسخت كالعيب في المبيع . هذا عند أبي حنيفة ، وزاد الصّاحبان أنّه يرجع بوجهٍ آخر أيضاً ، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حياته ، بناءً على أنّ الإفلاس يتحقّق عندهما بقضاء القاضي ، وعنده لا . وهي كذلك عند الشّافعيّة ، فإن أحاله على مليءٍ فأفلس أو جحد الحقّ وحلف عليه لم يرجع إلى المحيل ، لأنّه انتقل حقّه إلى مالٍ يملك بيعه فسقط حقّه في الرّجوع ، كما لو أخذ بالدّين سلعةً ثمّ تلفت بعد القبض .
وإن أحاله على رجلٍ بشرط أنّه مليءٌ فبان أنّه معسرٌ ، فقد ذكر المزنيّ أنّه لا خيار له ، وأنكر أبو العبّاس بن سريجٍ هذا وقال : له الخيار ، لأنّه غرّه بالشّرط فثبت له الخيار ، كما لو باعه بقرةً بشرط أنّها حلوبٌ ، ثمّ بان أنّها ليست كذلك .
وقال عامّة الأصحاب : لا خيار له لأنّ الإعسار نقصٌ ، فلو ثبت به الخيار لثبت من غير شرطٍ كالعيب في المبيع ، ويخالف الصّفة المرغوبة ، فإنّ عدمها ليس بنقصٍ وإنّما هو عدم فضيلةٍ ، فاختلف الأمر فيه بين أن يشرط وبين ألاّ يشرط . والمالكيّة كذلك يرون أنّه إن شرط المحال على المحيل إن أفلس المحال عليه رجع على المحيل فله شرطه . ونقله الباجيّ كأنّه المذهب ، وقال ابن رشدٍ : هذا صحيحٌ لا أعلم فيه خلافاً . وأمّا الحنابلة فقد قالوا : متى توفّرت الشّروط برئ المحيل من الدّين بمجرّد الحوالة ، لأنّه قد تحوّل من ذمّته ، فإن أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات أو جحد الدّين فلا يرجع على المحيل ، كما لو أبرأه ، لأنّ الحوالة بمنزلة الإيفاء . ومتى لم تتوفّر الشّروط لم تصحّ الحوالة ، وإنّما تكون وكالةً . قال الشّمس ابن أبي عمر : وإذا لم يرض المحال ثمّ بان المحال عليه مفلّساً أو ميّتاً رجع بغير خلافٍ . وإن رضي مع الجهل بحاله رجع ، لأنّ الفلس عيبٌ في المحال عليه . وإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسراً رجع . لحديث : « المؤمنون عند شروطهم » .
ث - إعسار الزّوج بالمهر المسمّى :
14 - يفصّل الشّافعيّة في إعسار الزّوج بالمهر بين حالتين :
أوّلاهما : إن كان قبل الدّخول ثبت لها الخيار في فسخ النّكاح ، لأنّه يلحقه الفسخ بالإفلاس بالمهر ، وهو وجهٌ عند الحنابلة .
الحالة الثّانية : إن كان بعد الدّخول لم يجز الفسخ ، لأنّ الزّوج استوفى حقّه فلم يفسخ بالإعسار ، وقد وافقهم الحنابلة في وجهٍ لهم على ذلك . وهناك وجهٌ آخر عند الحنابلة أنّه لا يثبت لها خيار الفسخ مطلقاً ، لا قبل الدّخول ولا بعده ، وهو اختيار ابن حامدٍ ، لأنّ المهر دينٌ في الذّمّة ، فلا يفسخ النّكاح للإعسار به ، كالنّفقة الماضية ، ولأنّ تأخيره ليس فيه ضررٌ مجحفٌ . وقال المالكيّة : إن دعت زوجها للدّخول بها ، وطلبت حالّ الصّداق فلم يجده ، وادّعى العدم ولم تصدّقه ، ولم يثبت عدمه ببيّنةٍ ، وليس له مالٌ ظاهرٌ ، أمهله الحاكم لإثبات عسره ( فقره ) ، ثمّ إذا ثبت عسره ، أو صدّقته فيه زيد له في الأجل باجتهاد الحاكم ، فإن أتى بشيءٍ وإلاّ عجّزه . ووجوب التّلوّم لمن ثبت عسره ولا يرجى يساره - لأنّ الغيب قد يكشف عن العجائب - هو تأويل الأكثر . وصحّح - أي صوّبه - المتيطيّ وعياضٌ ، وعدم التّلوّم لمن لا يرجى يساره ، فيطلق عليه ناجزاً هو تأويلٌ فضل على المدوّنة .
ثمّ بعد انقضاء الأجل طلّق عليه ، بأن يطلّق الحاكم ، أو توقعه الزّوجة ثمّ يحكم الحاكم ، على القولين في ذلك . ووجب على الزّوج المطلّق لعجزه عن المهر نصفه يدفعه إن أيسر ، لقوله تعالى : { وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضةً فنصف ما فرضتم }
وأمّا الحنفيّة : فلا يجيزون الفسخ بالإعسار بالمهر أو غيره ، وللزّوجة قبل الدّخول منع تسليم نفسها للزّوج حتّى تستوفي معجّل صداقها .
ج -إعسار المدين بما وجب عليه من الدّين . وهل يحبس بذلك أم لا ؟
15 - قال الحنفيّة : إذا ثبت الحقّ للمدّعي فطلب من القاضي حبس المدين ، أمره القاضي بدفع ما عليه ، فإن امتنع حبسه ، لأنّه ظهر ظلمه . للحديث « ليّ الواجد ظلمٌ يحلّ عرضه وعقوبته » . والعقوبة الحبس .
فإن أقرّ المدّعي أنّ غريمه معسرٌ خلّي سبيله ، لأنّه استحقّ الإنظار بالنّصّ ، ولا يمنع من الملازمة . وإن قال المدّعي : هو موسرٌ ، وهو يقول : أنا معسرٌ ، فإن كان القاضي يعرف يساره ، أو كان الدّين بدل مالٍ كالثّمن والقرض ، أو التزمه كالمهر والكفالة وبدل الخلع ونحوه حبسه ، لأنّ الظّاهر بقاء ما حصل في يده ، والتزامه يدلّ على القدرة ، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا ادّعى الفقر ، لأنّه الأصل ، وذلك مثل ضمان المتلفات وأروش الجنايات ونفقة الأقارب والزّوجات ، إلاّ أن تقوم البيّنة أنّ له مالاً فيحبسه ، لأنّه ظالمٌ . فإذا حبسه مدّةً يغلب على ظنّه أنّه لو كان مالٌ له أظهره ، وسأل عن حاله فلم يظهر له مالٌ ، خلّى سبيله ، لأنّ الظّاهر إعساره فيستحقّ الإنظار . وكذلك الحكم لو شهد شاهدان بإعساره . وتقبل بيّنة الإعسار بعد الحبس بالإجماع وقبله لا . والفرق أنّه وجد بعد الحبس قرينةً ، وهو تحمّل شدّة الحبس ومضايقه ، وذلك دليل إعساره ولم يوجد ذلك قبل الحبس ، وقيل تقبل في الحالتين ، وإن قامت البيّنة على يساره أبداً حبسه لظلمه حتّى يؤدّي ما عليه . واختلفوا في مدّة الحبس ، قيل : شهران أو ثلاثةٌ ، وبعضهم قدّره بشهرٍ ، وبعضهم بأربعةٍ ، وبعضهم بستّةٍ . ولمّا كان النّاس يختلفون في احتمال الحبس ، ويتفاوتون تفاوتاً كثيراً فإنّه يفوّض إلى رأي القاضي .
وقال المالكيّة : يحبس المدين المجهول إذا ادّعى العدم ليستبين أمره بإثباتٍ ، ومحلّ حبسه ما لم يسأل الصّبر والتّأخير إلى إثبات عسره ، وإلاّ أخّر مع كفالة كفيلٍ ولو بالنّفس ، ويحبس إن جهل حاله إلى أن يثبت عسره ، وإن لم يأت به الحميل ( الكفيل ) غرم ما عليه إلاّ أن يثبت عسره .
وثبوت عسره يكون بشهادة عدلين يشهدان أنّهما لا يعرفان له مالاً ظاهراً ولا باطناً ، ويحلف على ذلك لكن على البتّ ، ويزيد في مينه : وإن وجدت المال لأقضينه عاجلاً ، وإن كنت مسافراً عجّلت الأوبة ( الإياب ) . وبعد الحلف يجب إطلاقه وإنظاره ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . فإن لم يثبت عسره وطال حبسه فإنّه يطلّق ، لكن بعد حلفه أنّه لا مال عنده . ولا حبس على معدمٍ ثابت العدم ، للآية المذكورة ، لأنّ حبسه لا يحصل به فائدةٌ ، ويجب على المدين أن يوصي بما عليه من الدّين ، فإن مات ولم يوجد له مالٌ وفّي عنه من بيت المال ، لقوله عليه السلام « فمن توفّي وعليه دينٌ فعليّ قضاؤه ، ومن ترك مالاً فهو لورثته » .
وقال الشّافعيّ : إذا ثبت عليه الدّين بيع ما ظهر له ودفع ولم يحبس ، وإن لم يظهر حبس وبيع ما قدر عليه من ماله ، فإن ذكر عسره قبلت منه البيّنة ، لقوله عزّ وجلّ : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . وأحلّفه مع ذلك باللّه وأخلّيه ، ومنعت غرماءه من لزومه ، حتّى تقوم بيّنةٌ أنّه قد أفاد مالاً ، فإن شهدوا أنّهم رأوا في يده مالاً سئل ، فإن قال مضاربةٌ قبلت مع يمينه ، ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف عنه ، فمتى استقرّ عند الحاكم ما وصفت لم يكن له حبسه ، ولا يغفل المسألة عنه .
وعند الحنابلة : من وجب عليه دينٌ حالٌّ فطولب به ولم يؤدّه ، نظر الحاكم ، فإن كان في يده مالٌ ظاهرٌ أمره بالقضاء ، وإن لم يجد له مالاً ظاهراً فادّعى الإعسار وصدّقه غريمه لم يحبس ووجب إنظاره ، ولم تجز ملازمته ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لغرماء الّذي كثر دينه : « خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلاّ ذلك » ولأنّ الحبس إمّا أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه ، وعسرته ثابتةٌ ، والقضاء متعذّرٌ ، فلا فائدة في الحبس . وإن كذّبه غريمه فلا يخلو إمّا أن يكون عرف له مالٌ أو لم يعرف ، فإن عرف له مالٌ لكون الدّين ثبت عن معاوضةٍ ، كالقرض والبيع ، أو عرف له أصل مالٍ سوى هذا . فالقول قول غريمه مع يمينه ، فإذا حلف أنّه ذو مالٍ حبس حتّى تشهد البيّنة بإعساره . قال ابن المنذر : أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدّين .
ح - الإعسار بدفع الجزية ( الجزية المفروضة ، والجزية المصالح عليها ) :
16 - ذهب الحنفيّة والحنابلة وهو أحد قولي الشّافعيّة إلى أنّه لا جزية على فقيرٍ غير متكسّبٍ لأنّ عمر رضي الله عنه شرط كونه معتملاً ( أي متكسّباً ) وهو دليل عدم وجوبها على الفقير غير المعتمل ، ولأنّه غير مطيقٍ للأداء حيث لا يقدر على العمل .
لكن صرّح الحنفيّة بأنّه إذا أيسر الفقير بعد وضع الجزية عنه وجبت عليه ، لأنّه أهلٌ للجزية ، وإنّما سقطت عنه للعجز وقد زال ، ولا يحاسب بما مضى .
وعند المالكيّة : الذّمّيّ الفقير يضرب عليه بوسعه ( أي بقدر طاقته ) ولو درهماً إن كان له طاقةٌ ، وإلاّ سقطت عنه . فإن أيسر بعد لم يحاسب بما مضى لسقوطه عنه .
وفي قولٍ للشّافعيّة : أنّها تجب عليه ولو كان فقيراً ، لأنّها تجب على سبيل العوض ، فاستوى فيه المعتمل وغير المعتمل ، فعلى هذا ينظر إلى الميسرة ، فإذا أيسر طولب بجزية ما مضى ، وقيل : لا ينظر .
خ - إعسار التّركة عن الوفاء بما وجب فيها من حقوقٍ :
17 - إذا كانت تركة الميّت لا تفي بما عليه من الدّيون ، ففي الأحكام المتعلّقة بذلك خلافٌ وتفصيلٌ يرجع إليه في مصطلحي ( إرثٌ ، وتركةٌ ) .
د - الإعسار بالنّفقة على النّفس :
18 - الأصل أنّ نفقة الإنسان الحرّ في ماله صغيراً كان أو كبيراً ، إلاّ الزّوجة فإنّ نفقتها على زوجها متى استوفت شروط وجوبها عليه . ولا ينتقل حقّه إلى مطالبة الغير بها سواءٌ كان هذا الغير أصلاً أو فرعاً ، إلاّ إذا كان معسراً وغير قادرٍ على الكسب أو عاجزاً عنه في بعض الصّور .
وفي من تجب عليه النّفقة خلافٌ وتفصيلٌ يرجع إليه تحت مصطلح ( نفقة الأقارب ) .
ذ - الإعسار بنفقة الزّوجة :
19 - فيما تقدّر به نفقة الزّوجة ثلاثة اتّجاهاتٍ :
الأوّل : تقدّر بحال الزّوجين جميعاً ، فإن كانا موسرين فلها عليه نفقة الموسرين ، وإن كانا معسرين فعليه لها نفقة المعسرين ، وإن كانا متوسّطين فعليه نفقة المتوسّطين ، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً فلها نفقة المتوسّطين ، سواءٌ كان هو الموسر أو هي . وهذا هو المفتى به عند الحنفيّة والمعتمد عند المالكيّة وهو مذهب الحنابلة جمعاً بين النّصوص المتعارضة ورعايةً لكلا الجانبين .
الثّاني : تقدّر بحال الزّوج وحده . ويستدلّ له بقول اللّه تعالى : { لينفق ذو سعةٍ من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ ما آتاها سيجعل اللّه بعد عسرٍ يسراً } . وهو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وصحّحه في البدائع ، وهو مذهب الشّافعيّ ، وقولٌ عند المالكيّة .
الثّالث : تقدّر بحال الزّوجة . أخذاً بدلالة قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف } . وبحديث هندٍ إذ قال لها : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » . وهو قولٌ عند الحنفيّة . وعلى هذا فإذا كان الزّوج معسراً وهي مثله فعليه نفقة المعسرين اتّفاقاً ، وإن كانت موسرةً وهو معسرٌ فعلى القول الأوّل عليه نفقة المتوسّطين ، وعلى الثّاني عليه نفقة المعسرين ، وعلى الثّالث نفقة الموسرين . وإذا عجز الزّوج عمّا وجب عليه من النّفقة على التّفصيل السّابق ، وطلبت الزّوجة التّفريق بينها وبين زوجها بسبب ذلك ، فعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يفرّق بينهما .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يفرّق بينهما بذلك ، بل تستدين عليه ، ويؤمر بالأداء من تجب عليه نفقتها لولا الزّوج . وفي المسألة تفصيلاتٌ أوفى من هذا يرجع إليها في أبواب النّفقات من كتب الفقه ( ر : نفقةٌ ) .
ر - الإعسار في النّفقة على الأقارب :
20 - يجب على الغنيّ أن ينفق على والديه وأولاده المعسرين بالإجماع ، ولا تجب عند المالكيّة النّفقة على غير الوالدين والأولاد المباشرين ، وكذلك تجب نفقة سائر الأصول والفروع مهما علوا أو نزلوا عند الجمهور ، وأمّا الحواشي كالأخ والعمّ وأولادهما فإنّ الحنفيّة يشترطون لوجوب النّفقة عليهم المحرميّة ، ويشترط الحنابلة التّوارث ، ويكتفي الشّافعيّة بالقرابة . ويتحقّق الإعسار بالنّسبة للمنفق عليه لعدم وجود الكفاية كلاًّ أو جزءاً مع العجز عن الكسب . فمن كان يجد كفايته أو كان قادراً على الكسب فنفقته على نفسه ولا تجب نفقته على أحدٍ . إلاّ أنّ الحنفيّة والحنابلة أوجبوا نفقة الأصول ولو كانوا قادرين على الكسب . أمّا في النّفقة على غيرهم فعند الحنابلة في اشتراط عدم القدرة على الكسب روايتان ، ولا يشترط ذلك عند الشّافعيّة .
ز - أجرة الحضانة والإرضاع :
21 - الحكم فيهما على ما سبق في النّفقة ، على أنّه إن كان للصّغير مالٌ فذلك في ماله .
س - النّفقة على الحيوان المحتبس :
22 - اتّفق الفقهاء على أنّ النّفقة على الحيوان المحتبس واجبةٌ ديانةً ، وبأنّه يأثم بحبسه عن البيع ، مع عدم الإنفاق عليه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان . وفي الحديث « دخلت امرأةٌ النّار في هرّةٍ حبستها حتّى ماتت جوعاً فلا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض ، ولا هي أطعمتها وسقتها لتعيش » .« ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ».
ثمّ ذهب الجمهور وأبو يوسف إلى أنّه يجبر على الإنفاق عليه ، إذ في عدم الإنفاق إضاعةٌ للمال وتعذيبٌ للحيوان ، وقد ورد النّهي عنهما ، وليس هذا الحيوان من أهل الاستحقاق ليقضى له بإجبار المالك على نفقته أو بيعه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يجبر مالكه على الإنفاق . فإن عجز محتبس الحيوان عن الإنفاق ، فقد ذهب الجمهور في الجملة إلى إجباره على البيع أو التّذكية إن كان ممّا يذكّى ، وزاد الشّافعيّة أنّه يمكن إجباره على التّخلية للرّعي وورود الماء إن ألف ذلك .
ش - الإعسار بفكاك الأسير :
23 - يجب فكاك الأسير المسلم من أيدي الكفّار ، ويجب ذلك عند الجمهور بأيّ وسيلةٍ مشروعةٍ ، كالقتال والتّفاوض والمفاداة بأسراهم أو بالمال . فإذا وقع الفداء على المال فإنّ فداءه يكون من بيت مال المسلمين عند الجمهور ولو كان للأسير مالٌ . فإن قصّر بيت المال في ذلك فعلى جماعة المسلمين ، وذهب الشّافعيّة وهو قولٌ عند المالكيّة إلى أنّه إذا كان له مالٌ ففداؤه من ماله ، فإن كان معسراً ففكاكه من بيت مال المسلمين . ( ر : أسرى ) .
ص - إعسار الضّامن :
24 - إعسار الكفيل حكمه كحكم إعسار الأصيل في وجوب الإنظار إلى ميسرةٍ ، ولا يسقط به حقّ المطالبة .
ض - إعسار الدّولة بالتّكاليف الواجبة :
25 - إن لم يكن في بيت المال مالٌ يكفي للجهاد وما في معناه فلا بأس أن يفرض الإمام على أرباب الأموال ما يسدّ الحاجة ، وتفصيله في ( بيت المال ) .
أعضاءٌ *
التعريف :
1 - العضو في اللّغة : هو كلّ عظمٍ وافرٍ بلحمةٍ سواءٌ أكان من إنسانٍ أم حيوانٍ . يقال : عضّى الذّبيحة إذا قطعها أعضاءً . والفقهاء يطلقون العضو على الجزء المتميّز عن غيره من بدن إنسانٍ أو حيوانٍ ، كاللّسان والأنف والأصبع .
الألفاظ ذات الصّلة :
الأطراف :
2 - الأطراف : هي النّهايات في البدن كاليدين والرّجلين ، وعلى هذا فكلّ طرفٍ عضوٌ ، وليس كلّ عضوٍ طرفاً .
الحكم الإجماليّ :
3 - هناك أفعالٌ لا يطلق عليها الاسم الشّرعيّ بمفهومه الشّرعيّ إلاّ إذا وقعت على أعضاءٍ مخصوصةٍ ، فالوضوء لا يسمّى وضوءاً إلاّ إذا وقع الغسل والمسح فيه على أعضاءٍ مخصوصةٍ سمّاها الشّارع ، والتّيمّم لا يكون تيمّماً إلاّ إذا وقع على أعضاءٍ مخصوصةٍ سمّاها الشّارع أيضاً ، وهكذا كما هو مبيّنٌ في أبوابه من كتب الفقه .
وهناك أعضاءٌ يعبّر بها عن الكلّ ، كالرّأس ، والظّهر ، والوجه ، والرّقبة ، وهذه الأعضاء لو أطلق الطّلاق أو الظّهار أو العتق عليها ، كان إطلاقاً على الكلّ ، فلو قال : وجهك عليّ كظهر أمّي ، كان كقوله : أنت عليّ كأمّي ، كما هو مبيّنٌ في أبواب الطّلاق والظّهار والعتق من كتب الفقه . وتوجد عاهاتٌ تصيب بعض الأعضاء كالعمى والعرج والعنّة ونحو ذلك ، فيترتّب عليها أحكامٌ خاصّةٌ ، كعدم قبول شهادة الأعمى فيما يحتاج إلى النّظر ، وسقوط وجوب الجمعة عليه عند البعض ، وسقوط الجهاد عنه ، وعدم إجزاء الأضحيّة العمياء ونحو ذلك ، وسيأتي كلّ ذلك مفصّلاً تحت تلك العاهات في مصطلحاتها .
إتلاف الأعضاء :
4 - الإتلاف قد يكون ببتر العضو ، أو بإذهاب منافعه المقصودة منه شرعاً ، كلّها أو بعضها ، ويطلق الفقهاء على ذلك : الجناية على ما دون النّفس . وتفصيل أحكام هذا الإتلاف في مصطلح ( قصاصٌ ) ( ودياتٌ ) ( وتعزيرٌ ) .
هذا ، وإنّ خوف الفقد لعضوٍ من أعضاء البدن أو تعطّله يعتبر عذراً يباح به بعض المحظورات ، فيباح التّيمّم للبرد الشّديد الّذي يخشى منه ذهاب بعض أعضائه ، والتّهديد ببتر عضوٍ من أعضاء البدن - ممّن يعتقد أنّه يفعل ذلك - يعتبر إكراهاً ملجئاً كما فصّل ذلك الفقهاء في ( الإكراه ) .
ما أبين من أعضاء الحيّ :
5 - أ - ما أبين من أعضاء الحيوان الحيّ المأكول اللّحم ، حكمه حكم الميتة ، نجسٌ لا يجوز أكله ما لم تعتبر إبانة العضو تذكيةً على خلافٍ وتفصيلٍ للفقهاء في ( صيدٌ ) ( وذبائح ) ( وأطعمةٌ ) .
ب - وما أبين من أعضاء الإنسان حكمه حكم الإنسان الميّت في الجملة في النّظر إليه ، ووجوب تغسيله وتكفينه ودفنه ، على تفصيلٍ في ذلك مكانه : كتاب الجنائز من كتب الفقه .
أعطياتٌ *
انظر : إعطاءٌ .
إعفافٌ *
التعريف :
1 - الإعفاف : فعل ما يحقّق العفاف للنّفس أو للغير ، والعفّة والعفاف : الكفّ عن الحرام ، وعمّا يستهجن كسؤال النّاس ، وقيل : هو الصّبر والنّزاهة عن الشّيء .
واصطلاحاً : يطلق العفاف في العرف العامّ على شرف النّفس ، فالعفيف - كما في تعريف الجرجانيّ - من يباشر الأمور على وفق الشّرع والمروءة . ويطلق في الاصطلاح غالباً على ترك الزّنى ، باستعفاف المسلم أو المسلمة عن الوطء الحرام ، فلا ينافي العفّة - بالمعنى الاصطلاحيّ - الوطء المحرّم لعارض الحيض أو الصّوم أو الإحرام مثلاً .
الحكم الإجماليّ :
2 - إعفاف المرء نفسه ، أو من تلزمه نفقته ، أو من هو تحت ولايته ، مطلوبٌ شرعاً على سبيل الوجوب أو النّدب ، ويرجع في تفصيل ذلك إلى ( النّكاح ) ، ( والنّفقات ) .
إعفاف الإنسان أصوله :
3 - ذهب الجمهور - وهو رأيٌ مرجوحٌ للحنفيّة - إلى وجوب إعفاف الفرع أباه بتزويجه أو إعطائه ما يتزوّج به ، وذلك إذا وجبت عليه نفقته .
والرّاجح عند الحنفيّة - وهو قولٌ مرجوحٌ للشّافعيّة - أنّه لا يلزمه سواءٌ وجبت نفقته أو لم تجب . أمّا غير الأب كالجدّ ففيه خلافٌ ، يفصّله الفقهاء في ( النّكاح ، والنّفقات ) .