عرض مشاركة واحدة
  #110  
قديم 05-06-2012, 01:16 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أجزاء الحيوان وما انفصل منه :
حكم العضو المبان :
74 - إنّ العضو الّذي يبان من الحيوان ، أي يفصل منه ، يختلف الحكم الشّرعيّ في حلّ أكله وحرمته بحسب الأحوال . وتفصيل ذلك كما يلي :
أ - العضو المبان من حيوانٍ حيٍّ :
يعتبر كميتة هذا الحيوان في حلّ الأكل وحرمته ، فالمبان من السّمك الحيّ أو الجراد الحيّ يؤكل عند الجمهور ، لأنّ ميتتهما تؤكل . والمالكيّة يقولون في الجراد : إن كانت الإبانة خاليةً عن نيّة التّذكية ، أو خاليةً عن التّسمية عمداً لم يؤكل المبان ، وإن كانت مصحوبةً بالنّيّة والتّسمية أكل المبان إن كان هو الرّأس ، ولا يؤكل إن كان جناحاً أو يداً أو نحوهما . والمبان من سائر الحيوانات البرّيّة ذات الدّم السّائل لا يؤكل ، سواءٌ أكان أصله مأكولاً كالأنعام ، أم غير مأكولٍ كالخنزير ، فإنّ ميتة كلٍّ منهما لا تؤكل بلا خلافٍ ، فكذلك ما أبين منه حيّاً ، فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما قطع من البهيمة وهي حيّةٌ فهو ميتةٌ » .
ب - العضو المبان من الميتة :
حكمه حكم سائر الميتة في الأكل وعدمه بلا خلافٍ .
ج - العضو المبان من المذكّى المأكول في أثناء تذكيته قبل تمامها :
حكمه حكم المبان من الحيّ . فلو قطع إنسانٌ حلقوم الشّاة وبعض مريئها للتّذكية ، فقطع إنسانٌ آخر يدها أو أليتها ، فالمقطوع نجسٌ حرام الأكل ، كالمقطوع من الحيّ ، وهذا لا خلاف فيه أيضاً .
د - العضو المبان من المذكّى المأكول بعد تمام تذكيته وقبل زهوق روحه :
يحلّ أكله عند الجمهور ، لأنّ حكمه حكم المذكّى ، لأنّ بقاء رمقٍ من الحياة هو رمقٌ في طريق الزّوال العاجل ، فحكمه حكم الموت .
هـ -العضو المبان من المصيد بآلة الصّيد :
إمّا أن يبقى المصيد بعد إبانته حيّاً حياةً مستقرّةً ، وإمّا أن تصير حياته حياة مذبوحٍ :
ففي الحالة الأولى : يكون عضواً مباناً من حيوانٍ حيٍّ ، فيكون كميتته .
وفي الحالة الثّانية : يكون عضواً مباناً بالتّذكية ، ويختلف النّظر إليه ، لأنّ له صفتين شبه متعارضتين :
الصّفة الأولى : أنّه عضوٌ أبين قبل تمام التّذكية فيكون حكمه حكم المبان من الحيّ فلا يحلّ .
والصّفة الثّانية : أنّ التّذكية سببٌ في حلّ المذكّى ، وكلٌّ من المبان والمبان منه مذكًّى ، لأنّ التّذكية بالصّيد هي تذكيةٌ للمصيد كلّه لا لبعضه ، فيحلّ العضو كما يحلّ الباقي .
ولهذا كان في المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ( ر : صيدٌ ) .
حكم أجزاء الحيوان المذكّى :
75 - لا شكّ أنّ التّذكية حينما تقع على الحيوان المأكول تقتضي إباحة أكله في الجملة ، وقد يكون لبعض الأجزاء حكمٌ خاصٌّ : فالدّم المسفوح مثلاً ، حرامٌ بالإجماع ، وهو ما سال من الذّبيحة ، وما بقي بمكان الذّبح ، وما تسرّب إلى داخل الحيوان من الحلقوم والمريء . وأمّا ما بقي في العروق واللّحم والكبد والطّحال والقلب فإنّه حلال الأكل ، حتّى إنّه لو طبخ اللّحم فظهرت الحمرة في المرق لم ينجس ولم يحرم . وقد ذكر الحنفيّة وغيرهم أشياء تكره أو تحرم من الذّبيحة . وفيما يلي تفصيل ما قالوه وما قاله غيرهم في ذلك :
76 - قال الحنفيّة : يحرم من أجزاء الحيوان سبعةٌ : الدّم المسفوح ، والذّكر ، والأنثيان ، والقبل ( أي فرج الأنثى وهو المسمّى بالحيا ) ، والغدّة ، والمثانة ( وهي مجمع البول ) ، والمرارة ( وهي وعاء المرّة الصّفراء ، وتكون ملصقةً بالكبد ) .
وهذه الحرمة في نظرهم لقوله عزّ شأنه : { ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث } ، وهذه السّبعة ممّا تستخبثه الطّباع السّليمة فكانت محرّمةً ، وقد دلّت السّنّة على خبثها ، لما روى الأوزاعيّ عن واصل بن أبي جميلة عن مجاهدٍ أنّه قال : « كره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الشّاة : الذّكر ، والأنثيين ، والقبل ، والغدّة ، والمرارة ، والمثانة ، والدّم » . والمراد كراهة التّحريم قطعاً ، بدليل أنّه جمع بين الأشياء السّتّة وبين الدّم في الكراهة ، والدّم المسفوح محرّمٌ بنصّ القرآن .
77 - والمرويّ عن أبي حنيفة أنّه قال : الدّم حرامٌ ، وأكره السّتّة . فأطلق وصف الحرام على الدّم المسفوح ، وسمّى ما سواه مكروهاً ، لأنّ الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليلٍ مقطوعٍ به ، وحرمة الدّم المسفوح قد ثبتت بدليلٍ مقطوعٍ به ، وهو قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعمٍ يطعمه إلاّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً ... } الآية ، وانعقد الإجماع أيضاً على حرمته . فأمّا حرمة ما سواه من الأجزاء فلم تثبت بدليلٍ مقطوعٍ به بل بالاجتهاد ، أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتّأويل ، وهو قوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } ، أو بالحديث السّابق ذكره . لذلك فصّل أبو حنيفة بينهما في الوصف فسمّى الدّم حراماً ، والباقي مكروهاً . وقيل : إنّ الكراهة في الأجزاء السّتّة تنزيهيّةٌ ، لكنّ الأوجه كما في " الدّرّ المختار " أنّها تحريميّةٌ .
78 - هذا ، والدّم المسفوح متّفقٌ على تحريمه كما مرّ .
وروى ابن حبيبٍ من المالكيّة استثقال أكل عشرةٍ - دون تحريمٍ - الأنثيان والعسيب والغدّة والطّحال والعروق والمرارة والكليتان والمثانة وأذنا القلب .
79 - والحنابلة قالوا بكراهة أكل الغدّة وأذن القلب . أمّا الغدّة «فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كره أكلها »، روى ذلك عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه . وأمّا أذن القلب« فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلها »، نقل ذلك أبو طالبٍ الحنبليّ .
حكم ما انفصل من الحيوان :
80 - من المقرّر في موضوع " النّجاسة " أنّ المائعات المنفصلة من الحيوان ، والفضلات ، والبيض ، والجنين ، تارةً تكون نجسةً ، وتارةً تكون طاهرةً ، فما كان نجساً منها في مذهبٍ من المذاهب فهو غير مأكولٍ في ذلك المذهب ، وما كان طاهراً فتارةً يكون مأكولاً ، وتارةً يكون غير مأكولٍ ، إذ لا يلزم من الطّهارة حلّ الأكل ، فإنّ الطّاهر قد يكون مضرّاً أو مستقذراً فلا يحلّ أكله .
ويكفينا هنا أن نضرب أمثلةً لما يكثر السّؤال عنه
: أوّلاً - البيض :
81 - إن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ في حال حياته ، أو بعد تذكيته شرعاً ، أو بعد موته ، وهو ممّا لا يحتاج إلى التّذكية كالسّمك ، فبيضه مأكولٌ إجماعاً ، إلاّ إذا فسد .
وفسّر المالكيّة البيض الفاسد بأنّه ما فسد بعد انفصاله بعفنٍ ، أو صار دماً ، أو صار مضغةً ، أو فرخاً ميّتاً . وفسّره الشّافعيّة بأنّه الّذي تغيّر بحيث أصبح غير صالحٍ للتّخلّق ، فلا يضرّ عندهم صيرورته دماً ، إذا قال أهل الخبرة : إنّه صالحٌ للتّخلّق .
82 - وإن خرج البيض من حيوانٍ مأكولٍ بعد موته دون تذكيةٍ شرعيّةٍ ، وهو ممّا يحتاج إلى الذّكاة ، كالدّجاج ، فعند أبي حنيفة : يؤكل سواءٌ أتصلّبت قشرته أم لا .
وقال المالكيّة : لا يؤكل . وقال الشّافعيّة : يؤكل ما تصلّبت قشرته فقط . وحكى الزّيلعيّ عن أبي يوسف ومحمّدٍ أنّه يكون نجساً إن كان مائعاً ، فلا يؤكل عندهما إلاّ إذا كان جامداً .
83 - وإن خرج البيض من حيوانٍ غير مأكولٍ فمقتضى مذهب الحنفيّة أنّه إن كان من ذوات الدّم السّائل ، كالغراب الأبقع ، فبيضه نجسٌ تبعاً للحمه ، فلا يكون مأكولاً . وإن لم يكن من ذوات الدّم السّائل كالزّنبور فبيضه طاهرٌ تبعاً للحمه ، ومأكولٌ لأنّه ليس بميتةٍ . والمالكيّة يحلّ عندهم كلّ البيض الخارج من الحيّ أو المذكّى ، لأنّ الحيوانات الّتي تبيض لا تنقسم عندهم إلى مأكولٍ وغير مأكولٍ ، بل كلّها مباح الأكل ، إلاّ ما لا يؤمن سمّه كالوزغ ، فهو محرّمٌ على من يضرّه . فكذلك بيضه إن كان يضرّ ، فهو محرّمٌ وإلاّ فلا ، فالعبرة عندهم إنّما هي للضّرر . وصرّح النّوويّ بأنّ بيض الحيّ غير المأكول طاهرٌ مأكولٌ : أمّا كونه طاهراً فلأنّه أصل حيوانٍ طاهرٍ ، وأمّا كونه مأكولاً فلأنّه غير مستقذرٍ ، لكن قال ابن المقري في الرّوض " وفي بيض ما لا يؤكل تردّدٌ ".
وصرّح الحنابلة بأنّ بيض غير المأكول نجسٌ لا يحلّ أكله . وممّا احتجّ به لهذا أنّ البيض بعض الحيوان ، فإذا كان الحيوان غير مأكولٍ فبعضه غير مأكولٍ .
ثانياً : اللّبن :
84 - إن خرج اللّبن من حيوانٍ حيٍّ فهو تابعٌ للحمه في إباحة التّناول وكراهته وتحريمه . ويستثنى من المحرّم : الآدميّ ، فلبنه مباحٌ ، وإن كان لحمه محرّماً ، لأنّ تحريمه للتّكريم لا للاستخباث . وعلى هذا اتّفق الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستثنى الحنفيّة من المحرّم أو المكروه الخيل ، بناءً على ما نقل عن الإمام أبي حنيفة من أنّها محرّمةٌ أو مكروهةٌ ، ففي لبنها على هذا رأيان :
أحدهما : أنّه تابعٌ للّحم فيكون حراماً أو مكروهاً .
وثانيهما : - وهو الصّحيح - أنّه مباحٌ ، لأنّ تحريم الخيل أو كراهتها لكونها آلة الجهاد لا لاستخباث لحمها ، واللّبن ليس آلة الجهاد . ونقل عن عطاءٍ وطاوسٍ والزّهريّ أنّهم رخّصوا في لبن الحمر الأهليّة . وإن خرج اللّبن من حيوانٍ مأكولٍ بعد تذكيته فهو مأكولٌ ، وهذا متّفقٌ عليه . وإن خرج من آدميّةٍ ميّتةٍ فهو مأكولٌ عند القائلين بأنّ الآدميّ لا ينجس بالموت . وكذا أيضاً عند بعض القائلين بأنّه ينجس بالموت كأبي حنيفة ، فإنّه مع قوله بنجاسة الآدميّ الميّت يقول : إنّ لبن المرأة الميتة طاهرٌ مأكولٌ ، خلافاً للصّاحبين . وإن خرج اللّبن من ميّتة المأكول ، كالنّعجة مثلاً ، فهو طاهرٌ مأكولٌ عند أبي حنيفة . ويرى صاحباه والمالكيّة والشّافعيّة أنّه حرامٌ لتنجّسه بنجاسة الوعاء ، وهو ضرع الميتة الّذي تنجّس بالموت . وحجّة القائلين بطهارته وإباحته قوله تعالى : { وإنّ لكم في الأنعام لعبرةٌ ، نسقيكم ممّا في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشّاربين } . وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ وصفه بكونه خالصاً فلا يتنجّس بنجاسة مجراه ، ووصفه بكونه سائغاً وهذا يقتضي الحلّ ، وامتنّ علينا به ، والمنّة بالحلال لا بالحرام .
ثالثاً : الإنفحة :
85 - الإنفحة هي مادّةٌ بيضاء صفراويّةٌ في وعاءٍ جلديٍّ ، يستخرج من بطن الجدي أو الحمل الرّضيع ، يوضع منها قليلٌ في اللّبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبناً ، يسمّيها النّاس في بعض البلدان : ( مجبنةٌ ) . وجلدة الإنفحة هي الّتي تسمّى : كرشاً ، إذا رعى الحيوان العشب .
فالإنفحة إن أخذت من مذكًّى ذكاةً شرعيّةً فهي طاهرةٌ مأكولةٌ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وإن أخذت الإنفحة من ميّتٍ ، أو مذكًّى ذكاةً غير شرعيّةٍ فهي نجسةٌ غير مأكولةٍ عند الجمهور ، وطاهرةٌ مأكولةٌ عند أبي حنيفة ، سواءٌ كانت صلبةً أم مائعةً قياساً على اللّبن كما سبق . وقال الصّاحبان : إن كانت صلبةً يغسل ظاهرها وتؤكل ، وإن كانت مائعةً فهي نجسةٌ لنجاسة وعائها بالموت فلا تؤكل . وبهذا يعلم أنّ الجبن المصنوع من لبن الحيوان المأكول إذا عقد بإنفحة المذكّى ذكاةً شرعيّةً فهو طاهرٌ مأكولٌ بالاتّفاق ، وإن عقد بإنفحة الميتة فهو على الخلاف .
رابعاً - الجنين :
86 - جنين الحيوان المأكول إن خرج من حيٍّ أو ميتةٍ لا يحلّ إلاّ إن أدركت ذكاته ، فذكّي ذكاةً شرعيّةً . وإن خرج من مذكّاةٍ ذكاةً شرعيّةً اختياريّةً أو اضطراريّةً فهناك حالتان :
الحالة الأولى : أن يخرج قبل نفخ الرّوح فيه ، بأن يكون علقةً أو مضغةً أو جنيناً غير كامل الخلقة فلا يحلّ عند الجمهور ، لأنّه ميتةٌ ، إذ لا يشترط في الموت تقدّم الحياة . قال تعالى : { وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم } . فمعنى قوله : ( كنتم أمواتاً ) كنتم مخلوقين بلا حياةٍ ، وذلك قبل أن تنفخ فيهم الرّوح .
الحالة الثّانية : أن يخرج بعد نفخ الرّوح فيه بأن يكون جنيناً كامل الخلقة - أشعر أو لم يشعر - ولهذه الحالة صورٌ :
الصّورة الأولى : أن يخرج حيّاً حياةً مستقرّةً فتجب تذكيته ، فإن مات قبل التّذكية فهو ميتةٌ اتّفاقاً .
الصّورة الثّانية : أن يخرج حيّاً حياة مذبوحٍ ، فإن أدركنا ذكاته وذكّيناه حلّ اتّفاقاً ، وإن لم يذكّ حلّ أيضاً عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ حياة المذبوح كلا حياةٍ ، فكأنّه مات بتذكية أمّه . وعند أبي يوسف ومحمّدٍ أنّه إذا خرج حيّاً ، ولم يكن من الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه فمات يؤكل ، وهو تفريعٌ على قولهما : إنّ ذكاة الجنين بذكاة أمّه .
وقال المالكيّة إن سارعنا إليه بالذّكاة فمات قبلها حلّ ، لأنّ حياته حينئذٍ كلا حياةٍ ، وكأنّه خرج ميّتاً بذكاة أمّه ، لكنّهم اشترطوا في حلّه حينئذٍ أن ينبت شعر جسده ، وإن لم يتكامل ، ولا يكفي شعر رأسه أو عينه .
الصّورة الثّالثة : أن يخرج ميّتاً ، ويعلم أنّ موته كان قبل تذكية أمّه ، فلا يحلّ اتّفاقاً ، ويعرف موته قبل ذكاة أمّه بأمورٍ ، منها : أن يكون متحرّكاً في بطنها فتضرب فتسكن حركته ، ثمّ تذكّى ، فيخرج ميّتاً ، ومنها : أن يخرج رأسه ميّتاً ثمّ تذكّى .
الصّورة الرّابعة : أن يخرج ميّتاً بعد تذكية أمّه بمدّةٍ لتواني المذكّي في إخراجه فلا يحلّ اتّفاقاً للشّكّ في أنّ موته كان بتذكية أمّه أو بالانخناق للتّواني في إخراجه .
الصّورة الخامسة : أن يخرج ميّتاً عقب تذكية أمّه من غير أن يعلم موته قبل التّذكية ، فيغلب على الظّنّ أنّ موته بسبب التّذكية لا بسببٍ آخر . وهذه الصّورة هي محلّ الخلاف بين الفقهاء . فأبو حنيفة وزفر والحسن بن زيادٍ يرون أنّه لا يحلّ ، وأبو يوسف ومحمّدٌ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وجمهور الفقهاء من الصّحابة وغيرهم يقولون : إنّه لا بأس بأكله . غير أنّ المالكيّة اشترطوا الإشعار . وهو مذهب كثيرٍ من الصّحابة .
وحجّة أبي حنيفة ومن معه قوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة } والجنين الّذي لم يدرك حيّاً بعد تذكية أمّه ميتةٌ ، وممّا يؤكّد ذلك أنّ حياة الجنين مستقلّةٌ ، إذ يتصوّر بقاؤها بعد موت أمّه فتكون تذكيته مستقلّةً .
وحجّة أبي يوسف ومحمّدٍ والجمهور قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ذكاة الجنين ذكاة أمّه » وهذا يقتضي أنّه يتذكّى بذكاة أمّه ، واحتجّوا أيضاً بأنّه تبعٌ لأمّه حقيقةً وحكماً ، أمّا حقيقةٌ فظاهرٌ ، وأمّا حكماً فلأنّه يباع ببيع الأمّ ، ولأنّ جنين الأمّ يعتق بعتقها ، والحكم في التّبع يثبت بعلّة الأصل ، ولا تشترط له علّةٌ على حدةٍ ، لئلاّ ينقلب التّبع أصلاً .
تناول المضطرّ للميتة ونحوها :
87 - أجمع المسلمون على إباحة أكل الميتة ونحوها للمضطرّ ، وقد ذكر اللّه عزّ وجلّ الاضطرار إلى المحرّمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم :
الأوّل : - الآية /173 /من سورة البقرة ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } .
الثّاني : - الآية الثّالثة من سورة المائدة ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } .
الثّالث : - الآية/145/ من سورة الأنعام ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربّك غفورٌ رحيمٌ } .
الرّابع : - الآية /119/من سورة الأنعام ، وقد جاء فيها : { وما لكم ألاّ تأكلوا ممّا ذكر اسم اللّه عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه } .
الخامس : - الآية/115/ من سورة النّحل ، وفيها بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ } .
88 - فقوله تعالى : { فمن اضطرّ } معناه : فمن دفعته الضّرورة وألجأته إلى تناول الميتة ونحوها ، بأن يخاف عند ترك تناولها ضرراً على نفسه أو بعض أعضائه مثلاً .
( والباغي ) ، هو الّذي يبغي على غيره في تناول الميتة ، بأن يؤثر نفسه على مضطرٍّ آخر ، فينفرد بتناول الميتة ونحوها فيهلك الآخر من الجوع . وقيل : الباغي هو العاصي بالسّفر ونحوه ، وسيأتي الخلاف فيه ( ف/100 ) .
( والعادي ) : هو الّذي يتجاوز ما يسدّ الرّمق ويندفع به الضّرر ، أو يتجاوز حدّ الشّبع ، على الخلاف الآتي .
( والمخمصة ) : المجاعة ، والتّقييد بقوله تعالى : { في مخمصةٍ } . إنّما هو لبيان الحالة الّتي يكثر فيها وقوع الاضطرار ، وليس المقصود به الاحتراز عن الحالة الّتي لا مجاعة فيها ، فإنّ المضطرّ في غير المجاعة يباح له التّناول كالمضطرّ في المجاعة .
( والمتجانف للإثم ) هو المنحرف المائل إليه ، أي الّذي يقصد الوقوع في الحرام ، وهو البغي والعدوان المذكوران في الآيات الأخرى .
89 - وممّا ورد في السّنّة النّبويّة ما رواه أبو واقدٍ اللّيثيّ رضي الله عنه قال : قلت : « يا رسول اللّه إنّا بأرضٍ تصيبنا مخمصةٌ ، فما يحلّ لنا من الميتة ؟ فقال : إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها » .
غير أنّهم اختلفوا في المقصود بالإباحة ، وفي حدّ الضّرورة المبيحة ، وفي تفصيل المحرّمات الّتي يبيحها الاضطرار ، وترتيبها عند التّعدّد ، وفي الشّبع أو التّزوّد منها ، وغير ذلك من المسائل . وبيان ذلك ما يأتي .
المقصود بإباحة الميتة ونحوها :
90 - اختلف الفقهاء في المقصود بإباحة الميتة ونحوها ، فقال بعضهم : المقصود جواز التّناول وعدمه ، لظاهر قوله تعالى : { فلا إثم عليه } . وهذا القول ذهب إليه بعض المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وقال آخرون : إنّ المقصود بإباحة الميتة ونحوها للمضطرّ وجوب تناولها . وإلى هذا ذهب الحنفيّة ، وهو الرّاجح عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ودليله قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } وقوله عزّ وجلّ : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } . ولا شكّ أنّ الّذي يترك تناول الميتة ونحوها حتّى يموت يعتبر قاتلاً لنفسه ، وملقياً بنفسه إلى التّهلكة ، لأنّ الكفّ عن التّناول فعلٌ منسوبٌ للإنسان .
91 - ولا يتنافى القول بالوجوب عند القائلين به مع قوله تعالى : { فلا إثم عليه } لأنّ نفي الإثم في الأكل عامٌّ يشمل حالتي الجواز والوجوب ، فإذا وجدت قرينةٌ على تخصيصه بالوجوب عمل بها كما في قوله تعالى : { إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما } فنفي الجناح عن التّطوّف ، أي السّعي بين الصّفا والمروة ، مفهومٌ عامٌّ قد خصّص بما دلّ على وجوبه أو فرضيّته .
حدّ الضّرورة المبيحة :
92 - قال أبو بكرٍ الجصّاص : معنى الضّرورة في الآيات خوف الضّرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل . وقد انطوى تحته معنيان :
أحدهما : أن يحصل في وضعٍ لا يجد غير الميتة .
والثّاني : أن يكون غيرها موجوداً ، ولكنّه أكره على أكلها بوعيدٍ يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه . وكلا المعنيين مرادٌ بالآية عندنا لاحتمالهما .
وحالة الإكراه يؤيّد دخولها في معنى الاضطرار قول الرّسول عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » . ويؤخذ من " الدّرّ المختار " أنّ الضّرورة تشمل خوف الهلاك ، وخوف العجز عن الصّلاة قائماً أو عن الصّيام .
وفسّر " الشّرح الصّغير " للمالكيّة الضّرورة بخوف الهلاك أو شدّة الضّرر .
وفسّرها الرّمليّ الشّافعيّ في " نهاية المحتاج " بخوف الموت أو المرض أو غيرهما من كلّ محذورٍ يبيح التّيمّم ، وكذا خوف العجز عن المشي ، أو التّخلّف عن الرّفقة إن حصل له به ضررٌ ، وكذا إجهاد الجوع إيّاه بحيث لا يستطيع معه الصّبر . والمحذور الّذي يبيح التّيمّم عند الشّافعيّة هو حدوث مرضٍ أو زيادته أو استحكامه ، أو زيادة مدّته ، أو حصول شينٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ ، بخلاف الشّين الفاحش في عضوٍ باطنٍ . والظّاهر : ما يبدو عند المهنة كالوجه واليدين ، والباطن : بخلافه .
ويعتمد في ذلك قول الطّبيب العدل في الرّواية . وإذا كان المضطرّ عارفاً في الطّبّ عمل بمقتضى معرفته ، ولا يعمل بتجربته إن كان مجرّباً ، على ما قاله الرّمليّ . وقال ابن حجرٍ : يعمل بها ، ولا سيّما عند فقد الطّبيب .
وقال الحنابلة : إنّ الضّرورة أن يخاف التّلف فقط لا ما دونه ، هذا هو الصّحيح من المذهب ، وقيل : إنّها تشمل خوف التّلف أو الضّرر ، وقيل : أن يخاف تلفاً أو ضرراً أو مرضاً أو انقطاعاً عن الرّفقة يخشى معه الهلاك .
تفصيل المحرمات التي تبيحها الضرورة :
93- ذكر في الآيات السابقة تحريم الميتة ، والدم ، ولم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والنخنقة ، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، فهذه كلها تبيحها الضرورة بلا خلاف .
وكذا كل حيوان حي من الحيونات التي لا تؤكل يحل للمضطر قتله بذبح أو بغير ذبح للتوصل إلى أكله . وكذاما حرم من غير الحيونات لنجاسته، ويمثلون له بالترياق المشتمل على خمر ولحوم حيات .
أما ما حرم لكونه يقتل الإنسان إذا تناوله، كالسموم ، فإن لا تبيحه الضرورة، لأن تناوله استعجال للموت وقتل للنفس، وهو من أكبر الكبائر.وهذا متفق عليه بين المذهب .
94-واختلفت الاجتهادات في الخمر فقال الحنفية :يشربها من خاف العطش ولم يجد غيرها، ولايشرب إلا قدر ما يدفع العطش، إن علم أنها تدفعه .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لايشرب المضطر الخمر الصرفة للعطش، وإنما يشربها من غص بلقمة أو غيرها، فلم يجد ما يزيل الغصة سوى الخمر .
شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ :
95 - إنّ الفقهاء في كلامهم عن الاضطرار وأحكامه الاستثنائيّة لم يجمعوا شروط إباحة الميتة وغيرها من المحرّمات لمضطرٍّ تحت عنوانٍ خاصٍّ بالشّروط ، بل يجدها المتتبّع مفرّقةً في خلال المسائل والأحكام .
ويستخلص من كلامهم عن حالات الاضطرار وأحكامها أنّ الشّروط الشّرعيّة الّتي يشترطها فقهاء المذاهب لإباحة المحرّمات للمضطرّ نوعان :
1 - شروطٌ عامّةٌ متّفقٌ عليها بين المذاهب لجميع أحوال الاضطرار .
2 - شروطٌ عامّةٌ اشترطتها بعض المذاهب دون سواها .
وفيما يلي بيان ذلك :
أوّلاً : - الشّروط العامّة المتّفق عليها :
96 - يشترط في إباحة الميتة ونحوها للمضطرّ بوجهٍ عامٍّ ثلاثة شروطٍ :
الأوّل : - ألاّ يجد طعاماً حلالاً ولو لقمةً ، فإن وجدها وجب تقديمها ، فإن لم تغنه حلّ له المحرّم .
الثّاني : - ألاّ يكون قد أشرف على الموت بحيث لا ينفعه تناول الطّعام ، فإن انتهى إلى هذه الحالة لم يحلّ له المحرّم .
الثّالث : - ألاّ يجد مال مسلمٍ أو ذمّيٍّ من الأطعمة الحلال ، وفي هذا الشّرط بعض تفصيلٍ بيانه فيما يلي :
97 - قال الحنفيّة : لو خاف المضطرّ الموت جوعاً ، ومع رفيقه طعامٌ ليس مضطرّاً إليه فللمضطرّ أن يأخذ بالقيمة منه قدر ما يسدّ جوعته ، فإن لم يكن معه ما يؤدّي به القيمة حالاً لزمته ديناً في ذمّته . وإنّما تلزمه القيمة لأنّ من القواعد العامّة المقرّرة عندهم أنّ " الاضطرار لا يبطل حقّ الغير " . وكذا يأخذ من الماء الّذي لغيره ما يدفع العطش ، فإن منعه صاحبه قاتله المضطرّ بلا سلاحٍ ، لأنّ الرّفيق المانع في هذه الحال ظالمٌ . فإن خاف الرّفيق جوعاً أو عطشاً ترك له بعضه . ولا يحلّ له أن يدفع الجوع أو العطش بالمحرّمات كالميتة والخمر مع وجود حلال مملوكٍ لغيره ليس مضطرّاً إليه ، والمضطرّ قادرٌ على أخذه ولو بالقوّة . وجوّز المالكيّة في هذه الحال مقاتلة صاحب الطّعام بالسّلاح بعد الإنذار ، بأن يعلمه المضطرّ أنّه مضطرٌّ ، وأنّه إن لم يعطه قاتله ، فإن قتله بعد ذلك فدمه هدرٌ ، لوجوب بذل طعامه للمضطرّ ، وإن قتله الآخر فعليه القصاص .
98 - وقال الشّافعيّة والحنابلة : لو وجد المضطرّ طعاماً لغيره . فإن كان صاحبه غائباً ولم يجد المضطرّ سواه ، أكل منه وغرم عند قدرته مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً ، حفظاً لحقّ المالك . فإن كان صاحبه حاضراً ، فإن كان ذلك الحاضر مضطرّاً أيضاً لم يلزمه بذله للأوّل إن لم يفضل عنه ، بل هو أولى ، لحديثٍ : « ابدأ بنفسك ... »
لكن يجوز له إيثاره على نفسه إن كان الأوّل مسلماً معصوماً ، واستطاع الثّاني الصّبر على التّضييق على نفسه . فإن فضل بعد سدّ رمقه شيءٌ لزمه بذله للأوّل . وإن لم يكن صاحب الطّعام الحاضر مضطرّاً لزمه إطعام المضطرّ . فإن منعه ، أو طلب زيادةً على ثمن المثل بمقدارٍ كثيرٍ جاز للمضطرّ قهره ، وإن أدّى إلى قتله ، ويكون دم المانع حينئذٍ مهدراً . وإن قتل المالك المضطرّ في الدّفع عن طعامه لزمه القصاص .
وإن منع المالك الطّعام عن المضطرّ فمات هذا جوعاً لم يضمنه المانع بقصاصٍ ولا ديةٍ ، لأنّه لم يحدث فعلاً مهلكاً . فإن لم يمنع المالك الطّعام ، ولكن طلب ثمناً ، ولو بزيادةٍ على ثمن المثل بمقدارٍ يسيرٍ ، لزم المضطرّ قبوله به ، ولم يجز له قهره . ولو أطعمه ولم يذكر عوضاً فلا عوض له على الأرجح ، حملاً له على المسامحة المعتادة في الطّعام ، ولا سيّما في حقّ المضطرّ . وقيل : يلزمه ثمن المثل ، لأنّه خلص من الهلاك بذلك فيرجع عليه بالبدل ، فإن اختلفا في ذكر العوض صدّق المالك بيمينه ، إذ لو لم يصدّق لرغب النّاس عن إطعام المضطرّ ، وأفضى ذلك إلى الضّرر .
ثانياً : - الشّروط العامّة المختلف فيها :
99 - اختلف فقهاء المذاهب في بعض الشّرائط المبيحة لأكل الميتة ونحوها من المحرّمات للمضطرّ :
فاشترط الشّافعيّة أن يكون المضطرّ نفسه معصوم الدّم . فإن كان المضطرّ مهدر الدّم شرعاً كالحربيّ ، والمرتدّ ، وتارك الصّلاة الّذي استوجب القتل ، لم يجز له أكل المحرّمات من ميتةٍ أو غيرها إلاّ إذا تاب .
أمّا مهدر الدّم الّذي لا تفيد توبته عصمة دمه ، كالزّاني المحصن ، والقاتل في قطع الطّريق الّذي قدر عليه الحاكم ، فقيل : لا يأكل الميتة حتّى يتوب وإن لم تكن توبته مفيدةً لعصمته . وقيل : لا يتوقّف حلّ الميتة له على توبته .
100 - واشترط الشّافعيّة والحنابلة ألاّ يكون المضطرّ عاصياً بسفره أو بإقامته . فإن كان كذلك لم يحلّ له تناول الميتة ونحوها حتّى يتوب .
والعاصي بسفره أو بإقامته هو الّذي نوى بسفره أو إقامته المعصية ، أي هو الّذي سافر أو أقام لأجل المعصية ، كمن خرج من بلده ناوياً قطع الطّريق ، وكذا الّذي قصد بسفره أو إقامته أموراً مباحةً ثمّ قلبه معصيةً ، كمن سافر أو أقام للتّجارة ثمّ بدا له أن يجعل السّفر أو الإقامة لقطع الطّريق .
وأمّا العاصي في أثناء السّفر - وهو من سافر سفراً مباحاً ، وفي أثناء سفره عصى بتأخير الصّلاة عن وقتها ، أو بالزّنى وهو غير محصنٍ ، أو بالسّرقة أو نحو ذلك - فلا يتوقّف حلّ أكله للميتة ونحوها على توبته . ومثله العاصي في إقامته ، كمن كان مقيماً في بلده لغرضٍ مباحٍ ، وعصى فيها بنحو ما سبق ، فإنّه يباح له الأكل من المحرّم إن اضطرّ إليه من غير توقّفٍ على التّوبة .
والوجه لمنع المسافر سفر معصيةٍ أنّ أكل الميتة رخصةٌ ، والعاصي بسفره أو إقامته ليس من أهلها ، وأيضاً في الأكل المذكور عونٌ على المعصية فلا يجوز .
101 - أمّا الحنفيّة والمالكيّة ، فقالوا : لا يشترط في المضطرّ عدم المعصية ، لإطلاق النّصوص وعمومها .
إطلاقٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإطلاق في اللّغة : التّخلية ، والحلّ والإرسال ، وعدم التّقييد .
وعند الفقهاء والأصوليّين يؤخذ تعريف الإطلاق من بيان المطلق ، فالمطلق اسم مفعولٍ من أطلق ، والمطلق : ما دلّ على فردٍ شائعٍ ، أو هو : ما دلّ على الماهيّة بلا قيدٍ . أو هو : ما لم يقيّد بصفةٍ تمنعه أن يتعدّاها إلى غيرها .
كما يراد بالإطلاق : استعمال اللّفظ في معناه حقيقةً كان أو مجازاً . كما يأتي أيضاً بمعنى النّفاذ ، فإطلاق التّصرّف نفاذه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العموم :
2 - تظهر صلة الإطلاق بالعموم من بيان العلاقة بين المطلق والعامّ ، فالمطلق يشابه العامّ من حيث الشّيوع حتّى ظنّ أنّه عامٌّ . لكن هناك فرقاً بين العامّ والمطلق ، فالعامّ عمومه شموليٌّ ، وعموم المطلق بدليٌّ . فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أنّ موارده غير منحصرةٍ .
والفرق بينهما : أنّ عموم الشّموليّ كلّيٌّ يحكم فيه على كلّ فردٍ فردٍ . وعموم البدل كلّيٌّ من حيث إنّه لا يمنع نفس تصوّر مفهومه من وقوع الشّركة فيه ، ولكن لا يحكم فيه على كلّ فردٍ ، بل على فردٍ شائعٍ في أفراده ، يتناولها على سبيل البدل ، ولا يتناول أكثر من واحدٍ دفعةً . وفي تهذيب الفروق نقلاً عن الأنبابيّ : عموم العامّ شموليٌّ ، بخلاف عموم المطلق ، نحو رجلٍ وأسدٍ وإنسانٍ ، فإنّه بدليٌّ ، حتّى إذا دخلت عليه أداة النّفي أو أل الاستغراقيّة صار عامّاً .
ب - التّنكير :
3 - يتّضح الفرق بين الإطلاق والتّنكير من بيان الفرق بين المطلق والنّكرة ، فيرى بعض الأصوليّين ، أنّه لا فرق بين النّكرة والمطلق ، لأنّ تمثيل جميع العلماء المطلق بالنّكرة في كتبهم يشعر بعدم الفرق . وفي تيسير التّحرير : المطلق والنّكرة بينهما عمومٌ من وجهٍ ، لصدقهما في نحو : تحرير رقبةٍ ، وانفراد النّكرة عنه إذا كانت عامّةً ، كما إذا وقعت في سياق النّفي ، وانفراد المطلق عنها في نحو اشتر اللّحم . هذا عند الإطلاق ، فإن قيّدت النّكرة كانت مباينةً للمطلق .
الشّيء المطلق ومطلق الشّيء :
4 - الشّيء المطلق عبارةٌ عن الشّيء من حيث الإطلاق ، وهو ما صدق عليه اسم الشّيء بلا قيدٍ لازمٍ ، ومنه قول الفقهاء : يرفع الحدث بالماء المطلق أي غير المقيّد بقيدٍ ، فخرج به ماء الورد ، وماء الزّعفران ، والماء المعتصر من شجرٍ أو ثمرٍ ، وكذلك الماء المستعمل عند أكثر الفقهاء ، لأنّها مياهٌ مقيّدةٌ بقيدٍ لازمٍ لا يطلق الماء عليه بدونه ، بخلاف ماء البحر وماء البئر وماء السّماء ونحوها ، لأنّ القيود فيها غير لازمةٍ ، وتستعمل بدونها ، فهي مياهٌ مطلقةٌ .
أمّا مطلق الشّيء فهو عبارةٌ عن الشّيء من حيث هو من غير أن يلاحظ معه الإطلاق أو التّقييد ، فيصدق على أيّ شيءٍ مطلقاً كان أو مقيّداً . ومنه قولهم : مطلق الماء ، فيدخل فيه الماء الطّاهر والطّهور والنّجس وغيرها من أنواع المياه المقيّدة ( كماء الورد والزّعفران ) والمطلقة . فالشّيء المطلق أخصّ من مطلق الشّيء ( الشّامل للمقيّد ) . ومثل ذلك ما يقال في البيع المطلق ، ومطلق البيع ، والطّهارة المطلقة ، ومطلق الطّهارة وأمثالها .
مواطن الإطلاق :
5 - يتناول الأصوليّون الإطلاق في عدّة مواضع منها : مسألة حمل المطلق على المقيّد ، ومنها : مقتضى الأمر هل هو للتّكرار أو لا ؟ وهل هو للفور أو لا ؟ وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .
مواطن الإطلاق عند الفقهاء :
أوّلاً : إطلاق النّيّة في الطّهارة :
أ - الوضوء والغسل :
6 - لو نوى المتوضّئ مطلق ( الطّهارة ) أو مطلق ( الوضوء ) ، لا لرفع حدثٍ ، ولا لاستباحة صلاةٍ ، أو نحوها ، ففي ارتفاع الحدث وعدمه رأيان :
أحدهما : أنّه لا يرتفع ، لعدم نيّته له . وهذا أحد الرّأيين عند الجمهور ، وهم الّذين يشترطون النّيّة لصحّة الطّهارة . وعلّلوا لذلك بأنّ الطّهارة قسمان : طهارة حدثٍ ، وطهارة نجسٍ ، فإذا قصد الطّهارة المطلقة ، فإنّ ذلك لا يرفع الحدث .
والرّأي الأصحّ للجمهور أنّه يرتفع ، لأنّ الطّهارة والوضوء إنّما ينصرف إطلاقهما إلى المشروع ، فيكون ناوياً لوضوءٍ شرعيٍّ . ولا دخل لمذهب الحنفيّة في هذه المسألة ، فالنّيّة سنّةٌ عندهم وليست شرطاً في الوضوء .
ب - التّيمّم :
7 - جمهور الفقهاء على أنّ المتيمّم لو نوى استباحة الصّلاة ، وأطلق ولم يقيّد تلك الصّلاة بفرضٍ أو نفلٍ ، صلّى النّافلة مع هذا الإطلاق . وللشّافعيّة وجهٌ ضعيفٌ أنّه لا يستبيح به النّفل . وللفقهاء في صلاة الفرض بهذا التّيمّم رأيان :
أحدهما : صحّة صلاة الفرض ، وهو قول الحنفيّة ، وقولٌ عند الشّافعيّة اختاره إمام الحرمين والغزاليّ ، لأنّها طهارةٌ يصحّ بها النّفل ، فصحّ بها الفرض كطهارة الماء ، ولأنّ الصّلاة اسم جنسٍ تتناول الفرض والنّفل .
الثّاني : أنّه لا يستبيح به الفرض ، وهو قول المالكيّة ، والحنابلة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة .
إطلاق النّيّة في الصّلاة :
أ - صلاة الفرض :
8 - جمهور الفقهاء على أنّه يشترط التّعيين في نيّة الفرض وأنّ الإطلاق لا يكفي . قال الحنفيّة : وكذا الواجب من وترٍ أو نذرٍ أو سجود تلاوةٍ ، وكذا يشترط التّعيين في نيّة سجدة الشّكر ، بخلاف سجود السّهو . وفي روايةٍ عن أحمد أنّه لا يشترط التّعيين في نيّة صلاة الفرض .
ب - النّفل المطلق :
9 - يتّفق الفقهاء على أنّ الإطلاق يكفي في نيّة صلاة النّفل المطلق ، وألحق بعض الشّافعيّة بالنّفل المطلق تحيّة المسجد ، وركعتي الوضوء ، وركعتي الإحرام ، وركعتي الطّواف ، وصلاة الحاجة ، وصلاة الغفلة بين المغرب والعشاء ، والصّلاة في بيته إذا أراد الخروج للسّفر ، والمسافر إذا نزل منزلاً وأراد مفارقته .
ج - السّنن الرّواتب ، والمؤقّتة :
10 - للفقهاء في إطلاق النّيّة في صلاة السّنّة الرّاتبة ، والمؤقّتة رأيان :
الأوّل : أنّه لا يكفي الإطلاق لحصول تلك السّنّة الرّاتبة . وهو قول المالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة باستثناء النّوافل الّتي ألحقت بالنّفل المطلق عند البعض والّتي سبق ذكرها . وهو قول جماعةٍ من الحنفيّة ، قالوا : لأنّ السّنّة وصفٌ زائدٌ على أصل الصّلاة ، كوصف الفرضيّة ، فلا تحصل بمطلق نيّة الصّلاة .
الثّاني : صحّة النّيّة مع الإطلاق ، وهو أحد قولين للحنفيّة مصحّحين ، واعتمده بعضهم . وفي المحيط أنّه قول عامّة المشايخ ، ورجّحه في الفتح ، ونسبه إلى المحقّقين .
إطلاق النّيّة في الصّوم :
11 - للفقهاء في إطلاق نيّة الصّوم رأيان :
الأوّل : عدم الصّحّة مع الإطلاق ، وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . واستدلّوا له بأنّه صومٌ واجبٌ فوجب تعيين النّيّة له .
والثّاني : صحّة الصّوم ، وهو قول الحنفيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، ووجهٌ شاذٌّ للشّافعيّة حكاه صاحب التّتمّة عن الحليميّ ، واستدلّوا لذلك بأنّه فرضٌ مستحقٌّ في زمنٍ بعينه ، فلا يجب تعيين النّيّة له .
إطلاق نيّة الإحرام :
12 - إذا نوى مريد النّسك نفس الإحرام ، وأطلق بأن لم يقصد القران ، ولا التّمتّع ولا الإفراد جاز بلا خلافٍ ، لأنّ الإحرام يصحّ مع الإبهام فيصحّ مع الإطلاق . وله صرفه إلى أيّ نوعٍ شاء من أنواع الإحرام الثّلاثة ، إن كان ذلك قبل الشّروع في أعمال الإحرام ، وكان في أشهر الحجّ ، غير أنّ المالكيّة والحنابلة قالوا : الأولى الصّرف إلى العمرة ، لأنّ التّمتّع أفضل .
وما عمله قبل التّعيين فلغوٌ عند الشّافعيّة ، والحنابلة ، وعند الحنفيّة والمالكيّة ، يعتدّ بما أتى به من الشّعائر ، غير أنّهم يختلفون فيما تصرف النّيّة له ، فقال الحنفيّة : تصرف إلى العمرة إن لم يعيّن ، وقد طاف ، لكن في اللّباب وشرحه لو وقف بعرفة قبل الطّواف تعيّن إحرامه للحجّ ، ولو لم يقصد الحجّ في وقوفه . وقال المالكيّة : يجب صرفه إلى الحجّ إن وقع الصّرف بعد طواف قدومٍ .
13 - وإن كان الإحرام بنسكٍ ولم يعيّن وذلك في غير أشهر الحجّ - على كراهته أو امتناعه عند الحنابلة - فالحكم لا يختلف عندهم في أنّ الأولى صرف النّيّة إلى العمرة .
وكذا لا يختلف الحكم عند المالكيّة في غير أشهر الحجّ عن أشهر الحجّ إن كان طاف قبل التّعيين - يجب صرف النّيّة للحجّ - ويؤخّر سعيه لإفاضته ، فإن لم يكن قد طاف كره صرف النّيّة إلى الحجّ ، لأنّه أحرم به قبل وقته . وفصّل الشّافعيّة في ذلك فقالوا : إن أحرم قبل الأشهر ، فإن صرفه إلى العمرة صحّ ، وإن صرفه إلى الحجّ بعد دخول الأشهر فوجهان ، الصّحيح : لا يجوز بل انعقد إحرامه ، ( أي عمرةً ) .
والثّاني : ينعقد مبهماً ، وله صرفه بعد دخول أشهر الحجّ إلى حجٍّ أو قرانٍ ، فإن صرفه إلى الحجّ قبل الأشهر كان كمن أحرم بالحجّ قبل الأشهر .
14 - وهل الإطلاق أفضل أم التّعيين ؟ رأيان : أحدهما : أنّ التّعيين أفضل ، وهو قول الحنابلة ، فقد صرّحوا باستحباب التّعيين ، وبه قال مالكٌ ، وهو قول بعض الشّافعيّة . ثانيهما : الإطلاق أفضل ، وهو الأظهر ند الشّافعيّة .
رد مع اقتباس