سقوط الواجب :
11 - إذا أعيد عملٌ لخللٍ غير مفسدٍ ، فهل يسقط ذلك الواجب بالفعل الأوّل أم بالفعل الثّاني ؟ . من الفقهاء من قال : إنّ الواجب يسقط بالفعل الثّاني ، لأنّه الفعل الكامل الخالي من الخلل . وهذا قول الشّعبيّ وسعيد بن المسيّب وعطاءٍ ومذهب الحنفيّة ، كما قال ابن عابدين . واستدلّوا بحديث يزيد بن الأسود مرفوعاً : « إذا جئت إلى الصّلاة فوجدت النّاس فصلّ معهم ، وإن كنت قد صلّيت تكن لك نافلةً وهذه مكتوبةٌ » .
ومنهم من قال : إنّ الواجب يسقط بالفعل الأوّل لأنّه وقع صحيحاً غير باطلٍ ، ولكنّ فيه شيئاً من الخلل ، والإعادة شرعت لجبر هذا الخلل فيه . وهذا مرويٌّ عن عليٍّ ، وقول الثّوريّ وإسحاق والشّافعيّة والحنابلة . واستدلّوا بروايةٍ أخرى للحديث السّابق فيها : « إذا صلّيتما في رحالكما ، ثمّ أتيتما مسجد جماعةٍ ، فصلّيا معهم ، فإنّها لكم نافلةٌ » .
أمّا النّيّة في الإعادة : فقد قال ابن عابدين : ينوي بالفعل الثّاني الفرض - إن كان المعاد فرضاً لأنّ ما فعله أوّلاً هو الفرض ، فإعادته : فعله ثانيةً على الوجه نفسه .
أمّا على القول بأنّ الفرض يسقط بالفعل الثّاني فظاهرٌ .
وأمّا على القول بأنّ الفرض يسقط بالفعل الأوّل ، فإنّ المقصود من تكرار الفعل ثانيةً هو جبران نقصان الفعل الأوّل ، فالأوّل فرضٌ ناقصٌ ، والثّاني فرضٌ كاملٌ ، مثل الفعل الأوّل ذاتاً مع وصف الكمال ، ولو كان الفعل الثّاني نفلاً للزم أن تجب القراءة في الرّكعات الأربع للصّلاة المعادة ، وألاّ تشرع الجماعة فيها ، ولم يذكر الفقهاء شيئاً من هذا .
ولا يلزم من كون الصّلاة الثّانية فرضاً عدم سقوط الفرض بالأولى ، لأنّ المراد أنّها تكون فرضاً بعد الوقوع ، أمّا قبله فالفرض هو الأولى ، وحاصله توقّف الحكم بفرضيّة الأولى على عدم الإعادة ، وله نظائر : كسلام من عليه سجود السّهو يخرجه خروجاً موقوفاً ، وكفساد الصّلاة الوقتيّة مع تذكّر صلاةٍ فائتةٍ .
إعارةٌ *
التعريف :
1 - الإعارة في اللّغة : من التّعاور ، وهو التّداول والتّناوب مع الرّدّ . والإعارة مصدر أعار ، والاسم منه العاريّة ، وتطلق على الفعل ، وعلى الشّيء المعار ، والاستعارة طلب الإعارة . وفي الاصطلاح عرّفها الفقهاء بتعاريف متقاربةٍ .
فقال الحنفيّة : إنّها تمليك المنافع مجّاناً .
وعرّفها المالكيّة : بأنّها تمليك منفعةٍ مؤقّتةٍ بلا عوضٍ .
وقال الشّافعيّة : إنّها شرعاً إباحة الانتفاع بالشّيء مع بقاء عينه .
وعرّفها الحنابلة : بأنّها إباحة الانتفاع بعينٍ من أعيان المال .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العمرى :
2 - العمرى : تمليك المنفعة طول حياة المستعير بغير عوضٍ ، فهي أخصّ .
ب - الإجارة :
3 - الإجارة : تمليك منفعةٍ بعوضٍ ، فتجتمع مع الإعارة في تمليك المنفعة عند القائلين بالتّمليك ، وتنفرد الإجارة بأنّها بعوضٍ ، والإعارة بأنّها بغير عوضٍ .
ج - الانتفاع :
4 - الانتفاع : هو حقّ المنتفع في استعمال العين واستغلالها ، وليس له أن يؤاجره ، ولا أن يعيره لغيره والمنفعة أعمّ من الانتفاع ، لأنّ له فيها الانتفاع بنفسه وبغيره ، كأن يعيره أو يؤاجره .
دليل مشروعيّتها :
5 - الأصل في مشروعيّة الإعارة الكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول :
أمّا الكتاب فقوله تعالى : { ويمنعون الماعون } فقد روي عن ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ أنّهما قالا : الماعون العواريّ . وفسّر ابن مسعودٍ العواريّ بأنّها القدر والميزان والدّلو . وأمّا السّنّة : فما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال في خطبة حجّة الوداع : « والعاريّة مؤدّاةٌ . والدّين مقضيٌّ . والمنحة مردودةٌ . والزّعيم غارمٌ » . وروى « صفوان بن أميّة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعاً يوم حنينٍ ، فقال : أغصباً يا محمّد ؟ قال بل عاريّةٌ مضمونةٌ » .
وأجمع المسلمون على جواز العاريّة . ومن المعقول : أنّه لمّا جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع ، ولذلك صحّت الوصيّة بالأعيان والمنافع جميعاً .
حكمها التّكليفيّ :
6 - اختلف الفقهاء في حكم الإعارة بعد إجماعهم على جوازها ، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حكمها في الأصل النّدب ، لقوله تعالى : { وافعلوا الخير } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كلّ معروفٍ صدقةٌ » وليست واجبةً لأنّها نوعٌ من الإحسان لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أدّيت زكاة مالكٍ فقد قضيت ما عليك » ، وقوله : « ليس في المال حقٌّ سوى الزّكاة » .
وقيل : هي واجبةٌ . واستدلّ القائلون بالوجوب بقوله تعالى : { فويلٌ للمصلّين الّذين هم عن صلاتهم ساهون الّذين هم يراءون ويمنعون الماعون } نقل عن كثيرٍ من الصّحابة أنّها عاريّة القدر والدّلو ونحوهما .
قال صاحب الشّرح الصّغير : وقد يعرض لها الوجوب ، كغنيٍّ عنها ، فيجب إعارة كلّ ما فيه إحياء مهجةٍ محترمةٍ لا أجرة لمثله ، وكذا إعارة سكّينٍ لذبح مأكولٍ يخشى موته ، وهذا المنقول عن المالكيّة لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى .
وقد تكون حراماً كإعطائها لمن تعينه على معصيةٍ .
وقد تكون مكروهةً كإعطائها لمن تعينه على فعلٍ مكروهٍ .
أركان الإعارة :
7 - قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إنّ أركان العاريّة أربعةٌ هي : المعير ، والمستعير ، والمعار ، والصّيغة ، وذهب الحنفيّة - كما في سائر العقود - إلى أنّ ركنها هو الصّيغة فقط ، وما عداه يسمّى أطراف العقد ، كما يسمّى المعار محلاًّ .
أ - المعير : ويشترط فيه أن يكون مالكاً للتّصرّف في الشّيء المعار ، مختاراً يصحّ تبرّعه ، فلا تصحّ إعارة مكرهٍ ، ولا محجورٍ عليه ، ولا إعارة من يملك الانتفاع دون المنفعة كسكّان مدرسةٍ موقوفةٍ . وقد صرّح الحنفيّة بأنّ الصّبيّ المأذون إذا أعار ماله صحّت الإعارة .
ب - المستعير : وهو طالب الإعارة ، ويشترط فيه أن يكون أهلاً للتّبرّع عليه بالشّيء المعار ، وأن يكون معيّناً ، فلو فرش بساطه لمن يجلس عليه لم يكن عاريّةً ، بل مجرّد إباحةٍ .
ج - المستعار ( المحلّ ) : هو الّذي يمنحه المعير للمستعير للانتفاع به . ويشترط فيه أن يكون منتفعاً به انتفاعاً مباحاً مقصوداً مع بقاء عينه . أمّا ما تذهب عينه بالانتفاع به كالطّعام فليس إعارةً ، كما لا تحلّ إذا كانت الإعارة لانتفاعٍ محرّمٍ ، كإعارة السّلاح لأهل البغي أو الفساد ، ولا يعار ما لا نفع فيه .
د - الصّيغة : وهي كلّ ما يدلّ على الإعارة من لفظٍ أو إشارةٍ أو فعلٍ ، وهذا عند المالكيّة والحنابلة . والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه لا بدّ من اللّفظ للقادر عليه . أو الكتابة مع النّيّة ، وفي غير الصّحيح أنّها تجوز بالفعل .
وعند الحنفيّة أنّ ركن الإعارة الإيجاب بالقول من المعير ، ولا يشترط القول في القبول ، خلافاً لزفر فإنّه ركنٌ عنده ، وهو القياس ، وتنعقد عندهم بكلّ لفظٍ يدلّ عليها ولو مجازاً .
ما تجوز إعارته :
8 - تجوز إعارة كلّ عينٍ ينتفع بها منفعةً مباحةً مع بقائها ، كالدّور والعقار والدّوابّ والثّياب والحليّ للّبس ، والفحل للضّراب ، والكلب للصّيد ، وغير ذلك ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم استعار أدرعاً من صفوان » . وذكر إعارة الدّلو والفحل . وذكر ابن مسعودٍ عاريّة القدر والميزان ، فيثبت الحكم في هذه الأشياء . وما عداها مقيسٌ عليها إذا كان في معناها . ولأنّ ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إعارته إذا لم يمنع منه مانعٌ ، ولأنّها أعيانٌ تجوز إجارتها فجازت إعارتها . ويجوز استعارة الدّراهم والدّنانير ليزن بها أو للتّزيّن ، فإن استعارها لينفقها فهذا قرضٌ ، وقيل : ليس هذا جائزاً ولا تكون العاريّة في الدّنانير . وقال الحنفيّة : إنّه تجوز أيضاً إعارة المشاع سواءٌ أكان قابلاً للقسمة أم لا . وسواءٌ أكان الجزء المشاع مع شريكٍ أم مع أجنبيٍّ ، وسواءٌ أكانت العاريّة من واحدٍ أم من أكثر ، لأنّ جهالة المنفعة لا تفسد الإعارة . ولم نعثر على حكم ذلك عند غير الحنفيّة .
طبيعتها من حيث اللّزوم وعدمه :
9 - إذا تمّت الإعارة بتحقّق أركانها وشروطها ، فهل تلزم بحيث لا يصحّ الرّجوع فيها من المعير أو لا تلزم ؟
ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ الأصل أنّ للمعير أن يرجع في إعارته متى شاء ، سواءٌ أكانت الإعارة مطلقةً أم مقيّدةً بعملٍ أو وقتٍ ، إلاّ أنّ الحنابلة قالوا : إن أعاره شيئاً لينتفع به انتفاعاً يلزم من الرّجوع في العاريّة في أثنائه ضررٌ بالمستعير لم يجز له الرّجوع ، لأنّ الرّجوع يضرّ بالمستعير ، فلم يجز له الإضرار به ، مثل أن يعيره لوحاً يرقّع به سفينته ، فرقّعها به ولجّج بها في البحر ، لم يجز له الرّجوع ما دامت في البحر ، وله الرّجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه ، لعدم الضّرر فيه .
وقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا رجع المعير في إعارته بطلت ، وتبقى العين في يد المستعير بأجر المثل إذا حصل ضررٌ ، كمن استعار جدار غيره لوضع جذوعه فوضعها ، ثمّ باع المعير الجدار ، ليس للمشتري رفعها ، وقيل : له رفعها إلاّ إذا شرط البائع وقت البيع بقاء الجذوع . وقد ارتضى القول بالرّفع صاحب الخلاصة والبزّازيّة وغيرهما ، واعتمده في تنوير البصائر ، وقالوا أيضاً : إنّ للوارث أن يأمر الجار برفع الجذوع على أيّ حالٍ .
وقال المالكيّة : إن أعار المعير أرضاً للبناء أو الغراس إعارةً مطلقةً ، ولم يحصل غرسٌ ولا بناءٌ فللمعير الرّجوع في الإعارة ولا شيء عليه على المعتمد ، وعلى غير المعتمد يلزمه بقاء الأرض في يد المستعير المدّة المعتادة ، وإن رجع المعير بعد حصول الغراس والبناء فله ذلك أيضاً ، ويترتّب عليه إخراج المستعير من الأرض ولو كانت الإعارة قريبةً ، لتفريط المستعير بتركه اشتراط الأجل ، لكن ماذا يلزم المعير حينئذٍ ؟ في قولٍ أنّه يلزمه دفع ما أنفق المستعير من ثمن الأعيان الّتي بنى بها أو غرسها من أجرة النّقلة . وفي قولٍ إنّ عليه دفع القيمة إن طال زمن البناء والغرس لتغيّر الغرس والبناء بطول الزّمان . وفي قولٍ إنّ محلّ دفع القيمة إذا كانت الأعيان الّتي بنى بها المستعير هي في ملكه ولم يشترها أو كانت من المباحات . ومحلّ دفع ما أنفق إن اشتراه للعمارة . وكلّ ذلك في الإعارة الصّحيحة ، فإن وقعت فاسدةً فعلى المستعير أجرة المثل ، ويدفع له المعير في بنائه وغرسه قيمته .
وذهب المالكيّة إلى أنّ الإعارة إن قيّدت بعملٍ أو أجلٍ لزمت ، ولا يجوز الرّجوع قبل انتهاء العمل أو الأجل أيّاً كان المستعار ، أرضاً لزراعةٍ أو لسكنى أو لوضع شيءٍ بها ، أو كان حيواناً لركوبٍ أو حملٍ أو غير ذلك ، أو عرضاً .
وإن لم تقيّد بعملٍ أو أجلٍ بأن أطلقت فلا تلزم ، ولربّها أخذها متى شاء ، ولا يلزم قدر ما تقصد الإعارة لمثله عادةً على المعتمد . وفي غير المعتمد أنّه يلزم بقاؤه في يد المستعير لما يعار لمثله عادةً . وقيل : إنّه تلزم إذا أعيرت الأرض للبناء والغرس وحصلا .
ودليل جواز الرّجوع إلاّ فيما استثني أنّ الإعارة مبرّةٌ من المعير ، وارتفاقٌ من المستعير ، فالإلزام غير لائقٍ بها .
وقال الحنفيّة : إذا أذن أحدٌ لبعض ورثته ببناء محلٍّ في داره ، ثمّ مات ، فلباقي الورثة مطالبته برفعه إن لم تقع القسمة ، أو لم يخرج في قسمه . وإذا استعار أحدٌ داراً ، فبنى فيها بلا إذن المالك . أو قال له صاحب الدّار : ابن لنفسك ، ثمّ باع المعير الدّار بحقوقها يؤمر الباني بهدم بنائه .
وذكر الشّافعيّة والحنابلة أنّه لو أعار إنسانٌ مدفناً لدفن ميّتٍ ، فلا يجوز له الرّجوع حتّى يندرس أثر المدفون بحيث لا يبقى منه شيءٌ ، فيرجع حينئذٍ وتنتهي العاريّة .
وحكم الورثة حكم مورّثهم في عدم الرّجوع ، ولا أجرة لذلك ، محافظةً على كرامة الميّت ، ولقضاء العرف بعدم الأجرة ، والميّت لا مال له . وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى هذا الحكم .
آثار الرّجوع :
10 - قال الحنفيّة : إنّ المعير إذا رجع في إعارته بطلت الإعارة ، ويبقى المعار في يد المستعير بأجر المثل كما مرّ إن حصل ضررٌ للمستعير بأخذ المعار منه . وأوردوا الأحكام الخاصّة بكلّ نوعٍ ممّا يعار . فقالوا في إعارة الأرض للبناء والغرس : لو أعار أرضاً إعارةً مطلقةً للبناء والغرس صحّ للعلم بالمنفعة ، وله أن يرجع متى شاء ، ويكلّف المعير المستعير قلع الزّرع والبناء إلاّ إذا كان فيه مضرّةٌ بالأرض ، فيتركان بالقيمة مقلوعين ، لئلاّ تتلف أرضه ، أو يأخذ المستعير غراسه وبناءه بلا تضمين المعير . وذكر الحاكم الشّهيد أنّ للمستعير أن يضمّن المعير قيمتهما قائمين في الحال ويكونان له وأن يرفعها ، إلاّ إذا كان الرّفع مضرّاً بالأرض فحينئذٍ يكون الخيار للمعير . وفيه رمزٌ إلى أنّه لا ضمان في العاريّة المطلقة . وعنه أنّ عليه القيمة . وأشار أيضاً إلى أنّه لا ضمان في المؤقّتة بعد انقضاء الوقت فيقلع المعير البناء والغرس إلاّ أن يضرّ القلع بالأرض ، فحينئذٍ يضمن قيمتهما مقلوعين لا قائمين .
وإن وقّت المعير الإعارة فرجع عنها قبل الوقت كلّف المستعير قلعها ، وضمن المعير له ما نقص البناء والغرس ، لكن هل يضمنهما قائمين أو مقلوعين ؟ .
ما مشى عليه الكنز والهداية أنّه يضمنهما مقلوعين ، وذكر في البحر عن المحيط ضمان القيمة قائماً إلاّ أن يقلعه المستعير ولا ضرر ، فإن ضمن فضمان القيمة مقلوعاً . وعبارة المجمع : وألزمناه الضّمان فقيل : ما نقصهما القلع ، وقيل : قيمتهما ويملكهما . وقيل : إن ضرّ يخيّر المالك بين ضمان ما نقص ، وضمان القيمة ، ومثله في درر البحار والمواهب والملتقى وكلّهم قدّموا الأوّل ، وبعضهم جزم به وعبّر عن غيره بقيل فلذا اختاره المصنّف ابن عابدين وهو رواية القدوريّ ، والثّاني رواية الحاكم الشّهيد .
وقال القاضي زكريّا الأنصاريّ في المنهج : إذا أعار لبناءٍ أو غرسٍ ، ولو إلى مدّةٍ ، ثمّ رجع بعد أن بنى المستعير أو غرس ، فإن شرط عليه قلعه لزمه ، وإن لم يشرط فإن اختار المستعير القلع قلع مجّاناً ولزمه تسوية الأرض ، لأنّه قلع باختياره ، وإن لم يختر قلعه خيّر المعير بين تملّكه بقيمته مستحقّ القلع حين التّملّك ، وبين قلعه مع ضمان نقصه ، وهو قدر التّفاوت بين قيمته قائماً وقيمته مقلوعاً وبين تبقيته بأجرةٍ .
وقال الحنابلة : إن أعاره أرضاً للغراس والبناء ، وشرط عليه القلع في وقتٍ أو عند رجوعه ، ثمّ رجع لزم المستعير القلع ، وإن لم يشترط لم يلزمه إلاّ أن يضمن له المعير النّقص ، فإن أبى القلع في الحال الّتي لا يجبر عليه فيها ، فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير عليه ، فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النّقص ، وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجر لم يقلع ، وإن أبيا البيع ترك بحاله وللمعير التّصرّف بأرضه على وجهٍ لا يضرّ بالشّجر .
إعارة الأرض للزّرع :
11 - للفقهاء اختلافٌ وتفصيلٌ في الحكم الّذي يترتّب على الرّجوع في إعارة الأرض للزّراعة قبل تمام الزّرع .
فمذهب الحنفيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وهو الوجه المقدّم عند الحنابلة ، وعليه المذهب ، وهو القول غير المعتمد عند المالكيّة أنّ معير الأرض للزّراعة إذا رجع قبل تمام الزّرع وحصاده فليس له أخذها من المستعير ، بل تبقى في يده بأجر المثل . وهذا الحكم عند الحنفيّة استحسانٌ سواءٌ أكانت الإعارة مطلقةً أم مقيّدةً .
وحجّتهم في ذلك : أنّه يمكن الجمع بين مصلحة المعير والمستعير ، بأن يأخذ المعير أجر مثل الأرض من تاريخ رجوعه حتّى حصاد الزّرع ، فينتفي ضرره بذلك ، ويبقى الزّرع في الأرض حتّى يحصد . وفي ذلك مصلحة المستعير ، فلا يضرّ بالقلع قبل الحصاد ، وهذا هو الأصحّ عند الشّافعيّة في الإعارة المطلقة إن نقص الزّرع بالقلع ، لأنّه محترمٌ ، وله أمدٌ ينتهي إليه ، وتبقى بأجر المثل .
وللمالكيّة ثلاثة أقوالٍ في الإعارة المطلقة :
أحدها : هذا .
والثّاني : أنّ الأرض تبقى في يد المستعير المدّة الّتي تراد الأرض لمثلها عادةً .
والثّالث : لا تبقى ، وهو قول أشهب . أمّا المقيّدة بعملٍ أو أجلٍ فلا يرجع قبل انقضاء العمل أو الأجل .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ألاّ أجرة على المستعير ، بل تبقى الأرض في يده حتّى الحصاد بلا أجرٍ ، لأنّ منفعة الأرض إلى الحصاد . والثّالث أنّ للمعير القلع لانقطاع الإباحة .
ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفيّة في عدم جواز الرّجوع ، لكنّهم قالوا : إن كان الزّرع ممّا يحصد قصيلاً فله الرّجوع في وقت إمكان حصاده ، ولم يتعرّض الحنفيّة لهذا النّوع من الزّرع ، كالبرسيم والشّعير الأخضر .
إعارة الدّوابّ وما في معناها :
12 - قال الحنفيّة : إنّ إعارة الدّوابّ إمّا أن تكون مطلقةً أو مقيّدةً ، فإن كانت مطلقةً ، بأن أعار دابّته مثلاً ولم يسمّ مكاناً ولا زماناً ولا ركوباً ولا حملاً معيّناً فللمستعير أن يستعملها في أيّ زمانٍ ومكانٍ شاء ، وله أن يحمل أو يركب ، لأنّ الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه ، وقد ملّكه منافع العاريّة مطلقاً فكان له أن يستوفيها على الوجه الّذي ملكها . إلاّ أنّه لا يحمل عليها ما يضرّها ، ولا يستعملها أكثر ممّا جرى به العرف ، حتّى لو فعل فعطبت ضمن ، لأنّ العقد وإن خرج مخرج الإطلاق لكنّ المطلق يتقيّد بالعرف والعادة دلالةً ، كما يتقيّد نصّاً .
ولا يملك المستعير تأجير العاريّة ، فإن أجّرها وسلّمها إلى المستأجر فهلكت عنده ضمن المستعير أو المستأجر ، لكن إذا ضمن المستأجر رجع على المستعير .
وإذا قيّد المعير الإعارة تقيّدت بما قيّدها به . فإن خالف المستعير ، وعطبت الدّابّة ضمن بالاتّفاق . وإن خالف وسلّمت فهناك اتّجاهان : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون أنّ المستعير يضمن أجر ما زاد في المسافة أو الحمل وتقدير ذلك يرجع فيه إلى أهل الخبرة . ولم يتعرّض الحنفيّة لهذا الفرع في كتاب الإعارة ولكن تعرّضوا لهذه المسألة في كتاب الإجارة فقالوا : ( إذا زاد على الدّابّة شيئاً غير متّفقٍ عليه وسلّمت يجب عليه المسمّى فقط ، وإن كان لا يحلّ له الزّيادة إلاّ برضى المكاري ) .
ولمّا كان كلٌّ من الإعارة والإجارة فيه تمليك المنفعة وكان أخذ الأجر في الإجارة مسلّماً وفي الإعارة غير مسلّمٍ ، لأنّها من باب الإحسان والتّبرّع ، فإنّ عدم وجوب أجرٍ في مقابلة الزّيادة يكون في الإعارة من بابٍ أولى .
فإذا أعار إنساناً دابّةً على أن يركبها المستعير بنفسه فليس له أن يعيرها غيره . لأنّ الأصل في المقيّد اعتبار القيد فيه إلاّ إذا تعذّر اعتباره . والاعتبار في هذا القيد ممكنٌ ، لأنّه مقيّدٌ لتفاوت النّاس في استعمال الدّوابّ ، فإن خالف المستعير وأعار الدّابّة فهلكت ضمن .
تعليقها وإضافتها :
13 - جمهور الفقهاء المالكيّة والشّافعيّة - ما عدا الزّركشيّ - وفي قولٍ للحنفيّة أنّه لا يجوز إضافتها ، ولا تعليقها ، لأنّها عقدٌ غير لازمٍ فله الرّجوع متى شاء .
وفي قولٍ آخر للحنفيّة جواز إضافتها دون تعليقها .
وقد ذكر بعض المالكيّة والشّافعيّة فروعاً ظاهرها أنّها تعليقٌ أو إضافةٌ كقولهم : أعرني دابّتك اليوم أعيرك دابّتي غداً ، والواقع أنّها إجارةٌ لا إعارةٌ . ولم نطّلع على تصريحٍ للحنابلة بحكم إضافة الإعارة أو تعليقها . وإن كانوا قد صرّحوا بأنّ الأصل في الإعارة عدم لزومها .
حكم الإعارة وأثرها :
14 - مذهب الحنفيّة - عدا الكرخيّ - ومذهب المالكيّة ، وهو وجهٌ للحنابلة ، وهو المرويّ عن الحسن والنّخعيّ والشّعبيّ وعمر بن عبد العزيز والثّوريّ والأوزاعيّ وابن شبرمة أنّ الإعارة تفيد تمليك المنفعة ، والدّليل على ذلك أنّ المعير سلّط المستعير على تحصيل المنافع ، وصرفها إلى نفسه على وجهٍ زالت يده عنها ، والتّسليط على هذا الوجه يكون تمليكاً لا إباحةً ، كما في الأعيان .
ومذهب الشّافعيّة والحنابلة والكرخيّ من الحنفيّة وهو المرويّ عن ابن عبّاسٍ وأبي هريرة وذهب إليه إسحاق أنّها تفيد إباحة المنفعة ، وذلك لجواز العقد من غير أجلٍ ، ولو كان تمليك المنفعة لما جاز من غير أجلٍ كالإجارة .
وكذلك الإعارة تصحّ بلفظ الإباحة ، والتّمليك لا ينعقد بلفظ الإباحة .
وثمرة الخلاف تظهر فيما لو أعار المستعير الشّيء المستعار إلى من يستعمله كاستعماله ، فهل تصحّ إعارته أو لا تصحّ ؟ مذهب المالكيّة والمختار من مذهب الحنفيّة أنّ إعارته صحيحةٌ ، حتّى ولو قيّد المعير الإعارة باستعمال المستعير بنفسه ، لأنّ التّقييد بما لا يختلف غير مفيدٍ . وعند الشّافعيّة والحنابلة لا يجوز .
وفي البحر : وللمستعير أن يودع ، على المفتى به ، وهو المختار ، وصحّح بعضهم عدمه ، ويتفرّع عليه ما لو أرسلها على يد أجنبيٍّ فهلكت ضمن على القول الثّاني لا الأوّل . فللمعير أجر المثل . ويترتّب على مذهب القائلين بالإباحة ، وهم الشّافعيّة والحنابلة والكرخيّ من الحنفيّة ، أنّه لو أعار المستعير الشّيء فلمالك العاريّة أجر المثل ، ويطالب المستعير الأوّل أو الثّاني أيّهما شاء ، لأنّ المستعير الأوّل سلّط غيره على أخذ مال المعير بغير إذنه . ولأنّ المستعير الثّاني استوفى المنفعة بغير إذن مالكها . فإن ضمّن المالك المستعير الأوّل رجع على المستعير الثّاني ، لأنّ الاستيفاء حصل منه فاستقرّ الضّمان عليه . وإن ضمّن الثّاني لم يرجع على الأوّل . إلاّ أن يكون الثّاني لم يعلم بحقيقة الحال ، فيحتمل أن يستقرّ الضّمان على الأوّل ، لأنّه غرّ الثّاني ودفع العين إليه على أنّه يستوفي منافعها بدون عوضٍ . وإن تلفت العين في يد الثّاني ، استقرّ الضّمان عليه بكلّ حالٍ ، لأنّه قبضها على أن تكون مضمونةً عليه . فإن رجع على الأوّل رجع الأوّل على الثّاني . وإن رجع على الثّاني لم يرجع على أحدٍ .
ضمان الإعارة :
15 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ العاريّة إن تلفت بالتّعدّي من المستعير فإنّه يضمنها ، لأنّها إن كانت أمانةً كما يقول الحنفيّة : فالأمانات تضمن بالتّعدّي . ومذهب المالكيّة كذلك فيما لا يغاب عليه ، أي لا يمكن إخفاؤه ، كالعقار والحيوان ، بخلاف ما يمكن إخفاؤه ، كالثّياب والحليّ فإنّه يضمنه ، إلاّ إذا أقام بيّنةً على أنّه تلف أو ضاع بلا سببٍ منه ، وقالوا : إنّه لا ضمان في غير ما ذكر .
وعند الشّافعيّة والحنابلة يضمن المستعير بهلاك الشّيء المعار ، ولو كان الهلاك بآفةٍ سماويّةٍ ، أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصيرٍ . وقالوا : إن تلفت باستعمالٍ مأذونٍ فيه ، كاللّبس والرّكوب المعتاد لم يضمن شيئاً ، لحصول التّلف بسببٍ مأذونٍ فيه .
وحجّة الحنفيّة حديث : « ليس على المستعير غير المغلّ ضمانٌ » والمغلّ هو الخائن . ولأنّ الضّمان إمّا أن يجب بالعقد أو بالقبض أو بالإذن ، وليس هنا شيءٌ من ذلك . أمّا العقد فلأنّ اللّفظ الّذي تنعقد به العاريّة لا ينبئ عن التزام الضّمان ، لأنّه لتمليك المنافع بغير عوضٍ أو لإباحتها على الاختلاف . وما وضع لتمليك المنافع لا يتعرّض فيه للعين حتّى يوجب الضّمان عند هلاكه .
وأمّا القبض فإنّما يوجب الضّمان إذا وقع بطريق التّعدّي ، وما هنا ليس كذلك ، لكونه مأذوناً فيه . وأمّا الإذن فلأنّ إضافة الضّمان إليه فسادٌ في الوضع ، لأنّ إذن المالك في قبض الشّيء ينفي الضّمان فكيف يضاف إليه . واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان « بل عاريّةٌ مضمونةٌ » وبقوله صلى الله عليه وسلم « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » . ولأنّه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفرداً بنفعه من غير استحقاقٍ ، ولا إذنٍ في الإتلاف ، فكان مضموناً كالغاصب والمأخوذ على وجه العموم . واستدلّ المالكيّة في التّفرقة بين ما يمكن إخفاؤه وما لا يمكن بحمل أحاديث الضّمان ، على ما يمكن إخفاؤه ، والأحاديث الأخرى على ما لا يمكن إخفاؤه .
ثمّ قال الحنفيّة : إنّ الإتلاف يكون حقيقةً ، ويكون معنًى . فالإتلاف حقيقةً بإتلاف العين ، كعطب الدّابّة بتحميلها ما لا يحمله مثلها ، أو استعمالها فيما لا يستعمل مثلها فيه ، والإتلاف معنًى بالمنع بعد الطّلب ، أو بعد انقضاء المدّة ، أو بجحود الإعارة أو بترك الحفظ ، أو بمخالفة الشّروط في استعمالها ، فلو حبس العاريّة بعد انقضاء المدّة أو بعد الطّلب قبل انقضاء المدّة يضمن لأنّها واجبة الرّدّ في هاتين الحالتين ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « العاريّة مؤدّاةٌ » وقوله عليه الصلاة والسلام « على اليد ما أخذت حتّى تردّه » . ولأنّ حكم العقد انتهى بانقضاء المدّة أو الطّلب ، فصارت العين في يده كالمغصوب . والمغصوب مضمون الرّدّ حال قيامه ، ومضمون القيمة حال هلاكه .
ولم ينصّ المالكيّة على المراد بالهلاك عندهم ، ولكن يفهم من كلامهم السّابق في إعارة الدّوابّ أنّ المراد به تلف العين . قالوا : وإن ادّعى المستعير أنّ الهلاك أو الضّياع ليس بسبب تعدّيه أو تفريطه في الحفظ فهو مصدّقٌ في ذلك بيمينه ، إلاّ أن تقوم بيّنةٌ أو قرينةٌ على كذبه ، وسواءٌ في ذلك ما يغاب عليه وما لا يغاب .
شرط نفي الضّمان :
16 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أحد وجهين عند المالكيّة : إنّ شرط نفي الضّمان فيما يجب ضمانه لا يسقطه ، وقال أبو حفصٍ العكبريّ من الحنابلة : يسقط ، وقال أبو الخطّاب : أومأ إليه أحمد ، وهو قول قتادة والعنبريّ ، لأنّه لو أذن في إتلاف العين المعارة لم يجب ضمانها ، فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها . وقيل : بل مذهب قتادة والعنبريّ أنّها لا تضمن إلاّ أن يشترط ضمانها ، فيجب ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان « بل عاريّةٌ مضمونةٌ » .
واستدلّ لعدم سقوط الضّمان بأنّ كلّ عقدٍ اقتضى الضّمان لم يغيّره الشّرط ، كالمقبوض ببيعٍ صحيحٍ أو فاسدٍ ، وما اقتضى الأمانة فكذلك ، كالوديعة والشّركة والمضاربة .
والوجه الآخر عند المالكيّة أنّه لا يضمن بشرط السّقوط ، لأنّه معروفٌ من وجهين : العاريّة معروفٌ ، وإسقاط الضّمان معروفٌ آخر ، ولأنّ المؤمن عند شرطه . ونصّ الحنفيّة أنّ شرط الضّمان باطلٌ كشرط عدمه ، خلافاً للجوهرة ، حيث جزم فيها بصيرورتها مضمونةً بشرط الضّمان .
وذهب الشّافعيّة في المعتمد عندهم - وهو قول أكثر الحنفيّة - إلى أنّه لو أعار عيناً بشرط ضمانها عند تلفها بقدرٍ معيّنٍ فسد الشّرط دون العاريّة . قال الأذرعيّ من الشّافعيّة وفيه وقفةٌ . ولا يرد هنا مذهب الحنابلة لأنّهم يقولون بالضّمان مطلقاً .
كيفيّة التّضمين :
17 - مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو مقابل المعتمد عند الشّافعيّة أنّه يجب ضمان العين بمثلها إن كانت مثليّةً ، وإلاّ فبقيمتها يوم التّلف .
والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه إذا وجب الضّمان في العاريّة فإنّها تضمن بقيمتها يوم التّلف ، متقوّمةً كانت أو مثليّةً ، لأنّ ردّ مثل العين مع استعمال جزءٍ منها متعذّرٌ ، فصار بمنزلة فقد المثل ، فيرجع للقيمة ، ولا تضمن العاريّة بأقصى القيمة ، ولا بيوم القبض .
الاختلاف بين المعير والمستعير :
18 - تقدّم أنّ الحنفيّة يقولون : إنّ العاريّة من الأمانات فلا تضمن . وكذلك المالكيّة فيما لا يخفى . وفرّعوا على ذلك أنّها لا تضمن ، إلاّ بالتّعدّي ، وأنّ الأمين يصدّق فيما يدّعيه بيمينه . واعتبار المقبوض عاريّةً أو غير عاريّةٍ ، وأنّ هناك تعدّياً أم لا ، يرجع فيه للعرف والعادة . فقد قال الحنفيّة : إنّه إذا اختلف ربّ الدّابّة والمستعير فيما أعارها له ، وقد عقرها الرّكوب أو الحمولة ، فالقول قول ربّ الدّابّة . وقال ابن أبي ليلى : القول قول المستعير . وحجّته أنّ ربّ الدّابّة يدّعي على المستعير سبب الضّمان ، وهو المخالفة في الاستعمال ، وهو منكرٌ لذلك فالقول قوله . واحتجّ الحنفيّة بأنّ الإذن في الاستعمال يستفاد من جهة صاحب الدّابّة ، ولو أنكر أصل الإذن كان القول قوله ، فكذلك إذا أنكر الإذن على الوجه الّذي انتفع به المستعير . وفي الولوالجية : إذا جهّز الأب ابنته ثمّ مات فجاء ورثته يطلبون قسمة الجهاز بينهم ، فإن كان الأب اشترى لها الجهاز في صغرها أو بعدما كبرت ، وسلّمه إليها في حال صحّته ، فليس للورثة حقٌّ فيه بل هو للبنت خاصّةً .
فهذا يدلّ على أنّ قبول قول المالك أنّها عاريّةٌ بيمينه ليس على إطلاقه ، بل ذلك إذا صدّقه العرف . وقالوا : كلّ أمينٍ ادّعى إيصال الأمانة إلى مستحقّها قبل قوله بيمينه ، كالمودع إذا ادّعى الرّدّ والوكيل والنّاظر ، وسواءٌ كان ذلك في حياة مستحقّها أو بعد موته ، إلاّ في الوكيل بقبض الدّين ، إذا ادّعى بعد موت الموكّل أنّه قبضه ودفعه له في حياته لم يقبل قوله ، إلاّ ببيّنةٍ .
ولو جهّز ابنته بما يجهّز به مثلها ، ثمّ قال : كنت أعرتها الأمتعة . إن كان العرف مستمرّاً بين النّاس أنّ الأب يدفع الجهاز ملكاً لا إعارةً ، لا يقبل قوله إنّه إعارةٌ ، لأنّ الظّاهر يكذّبه . وإن لم يكن العرف كذلك أو تارةً وتارةً فالقول له في جميع الجهاز ، لا في الزّائد على جهاز مثلها ، والفتوى على ذلك . وإن كان الجهاز أكثر ممّا يجهّز به مثلها فالقول له اتّفاقاً . والمالكيّة كالحنفيّة في أنّ المستعير يصدّق بيمينه ، إذ قالوا : إذا هلكت العين المعارة واختلف المعير والمستعير في سبب هلاكها أو تعيّبها ، فقال المعير : هلكت أو تعيّبت بسبب تفريطك ، وقال المستعير : ما فرّطت ، فإنّه يصدّق بيمينه أنّها ما هلكت أو تعيّبت بسبب تفريطه . فإن نكل غرم بنكوله . ولا تردّ اليمين على المدّعي لأنّها يمين تهمةٍ .
وإذا وجب الضّمان على المستعير فعليه جميع قيمته في حالة الهلاك ، أو عليه الفرق بين قيمته سليماً ومتعيّباً . وإن كان المستعار غير آلة حربٍ كفأسٍ ونحوه ، وأتى به إلى المعير مكسوراً فلا يخرجه من الضّمان ، إلاّ أن تشهد البيّنة أنّه استعمله استعمالاً معهوداً في مثله ، فإن شهدت البيّنة بعكسه فكسر لزمه الضّمان .
وإذا اختلف المالك والمنتفع في كون العين عاريّةً أو مستأجرةً ينظر : فإن كان الاختلاف قبل مضيّ مدّةٍ لمثلها أجرٌ ، ردّت العين إلى مالكها ، وصرّح الحنابلة هنا بتحليف مدّعي الإعارة . وإن كان الاختلاف بعد مضيّ مدّةٍ لمثلها أجرٌ ، فقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ القول قول المالك مع يمينه ، لأنّ المنتفع يستفيد من المالك ملك الانتفاع ، ولأنّ الظّاهر يشهد له فكان القول قول المالك في التّعيين ، لكن مع اليمين ، دفعاً للتّهمة .
19 - وإن اختلفا في كونها عاريّةً أو مستأجرةً بعد تلف العين : فمذهب الشّافعيّة والحنابلة كما قال ابن قدامة : إن اختلفا في ذلك بعد مضيّ مدّةٍ لمثلها أجرٌ وتلفت البهيمة ، وكان الأجر بقدر قيمتها ، أو كان ما يدّعيه المالك منهما أقلّ ممّا يعترف به الرّاكب ، فالقول قول المالك بغير يمينٍ . سواءٌ ادّعى الإجارة أو الإعارة ، إذ لا فائدة في اليمين على شيءٍ يعترف له به . ويحتمل ألاّ يأخذه إلاّ بيمينٍ ، لأنّه يدّعي شيئاً لا يصدّق فيه ، ويعترف له الرّاكب بما يدّعيه فيحلف على ما يدّعيه ، وإن كان ما يدّعيه المالك أكثر ، مثل إن كانت قيمة البهيمة أكثر من أجرها فادّعى المالك أنّها عاريّةٌ لتجب له القيمة ، وأنكر استحقاق الأجرة ، وادّعى الرّاكب أنّها مكتراةٌ ، أو كان الكراء أكثر من قيمتها ، فادّعى المالك أنّه أجّرها ليجب له الكراء ، وادّعى الرّاكب أنّها عاريّةٌ ، فالقول قول المالك في الصّورتين ، فإذا حلف استحقّ ما حلف عليه .
وقواعد الحنفيّة والمالكيّة تقتضي أنّ القول حينئذٍ قول من يدّعي الإعارة ، لأنّه ينفي الأجرة . وأمّا الضّمان فلا ضمان على كلّ حالٍ في الإجارة والإعارة .
فإن تلفت العين قبل ردّها تلفاً تضمن به العاريّة فقد اتّفقا على الضّمان لها ، لضمان كلٍّ من العاريّة والمغصوب .
وإذا اختلفا ، فادّعى المالك الغصب ، وادّعى المنتفع الإعارة ، فإن كان قبل الاستعمال والدّابّة تالفةٌ فالقول قول المنتفع ، لأنّه ينفي الضّمان ، والأصل براءة الذّمّة ، وإن كان بعد الاستعمال فالقول قول المالك مع يمينه ، لأنّ الظّاهر أنّ الهلاك جاء من الاستعمال .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن كان الاختلاف عقيب العقد ، والدّابّة قائمةٌ لم يتلف منها شيءٌ ، فلا معنى للاختلاف ، ويأخذ المالك بهيمته . وكذلك إن كانت الدّابّة تالفةً ، لأنّ القيمة تجب على المستعير كوجوبها على الغاصب .
وإن كان الاختلاف بعد مضيّ مدّةٍ لمثلها أجرٌ فالاختلاف في وجوبه ، والقول قول المالك ، لأنّه ينكر انتقال الملك إلى الرّاكب ، والرّاكب يدّعيه والقول قول المنكر ، لأنّ الأصل عدم الانتقال ، فيحلف ويستحقّ الأجرة .
نفقة العاريّة :
20 - ذهب الشّافعيّة - ما عدا القاضي حسينٍ - والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة إلى أنّ نفقة العاريّة الّتي بها بقاؤها كالطّعام مدّة الإعارة على مالكها ، لأنّها لو كانت على المستعير لكان كراءً ، وربّما كان ذلك أكثر من الكراء فتخرج العاريّة عن المعروف إلى الكراء ، ولأنّ تلك النّفقة من حقوق الملك .
ومذهب الحنفيّة ، وغير المعتمد عند المالكيّة ، وهو ما اختاره القاضي حسينٌ من الشّافعيّة أنّ ذلك على المستعير ، لأنّ مالك الدّابّة فعل معروفاً فلا يليق أن يشدّد عليه .
وقال بعضهم : إنّها على المستعير في اللّيلة واللّيلتين ، وعلى المعير في المدّة الطّويلة كما في الموّاق ، وقد عكس عبد الباقي الزّرقانيّ .
مئونة ردّ العاريّة :
21 - فقهاء المذاهب الثّلاثة ، وهو الأظهر عند المالكيّة على أنّ مئونة ردّ العاريّة على المستعير ، لخبر « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » ، ولأنّ الإعارة مكرمةٌ فلو لم تجعل المئونة على المستعير لامتنع النّاس منها . وهذا تطبيقٌ لقاعدة " كلّ ما كان مضمون العين فهو مضمون الرّدّ " .
وعلى المستعير ردّها إلى الموضع الّذي أخذها منه ، إلاّ أن يتّفقا على ردّها إلى مكان غيره ، لأنّ ما لزم ردّه وجب ردّه إلى موضعه كالمغصوب .
ما يبرأ به المستعير :
22 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المستعير لو ردّ الدّابّة إلى مالكها أو وكيله في قبضها فإنّه يبرأ منها . أمّا إن ردّها بواسطة آخرين وإلى غير المالك والوكيل ففي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ : قال الحنفيّة في الاستحسان والمالكيّة : إن ردّ المستعير الدّابّة مع خادمه أو بعض من هو في عياله فلا ضمان عليه إن عطبت ، لأنّ يد من هو في عياله في الرّدّ كيده ، كما أنّ يد من في عياله في الحفظ كيده . والعرف الظّاهر أنّ المستعير يردّ المستعار بيد من في عياله ولهذا يعولهم ، فكان مأذوناً فيه من جهة صاحبها دلالةً . وكذلك إن ردّها إلى خادم صاحب الدّابّة ، وهو الّذي يقوم عليها ، فهو بريءٌ استحساناً . والقياس ألاّ يبرأ ما لم تصل إلى صاحبها ، كالمودع إذا ردّ الوديعة لا يبرأ عن الضّمان ما لم تصل إلى يد صاحبها .
وجه الاستحسان أنّ صاحبها إنّما يحفظ الدّابّة بسائسها . ولو دفع المستعير الدّابّة إلى مالكها فهذا يدفعها إلى السّائس ، فكذلك إذا ردّها على السّائس . والعرف الظّاهر أنّ صاحب الدّابّة يأمر السّائس بدفعها إلى المستعير ، وباستردادها منه إذا فرغت ، فيصير مأذوناً في دفعها إليه دلالةً . وهذا في غير المعار النّفيس ، إذ فيه لا بدّ من التّسليم للمالك ، وإلاّ لم يبرأ . وعند الشّافعيّة أنّه يجوز الرّدّ إلى الحاكم عند غيبة المعير أو الحجر عليه بسفهٍ أو فلسٍ ، فلو ردّ الدّابّة إلى الإسطبل ، والثّوب ونحوه للبيت الّذي أخذه منه لم يبرأ ، إلاّ أن يعلم به المالك أو يخبره به ثقةٌ . وكذلك لا يبرأ عندهم بالرّدّ إلى ولده أو زوجته ، حتّى ولو لم يجد المالك أو وكيله ، بل يجب الضّمان عليهما بالرّدّ إليها ، فإن أرسلاها إلى المرعى وتلفت فالضّمان عليهما ، لحصول التّلف في يدهما ، حتّى لو غرما لم يرجعا على المستعير ، ولو غرم المستعير رجع عليهما .
والحنابلة كالشّافعيّة في أنّه إذا ردّها إلى المكان الّذي أخذها منه ، أو إلى ملك صاحبها لم يبرأ ، لأنّه لم يردّها إلى مالكها ولا نائبه فيها ، كما لو دفعها إلى أجنبيٍّ .
وإن ردّها إلى من جرت عادته بحصول ذلك على يديه ، كزوجته المتصرّفة في ماله ، أو ردّ الدّابّة إلى سائسها ، فقياس المذهب أنّه يبرأ ، قاله القاضي . وقاس ذلك على الوديعة ، وقد قال الإمام أحمد فيها : إذا سلّمها المودع إلى امرأته لم يضمنها ، لأنّه مأذونٌ في ذلك عرفاً أشبه ما لو أذن فيه نطقاً .