عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 05-06-2012, 01:14 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّعليق :
3 - التّعليق عند الفقهاء ربط حصول مضمون جملةٍ بحصول مضمون جملةٍ أخرى . وبعض صور التّعليق تسمّى يميناً مجازاً . هذا ، وقد ذكر ابن نجيمٍ في فتح الغفّار الفرق من وجهين بين التّعليق والإضافة الّتي بمعنى إسناد الحكم إلى زمنٍ آخر ، ولكن لم يسلم واحدٌ منهما من الاعتراض .
أحدهما : أنّ التّعليق يمينٌ ، وهي إذا كان المقصود بها البرّ أفادت انتفاء المعلّق ، ولا يفضي إلى الحكم ، أمّا الإضافة فهي لثبوت حكم السّبب في وقته ، لا لمنعه ، فيتحقّق السّبب بلا مانعٍ . إذ الزّمان من لوازم الوجود .
والفرق الثّاني : أنّ الشّرط على خطر ( احتمال الوجود والعدم ) ولا خطر في الإضافة . ويرجع إلى كتب الأصول للاعتراضات على هذين الفرقين ، والأجوبة عنها .
ب - التّقييد :
4 - التّقييد في العقود هو : التزام حكمٍ في التّصرّف القوليّ ، لا يستلزمه ذلك التّصرّف في حال إطلاقه .
ج - الاستثناء :
5 - الاستثناء : قولٌ ذو صيغٍ مخصوصةٍ محصورةٍ ، دالٌّ على أنّ المذكور فيه لم يردّ بالقول الأوّل . والفرق بينه وبين الإضافة : أنّ الحكم في الاستثناء يثبت في الحال ، فلو قال المقرّ : لفلانٍ عليّ عشرةٌ إلاّ ثلاثاً فإنّه يكون مقرّاً بسبعٍ ، بخلاف الإضافة ، فإنّ الحكم فيها لا يثبت إلاّ عند وجود الزّمن الّذي أضيف إليه الحكم ، كما لو قال : أنت طالقٌ أوّل الشّهر ، فإنّها لا تطلق إلاّ إذا جاء رأس الشّهر . أمّا الاستثناء فإنّ تأخير المستثنى عن المستثنى منه ( أي الفصل ) لغير عذرٍ يبطله .
د - التّوقّف :
6 - المراد بالتّوقّف هنا : عدم نفاذ حكم التّصرّف الصّادر من ذي أهليّةٍ لكن لا ولاية له فيه . وهو إنّما يكون في العقود القابلة له ، كالبيع والإجارة والنّكاح ، فإذا باع الفضوليّ أو اشترى فعند القائلين بصحّة تصرّفه يكون العقد موقوفاً ، لا ينفذ إلاّ بعد إجازة المالك في البيع ، والمشتري له في الشّراء . هذا ، وإنّ بين العقود المضافة والعقود الموقوفة شبهاً وفرقاً ، فأمّا الشّبه : فهو أنّ كلاًّ منهما يوجد عند وجود الصّيغة ، مع تأخّر الحكم إلى الزّمن الّذي أضيف إليه في العقد المضاف ، أو إلى إجازة المالك في العقد الموقوف . وأمّا الفرق فمن ثلاثة أوجهٍ :
أوّلها : أنّ تراخي الحكم عن الصّيغة في العقد المضاف نشأ من الصّيغة نفسها ، لأنّ الإيجاب فيها مضافٌ إلى زمنٍ مستقبلٍ ، أمّا تراخي الحكم في العقد الموقوف فليس مرجعه الصّيغة ، لأنّها منجّزةٌ ، وإنّما مرجعه صدور التّصرّف ممّن لا ولاية له في العقد .
ثانيها : أنّ الحكم في العقد الموقوف ينفّذ بعد الإجازة مستنداً إلى وقت صدور التّصرّف ، لأنّ الإجازة اللاّحقة فيه كالإذن السّابق . بخلاف العقد المضاف ، فإنّ الحكم فيه لا يثبت إلاّ عند مجيء الزّمن الّذي أضيف إليه الحكم .
ثالثها : أنّ العقد المضاف يترتّب عليه الحكم في الزّمن الّذي أضيف إليه الإيجاب ، ما دام صحيحاً . بخلاف العقد الموقوف ، فإنّه متردّدٌ بين الإجازة والرّدّ فيما إذا لم يجزه من له الولاية . فبيع الفضوليّ مثلاً لا ينفذ إذا لم يجزه المالك .
هـ - التّعيين :
7 - التّعيين معناه : التّحديد والاختيار ، فمن طلّق إحدى نسائه ، ولم يعيّن المطلّقة منهنّ ، فإنّه يلزمه التّعيين عند المطالبة به . فلو قال عند التّعيين : هذه المطلّقة وهذه ، أو بل هذه ، أو ثمّ هذه ، تعيّنت الأولى ، لأنّ التّعيين إنشاء اختيارٍ ، لا إخبارٌ عن سابقٍ ، والبيان عكسه ، فهناك شبهٌ بين التّعيين والإضافة من حيث تراخي حكم التّصرّف إلى التّعيين ، أو الزّمن المضاف إليه . والتّعيين يأتي في خصال كفّارة اليمين فإنّ من حنث ، فخيّر في الكفّارة بين الإعتاق والإطعام والكسوة ، فلا ينتقل إلى الصّوم إلاّ بعد عدم القدرة على خصلةٍ من تلك الخصال الثّلاثة . وعند القدرة على خصلةٍ منها يلزمه أن يعيّنها .
شروط الإضافة :
8 - يشترط لصحّة الإضافة ثلاثة شروطٍ :
الأوّل : صدورها من أهلها ، وهو شرطٌ مشتركٌ في جميع العقود والتّصرّفات .
الثّاني : مقارنتها للعقد أو التّصرّف .
الثّالث : مصادفتها محلّها المشروع من العقود وغيرها . وسيأتي تفصيل هذين الشّرطين .
أنواع الإضافة :
9 - الإضافة نوعان : أحدهما : الإضافة إلى الوقت .
وثانيهما : الإضافة إلى الشّخص . ومعنى الإضافة إلى الوقت : تأخير الآثار المترتّبة على العقد إلى حلول الوقت الّذي أضيف إليه ذلك العقد ، فإنّ من العقود ما يقبل الإضافة إلى الوقت ، ومنها ما لا يقبل . ومعنى الإضافة إلى الشّخص ، أن ينسب حكم التّصرّف إلى شخصٍ معلومٍ .
النّوع الأوّل الإضافة إلى الوقت
10 - الإضافة تتبع طبيعة التّصرّفات ، ومن التّصرّفات ما يضاف إلى الوقت ، ومنها ما لا يضاف إليه . فالتّصرّفات الّتي تصحّ إضافتها إلى الوقت هي : الطّلاق ، وتفويضه ، والخلع ، والإيلاء ، والظّهار ، واليمين ، والنّذر ، والعتق ، والإجارة ، والمعاملة ، والإيصاء ، والوصيّة ، والقضاء ، والمضاربة ، والكفالة ، والوقف ، والمزارعة ، والوكالة . وهناك تصرّفاتٌ لا تصحّ إضافتها إلى الوقت كالنّكاح ، والبيع ، وغيرهما .
التّصرّفات الّتي تقبل الإضافة إلى الوقت : الطّلاق :
11 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إن أضاف الطّلاق إلى الماضي وقع في الحال . وللشّافعيّة قولٌ ضعيفٌ أنّه يلغو . وذهب الحنابلة إلى وقوع الطّلاق إن نواه ، وإلاّ فهو لغوٌ . أمّا إضافة الطّلاق إلى الزّمان المستقبل فالجمهور على وقوعه في أوّل الوقت الّذي أضيف إليه . وقال المالكيّة : إذا أضيف إلى وقتٍ محقّق الوقوع وقع في الحال ، لأنّ إضافة الطّلاق إلى الزّمن المستقبل أو المحقّق مجيئه تجعل النّكاح مؤقّتاً ، فحينئذٍ يشبه نكاح المتعة ، وهو حرامٌ ، فينجّز الطّلاق .
إضافة تفويض الطّلاق للمستقبل :
12 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو قولٌ قديمٌ للشّافعيّة ( بناءً على قولٍ بعدم اشتراط الفوريّة في تفويض الطّلاق إلى المرأة ، وأنّه بمعنى التّوكيل ) إلى أنّه يجوز إضافة تفويض الطّلاق إلى الزّمن المستقبل . والقول الجديد عند الشّافعيّة أنّه يشترط فيه الفوريّة ، فلا يحتمل الإضافة إلى الوقت بناءً على أنّ التّفويض بمعنى التّمليك .
إضافة الخلع إلى الوقت :
13 - اتّفق العلماء على جواز إضافة الخلع إلى الوقت . فإن طلّقها قبل الوقت ، وكان يراد به التّعجيل وقع الطّلاق بائناً ، واستحقّ الزّوج العوض المتّفق عليه . وأمّا إذا طلّق بعد مضيّ الوقت الّذي أضيف إليه الخلع فإنّه يقع الطّلاق ، ولا شيء للزّوج . وللفقهاء تفصيلٌ في كون هذا الطّلاق رجعيّاً أو بائناً ، ينظر في مصطلح ( خلعٌ ) .
إضافة الإيلاء إلى الوقت :
14 - الإيلاء يقبل الإضافة إلى الوقت عند جمهور الفقهاء ، لأنّ الإيلاء يمينٌ ، واليمين يحتمل التّعليق بالشّرط والإضافة إلى الوقت .
إضافة الظّهار إلى الوقت :
15 - مذهب الحنفيّة والحنابلة ، وعلى قولٍ ضعيفٍ عند المالكيّة ، أنّه يصحّ إضافة الظّهار إلى الوقت . والرّاجح عند المالكيّة أنّه لا يصحّ إضافته إلى الوقت . ولم نجد للشّافعيّة رأياً في هذه المسألة .
إضافة اليمين إلى الوقت :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ اليمين يجوز إضافتها إلى الوقت ، مع تفصيلٍ ذكروه في كتبهم . وينظر في مصطلح ( أيمانٌ ) .
إضافة النّذر إلى الوقت :
17 - اتّفق الفقهاء على جواز إضافة النّذر إلى وقتٍ مستقبلٍ ، كأن يقول : للّه عليّ أن أصوم شهر رجبٍ ، أو أصلّي ركعتين يوم كذا ، على تفصيلٍ ينظر في ( باب النّذر ) .
إضافة الإجارة إلى الوقت :
18 - ذهب الفقهاء إلى جواز إضافة الإجارة إلى الزّمن المستقبل في الجملة . وتفصيل ذلك في مصطلح ( إجارةٌ ) .
إضافة المضاربة إلى المستقبل :
19 - أجاز الحنفيّة إضافة المضاربة إلى الوقت ، وهو الصّحيح عند الحنابلة . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى عدم الجواز . وتفصيله في مصطلح ( مضاربةٌ ) .
إضافة الكفالة :
20 - أجاز الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إضافة الكفالة ، سواءٌ أكانت في المال أم في البدن ، لأنّها تبرّعٌ من غير عوضٍ ، وضرب أجلٍ لها لا يخلّ بالمقصود ، فصحّت كالنّذر . وعند الشّافعيّة لا تجوز إضافتها أو تعليقها إن كانت في المال اتّفاقاً ، وكذلك في البدن على الأصحّ ، ومقابل الأصحّ عندهم أنّها تجوز وتفصيل آراء الفقهاء في ذلك في مصطلح ( كفالةٌ ) . إضافة الوقف :
21 - يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة إضافة الوقف إلى الوقت . والشّافعيّة والحنابلة يجيزون إضافته ، إلاّ أنّ الظّاهر عند الشّافعيّة أنّهم يجيزون إضافة الوقف إذا أشبه التّحرير ، كما لو جعل داره مسجداً إذا جاء رمضان ، حيث جعلها محرّرةً من كلّ ملكٍ إلاّ للّه عزّ وجلّ .
إضافة المزارعة والمعاملة :
22 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ إضافة المعاملة ( المساقاة ) إلى المستقبل جائزةٌ . وأمّا المزارعة ، فالحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون قبولها الإضافة . لأنّ المزارعة والمعاملة عندهم في معنى الإجارة ، والإجارة تصحّ إضافتها إلى الوقت فكذلك المزارعة والمعاملة . ولم يتعرّض المالكيّة إلى ذكر المدّة فيها . وصرّح الحنابلة بأنّ المزارعة والمساقاة لا يفتقران للتّصريح بمدّةٍ يحصل الكمال فيها ، بل لو زارعه أو ساقاه دون أن يذكر مدّةً جاز ، لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يضرب لأهل خيبر مدّةً .
إضافة الوصيّة والإيصاء إلى الوقت :
23 - الوصيّة والإيصاء بمعنًى واحدٍ في اللّغة ، ويفرّق الفقهاء بينهما في الاستعمال ، فالإيصاء معناه أن يعهد إلى غيره ، بأن يقوم مقامه بعد موته ، والوصيّة تصرّفٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت تستعمل غالباً في الأموال . ويرى الفقهاء أنّ الوصيّة والإيصاء يقبلان الإضافة إلى الوقت .
إضافة الوكالة إلى الوقت :
24 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو ما يفهم من تفريعات الشّافعيّة ، إلى جواز إضافة الوكالة إلى الوقت . قال صاحب البدائع : ركن التّوكيل قد يكون مضافاً إلى وقتٍ ، بأن يقول وكّلتك في بيع هذه الدّار غداً ، ويصير وكيلاً في الغد فما بعده ، ولا يكون وكيلاً قبل الغد ، لأنّ التّوكيل إطلاق التّصرّف ، والإطلاقات ممّا تحتمل التّعليق بالشّرط والإضافة إلى الوقت ، كالطّلاق والعتاق .
العقود الّتي لا تصحّ إضافتها إلى المستقبل :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّ عقود البيع ، والنّكاح ، والصّلح على مالٍ ، والرّجعة ، والقسمة لا تقبل الإضافة إلى المستقبل . ومثلها الشّركة عند الحنفيّة ، ولم يعثر للآخرين على قولٍ فيها . واستثنى المالكيّة من قاعدة عدم قبول النّكاح للإضافة الصّورة التّالية : لو أضاف الأب نكاح ابنته إلى موته ، وكان مريضاً مرضاً مخوفاً أم لا ، طال أو قصر فيصحّ النّكاح إذا مات منه ، لأنّه من وصايا المسلمين . وكذلك عقد الهبة لا يقبل الإضافة عند جمهور الفقهاء ، خلافاً للمالكيّة في بعض الصّور ، ذكروها في موضعها .
وللتّفصيل وبيان الأدلّة في كلٍّ من هذه الموضوعات يرجع إلى مصطلحاتها .
النّوع الثّاني الإضافة إلى الشّخص
26 - التّصرّفات إمّا أن يضيفها مباشرها إلى نفسه ، وإمّا أن يضيفها إلى غيره .
أ - إضافة التّصرّف إلى المباشر نفسه :
27 - الأصل أن يضيف مباشر التّصرّف ذلك التّصرّف إلى نفسه ، وأن يباشر العقد من يملك السّلعة ، وكذلك الطّلاق ، فإنّ الزّوج هو الّذي يملكه ، فلا بدّ أن يصدر منه ، فإن صدر عن غيره بغير إذنه فإنّه لا يقع .
ب - إضافة المباشر التّصرّف إلى غيره :
28 - إذا أضاف المباشر التّصرّف إلى غيره ، فإمّا أن تكون الإضافة بإذن ذلك الغير أو بغير إذنه ، فإن أضيف بإذن ذلك الغير كالوكالة ، فإنّه يصحّ ، فمن وكّل غيره في بيعٍ أو طلاقٍ أو إيصال هبةٍ أو وديعةٍ ، فإنّ التّوكيل يقوم مقام الموكّل فيما وكّل به ، وتصرّفات الوكيل معتبرةٌ . وأمّا إن أضيف التّصرّف إلى الغير غير إذنه فإنّه ينظر إلى ذلك التّصرّف ، فإن كان لا يفتقر إلى إذن الغير فإنّه يصحّ ، وذلك كتصرّف الوصيّ في شأن الموصى عليهم ، فإنّ من أوصى غيره ليقوم مقامه بعد موته في رعاية أبنائه لا يحتاج الوصيّ في تصرّفاته إلى إذن الموصى عليهم ، لأنّهم تحت وصايته ، فتصرّفاته - أي الوصيّ - تنفذ عليهم عملاً بكلام الموصي . ومثل الوصيّة في هذا المعنى الولاية . فإنّ تصرّفات الوليّ تنفذ على من له الولاية عليهم ولا يفتقر إلى إذنهم . وكذلك القيّم الّذي يعينه القاضي ، فإنّ تصرّفاته صحيحةٌ ، ولا يفتقر إلى إذن من له القوامة عليه .
29 - وأمّا إن كان يفتقر إلى إذن الغير فهو تصرّف الفضوليّ الّذي يتصرّف بلا إذنٍ ولا وصايةٍ ولا ولايةٍ ولا قوامة في بيعٍ وغيره . وفي صحّة تصرّفات الفضوليّ خلافٌ بين الفقهاء : فذهب الحنفيّة والمالكيّة - على قولٍ عندهم - والشّافعيّ في القديم إلى أنّ الفضوليّ إذا تصرّف ببيعٍ أو شراءٍ فإنّ تصرّفه هذا موقوفٌ على إجازة المالك ، فإن أجازه نفذ وإلاّ فلا . وذهب المالكيّة - على قولٍ عندهم - والشّافعيّ في الجديد ، والحنابلة إلى أنّ تصرّف الفضوليّ بالبيع أو الشّراء باطلٌ ، حتّى وإن أجازه المالك . واستثنى الحنابلة ما لو اشترى لغيره شيئاً في ذمّته بغير إذنه ، فيصحّ إن لم يسمّ المشتري من اشترى له في العقد ، بأن قال : اشتريت هذا ، ولم يقل : لفلانٍ ، فيصحّ العقد ، سواءٌ نقد المشتري الثّمن من مال الّذي اشترى له ، أو من مال نفسه ، أو لم ينقده بالكلّيّة ، لأنّه متصرّفٌ في ذمّته ، وهي قابلةٌ للتّصرّف ، والّذي نقده إنّما هو عوضٌ عمّا في الذّمّة . فإن سمّاه في العقد لم يصحّ إن لم يكن أذن . وذهب المالكيّة - في قولٍ ثالثٍ عندهم - إلى أنّ تصرّف الفضوليّ بالبيع أو الشّراء باطلٌ في العقار وجائزٌ في العروض ، أي يصحّ تصرّفه في المنقولات دون غيرها كالأراضي والبيوت .
إضجاعٌ *
التعريف :
1 - الإضجاع مصدر أضجع ، يقال : أضجعته إضجاعاً : وضعت جنبه بالأرض . وهو كذلك في الاصطلاح .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - الاضطجاع :
2 - الاضطجاع وضع الإنسان جنبه على الأرض بنفسه ، فهو لازمٌ ، والاضطجاع متعدٍّ . وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين الإضجاع ، أنّ الإضجاع يقال فيمن ضجع نفسه . أمّا الإضجاع فإنّه يكون بفعل الغير له . والاضطجاع في السّجود أن يتضامّ فيه ولا يجافي بطنه عن فخذيه .
ب - استلقاءٌ :
3 - الاستلقاء : النّوم على القفا .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
4 - يفصّل الفقهاء في ( الذّبائح ) حكم إضجاع الذّبيحة وإراحتها ، ويتّفقون على أنّ هذا مندوبٌ إليه ، لما ورد فيه من آثارٍ ، ولأنّ فيه إراحةً للذّبيحة وتخفيفاً عنها . كما يتكلّم الفقهاء على الإضجاع في الجنائز عند احتضار الشّخص ، وعند دفنه حيث يسنّ إضجاعه على جنبه الأيمن جهة القبلة ، وهذا موضع اتّفاقٍ بين الفقهاء ، لما ورد في ذلك من الآثار . ( ر : جنازةٌ ) .
أضحيّةٌ *
التعريف :
1 - الأضحيّة بتشديد الياء وبضمّ الهمزة أو كسرها ، وجمعها الأضاحيّ بتشديد الياء أيضاً ، ويقال لها : الضّحيّة بفتح الضّاد وتشديد الياء ، وجمعها الضّحايا ، ويقال لها أيضاً : الأضحاة بفتح الهمزة وجمعها الأضحى ، وهو على التّحقيق اسم جنسٍ جمعيٍّ ، وبها سمّي يوم الأضحى ، أي اليوم الّذي يضحّي فيه النّاس . وقد عرّفها اللّغويّون بتعريفين :
أحدهما : الشّاة الّتي تذبح ضحوةً ، أي وقت ارتفاع النّهار والوقت الّذي يليه ، وهذا المعنى نقله صاحب اللّسان عن ابن الأعرابيّ .
وثانيهما : الشّاة الّتي تذبح يوم الأضحى ، وهذا المعنى ذكره صاحب اللّسان أيضاً . أمّا معناها في الشّرع : فهو ما يذكّى تقرّباً إلى اللّه تعالى في أيّام النّحر بشرائط مخصوصةٍ . فليس ، من الأضحيّة ما يذكّى لغير التّقرّب إلى اللّه تعالى ، كالذّبائح الّتي تذبح للبيع أو الأكل أو إكرام الضّيف ، وليس منها ما يذكّى في غير هذه الأيّام ، ولو للتّقرّب إلى اللّه تعالى ، وكذلك ما يذكّى بنيّة العقيقة عن المولود ، أو جزاء التّمتّع أو القران في النّسك ، أو جزاء ترك واجبٍ أو فعل محظورٍ في النّسك ، أو يذكّى بنيّة الهدي كما سيأتي .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - القربان :
2 - القربان : ما يتقرّب به العبد إلى ربّه ، سواءٌ أكان من الذّبائح أم من غيرها . والعلاقة العامّة بين الأضحيّة وسائر القرابين أنّها كلّها يتقرّب بها إلى اللّه تعالى ، فإن كانت القرابين من الذّبائح كانت علاقة الأضحيّة بها أشدّ ، لأنّها يجمعها كونها ذبائح يتقرّب بها إليه سبحانه ، فالقربان أعمّ من الأضحيّة .
ب - الهدي :
3 - الهدي : ما يذكّى من الأنعام في الحرم في أيّام النّحر لتمتّعٍ أو قرانٍ ، أو ترك واجبٍ من واجبات النّسك ، أو فعل محظورٍ من محظورات النّسك ، حجّاً كان أو عمرةً ، أو لمحض التّقرّب إلى اللّه تعالى تطوّعاً . ويشترك الهدي مع الأضحيّة في أنّ كلاًّ منهما ذبيحةٌ ، ومن الأنعام ، وتذبح في أيّام النّحر ، ويقصد بها التّقرّب إلى اللّه تعالى . ويفترق الهدي ذو السّبب عن الأضحيّة افتراقاً ظاهراً ، فإنّ الأضحيّة لا تقع عن تمتّعٍ ولا قرانٍ ، ولا تكون كفّارةً لفعلٍ محظورٍ أو ترك واجبٍ . وأمّا الهدي الّذي قصد به التّقرّب المحض فإنّه يشتبه بالأضحيّة اشتباهاً عظيماً ، لا سيّما أضحيّة المقيمين بمنًى من أهلها ومن الحجّاج ، فإنّها ذبيحةٌ من الأنعام ذبحت في الحرم في أيّام النّحر تقرّباً إلى اللّه تعالى ، وكلّ هذه الصّفات صفاتٌ للهدي فلا يفرّق بينهما إلاّ بالنّيّة ، فما نوي به الهدي كان هدياً ، وما نوي به التّضحية كان أضحيّةً . فإن قيل : إنّ النّيّة ليست نيّة ألفاظٍ ، وإنّما هي معانٍ ، فما هو المعنى الّذي يخطر ببال النّاوي ، حين ينوي الهدي ، وحين ينوي الأضحيّة حتّى تكون النّيّة فارقةً بينهما ؟ فالجواب : أنّ ناوي الهدي يخطر بباله الإهداء إلى الحرم وتكريمه ، وناوي الأضحيّة يخطر بباله الذّبح المختصّ بالأيّام الفاضلة من غير ملاحظة الإهداء إلى الحرم . هذا ، والمالكيّة يرون أنّ الحاجّ لا يضحّي كما سيأتي ، فيكون الفرق عندهم بين هدي التّطوّع والأضحيّة ظاهراً ، فإنّ ما يقوم به الحاجّ يكون هدياً ، وما يقوم به غير الحاجّ يكون أضحيّةً .
ج - العقيقة :
4 - العقيقة ما يذكّى من النّعم شكراً للّه تعالى على ما أنعم به ، من ولادة مولودٍ ، ذكراً كان أو أنثى ، ولا شكّ أنّها تخالف الأضحيّة الّتي هي شكرٌ على نعمة الحياة ، لا على الإنعام بالمولود ، فلو ولد لإنسانٍ مولودٌ في عيد الأضحى فذبح عنه شكراً على إنعام اللّه بولادته كانت الذّبيحة عقيقةً . وإن ذبح عنه شكراً للّه تعالى على إنعامه على المولود نفسه بالوجود والحياة في هذا الوقت الخاصّ ، كانت الذّبيحة أضحيّةً .
د - الفرع والعتيرة :
5 - الفرع بفتح الفاء والرّاء ، ويقال له الفرعة : أوّل نتاج البهيمة ، كان أهل الجاهليّة يذبحونه لطواغيتهم ، رجاء البركة في الأمّ وكثرة نسلها ، ثمّ صار المسلمون يذبحونه للّه تعالى . والعتيرة بفتح العين : ذبيحةٌ كان أهل الجاهليّة يذبحونها في العشر الأول من رجبٍ لآلهتهم ويسمّونها العتر ( بكسرٍ فسكونٍ ) والرّجيبة أيضاً ، ثمّ صار المسلمون يذبحونها للّه تعالى من غير وجوبٍ ولا تقيّدٍ بزمنٍ . وعلاقة الأضحيّة بهما أنّهما يشتركان معها في أنّ الجميع ذبائح يتقرّب بها إلى اللّه عزّ وجلّ ، والفرق بينها وبينهما ظاهرٌ . فإنّ الفرع يقصد به شكراً للّه تعالى على أوّل نتاجٍ تنتجه النّاقة وغيرها ورجاء البركة فيها ، والعتيرة يقصد بها شكراً للّه تعالى على نعمة الحياة إلى وقت ذبحها . والأضحيّة يقصد بها شكراً للّه تعالى على نعمة الحياة إلى حلول الأيّام الفاضلة من ذي الحجّة الحرام . مشروعيّة الأضحيّة ودليلها :
6 - الأضحيّة مشروعةٌ إجماعاً بالكتاب والسّنّة : أمّا الكتاب فقوله تعالى : { فصلّ لربّك وانحر } قيل في تفسيره : صلّ صلاة العيد وانحر البدن . وأمّا السّنّة فأحاديث تحكي فعله صلى الله عليه وسلم لها ، وأخرى تحكي قوله في بيان فضلها والتّرغيب فيها والتّنفير من تركها . فمن ذلك ما صحّ من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنّه قال : « ضحّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمّى وكبّر ، ووضع رجله على صفاحهما » . وأحاديث أخرى سيأتي بعضها منها قوله صلى الله عليه وسلم : « من كان له سعةٌ ولم يضحّ فلا يقربنّ مصلاّنا » . وقد شرعت التّضحية في السّنة الثّانية من الهجرة النّبويّة ، وهي السّنة الّتي شرعت فيها صلاة العيدين وزكاة المال . أمّا حكمة مشروعيّتها ، فهي شكراً للّه تعالى على نعمة الحياة ، وإحياء سنّة سيّدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره اللّه عزّ اسمه بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النّحر ، وأن يتذكّر المؤمن أنّ صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإيثارهما طاعة اللّه ومحبّته على محبّة النّفس والولد كانا سبب الفداء ورفع البلاء ، فإذا تذكّر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصّبر على طاعة اللّه وتقديم محبّته عزّ وجلّ على هوى النّفس وشهوتها . وقد يقال : أيّ علاقةٍ بين إراقة الدّم وبين شكر المنعم عزّ وجلّ والتّقرّب إليه ؟ والجواب من وجهين :
أحدهما : أنّ هذه الإراقة وسيلةٌ للتّوسعة على النّفس وأهل البيت ، وإكرام الجار والضّيف ، والتّصدّق على الفقير ، وهذه كلّها مظاهر للفرح والسّرور بما أنعم اللّه به على الإنسان ، وهذا تحدّثٌ بنعمة اللّه تعالى كما قال عزّ اسمه : { وأمّا بنعمة ربّك فحدّث } .
ثانيهما : المبالغة في تصديق ما أخبر به اللّه عزّ وجلّ من أنّه خلق الأنعام لنفع الإنسان ، وأذن في ذبحها ونحرها لتكون طعاماً له . فإذا نازعه في حلّ الذّبح والنّحر منازعٌ تمويهاً بأنّهما من القسوة والتّعذيب لذي روحٍ تستحقّ الرّحمة والإنصاف ، كان ردّه على ذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ الّذي خلقنا وخلق هذه الحيوانات ، وأمرنا برحمتها والإحسان إليها ، أخبرنا وهو العليم بالغيب أنّه خلقها لنا وأباح تذكيتها ، وأكّد هذه الإباحة بأن جعل هذه التّذكية قربةً في بعض الأحيان .
حكم الأضحيّة :
7 - ذهب جمهور الفقهاء ، ومنهم الشّافعيّة والحنابلة ، وهو أرجح القولين عند مالكٍ ، وإحدى روايتين عن أبو يوسف إلى أنّ الأضحيّة سنّةٌ مؤكّدةٌ . وهذا قول أبي بكرٍ وعمر وبلالٍ وأبي مسعودٍ البدريّ وسويد بن غفلة وسعيد بن المسيّب وعطاءٍ وعلقمة والأسود وإسحاق وأبي ثورٍ وابن المنذر . واستدلّ الجمهور على السّنّيّة بأدلّةٍ : منها قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا دخل العشر ، وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمسّ من شعره ولا من بشره شيئاً » . ووجه الدّلالة في هذا الحديث أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « وأراد أحدكم » فجعله مفوّضاً إلى إرادته ، ولو كانت التّضحية واجبةً لاقتصر على قوله : « فلا يمسّ من شعره شيئاً حتّى يضحّي » . ومنها أيضاً أنّ أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحّيان السّنة والسّنتين ، مخافة أن يرى ذلك واجباً . وهذا الصّنيع منهما يدلّ على أنّهما علما من الرّسول صلى الله عليه وسلم عدم الوجوب ، ولم يرو عن أحدٍ من الصّحابة خلاف ذلك .
8 - وذهب أبو حنيفة إلى أنّها واجبةٌ . وهذا المذهب هو المرويّ عن محمّدٍ وزفر وإحدى الرّوايتين عن أبي يوسف . وبه قال ربيعة واللّيث بن سعدٍ والأوزاعيّ والثّوريّ ومالكٌ في أحد قوليه . واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى : { فصلّ لربّك وانحر } فقد قيل في تفسيره صلّ صلاة العيد وانحر البدن ، ومطلق الأمر للوجوب ، ومتى وجب على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجب على الأمّة لأنّه قدوتها . وبقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من كان له سعةٌ ولم يضحّ فلا يقربنّ مصلاّنا » ، وهذا كالوعيد على ترك التّضحية ، والوعيد إنّما يكون على ترك الواجب . وبقوله عليه الصلاة والسلام : « من ذبح قبل الصّلاة فليذبح شاةً مكانها ، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم اللّه » ، فإنّه أمر بذبح الأضحيّة وبإعادتها إذا ذكّيت قبل الصّلاة ، وذلك دليل الوجوب . ثمّ إنّ الحنفيّة القائلين بالوجوب يقولون : إنّها واجبةٌ عيناً على كلّ من وجدت فيه شرائط الوجوب . فالأضحيّة الواحدة كالشّاة وسبع البقرة وسبع البدنة إنّما تجزئ عن شخصٍ واحدٍ .
9 - وأمّا القائلون بالسّنّيّة فمنهم من يقول : إنّها سنّة عينٍ أيضاً ، كالقول المرويّ عن أبي يوسف فعنده لا يجزئ الأضحيّة الواحدة عن الشّخص وأهل بيته أو غيرهم . ومنهم من يقول : إنّها سنّة عينٍ ولو حكماً ، بمعنى أنّ كلّ واحدٍ مطالبٌ بها ، وإذا فعلها واحدٌ بنيّة نفسه وحده لم تقع إلاّ عنه ، وإذا فعلها بنيّة إشراك غيره في الثّواب ، أو بنيّة كونها لغيره أسقطت الطّلب عمّن أشركهم أو أوقعها عنهم . وهذا رأي المالكيّة ، وإيضاحه أنّ الشّخص إذا ضحّى ناوياً نفسه فقط سقط الطّلب عنه ، وإذا ضحّى ناوياً نفسه وأبويه الفقيرين وأولاده الصّغار ، وقعت التّضحية عنهم ، ويجوز له أن يشرك غيره في الثّواب - قبل الذّبح - ولو كانوا أكثر من سبعةٍ بثلاث شرائط :
الأولى : أن يسكن معه .
الثّانية : أن يكون قريباً له وإن بعدت القرابة ، أو زوجةً .
الثّالثة : أن ينفق على من يشركه وجوباً كأبويه وصغار ولده الفقراء ، أو تبرّعاً كالأغنياء منهم وكعمٍّ وأخٍ وخالٍ . فإذا وجدت هذه الشّرائط سقط الطّلب عمّن أشركهم . وإذا ضحّى بشاةٍ أو غيرها ناوياً غيره فقط ، ولو أكثر من سبعةٍ ، من غير إشراك نفسه معهم سقط الطّلب عنهم بهذه التّضحية ، وإن لم تتحقّق فيهم الشّرائط الثّلاث السّابقة . ولا بدّ في كلّ ذلك أن تكون الأضحيّة ملكاً خاصّاً للمضحّي ، فلا يشاركوه فيها ولا في ثمنها ، وإلاّ لم تجزئ ، كما سيأتي في شرائط الصّحّة .
10 - ومن القائلين بالسّنّيّة من يجعلها سنّة عينٍ في حقّ المنفرد ، وسنّة كفايةٍ في حقّ أهل البيت الواحد ، وهذا رأي الشّافعيّة والحنابلة . فقد قالوا : إنّ الشّخص يضحّي بالأضحيّة الواحدة - ولو كانت شاةً - عن نفسه وأهل بيته .
وللشّافعيّة تفسيراتٌ متعدّدةٌ لأهل البيت الواحد والرّاجح تفسيران :
أحدهما : أنّ المقصود بهم من تلزم الشّخص نفقتهم ، وهذا هو الّذي رجّحه الشّمس الرّمليّ في نهاية المحتاج .
ثانيهما : من تجمعهم نفقة منفقٍ واحدٍ ولو تبرّعاً ، وهذا هو الّذي صحّحه الشّهاب الرّمليّ بهامش شرح الرّوض . قالوا : ومعنى كونها سنّة كفايةٍ - مع كونها تسنّ لكلّ قادرٍ منهم عليها - سقوط الطّلب عنهم بفعل واحدٍ رشيدٍ منهم ، لا حصول الثّواب لكلٍّ منهم ، إلاّ إذا قصد المضحّي تشريكهم في الثّواب . وممّا استدلّ به على كون التّضحية سنّة كفايةٍ عن الرّجل وأهل بيته حديث أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه قال : « كنّا نضحّي بالشّاة الواحدة يذبحها الرّجل عنه وعن أهل بيته ، ثمّ تباهى النّاس بعد فصارت مباهاةً » . وهذه الصّيغة الّتي قالها أبو أيّوب رضي الله عنه تقتضي أنّه حديثٌ مرفوعٌ .
الأضحيّة المنذورة :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ نذر التّضحية يوجبها ، سواءٌ أكان النّاذر غنيّاً أم فقيراً ، وهو إمّا أن يكون نذراً لمعيّنةٍ نحو : للّه عليّ أن أضحّي بهذه الشّاة ، وإمّا أن يكون نذراً في الذّمّة لغير معيّنةٍ لمضمونةٍ ، كأن يقول : للّه عليّ أن أضحّي ، أو يقول : للّه عليّ أن أضحّي بشاةٍ . فمن نذر التّضحية بمعيّنةٍ لزمه التّضحية بها في الوقت ، وكذلك من نذر التّضحية في الذّمّة بغير معيّنةٍ ، ثمّ عيّن شاةً مثلاً عمّا في ذمّته ، فإنّه يجب عليه التّضحية بها في الوقت . وصرّح الشّافعيّة بأنّ من نذر معيّنةً ، وبها عيبٌ مخلٌّ بالإجزاء صحّ نذره ، ووجب عليه ذبحها في الوقت ، وفاءً بما التزمه ، ولا يجب عليه بدلها . ومن نذر أضحيّةً في ذمّته ، ثمّ عيّن شاةً بها عيبٌ مخلٌّ بالإجزاء لم يصحّ تعيينه إلاّ إذا كان قد نذرها معيبةً ، كأن قال : عليّ أن أضحّي بشاةٍ عرجاء بيّنة العرج . وقال الحنابلة مثل ما قال الشّافعيّة ، إلاّ أنّهم أجازوا إبدال المعيّنة بخيرٍ منها ، لأنّ هذا أنفع للفقراء . ودليل وجوب الأضحيّة بالنّذر : أنّ التّضحية قربةٌ للّه تعالى من جنسها واجبٌ كهدي التّمتّع ، فتلزم بالنّذر كسائر القرب ، والوجوب بسبب النّذر يستوي فيه الفقير والغنيّ .
أضحيّة التّطوّع :
12 - من لم تجب التّضحية عليه لعدم توفّر شرطٍ من شروط وجوبها عند من قال بالوجوب ، ولعدم توفّر شروط السّنّيّة عند من قال بأنّها سنّةٌ ، فالأضحيّة تعتبر في حقّه تطوّعاً .
شروط وجوب الأضحيّة أو سنّيّتها :
13 - الأضحيّة إذا كانت واجبةً بالنّذر فشرائط وجوبها هي شرائط النّذر ، وهي : الإسلام والبلوغ والعقل والحرّيّة والاختيار ، ولتفصيلها يراجع باب النّذر . وإذا كانت واجبةً بالشّرع ( عند من يقول بذلك ) فشروط وجوبها أربعةٌ ، وزاد محمّدٌ وزفر شرطين ، وهذه الشّروط أو بعضها مشترطةٌ في سنّيّتها أيضاً عند من قال بعدم الوجوب ، وزاد المالكيّة شرطاً في سنّيّتها ، وبيان ذلك كما يلي :
14 - الشّرط الأوّل : الإسلام ، فلا تجب على الكافر ، ولا تسنّ له ، لأنّها قربةٌ ، والكافر ليس من أهل القرب ، ولا يشترط عند الحنفيّة وجود الإسلام في جميع الوقت الّذي تجزئ فيه التّضحية ، بل يكفي وجوده آخر الوقت ، لأنّ وقت الوجوب يفضل عن أداء الواجب ، فيكفي في وجوبها بقاء جزءٍ من الوقت كالصّلاة ، وكذا يقال في جميع الشّروط الآتية ، وهذا الشّرط متّفقٌ عليه بين القائلين بالوجوب والقائلين بالسّنّيّة ، بل إنّه أيضاً شرطٌ للتّطوّع .
15 - الشّرط الثّاني : الإقامة ، فلا تجب على المسافر ، لأنّها لا تتأدّى بكلّ مالٍ ولا في كلّ زمانٍ ، بل بحيوانٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوصٍ ، والمسافر لا يظفر به في كلّ مكان في وقت التّضحية ، فلو أوجبناها عليه لاحتاج لحمل الأضحيّة مع نفسه ، وفيه من الحرج ما لا يخفى ، أو احتاج إلى ترك السّفر ، وفيه ضررٌ ، فدعت الضّرورة إلى امتناع وجوبها عليه ، بخلاف المقيم ولو كان حاجّاً ، لما روى نافعٌ عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّه كان يخلّف لمن لم يحجّ من أهله أثمان الضّحايا ، وذلك ليضحّوا عنه تطوّعاً . ويحتمل أنّه ليضحّوا عن أنفسهم لا عنه ، فلا يثبت الوجوب مع الاحتمال . هذا مذهب الحنفيّة القائلين بالوجوب ، وأمّا من قال بالسّنّيّة فلا يشترط هذا الشّرط ، وكذلك لا يشترط في التّطوّع ، لأنّه لا يترتّب على سنّيّتها ولا التّطوّع بها حرجٌ .
16 - الشّرط الثّالث : الغنى - ويعبّر عنه باليسار - لحديث « من كان له سعةٌ ولم يضحّ فلا يقربنّ مصلاّنا » والسّعة هي الغنى ، ويتحقّق عند الحنفيّة بأن يكون في ملك الإنسان مائتا درهمٍ أو عشرون ديناراً ، أو شيءٌ تبلغ قيمته ذلك ، سوى مسكنه وحوائجه الأصليّة وديونه . وقال المالكيّة : يتحقّق الغنى بألاّ تجحف الأضحيّة بالمضحّي ، بألاّ يحتاج لثمنها في ضروريّاته في عامه . وقال الشّافعيّة : إنّما تسنّ للقادر عليها ، وهو من ملك ما يحصل به الأضحيّة ، فاضلاً عمّا يحتاج إليه في يوم العيد وليلته وأيّام التّشريق الثّلاثة ولياليها .
17 - الشّرطان الرّابع والخامس : البلوغ والعقل ، وهذان الشّرطان اشترطهما محمّدٌ وزفر ، ولم يشترطهما أبو حنيفة وأبو يوسف ، فعندهما تجب التّضحية في مال الصّبيّ والمجنون إذا كانا موسرين ، فلو ضحّى الأب أو الوصيّ عنها من مالهما لم يضمن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، ويضمن في قول محمّدٍ وزفر ، وهذا الخلاف كالخلاف في صدقة الفطر . ولتفصيل حجج الفريقين يرجع لمصطلح ( صدقة الفطر ) .
18 - والّذي يجنّ ويفيق يعتبر حاله في الجنون والإفاقة ، فإن كان مجنوناً في أيّام النّحر فهو على الاختلاف ، وإن كان مفيقاً وجبت من ماله بلا خلافٍ ، وقيل : إنّ حكمه حكم الصّحيح كيفما كان . وهذا الّذي قرّره صاحب " البدائع " يقتضي برجيح القول بالوجوب ، لكن صحّح صاحب الكافي القول بعدم الوجوب ورجّحه ابن الشّحنة واعتمده صاحب " الدّرّ المختار " ناقلاً عن متن " مواهب الرّحمن " أنّه أصحّ ما يفتى به ، وقال ابن عابدين : إنّ هذا القول اختاره صاحب الملتقى حيث قدّمه ، وعبّر عن مقابله بصيغة التّضعيف ، وهي " قيل " . هذا كلّه رأي الحنفيّة . وقال المالكيّة : لا يشترط في سنّيّة التّضحية البلوغ ولا العقل ، فيسنّ للوليّ التّضحية عن الصّغير والمجنون من مالهما ، ولو كانا يتيمين . وقال الشّافعيّة : لا يجوز للوليّ أن يضحّي عن محجوريه من أموالهم ، وإنّما يجوز أن يضحّي عنهم من ماله إن كان أباً أو جدّاً ، وكأنّه ملكها لهم وذبحها عنهم ، فيقع له ثواب التّبرّع لهم ، ويقع لهم ثواب التّضحية . وقال الحنابلة في اليتيم الموسر : يضحّي عنه وليّه من ماله ، أي مال المحجور ، وهذا على سبيل التّوسعة في يوم العيد لا على سبيل الإيجاب .
19 - هذا وقد انفرد المالكيّة بذكر شرطٍ لسنّيّة التّضحية ، وهو ألاّ يكون الشّخص حاجّاً ، فالحاجّ لا يطالب بالتّضحية شرعاً ، سواءٌ ، أكان بمنًى أم بغيرها ، وغير الحاجّ هو المطالب بها ، وإن كان معتمراً أو كان بمنًى . وعند الحنفيّة لا تجب على حاجٍّ مسافرٍ .
20 - هذا وليست الذّكورة ولا المصر من شروط الوجوب ولا السّنّيّة ، فكما تجب على الذّكور تجب على الإناث ، وكما تجب على المقيمين في الأمصار تجب على المقيمين في القرى والبوادي ، لأنّ أدلّة الوجوب أو السّنّيّة شاملةٌ للجميع .
تضحية الإنسان من ماله عن ولده :
21 - إذا كان الولد كبيراً فلا يجب على أبيه أو جدّه التّضحية عنه ، أمّا الولد وولد الولد الصّغيران فإن كان لهما مالٌ فقد سبق الكلام عن ذلك ، وإن لم يكن لهما مالٌ ، فعن أبي حنيفة في ذلك روايتان :
أولاهما : أنّها لا تجب ، وهو ظاهر الرّواية ، وعليه الفتوى ، لأنّ الأصل أنّه لا يجب على الإنسان شيءٌ عن غيره ، وخصوصاً القربات ، لقوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى } . وقوله جلّ شأنه { لها ما كسبت } . ولهذا لم تجب عليه عن ولده وولد ولده الكبيرين .
ثانيتهما : أنّها تجب ، لأنّ ولد الرّجل جزؤه وكذا ولد ابنه ، فإذا وجب عليه أن يضحّي عن نفسه وجب عليه أن يضحّي عن ولده وولد ابنه قياساً على صدقة الفطر . ثمّ على القول بظاهر الرّواية - وهو عدم الوجوب - يستحبّ للإنسان أن يضحّي عن ولده وولد ابنه الصّغيرين من مال نفسه ، والمقصود بولد ابنه هو اليتيم الّذي تحت ولاية جدّه . وهذا موافقٌ لما سبق من مذهب الجمهور .
رد مع اقتباس