ما يستحبّ وما يكره عند إرادة التّضحية :
50 - لمّا كانت التّضحية نوعاً من التّذكية ، كانت مستحبّات التّذكية من ذبحٍ ونحرٍ مستحبّةً فيها ، ومكروهاتها مكروهةٌ فيها . ولتفصيل ما يستحبّ وما يكره في التّذكية ( ر : ذبائح ) . وللتّضحية مستحبّاتٌ ومكروهاتٌ خاصّةٌ تكون عندها ، وهي إمّا أن ترجع إلى الأضحيّة ، أو إلى المضحّي ، أو إلى الوقت . ولنذكر ذلك في ثلاثة مباحث : ما يرجع إلى الأضحيّة من المستحبّات والمكروهات عند التّضحية :
51 - يستحبّ في الأضحيّة أن تكون أسمن وأعظم بدناً من غيرها ، لقوله تعالى : { ومن يعظّم شعائر اللّه فإنّها من تقوى القلوب } . ومن تعظيمها أن يختارها صاحبها عظيمة البدن سمينةً . وإذا اختار التّضحية بالشّياه ، فأفضلها الكبش الأملح الأقرن الموجوء ( أي المخصيّ ) ، لحديث أنسٍ رضي الله عنه : « ضحّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين » ، ولأنّه صلى الله عليه وسلم « ضحّى بكبشين أملحين موجوءين » ، والأقرن : العظيم القرن ، والأملح : الأبيض ، والموجوء : قيل : هو المدقوق الخصيتين ، وقيل : هو الخصيّ ، وفي الحديث أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « دم عفراء أحبّ إلى اللّه من دم سوداوين » . قال الحنفيّة : الشّاة أفضل من سبع البقرة . بل أفضل من البقرة إن استوتا في القيمة ومقدار اللّحم . والأصل في هذا أنّ ما استويا في مقدار اللّحم والقيمة فأطيبهما لحماً أفضل . وما اختلفا فيهما فالفاضل أولى ، والذّكر من الضّأن والمعز إذا كان موجوءاً فهو أولى من الأنثى ، وإلاّ فالأنثى أفضل عند الاستواء في القيمة ومقدار اللّحم . والأنثى من الإبل والبقر أفضل من الذّكر عند استواء اللّحم والقيمة . وقال المالكيّة : يندب أن تكون جيّدةً ، بأن تكون أعلى النّعم ، وأن تكون سمينةً ، ويندب أيضاً تسمينها ، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه .« قال : كنّا نسمّن الأضحيّة بالمدينة ، وكان المسلمون يسمّنون » . والذّكر أفضل من الأنثى ، والأقرن أفضل من الأجمّ ، ويفضّل الأبيض على غيره ، والفحل على الخصيّ إن لم يكن الخصيّ أسمن ، وأفضل الأضاحيّ ضأنٌ مطلقاً : فحله ، فخصيّه ، فأنثاه ، فمعزٌ كذلك ، واختلف فيما يليهما أهي الإبل أم البقر . والحقّ أنّ ذلك يختلف باختلاف البلاد ، ففي بعضها تكون الإبل أطيب لحماً فتكون أفضل ، وفي بعضها يكون البقر أطيب لحماً فيكون أفضل . وقال الشّافعيّة : أفضل الأضاحيّ سبع شياهٍ ، فبدنةٌ فبقرةٌ ، فشاةٌ واحدةٌ ، فسبع بدنةٍ ، فسبع بقرةٍ ، والضّأن أفضل من المعز ، والذّكر الّذي لم ينز أفضل من الأنثى الّتي لم تلد ، ويليهما الذّكر الّذي ينزو ، فالأنثى الّتي تلد . والبيضاء أفضل ، فالعفراء ، فالصّفراء ، فالحمراء ، فالبلقاء ، ويلي ذلك السّوداء . ويستحبّ تسمين الأضحيّة . وقال الحنابلة : أفضل الأضاحيّ البدنة ، ثمّ البقرة ، ثمّ الشّاة ، ثمّ شركٌ في بدنةٍ ، ثمّ شركٌ في بقرةٍ .
52 - ويكره في الأضحيّة أن تكون معيبةً بعيبٍ لا يخلّ بالإجزاء . ما يستحبّ في التّضحية من أمورٍ ترجع إلى المضحّي :
53 - أن يذبح بنفسه إن قدر عليه ، لأنّه قربةٌ ، ومباشرة القربة أفضل من تفويض إنسانٍ آخر فيها ، فإن لم يحسن الذّبح فالأولى توليته مسلماً يحسنه ، ويستحبّ في هذه الحالة أن يشهد الأضحيّة لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : « يا فاطمة قومي إلى أضحيّتك فاشهديها » . وقد اتّفقت المذاهب على هذا . غير أنّ الشّافعيّة قالوا : الأفضل للأكثر والخنثى والأعمى التّوكيل وإن قدروا على الذّبح . ولهذه النّقطة تتمّةٌ ستأتي .
54 - أن يدعو فيقول : ( اللّهمّ منك ولك ، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا من المسلمين ) لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة رضي الله عنها أن تقول : « إنّ صلاتي ونسكي ... » إلخ . ولحديث جابرٍ رضي الله عنه أنّه قال : « ذبح النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الذّبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين فلمّا وجّههما قال : إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض على ملّة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين ، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين . اللّهمّ منك ولك عن محمّدٍ وأمّته ، بسم اللّه واللّه أكبر ثمّ ذبح » . هذا مذهب الحنفيّة . وقال المالكيّة يكره قول المضحّي عند التّسمية " اللّهمّ منك وإليك " ، لأنّه لم يصحبه عمل أهل المدينة . وقال الشّافعيّة : يستحبّ بعد التّسمية التّكبير ثلاثاً والصّلاة والسّلام على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والدّعاء بالقبول ، بأن يقول : اللّهمّ هذا منك وإليك ، واختلفوا في إكمال التّسمية بأن يقال : ( الرّحمن الرّحيم ) فقيل : لا يستحبّ ، لأنّ الذّبح لا تناسبه الرّحمة ، وقيل : يستحبّ وهو أكمل ، لأنّ في الذّبح رحمةً بالآكلين . وقال الحنابلة : يقول المضحّي عند الذّبح : ( بسم اللّه واللّه أكبر ). والتّسمية واجبةٌ عند التّذكّر والقدرة ، والتّكبير مستحبٌّ ، فقد ثبت أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال : بسم اللّه واللّه أكبر » . وفي حديث أنسٍ « وسمّى وكبّر » وإن زاد فقال : اللّهمّ هذا منك ولك ، اللّهمّ تقبّل منّي أو من فلانٍ فحسنٌ ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي بكبشٍ له ليذبحه فأضجعه ثمّ قال : اللّهمّ تقبّل من محمّدٍ وآل محمّدٍ وأمّة محمّدٍ ثمّ ضحّى به » .
55 - أن يجعل الدّعاء المذكور قبل ابتداء الذّبح أو بعد انتهائه ويخصّ حالة الذّبح بالتّسمية مجرّدةً . هكذا قال الحنفيّة . ويكره عند الحنفيّة خلط التّسمية بكلامٍ آخر حالة الذّبح ولو كان دعاءً ، لأنّه ينبغي كما تقدّم أن تجعل الأدعية سابقةً على ابتداء الذّبح أو متأخّرةً عن الفراغ منه .
ما يرجع إلى وقت التّضحية من المستحبّات والمكروهات :
56 - تستحبّ المبادرة إلى التّضحية ، فالتّضحية في اليوم الأوّل أفضل منها فيما يليه ، لأنّها مسارعةٌ إلى الخير ، وقد قال اللّه تعالى : { وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربّكم وجنّةٍ عرضها السّموات والأرض أعدّت للمتّقين } . والمقصود المسارعة إلى سبب المغفرة والجنّة ، وهو العمل الصّالح . وهذا متّفقٌ عليه بين المذاهب ، غير أنّ للمالكيّة تفصيلاً وهو أنّ التّضحية قبل الزّوال في كلّ يومٍ أفضل منها بعد الزّوال ، والتّضحية من ارتفاع الشّمس إلى ما قبل الزّوال في اليومين الثّاني والثّالث أفضل من التّضحية قبل ذلك من الفجر إلى الارتفاع ، وقد تردّدوا في التّضحية بين زوال اليوم الثّاني وغروبه ، والتّضحية بين فجر اليوم الثّالث وزواله ، أيّتهما أفضل ؟ والرّاجح : أنّ التّضحية في الوقت الأوّل أفضل ، ولا تضحية عندهم في اللّيل كما تقدّم . وتقدّم أيضاً أنّ التّضحية في اللّيل تكره عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . ومعلومٌ ممّا تقدّم أنّ من الفقهاء من لا يجيز لأهل القرى أن يضحّوا إلاّ في الوقت الّذي يضحّي فيه أهل المدن .
ما يستحبّ وما يكره بعد التّضحية :
أ - يستحبّ للمضحّي بعد الذّبح أمورٌ :
57 - منها : أن ينتظر حتّى تسكن جميع أعضاء الذّبيحة فلا ينخع ولا يسلخ قبل زوال الحياة عن جميع جسدها .
58 - ومنها : أن يأكل منها ويطعم ويدّخر ، لقوله تعالى : { وأذّن في النّاس بالحجّ يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامرٍ يأتين من كلّ فجٍّ عميقٍ ، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم اللّه في أيّامٍ معلوماتٍ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } . وقوله عزّ وجلّ : { والبدن جعلناها لكم من شعائر اللّه ، لكم فيها خيرٌ ، فاذكروا اسم اللّه عليها صوافّ ، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ } .
ولقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا ضحّى أحدكم فليأكل من أضحيّته » .
59 - والأفضل أن يتصدّق بالثّلث ، ويتّخذ الثّلث ضيافةً لأقاربه وأصدقائه ، ويدّخر الثّلث ، وله أن يهب الفقير والغنيّ ، وقد صحّ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما في صفة أضحيّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ويطعم أهل بيته الثّلث ، ويطعم فقراء جيرانه الثّلث ، ويتصدّق على السّؤال بالثّلث » . قال الحنفيّة : ولو تصدّق بالكلّ جاز ، ولو حبس الكلّ لنفسه جاز ، لأنّ القربة في إراقة الدّم ، وله أن يزيد في الادّخار عن ثلاث ليالٍ ، لأنّ نهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان من أجل الدّافّة ، وهم جماعةٌ من الفقراء دفّت ( أي نزلت ) بالمدينة ، فأراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتصدّق أهل المدينة عليهم بما فضل عن أضاحيّهم ، فنهى عن الادّخار فوق ثلاثة أيّامٍ . ففي حديث عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « قالوا يا رسول اللّه : إنّ النّاس يتّخذون الأسقية من ضحاياهم ويجعلون فيها الودك ، قال : وما ذاك ؟ قالوا : نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحيّ بعد ثلاثٍ ، فقال : إنّما نهيتكم من أجل الدّافّة الّتي دفّت ، فكلوا ، وادّخروا وتصدّقوا » . وفي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من ضحّى منكم فلا يصبحنّ بعد ثالثةٍ وفي بيته منه شيءٌ ، فلمّا كان العام المقبل . قالوا يا رسول اللّه نفعل كما فعلنا عام الماضي ؟ قال : كلوا وأطعموا وادّخروا ، فإنّ ذلك العام كان بالنّاس جهدٌ ، فأردت أن تعينوا فيها » . وإطعامها والتّصدّق بها أفضل من ادّخارها ، إلاّ أن يكون المضحّي ذا عيالٍ وهو غير موسّع الحال ، فإنّ الأفضل له حينئذٍ أن يدّخره لعياله توسعةً عليهم ، لأنّ حاجته وحاجة عياله مقدّمةٌ على حاجة غيرهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ابدأ بنفسك فتصدّق عليها ، فإن فضل شيءٌ فلأهلك ، فإن فضل شيءٌ عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا » . هذا مذهب الحنفيّة .
60 - وهاهنا تنبيهٌ مهمٌّ وهو أنّ أكل المضحّي من الأضحيّة وإطعام الأغنياء والادّخار لعياله تمتنع كلّها عند الحنفيّة في صورٍ .
منها : الأضحيّة المنذورة ، وهو مذهب الشّافعيّة أيضاً . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ المنذورة كغيرها في جواز الأكل .
ومنها : أن يمسك عن التّضحية بالشّاة الّتي عيّنها للتّضحية بالنّذر أو بالنّيّة عند الشّراء حتّى تغرب شمس اليوم الثّالث فيجب التّصدّق بها حيّةً .
ومنها : أن يضحّي عن الميّت بأمره فيجب التّصدّق بالأضحيّة كلّها على المختار .
ومنها : أن تلد الأضحيّة فيجب ذبح الولد على قولٍ ، وإذا ذبح وجب التّصدّق به كلّه ، لأنّه لم يبلغ السّنّ الّتي تجزئ التّضحية فيها ، فلا تكون القربة بإراقة دمه ، فتعيّن أن تكون القربة بالتّصدّق به ، ولهذا قيل : إنّ المستحبّ في الولد التّصدّق به حيّاً .
ومنها : أن يشترك في البدنة سبعةٌ أو أقلّ ، وينوي بعضهم بنصيبه القضاء عن أضحيّةٍ فاتته من عامٍ أو أعوامٍ مضت ، فيجب على جميع الشّركاء التّصدّق بجميع حصصهم ، لأنّ الّذي نوى القضاء لم تصحّ نيّته ، فكان نصيبه تطوّعاً محضاً وهو لم ينو التّقرّب بإراقة الدّم ، لأنّ من وجب عليه القضاء إنّما يقضي بالتّصدّق بالقيمة ، ونصيب المضحّي الّذي نوى القضاء شائعٌ في البدنة كلّها ، فلا سبيل للّذي نوى الأداء أن يأكل شيئاً منها ، فلا بدّ من التّصدّق بجميعها . وقال المالكيّة : يندب للمضحّي الجمع بين الأكل من أضحيّته والتّصدّق والإهداء بلا حدٍّ في ذلك بثلثٍ ولا غيره ولم يفرّقوا بين منذورةٍ وغيرها . وقال الشّافعيّة : يجب بعد ذبح الأضحيّة الواجبة بالنّذر أو الجعل والمعيّنة عن المنذور في الذّمّة التّصدّق بها كلّها ، وأمّا غير الواجبة فيجب بعد الذّبح التّصدّق بجزءٍ من لحمها نيئاً غير قديدٍ ولا تافهٍ جدّاً . وزاد الحنابلة أنّه إذا لم يتصدّق حتّى فاتت ضمن للفقراء ثمن أقلّ ما لا يعتبر تافهاً . فلا يكفي التّصدّق بشيءٍ من الشّحم أو الكبد أو نحوهما ولا التّصدّق بمطبوخٍ ، ولا التّصدّق بقديدٍ وهو المجفّف ، ولا التّصدّق بجزءٍ تافهٍ جدّاً ليس له وقعٌ . ووجوب التّصدّق هو أحد وجهين وهو أصحّهما ، ويكفي في التّصدّق الإعطاء ، ولا يشترط النّطق بلفظ التّمليك ونحوه ، وما عدا الجزء المتصدّق به يجوز فيه الأكل والإهداء لمسلمٍ والتّصدّق على مسلمٍ فقيرٍ . والأفضل التّصدّق بها كلّها إلاّ لقماً يسيرةً يأكلها ندباً للتّبرّك ، والأولى أن تكون هذه اللّقم من الكبد ، ويسنّ إن جمع بين الأكل والتّصدّق والإهداء ألاّ يأكل فوق الثّلث ، وألاّ يتصدّق بدون الثّلث ، وأن يهدي الباقي . وقال الحنابلة : يجب التّصدّق ببعض الأضحيّة وهو أقلّ ما يقع عليه اسم لحمٍ وهو الأوقيّة ، فإن لم يتصدّق حتّى فاتت ضمن للفقراء ثمن أوقيّةٍ ، ويجب تمليك الفقير لحماً نيئاً لا إطعامه . والمستحبّ أن يأكل ثلثاً ، يهدي ثلثاً ، ويتصدّق بثلثٍ ، ولو أكل ، أكثر جاز . وسواءٌ فيما ذكر الأضحيّة المسنونة والواجبة بنحو النّذر ، لأنّ النّذر محمولٌ على المعهود ، والمعهود من الأضحيّة الشّرعيّة ذبحها ، والأكل منها ، والنّذر لا يغيّر من صفة المنذور إلاّ الإيجاب .
ب - ويكره للمضحّي بعد الذّبح عند الحنفيّة ، أمورٌ :
61 - منها : أن ينخعها أو يسلخها قبل زهوق روحها ، وهذه الكراهة عامّةٌ في جميع الذّبائح ، وهي كراهةٌ تنزيهيّةٌ .
62 - ومنها : بيع شيءٍ من لحمها أو شحمها أو صوفها أو شعرها أو وبرها أو لبنها الّذي حلب منها بعد ذبحها ، أو غير ذلك إذا كان البيع بدراهم أو دنانير أو مأكولاتٍ ، أو نحو ذلك ممّا لا ينتفع به إلاّ باستهلاك عينه ، فهذا البيع لا يحلّ وهو مكروهٌ تحريماً . بخلاف ما لو باع شيئاً منها بما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه من متاع البيت أو غيره ، كالإناء النّحاس والمنخل والعصا والثّوب والخفّ ، فإنّه يحلّ .
وإنّما لم يحلّ البيع بما يستهلك ، لقوله : « من باع جلد أضحيّته فلا أضحيّة له » فإن باع نفذ البيع عند أبي حنيفة ومحمّدٍ . ووجب عليه التّصدّق بثمنه ، لأنّ القربة ذهبت عنه ببيعه ، ولا ينفذ البيع عند أبي يوسف فعليه أن يستردّه من المشتري ، فإن لم يستطع وجب التّصدّق بثمنه . وإنّما حلّ بيعه بما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ، لأنّه يقوم مقام المبدل ، فكأنّه باقٍ وهو شبيهٌ بما لو صنع من الجلد شيءٌ ينتفع به ، كالقربة والدّلو . وصرّح المالكيّة بأنّه لا يجوز بيع شيءٍ منها بعد الذّبح ولا إبداله ، سواءٌ أكان الذّبح مجزئاً عن الأضحيّة أو غير مجزئٍ ، كما لو ذبح قبل الإمام ، وكما لو تعيّبت الأضحيّة فذبحها سواءٌ أكان التّعيّب حالة الذّبح أم قبله ، وسواءٌ أكان عند الذّبح عالماً بالعيب أم جاهلاً به ، وسواءٌ أكان عند الذّبح عالماً بأنّها غير مجزئةٍ أم جاهلاً بذلك ، ففي كلّ هذه الصّور متى ذبح لم يجز له البيع ولا الإبدال . وهذا بالنّسبة لصاحبها . وأمّا الّذي أهدي إليه شيءٌ منها ، أو تصدّق عليه به ، فيجوز له البيع والإبدال . وإذا وقع البيع الممنوع أو إبدالٌ ممنوعٌ فسخ العقد إن كان المبيع موجوداً ، فإن فات بأكلٍ ونحوه وجب التّصدّق بالعوض إن كان موجوداً ، فإن فات بالصّرف أو الضّياع وجب التّصدّق بمثله . وقال الشّافعيّة : لا يجوز للمضحّي بيع شيءٍ منها ، وكذلك لا يجوز للغنيّ المهدى إليه ، بخلاف الفقير المتصدّق عليه ، فإنّه يجوز له البيع ، ويجوز للمضحّي التّصدّق بالجلد وإعارته والانتفاع به لا بيعه ولا إجارته . وقول الحنابلة مثل قول الشّافعيّة ، وزادوا أنّه لا يجوز بيع جلّها أيضاً .
63 - ومن الأمور الّتي تكره للمضحّي بعد التّضحية إعطاء الجزّار ونحوه أجرته من الأضحيّة فهو مكروهٌ تحريماً ، لأنّه كالبيع بما يستهلك ، لحديث عليٍّ رضي الله عنه قال : « أمرني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأقسّم جلودها وجلالها ، وأمرني ألاّ أعطي الجزّار منها شيئاً ، وقال : نحن نعطيه من عندنا » . ( وخرج بالبيع وإعطاء الأجرة ) الانتفاع بالجلد وغيره من الأضحيّة الّتي لم يجب التّصدّق بها ، كما لو جعل سقاءً للماء أو اللّبن أو غيرهما ، أو فرواً للجلوس واللّبس ، أو صنع منه غربالٌ أو غير ذلك فهو جائزٌ ، ولأنّه يجوز الانتفاع بلحمها بالأكل وبشحمها بالأكل والادّهان فكذا بجلدها وسائر أجزائها . هذا مذهب الحنفيّة . وصرّح المالكيّة بمنع إعطاء الجزّار في مقابلة جزارته أو بعضها شيئاً منها ، سواءٌ كانت مجزئةً ، أم غير مجزئةٍ كالّتي ذبحت يوم النّحر قبل ذبح ضحيّة الإمام ، وكالتي تعيّبت حالة الذّبح أو قبله . وأجازوا تأجير جلدها على الرّاجح . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يحرم إعطاء الجازر في أجرته شيئاً منها ، لحديث عليٍّ رضي الله عنه السّابق ذكره . فإن دفع إليه لفقره أو على سبيل الهديّة فلا بأس ، وله أن ينتفع بجلدها ، ولا يجوز أن يبيعه ولا شيئاً منها .
النّيابة في ذبح الأضحيّة :
64 - اتّفق الفقهاء على أنّه تصحّ النّيابة في ذبح الأضحيّة إذا كان النّائب مسلماً ، لحديث فاطمة السّابق : « يا فاطمة قومي إلى أضحيّتك فاشهديها » لأنّ فيه إقراراً على حكم النّيابة . والأفضل أن يذبح بنفسه إلاّ لضرورةٍ . وذهب الجمهور إلى صحّة التّضحية مع الكراهة إذا كان النّائب كتابيّاً ، لأنّه من أهل الذّكاة ، وذهب المالكيّة - وهو قولٌ محكيٌّ عن أحمد - إلى عدم صحّة إنابته ، فإن ذبح لم تقع التّضحية وإن حلّ أكلها . والنّيابة تتحقّق بالإذن لغيره نصّاً ، كأن يقول : أذنتك أو وكّلتك أو اذبح هذه الشّاة ، أو دلالةً كما لو اشترى إنسانٌ شاةً للأضحيّة فأضجعها وشدّ قوائمها في أيّام النّحر ، فجاء إنسانٌ آخر وذبحها من غير أمرٍ فإنّ ، التّضحية تجزئ عن صاحبها عند أبي حنيفة والصّاحبين .
65 - ويرى الحنفيّة والحنابلة أنّه إذا غلط كلّ واحدٍ من المضحّيين فذبح أضحيّة الآخر أجزأت ، لوجود الرّضى منهما دلالةً . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا يجزئ عن أيٍّ منهما . ولم نطّلع على رأيٍ للشّافعيّة في ذلك .
التّضحية عن الميّت :
66 - إذا أوصى الميّت بالتّضحية عنه ، أو وقف وقفاً لذلك جاز بالاتّفاق . فإن كانت واجبةً بالنّذر وغيره وجب على الوارث إنفاذ ذلك . أمّا إذا لم يوص بها فأراد الوارث أو غيره أن يضحّي عنه من مال نفسه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى جواز التّضحية عنه ، إلاّ أنّ المالكيّة أجازوا ذلك مع الكراهة . وإنّما أجازوه لأنّ الموت لا يمنع التّقرّب عن الميّت كما في الصّدقة والحجّ . وقد صحّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضحّى بكبشين أحدهما عن نفسه ، والآخر عمّن لم يضحّ من أمّته » . وعلى هذا لو اشترك سبعةٌ في بدنةٍ فمات أحدهم قبل الذّبح ، فقال ورثته - وكانوا بالغين - اذبحوا عنه ، جاز ذلك . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الذّبح عن الميّت لا يجوز بغير وصيّةٍ أو وقفٍ .
هل يقوم غير الأضحيّة من الصّدقات مقامها ؟
67 - لا يقوم غير الأضحيّة من الصّدقات مقامها حتّى لو تصدّق إنسانٌ بشاةٍ حيّةٍ أو بقيمتها في أيّام النّحر لم يكن ذلك مغنياً له عن الأضحيّة ، لا سيّما إذا كانت واجبةً ، وذلك أنّ الوجوب تعلّق بإراقة الدّم ، والأصل أنّ الوجوب إذا تعلّق بفعلٍ معيّنٍ لا يقوم غيره مقامه كالصّلاة والصّوم بخلاف الزّكاة ، فإنّ الواجب فيها عند أبي حنيفة والصّاحبين أداء مالٍ يكون جزءاً من النّصاب أو مثله ، لينتفع به المتصدّق عليه ، وعند بعضهم الواجب أداء جزءٍ من النّصاب من حيث إنّه مالٌ لا من حيث إنّه جزءٌ من النّصاب ، لأنّ مبنى وجوب الزّكاة على التّيسير ، والتّيسير في الوجوب من حيث إنّه مالٌ لا من حيث إنّه العين والصّورة ، وبخلاف صدقة الفطر فإنّها تؤدّى بالقيمة عند الحنفيّة ، لأنّ العلّة الّتي نصّ الشّارع عليها في وجوب صدقة الفطر هي الإغناء . قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أغنوهم عن الطّواف في هذا اليوم » ، والإغناء يحصل بأداء القيمة .
المفاضلة بين الضّحيّة والصّدقة :
68 - الضّحيّة أفضل من الصّدقة ، لأنّها واجبةٌ أو سنّةٌ مؤكّدةٌ ، وشعيرةٌ من شعائر الإسلام ، صرّح بهذا الحنفيّة والشّافعيّة وغيرهم . وصرّح المالكيّة بأنّ الضّحيّة أفضل أيضاً من عتق الرّقبة ولو زاد ثمن الرّقبة على أضعاف ثمن الضّحيّة . وقال الحنابلة : الأضحيّة أفضل من الصّدقة بقيمتها نصّ عليه أحمد ، وبهذا قال ربيعة وأبو الزّناد ، وروي عن بلالٍ رضي الله عنه أنّه قال : لأن أضعه في يتيمٍ قد ترب فوه فهو أحبّ إليّ من أن أضحّي ، وبهذا قال الشّعبيّ وأبو ثورٍ ، وقالت عائشة رضي الله عنها : لأن أتصدّق بخاتمي هذا أحبّ إليّ من أن أهدي إلى البيت ألفاً . ويدلّ لأفضليّة التّضحية أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ضحّى والخلفاء من بعده ، ولو علموا أنّ الصّدقة أفضل لعدلوا إليها ، وما روته عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ما عمل ابن آدم يوم النّحر عملاً أحبّ إلى اللّه من إراقة دمٍ ، وأنّه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها ، وأنّ الدّم ليقع من اللّه بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض ، فطيبوا بها نفساً » . ولأنّ إيثار الصّدقة على الأضحيّة يفضي إلى ترك سنّةٍ سنّها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأمّا قول عائشة فهو في الهدي دون الأضحيّة وليس الخلاف فيه .
إضرابٌ *
التعريف :
1 - الإضراب مصدر أضرب . يقال : أضربت عن الشّيء كففت عنه وأعرضت ، وضرب عنه الأمر : صرفه عنه . قال تعالى : { أفنضرب عنكم الذّكر صفحاً } أي نهملكم فلا نعرّفكم ما يجب عليكم . وهو في الاصطلاح إثبات الحكم لما بعد أداة الإضراب ، وجعل الأوّل ( المعطوف عليه ) كالمسكوت عنه . وصورته أن يقول مثلاً لغير المدخل بها : إن دخلت الدّار فأنت طالقٌ واحدةً بل ثنتين ، أو يقول في الإقرار : له عليّ درهمٌ بل درهمان .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستثناء :
2 - الاستثناء هو المنع من دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بإلاّ أو بإحدى أخواتها . أو هو قولٌ وصيغٌ مخصوصةٌ محصورةٌ دالّةٌ على أنّ المذكور بعد أداة الاستثناء لم يرد بالقول الأوّل . فهو على هذا يخالف الإضراب ، لأنّ الإضراب إقرارٌ للأوّل على رأيٍ ، وتبديلٌ له على رأيٍ آخر ، وهذا يخالف الاستثناء ، لأنّ الاستثناء تغييرٌ لمقتضى صيغة الكلام الأوّل وليس بتبديلٍ ، إنّما التّبديل أن يخرج الكلام من أن يكون إخباراً بالواجب أصلاً .
ب - النّسخ :
3 - النّسخ رفع الحكم الثّابت بدليلٍ شرعيٍّ متأخّرٍ ، وعلى هذا فالفرق بين النّسخ وبين الإضراب أنّ الإضراب متّصلٌ ، أمّا النّسخ فمنفصلٌ .
الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
4 - الإضراب : إبطالٌ وإلغاءٌ للأوّل ورجوعٌ عنه ، ويختلف الحكم ما بين الإنشاء والإقرار : فلا يقبل رجوع المقرّ عن إقراره إلاّ فيما كان حقّاً للّه تعالى يدرأ بالشّبهات ، ويحتاط لإسقاطه ، فأمّا حقوق الآدميّين وحقوق اللّه تعالى الّتي لا تدرأ بالشّبهات كالزّكاة والكفّارات فلا يقبل رجوعه عنها . قال ابن قدامة : لا نعلم في هذا خلافاً . ويفصّل الحنفيّة حكم الإضراب فيقولون : الأصل في ذلك أنّ " لا بل " لاستدراك الغلط ، والغلط إنّما يقع غالباً في جنسٍ واحدٍ ، إلاّ أنّه إذا كان لرجلين كان رجوعاً عن الأوّل فلا يقبل ، ويثبت للثّاني بإقراره الثّاني ، وإذا كان الإقرار الثّاني أكثر صحّ الاستدراك ، ويصدّقه المقرّ له . وإن كان أقلّ كان متّهماً في الاستدراك ، والمقرّ له لا يصدّقه فيلزمه الأكثر ، فلو قال : لفلانٍ عليّ ألفٌ ، لا بل ألفان يلزمه ألفان ، وهذا عند غير زفر ، أمّا عنده فيلزم بإقراريه ( الأوّل والثّاني ) أي ثلاثة آلافٍ ، وجه قول زفر أنّه أقرّ بألفٍ فيلزمه ، وقوله : ( لا ) رجوع ، فلا يصدّق فيه ، ثمّ أقرّ بألفين فصحّ الإقرار ، وصار كقوله : أنت طالقٌ واحدةً ، لا بل اثنتين ، وجوابه : أنّ الإقرار إخبارٌ يجري فيه الغلط فيجري فيه الاستدراك فيلزمه الأكثر ، والطّلاق إنشاءٌ ولا يملك إبطال ما أنشأ فافترقا . كما أنّ الأصل أنّ " لا بل " متى تخلّلت بين المالين من جنسين لزم المالان المقرّ وتفصيله في الإقرار والأيمان والطّلاق والعتق .
إضرارٌ*
انظر : ضررٌ .
اضطباعٌ *
التعريف :
1 - الاضطباع في اللّغة : افتعالٌ من الضّبع ، وهو وسط العضد ، وقيل : الإبط ( للمجاورة ) . ومعنى الاضطباع المأمور به شرعاً : أن يدخل الرّجل رداءه الّذي يلبسه تحت منكبه الأيمن فيلقيه على عاتقه الأيسر وتبقى كتفه اليمنى مكشوفةً ، ويطلق عليه التّأبّط والتّوشّح .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإسدال :
2 - الإسدال لغةً : إرخاء الثّوب وإرساله من غير ضمّ جانبيه باليدين . والإسدال المنهيّ عنه في الصّلاة هو أن يلقي طرف الرّداء من الجانبين ، ولا يردّ أحد طرفيه على الكتف الأخرى ، ولا يضمّ الطّرفين بيده .
ب - اشتمال الصّمّاء :
3 - فسّره أبو عبيدٍ بأن يلتفّ الرّجل بثوبه يغطّي به جسده كلّه ، ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده .. لعلّه يصيبه شيءٌ يريد الاحتراس منه فلا يقدر عليه . وقيل : هو أن يضطبع بالثّوب ولا إزار عليه فيبدو شقّه وعورته . فالفرق بينه وبين الاضطباع أنّه لا يكون تحت الرّداء ما يستتر به فتبدو عورته . وللتّفصيل ينظر ( اشتمال الصّمّاء ) .
الحكم الإجماليّ :
4 - الاضطباع في طواف القدوم مستحبٌّ عند جمهور الفقهاء ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً وعليه بردٌ » وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ، فرملوا بالبيت ، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ، ثمّ قذفوها على عواتقهم اليسرى » فإذا فرغ من الطّواف سوّاه فجعله على عاتقيه . وأورد ابن قدامة قول مالكٍ عن الاضطباع في طواف القدوم بأنّه ليس سنّةً ، ولم نجد لذلك إشارةً في كتب المالكيّة الّتي بين أيدينا إلاّ في المنتقى للباجيّ حيث قال : ( الرّمل في الطّواف هو الإسراع فيه بالخبب لا يحسر عن منكبيه ولا يحرّكهما ) .
مواطن البحث :
5 - يبحث الاضطباع في الحجّ عند الكلام عن الطّواف ، وفي الصّلاة عند الكلام عن ستر العورة من شروط الصّلاة .
اضطجاعٌ *
التعريف :
1 - الاضطجاع في اللّغة مصدر اضطجع ، ( وأصله ضجع وقلّما يستعمل الفعل الثّلاثيّ ) . والاضطجاع : النّوم ، وقيل : وضع الجنب بالأرض . والاضطجاع في السّجود ، ألاّ يجافي بطنه عن فخذيه . وإذا قالوا : صلّى مضطجعاً فمعناه : أن يضطجع على أحد شقّيه مستقبلاً القبلة . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذه المعاني اللّغويّة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاتّكاء :
2 - الاتّكاء هو الاعتماد على شيءٍ بجنبٍ معيّنٍ ، سواءٌ كان في الجلوس أو في الوقوف . ( ر : اتّكاءٌ ) .
ب - الاستناد :
3 - الاستناد هو الاتّكاء بالظّهر لا غير . ( ر : استنادٌ ) .
ج - الإضجاع :
4 - الإضجاع هو وضع جنب الإنسان أو الحيوان على أحد شقّيه على الأرض . ( ر : إضجاعٌ ) .
الحكم الإجماليّ :
5 - الاضطجاع في النّوم ينقض الوضوء عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ) لأنّ الاضطجاع عندهم سببٌ لاسترخاء المفاصل ، فلا يخلو من خروج ريحٍ عادةً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا وضوء على من نام قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً ، إنّما الوضوء على من نام مضطجعاً فاسترخت مفاصله » . وهذه الطّريقة لعبد الحقّ وغيره من المالكيّة . أمّا طريقة اللّخميّ من المالكيّة فهي : أنّ المضطجع إذا كان نائماً نوماً ثقيلاً ينتقض وضوءه ، سواءٌ أكان مضطجعاً أم قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً ، وأرجع ذلك إلى صفة النّوم ، ولا عبرة عنده - ومن يرى رأيه من المالكيّة - بهيئة النّائم . فإن كان نومه غير ثقيلٍ وهو على هيئة الاضطجاع لا ينتقض وضوءه : والاضطجاع بعد سنّة الفجر - على صورةٍ لا ينتقض معها الوضوء - مندوبٌ لفعل النّبيّ . والاضطجاع عند تناول الطّعام مكروهٌ للنّهي عن الأكل متّكئاً .
مواطن البحث :
6 - يبحث الاضطجاع عند الكلام عن نقضه للوضوء بالنّوم ، ويبحث اضطجاع المريض في صلاة المريض .
اضطرارٌ*
انظر : ضرورةٌ .
إطاقةٌ*
انظر : استطاعةٌ .
أطرافٌ *
التعريف :
1 - الأطراف : مفردها طرفٌ . وطرف الشّيء نهايته ، ولذلك سمّيت اليدان والرّجلان والرّأس أطراف البدن ، ولذلك أيضاً كان البنان طرف الأصبع . ومن هنا يقولون : إذا خضّبت المرأة بنانها أنّها طرفت أصبعها . والفقهاء يستعملون كلمة « أطرافٍ " بهذه الاستعمالات الّتي استعملها أهل اللّغة .
الحكم الإجماليّ :
الجناية على الأطراف :
2 - فصّل الفقهاء في كتاب الجنايات الكلام في الجناية على الأطراف في حالتي العمد والخطأ ، وفي حالة ما إذا كان الطّرف المجنيّ عليه قائماً يؤدّي منفعته المقصودة منه ، أو قائماً ولكنّه لا يؤدّي المنفعة المقصودة منه ، وفي حالة ما إذا كان العضو المناظر للعضو المجنيّ عليه في الجاني سليماً يؤدّي المنفعة المقصودة منه ، أو معطوباً لا يؤدّي المنفعة المقصودة منه . وسيأتي ذلك كلّه في مصطلح ( جنايةٌ ) .
الأطراف في السّجود :
3 - اتّفق الفقهاء على وجوب السّجود على الأطراف ( الكفّين ، والرّأس والقدمين ) إضافةً إلى الرّكبتين . ولكنّهم اختلفوا من حيث الاستحباب في ترتيب وضع اليدين على الأرض - عندما يهوى للسّجود - أو بعد وضع الرّكبتين أو قبل وضع الرّكبتين ، وكذلك عند النّهوض من السّجود إلى القيام . كما اختلفوا في حكم السّجود على أطراف أصابع القدمين ، وهل هو سنّةٌ أو واجبٌ . وقد فصّل الفقهاء ذلك كلّه في كتاب الصّلاة عند كلامهم على السّجود .
4 - وكره بعض الفقهاء خضاب المرأة أطراف الأصابع فقط دون الكفّ ( التّطريف ) وورد النّهي عن ذلك عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، كما ذكر الفقهاء ذلك في خصال الفطرة ، وفي كتاب الحظر والإباحة .
اطّرادٌ *
التعريف :
1 - الاطّراد في اللّغة : مصدر اطّرد الأمر إذا تبع بعضه بعضاً . يقال : اطّرد الماء ، واطّردت الأنهار إذا جرت . واطّراد الوصف عند الأصوليّين معناه : أنّه كلّما وجد الوصف وجد الحكم ، وذلك كوجود حرمة الخمر مع إسكارها ، أو لونها ، أو طعمها ، أو رائحتها . ولا يكون الوصف علّةً للحكم إلاّ إذا كان مطّرداً منعكساً مع كونه مناسباً للحكم ، كالإسكار بالنّسبة إلى تحريم الخمر . كما استعمل الأصوليّون والفقهاء الاطّراد بمعنى الغلبة والذّيوع ، وذلك عند الكلام على الشّروط المعتبرة للعادة والعرف .
الألفاظ ذات الصّلة
أ - العكس :
2 - العكس في اللّغة : ردّ أوّل الشّيء على آخره . يقال عكسه عكساً من باب ضرب . وانعكس الشّيء : مطاوع عكسه . والانعكاس في باب مسالك العلّة عند الأصوليّين أنّه كلّما انتفى الوصف انتفى الحكم ، كانتفاء حرمة الخمر بزوال إسكارها ، أو رائحتها ، أو أحد أوصافها الأخرى . ويقال له : العكس أيضاً . وعليه فهو ضدّ الاطّراد .
ب - الدّوران :
3 - فرّق بعضهم بين الدّوران وبين الاطّراد ، فخصّ الدّوران بالمقارنة في الوجود والعدم ، والطّرد والاطّراد بالمقارنة بالوجود فقط .
ج - الغلبة :
4 - الفرق بين المطّرد والغالب أنّ المطّرد لا يتخلّف ، بخلاف الغالب فإنّه متخلّفٌ في الأقلّ ، وإن كان مطّرداً في الأكثر .
د - العموم :
5 - اطّراد العرف أو العادة غير عمومهما ، فإنّ العموم مرتبطٌ بالمكان والمجال ، فالعرف العامّ على هذا : ما كان شائعاً في البلدان ، والخاصّ ما كان في بلدٍ ، أو بلدانٍ معيّنةٍ ، أو عند طائفةٍ خاصّةٍ .
الحكم الإجماليّ :
أ - اطّراد العلّة :
6 - ذهب بعض الأصوليّين إلى اعتبار الاطّراد في العلّة مسلكاً من مسالكها المعتبرة لمعرفتها ، وإثباتها بها لإفادته الظّنّ ، ولم يعتبره الحنفيّة وكثيرٌ من الأشعريّة ، كالغزاليّ والآمديّ مسلكاً ، على خلافٍ وتفصيل موطنه الملحق الأصوليّ .
ب - الاطّراد في العادة :
7 - ذكر ابن نجيمٍ في الأشباه والنّظائر أنّ العادة إنّما تعتبر إذا اطّردت أو غلبت ، ولذا قالوا في البيع : لو باع بدراهم أو دنانير وكانا في بلدٍ اختلفت فيه النّقود مع الاختلاف في الماليّة والرّواج انصرف البيع إلى الأغلب . قال في الهداية : لأنّه هو المتعارف فينصرف المطلق إليه .. ثمّ تساءل ابن نجيمٍ عن العادة المطّردة ، هل تنزّل منزلة الشّرط ؟ وقال : قال في إجارة الظّهيريّة : والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً . ومراد ابن نجيمٍ من الاطّراد في عبارته الأخيرة ما هو أعمّ من الاطّراد الّذي لا يتخلّف ، وهو ما ذكره صاحب دستور العلماء ، بدليل تصريح ابن نجيمٍ نفسه في عبارته الأولى ، بأنّ غلبة العادة في حكم اطّرادها . وعبارة السّيوطيّ في أشباهه : ( إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت فإن اضطربت فلا ) ، ثمّ مثّل لذلك بأنّ من باع شيئاً وأطلق نزّل على النّقد الغالب ، فلو اضطربت العادة في البلد وجب البيان ، وإلاّ بطل البيع . فتقييده النّقد بالغالب صريحٌ في أنّ الغلبة كافيةٌ هنا كما هو واضحٌ . وتمام الكلام على ذلك في الملحق الأصوليّ ، ومصطلح ( عادةٌ ) . هذا ، وقد يحدث أن يطّرد العمل بأمرين ، يتعارفهما النّاس ، قد يكونان متضادّين ، كأن يتعارف بعضهم قبض الصّداق قبل الدّخول ، ويتعارف بعضهم الآخر غير ذلك . من غير غلبةٍ لأحدهما ، فيسمّى ذلك بالعرف المشترك . وموطن تفصيله عند الكلام على ( العرف ) .
مواطن البحث :
8 - يذكر الأصوليّون الاطّراد عند الكلام على مسالك العلّة من باب القياس ، باعتباره مسلكاً من مسالكها ، كما يذكره الفقهاء والأصوليّون عند الكلام على القاعدة الفقهيّة : ( العادة محكّمةٌ ) . وذكر الأصوليّون في كلامهم على الحقيقة والمجاز ، أنّ المعنى الحقيقيّ يلزم فيه اطّراد ما يدلّ عليه من الحقيقة في جميع جزئيّاته ، وأنّ عدم الاطّراد ممّا يعرف به المجاز .
إطعامٌ *
التعريف :
1 - الإطعام لغةً - إعطاء الطّعام لآكله ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّمليك :
2 - تمليك الشّيء جعله ملكاً للغير . وعلى هذا قد يكون الإطعام تمليكاً فيتّفقان ، وقد يكون الإطعام إباحةً فيفترقان . كما أنّ التّمليك قد يكون تمليكاً للطّعام ، وقد يكون تمليكاً لغيره .
ب - الإباحة :
3 - الإباحة لغةً : الإظهار والإعلان ، من قولهم : أباح السّرّ : أعلنه ، وقد يرد بمعنى الإذن والإطلاق يقال : أبحته كذا إذا أطلقته . واصطلاحاً ، يراد بها الإذن بإتيان الفعل أو تركه . وعلى هذا قد يكون الإطعام إباحةً فيجتمعان في وجهٍ ، وقد يكون تمليكاً فيفترقان في وجهٍ آخر ، وقد تكون الإباحة للطّعام أو لغيره .
حكمه التّكليفيّ :
4 - يجب الإطعام على المكلّف في الدّية والكفّارات ، وحالات الضّرورة ، كسدّ الرّمق ويندب في الصّدقات والقربات ، كالإطعام في الأضحيّة . ويستحبّ في أمورٍ ، منها النّكاح والعقيقة والختان . وتحرم في أمورٍ : منها إطعام الظّلمة والعصاة للمساعدة على الظّلم والعصيان ، وسيأتي تفصيل ذلك . أسباب الإطعام المطلوب شرعاً :