بسم الله الرحمن الرحيم
الموسوعة الفقهية / الجزء الخامس
إشرافٌ*
التعريف :
1 - الإشراف لغةً : مصدر أشرف ، أي اطّلع على الشّيء من أعلى . وإشراف الموضع : ارتفاعه ، والإشراف : الدّنوّ والمقاربة . وانطلاقاً من المعنى الأوّل أطلق المحدّثون كلمة إشرافٍ على ( المراقبة المهيمنة ) . وهو معنًى استعمله الفقهاء كالمعاني اللّغويّة الأخرى . فقد استعملوه في مراقبة ناظر الوقف والوصيّ والقيّم ومن في معناهم . الإشراف بمعنى العلوّ :
أ - إشراف القبر :
2 - لا يحلّ أن يكون القبر مشرفاً بالاتّفاق ، لما رواه مسلمٌ وغيره عن أبي الهيّاج الأسديّ قال : « قال لي عليّ بن أبي طالبٍ : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ألاّ تدع تمثالاً إلاّ طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته » وفي اعتبار تسنيم القبر إشرافاً خلافٌ تجده مفصّلاً في كتاب الجنائز من كتب الفقه .
ب - إشراف البيوت :
3 - يباح للإنسان أن يعلو ببنائه ما شاء بشرطين :
الأوّل : ألاّ يضرّ بغيره ، كمنع النّور أو الهواء عن الغير .
الثّاني : ألاّ يكون صاحب البناء ذمّيّاً ، فيمنع من تطويل بنائه على بناء المسلمين ، وإن رضي المسلم بذلك ، ليتميّز البناءان ، ولئلاّ يطّلع على عورة المسلم . وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب الجزية . الإشراف بمعنى الاطّلاع من أعلى :
4 - يمنع الشّخص من الإشراف على دار غيره إلاّ بإذنه ، ولذلك يمنع من أن يفتح في جداره كوّةً يشرف منها على جاره وعياله .
5 - أمّا الإشراف على الكعبة والنّظر إليها فهو من جملة القربات ، والسّاعي بين الصّفا والمروة يصعد على الصّفا وعلى المروة حتّى يشرف على الكعبة ، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الحجّ عند كلامهم على السّعي بين الصّفا والمروة . الإشراف بمعنى المراقبة المهيمنة :
6 - إقامة هذا النّوع من الإشراف واجبٌ تحقيقاً للمصالح الّتي هي مقصدٌ من مقاصد الشّارع ويتجلّى ذلك فيما يأتي :
أ - الولاية : سواءٌ أكانت ولايةً عامّةً كولاية أمير المؤمنين والقاضي ونحوهما ، أم ولايةً خاصّةً كولاية الأب على ابنه الصّغير ، كما سيأتي ذلك مفصّلاً في مبحث ( ولايةٌ ) .
ب - الوصاية : كالوصاية على المحجور عليه كما هو مبيّنٌ في مبحث ( الحجر ) .
ج - القوامة : كقوامة الرّجل على زوجته ، كما هو مفصّلٌ في مبحث ( النّكاح ) .
د - النّظارة : كناظر الوقف ، كما هو مفصّلٌ في كتاب الوقف من كتب الفقه . الإشراف بمعنى المقاربة والدّنوّ :
7 - يترتّب على الإشراف بهذا المعنى كثيرٌ من الأحكام ، ذكرها الفقهاء في أبوابها ، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
أ - عدم أكل الذّبيحة إذا ذبحت بعد أن أشرفت على الموت ، على خلافٍ وتفصيلٍ مبيّنٍ في كتاب الذّبائح ( التّذكية ) .
ب - وجوب إنقاذ من أشرف على الموت كالغريق ونحوه إن كان من الممكن إنقاذه .
ج - وجوب الانتفاع باللّقطة إذا أشرفت على التّلف . كما هو مبيّنٌ في كتاب ( اللّقطة ) .
إشراكٌ*
التعريف :
1 - الإشراك : مصدر أشرك ، وهو اتّخاذ الشّريك ، يقال أشرك باللّه : جعل له شريكاً في ملكه ، والاسم الشّرك . قال اللّه تعالى حكايةً عن لقمان : { يا بنيّ لا تشرك باللّه إنّ الشّرك لظلمٌ عظيمٌ } هذا هو المعنى المراد عند الإطلاق . كما يطلق أيضاً على الكفر الشّامل لجميع الملل غير الإسلام . فالشّرك أخصّ من الكفر على الإطلاق العامّ ، فكلّ شركٍ كفرٌ ولا عكس . كما يطلق الإشراك على مخالطة الشّريكين . يقال : أشرك غيره في الأمر أو البيع : جعله له شريكاً . كما يقال : تشارك الرّجلان ، واشتركا ، وشارك أحدهما الآخر . وتفصيله في مصطلحي ( توليةٍ ، وشركةٍ ) .
الإشراك باللّه تعالى :
2 - الإشراك باللّه تعالى جنسٌ تحته أنواعٌ ، وكلّه مذمومٌ ، وإن كان بعضه أكبر من بعضٍ . والشّرك له مراتب ، فمنه الشّرك الأكبر ، ومنه الأصغر ، وهو الشّرك الخفيّ .
أ - الشّرك الأكبر : وهو اتّخاذ الشّريك للّه تعالى في ألوهيّته أو عبادته ، وهو المراد بقوله تعالى : { إنّ الشّرك لظلمٌ عظيمٌ } وعن ابن مسعودٍ في الصّحيحين قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أيّ الذّنب أعظم عند اللّه ؟ قال : أن تجعل للّه ندّاً وهو خلقك »
ب - الشّرك الأصغر وهو الشّرك الخفيّ : وهو مراعاة غير اللّه في العبادة . مثل الرّياء والنّفاق ، لقوله تعالى : { ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً } قال ابن حجرٍ : نزلت فيمن يطلب الحمد والأجر بعباداته وأعماله . وقول رسول اللّه : « إنّ أدنى الرّياء شركٌ ، وأحبّ العبيد إلى اللّه الأتقياء الأسخياء الأخفياء » وقوله عليه السلام : « إنّ أخوف ما أتخوّف على أمّتي الإشراك باللّه ، أما أنّي لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ، ولكن أعمالاً لغير اللّه وشهوةً خفيّةً »
ما يكون به الشّرك :
3 - يكون الشّرك بأمورٍ يتنوّع اسمه بحسبها إلى ما يأتي :
أ - شرك الاستقلال ، وهو إثبات إلهين مستقلّين كشرك الثّنويّة ، أو أكثر من إلهين .
ب - شرك التّبعيض ، وهو اعتقاد أنّ الإله مركّبٌ من آلهةٍ ، كشرك النّصارى القائلين بالأقانيم الثّلاثة وشرك البراهمة .
ت - شرك التّقريب ، وهو عبادة غير اللّه ليقرّب إلى اللّه زلفًى ، كشرك متقدّمي الجاهليّة .
ث - شرك التّقليد ، وهو عبادة غير اللّه تعالى تبعاً للغير ، كشرك متأخّري الجاهليّة .
ج - الحكم بغير ما أنزل اللّه مع استحلال ذلك : لقوله تعالى : { اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه } وقد ورد « أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنّهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه ، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه » فهم لم يعبدوهم ولكن شرعوا لهم ما لم يأذن به اللّه . وشرك الأغراض : وهو العمل لغير اللّه تعالى .
ح - شرك الأسباب : وهو إسناد التّأثير للأسباب العاديّة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الكفر :
4 - الكفر اسمٌ يقع على ضروبٍ من الذّنوب ، منها الشّرك باللّه ، ومنها الجحد للنّبوّة ، ومنها استحلال ما حرّم اللّه ، ومنها إنكار ما علم من الدّين بالضّرورة . أمّا الشّرك فهو خصلةٌ واحدةٌ ، هو اتّخاذ إلهٍ مع اللّه . وقد يطلق الشّرك على كلّ كفرٍ على سبيل المبالغة . فعلى هذا يكون كلّ شركٍ كفراً ، ولا يكون كلّ كفرٍ شركاً إلاّ على سبيل المبالغة .
ب - التّشريك :
5 - التّشريك مصدر : شرّك ، وهو جعلك الغير لك شريكاً في الأمر أو البيع . فهو بمعنى الإشراك . إلاّ أنّه عند الإطلاق ينصرف الإشراك إلى : اتّخاذ شريكٍ للّه ، والتّشريك : اتّخاذك للغير شريكاً في المال أو الأمر .
صفته و حكمه التّكليفيّ :
6 - الإشراك باللّه تعالى حرامٌ . وحكم الأنواع الخمسة الأولى كفر مرتكبها بالإجماع . وحكم السّادس المعصية من غير كفرٍ بالإجماع . وحكم السّابع التّفصيل ، فمن قال في الأسباب العاديّة : إنّها تؤثّر بطبعها فقد حكي الإجماع على كفره ، ومن قال إنّها مؤثّرةٌ ( على سبيل الاستقلال ) بقوّةٍ أودعها اللّه فيها فهو فاسقٌ .
إسلام المشرك :
7 - يدخل المشرك كغيره من الكفّار في الإسلام بالنّطق بالشّهادتين ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه ، وحسابه على اللّه » . ولم تشترط المذاهب الأربعة إضافة شيءٍ إلى الشّهادتين ، كالتّبرّي من كلّ دينٍ يخالف دين الإسلام ، إلاّ في بعض الحالات . وهناك أمورٌ أخرى يدخل بها المشرك في الإسلام ، وينظر تفصيل ذلك كلّه تحت عنوان ( إسلامٌ ) .
نكاح المشرك والمشركة :
8 - أنكحة الكفّار المتّفق عليها بينهم الأصل فيها الصّحّة ، وأنّهم يقرّون عليها ، وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلحا : ( نكاحٌ ، وكفرٌ ) . ولا يختلف نكاح المشركين عن غيرهم من الكفّار أهل الكتاب إلاّ في أنّ الكافر إذا أسلم وكانت زوجته كتابيّةً فله استدامة نكاحها ، وليس له ذلك إن كانت مشركةً غير كتابيّةٍ ، وانظر التّفصيل تحت عنوان ( نكاحٌ ) .
الاستعانة بالمشركين في الجهاد :
9 - المراد بالمشرك هنا ما يعمّ كلّ كافرٍ ، فينظر : إن خرج للخدمة ، كسائق سيّارةٍ ونحوه ، فذلك جائزٌ اتّفاقاً . أمّا إذا خرج للقتال فهناك ثلاثة اتّجاهاتٍ : ذهب الجمهور إلى الجواز مطلقاً ، سواءٌ أكان خروجه بدعوةٍ أم بغير دعوةٍ ، واستدلّوا على ذلك « بأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استعان بناسٍ من اليهود في حربه» ، كما روي «أنّ صفوان بن أميّة خرج مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حنينٍ »، وهو على شركه ، فأسهم له .
وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم إلى منع الاستعانة بالمشرك ، لكن لا يمنع إذا خرج من تلقاء نفسه . والرّأي الآخر للمالكيّة - وهو اختيار أصبغ - أنّه يمنع مطلقاً .
أخذ الجزية من المشركين :
10 - اتّفق الفقهاء على أنّ الجزية تقبل من أهل الكتاب ، لقوله تعالى : { قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ، ولا يدينون دين الحقّ من الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون } واتّفقوا كذلك على أخذها من المجوس ، لنصّ الحديث « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » ولأنّ لهم شبهة كتابٍ .« وقد وضع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الجزية عليهم ». أمّا ما عدا هؤلاء فهم ثلاثة أنواعٍ :
أ - مرتدّون : وهؤلاء لا تقبل منهم الجزية بالإجماع ، لأنّ المرتدّ كفر بربّه بعد ما هدي للإسلام ووقف على محاسنه ، فلا يقبل منه إلاّ الإسلام أو السّيف .
ب - مشركون من العرب : وهؤلاء لا تقبل منهم الجزية عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم ، والقرآن نزل بلغتهم ، فالمعجزة في حقّهم أظهر ، ولذلك لا يقبل منهم إلاّ الإسلام ، فإن لم يسلموا قتلوا ، والرّاجح عند المالكيّة أنّه تقبل منهم الجزية .
ج - مشركون من غير العرب : وهؤلاء لا تقبل منهم الجزية عند الشّافعيّة وظاهر مذهب الإمام أحمد ، ولا يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السّيف ، لقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله « صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها »
وعند الحنفيّة والمالكيّة وروايةً عن الإمام أحمد تقبل منهم الجزية ، لأنّه يجوز استرقاقهم ، فيجوز ضرب الجزية عليهم .
11-أجاز العلماء إعطاء الأمان للمشرك ليسمع كلام الله؛ لقوله تعالى:{وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} قال الأوزاعي :هي إلى يوم القيامة . كما أجازه للرسل ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين ، وقال لرسولي مسيلمة :« لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» ويكون الأمان من الإمام ، لأن ولايته عامة ، ومن والأمير لمن يوجد بإزائه من المشركين ، ومن مسلم مكلف مختار لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم :« ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ،فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل منه صرف ولاعدل» والتفصيل في مصطلح ( مستأمن )
صيد المشرك وذبيحته:
12 - اتّفق العلماء على تحريم صيد المجوسيّ وذبيحته إلاّ ما لا ذكاة له كالسّمك والجراد ، فإنّهم أجمعوا على إباحته . وحكم سائر الكفّار من عبدة الأوثان والزّنادقة وغيرهم حكم المجوس في تحريم ذبائحهم وصيدهم إلاّ ما لا ذكاة له كالسّمك والجراد ، لقوله « صلى الله عليه وسلم أحلّت لنا ميتتان : الحوت والجراد » وقال في البحر « هو الطّهور ماؤه ، الحلّ ميتته » . كما اتّفق فقهاء المذاهب على حلّ صيد الكتابيّ وذبيحته ، لقوله تعالى : { وطعام الّذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم } قال البخاريّ : طعامهم : ذبائحهم ، وهو المرويّ عن ابن مسعودٍ وأهل العلم ، ولما روي عن قيس بن السّكن الأسديّ قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّكم نزلتم بفارسٍ من النّبط ، فإذا اشتريتم لحماً فإن كان من يهوديٍّ أو نصرانيٍّ فكلوا ، وإن كان ذبيحة مجوسيٍّ فلا تأكلوا » وللتّفصيل ر - ( صيدٌ ، ذبائح ) .
الأشربة*
التعريف :
1 - الأشربة جمع شرابٍ ، والشّراب : اسمٌ لما يشرب من أيّ نوعٍ كان ، ماءً أو غيره ، وعلى أيّ حالٍ كان . وكلّ شيءٍ لا مضغ فيه فإنّه يقال فيه : يشرب . وفي الاصطلاح تطلق الأشربة على ما كان مسكراً من الشّراب ، سواءٌ كان متّخذاً من الثّمار ، كالعنب والرّطب والتّين ، أو من الحبوب كالحنطة أو الشّعير ، أو الحلويّات كالعسل . وسواءٌ كان مطبوخاً أو نيئاً . وسواءٌ كان معروفاً باسمٍ قديمٍ كالخمر ، أو مستحدثٍ ( كالعرق والشمبانيا ... إلخ ) ، لحديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ليشربنّ أناسٌ من أمّتي الخمر ويسمّونها بغير اسمها » . أنواع الأشربة المسكرة وحقيقة كلّ نوعٍ :
2 - تطلق الأشربة المسكرة عند الفقهاء على اختلاف مذاهبهم على قسمين : الخمر ، والأشربة الأخرى .
النّوع الأوّل : الخمر
التعريف :
3 - الخمر لغةً : ما أسكر من عصير العنب ، وسمّيت بذلك لأنّها تخامر العقل . وحقيقة الخمر إنّما هي ما كان من العنب دون ما كان من سائر الأشياء . قال الفيروزآبادي : الخمر ما أسكر من عصير العنب ، أو هو عامٌّ ، والعموم أصحّ ، لأنّها حرّمت وما بالمدينة خمر عنبٍ ، وما كان شرابهم إلاّ البسر والتّمر . وقال الزّبيديّ يشرح قول صاحب القاموس : ( أو عامٌّ ) أي : ما أسكر من عصير كلّ شيءٍ ، لأنّ المدار على السّكر وغيبوبة العقل ، وهو الّذي اختاره الجماهير . وسمّي الخمر خمراً ، لأنّها تخمّر العقل وتستره ، أو لأنّها تركت حتّى أدركت واختمرت . فعلى القول الأوّل يكون إطلاق اسم الخمر على سائر الأنبذة المسكرة من باب القياس اللّغويّ لما فيها من مخامرة العقل .
4 - واصطلاحاً : اختلف الفقهاء في تعريف الخمر بناءً على اختلافهم في حقيقتها في اللّغة وإطلاق الشّرع . فذهب أهل المدينة ، وسائر الحجازيّين ، وأهل الحديث كلّهم ، والحنابلة ، وبعض الشّافعيّة إلى أنّ الخمر تطلق على ما يسكر قليله أو كثيره ، سواءٌ اتّخذ من العنب أو التّمر أو الحنطة أو الشّعير أو غيرها . واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ مسكرٍ خمرٌ ، وكلّ خمرٍ حرامٌ » . وبقول عمر رضي الله عنه : أيّها النّاس : إنّه نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسةٍ : من العنب ، والتّمر ، والعسل ، والحنطة ، والشّعير . والخمر ما خامر العقل . وإنّ القرآن لمّا نزل بتحريم الخمر فهم الصّحابة - وهم أهل اللّسان - أنّ كلّ شيءٍ يسمّى خمراً يدخل في النّهي ، فأراقوا المتّخذ من التّمر والرّطب ولم يخصّوا ذلك بالمتّخذ من العنب ، على أنّ الرّاجح من حيث اللّغة كما تقدّم هو العموم . ثمّ على تقدير التّسليم بأنّ المراد بالخمر المتّخذ من عصير العنب خاصّةً . فإنّ تسمية كلّ مسكرٍ خمراً من الشّرع كان حقيقةً شرعيّةً ، وهي مقدّمةٌ على الحقيقة اللّغويّة . وذهب أكثر الشّافعيّة ، وأبو يوسف ومحمّدٌ من الحنفيّة ، وبعض المالكيّة إلى أنّ الخمر هي المسكر من عصير العنب إذا اشتدّ ، سواءٌ أقذف بالزّبد أم لا ، وهو الأظهر عند الشّرنبلاليّ وذهب أبو حنيفة وبعض الشّافعيّة إلى أنّ الخمر هي عصير العنب إذا اشتدّ . وقيّده أبو حنيفة وحده بأن يقذف بالزّبد بعد اشتداده . واشترط الحنفيّة في عصير العنب كونه نيئاً . يتبيّن ممّا سبق أنّ إطلاق اسم الخمر على جميع أنواع المسكرات عند الفريق الأوّل من باب الحقيقة ، فكلّ مسكرٍ عندهم خمرٌ .
وأمّا الفريق الثّاني والثّالث ، فحقيقة الخمر عندهم عصير العنب إذا غلى واشتدّ عند الفريق الثّاني ، وقذف بالزّبد عند الفريق الثّالث . وإطلاقه على غيره من الأشربة مجازٌ وليس بحقيقةٍ . النّوع الثّاني : الأشربة المسكرة الأخرى
5 - ذهب جماهير العلماء إلى أن يكون كلّ مسكرٍ خمراً هو حقيقةٌ لغويّةٌ أو شرعيّةٌ كما علم ممّا سبق ، وجمهور الشّافعيّة الّذين ذهبوا إلى أنّ الخمر ما كان من عصير العنب لا يخالفون الجمهور في أنّ ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ ، والاختلاف في الإطلاق بين الجمهور ، وأكثر الشّافعيّة لم يغيّر الأحكام من وجوب الحدّ عند شرب قليله ، والنّجاسة ، وغير ذلك ممّا يتعلّق بالخمر ، ما عدا مسألة تكفير مستحلّ غير الخمر ، فلا يكفر منكر حكمه للاختلاف فيه ، كما سيأتي كلّ ذلك مفصّلاً . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الخمر الّتي يحرم قليلها وكثيرها ، ويحدّ بها ، ويكفر مستحلّها ، إلى غير ذلك هي المتّخذة من عصير العنب خاصّةً ، أمّا الأنبذة عندهم فلا يحدّ شاربها إلاّ إذا سكر منها . والأشربة المحرّمة عند الحنفيّة على ثلاثة أنواعٍ النّوع الأوّل : الأشربة المتّخذة من العنب وهي:
أ - الخمر وهي المتّخذة من عصير العنب النّيء إذا غلى واشتدّ عند أبي يوسف ومحمّدٍ ، وقذف بالزّبد عند أبي حنيفة . وبقول الصّاحبين من عدم اشتراط قذف الزّبد قال الأئمّة الثّلاثة مالكٌ والشّافعيّ وأحمد . ولعصير العنب أنواعٌ بحسب ذهاب جزءٍ منه بالطّبخ ، كالباذق ، والطّلاء ، والمثلّث ، والمنصّف ولا يختلف حكمها كما سيأتي بيانه . وفي حكم هذا النّوع ما يتّخذ من الزّبيب ، وهو صنفان :
1 - نقيع الزّبيب وهو أن يترك الزّبيب في الماء من غير طبخٍ حتّى تخرج حلاوته إلى الماء ، ثمّ يشتدّ ويغلي ويقذف بالزّبد عند أبي حنيفة ، أو لم يقذف بالزّبد عند صاحبيه .
2 - نبيذ الزّبيب وهو النّيء من ماء الزّبيب إذا طبخ أدنى طبخٍ وغلى واشتدّ .
النّوع الثّاني : ما يتّخذ من التّمر أو الرّطب ( وهو السّكّر ) والبسر ( وهو الفضيخ ) . وفي حكم هذا النّوع الخليطان . وهو شرابٌ من ماء الزّبيب وماء التّمر أو البسر أو الرّطب المختلطين إذا طبخا أدنى طبخٍ وإن اشتدّ ، ولا عبرة بذهاب الثّلثين
النّوع الثّالث : نبيذ ما عدا العنب والتّمر كالعسل أو التّين أو البرّ ونحوها . هذه هي الأشربة المحرّمة عند الحنفيّة ، أمّا الخمر فبإجماع الأمّة ، وأمّا نبيذ العنب والتّمر فيحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف القدر المسكر منها خلافاً لمحمّدٍ ، وأمّا نبيذ العسل والتّين والبرّ والشّعير ونحو ذلك فمباحٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، بشرط ألاّ يشرب للهوٍ أو طربٍ ، وخالفهما محمّدٌ ، ورأيه هو المفتى به عند الحنفيّة ، كما سيتّضح فيما يأتي .
أحكام الخمر :
6 - المراد بالخمر هنا جميع المسكرات جرياً على مذهب الجمهور ، وأحكامها ما يأتي : الأوّل : تحريم شربها قليلها وكثيرها :
7 - ثبتت حرمة الخمر بكتاب اللّه وسنّة رسوله وإجماع الأمّة . أمّا الكتاب . فقوله تعالى : { إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون . إنّما يريد الشّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدّكم عن ذكر اللّه وعن الصّلاة فهل أنتم منتهون } . وتحريم الخمر كان بتدريجٍ وبمناسبة حوادث متعدّدةٍ ، فإنّهم كانوا مولعين بشربها . وأوّل ما نزل صريحاً في التّنفير منها قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للنّاس } فلمّا نزلت هذه الآية تركها بعض النّاس ، وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثمٌ كبيرٌ ، ولم يتركها بعضهم ، وقالوا : نأخذ منفعتها ، ونترك إثمها . فنزلت هذه الآية : { لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى } فتركها بعض النّاس ، وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصّلاة ، وشربها بعضهم في غير أوقات الصّلاة حتّى نزلت : { يا أيّها الّذين آمنوا إنّما الخمر والميسر ... } الآية . فصارت حراماً عليهم ، حتّى صار يقول بعضهم : ما حرّم اللّه شيئاً أشدّ من الخمر
8 - وقد أكّد تحريم الخمر والميسر بوجوهٍ من التّأكيد : منها : تصدير الجملة بإنّما . ومنها : أنّه سبحانه وتعالى قرنهما بعبادة الأصنام . ومنها : أنّه جعلهما رجساً . ومنها : أنّه جعلهما من عمل الشّيطان ، والشّيطان لا يأتي منه إلاّ الشّرّ البحت . ومنها : أنّه أمر باجتنابهما . ومنها : أنّه جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبةً وممحقةً . ومنها : أنّه ذكر ما ينتج منهما من الوبال ، وهو وقوع التّعادي والتّباغض من أصحاب الخمر والقمار ، وما يؤدّيان إليه من الصّدّ عن ذكر اللّه ، وعن مراعاة أوقات الصّلاة . وقوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } من أبلغ ما ينهى به ، كأنّه قيل : قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصّوارف والموانع ، فهل أنتم مع هذه الصّوارف منتهون ، أم أنتم على ما كنتم عليه ، كأن لم توعظوا ولم تزجروا .
9 - وأمّا السّنّة فقد وردت أحاديث كثيرةٌ في تحريم الخمر قليلها وكثيرها . وقد قال جماهير العلماء : كلّ شرابٍ أسكر كثيره حرم قليله ، فيعمّ المسكر من نقيع التّمر والزّبيب وغيرهما ، لما تقدّم من الآية الكريمة وللأحاديث الشّريفة التّالية : عن عائشة رضي الله عنها أنّه صلى الله عليه وسلم قال : « كلّ شرابٍ أسكر فهو حرامٌ » . وقال عليه الصلاة والسلام : « كلّ مسكرٍ خمرٌ ، وكلّ خمرٍ حرامٌ » . وعن سعد بن أبي وقّاصٍ أنّه صلى الله عليه وسلم قال : « أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره » . وعن النّبيّ أنّه قال : « ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ » . وقال عليه الصلاة والسلام : « كلّ مسكرٍ حرامٌ ، وما أسكر منه الفرق فملء الكفّ منه حرامٌ » . وعن أمّ سلمة قالت : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كلّ مسكرٍ ومفتّرٍ » . فهذه الأحاديث كلّها دالّةٌ على أنّ كلّ مسكرٍ حرامٌ ، ومنها ما يدلّ على تسمية كلّ مسكرٍ خمراً ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « كلّ مسكرٍ خمرٌ » . كما يدلّ بعضها على أنّ المسكر حرامٌ لعينه ، قلّ أو كثر ، سكر منه شاربه أو لم يسكر ، وهذا عند الجمهور . وذهب الحنفيّة إلى أنّ النّيء من عصير العنب إذا غلى واشتدّ عند الصّاحبين ، وقذف بالزّبد عند أبي حنيفة ، هو الخمر الّتي يحرم شرب قليلها وكثيرها إلاّ عند الضّرورة ، لأنّها محرّمة العين ، فيستوي في الحرمة قليلها وكثيرها . أمّا عصير غير العنب والتّمر ، أو المطبوخ منهما بشرطه ، فليس حراماً لعينه . ومن هنا فلا يحرم إلاّ السّكر منه كما سيأتي تفصيله . وأمّا السّكر والفضيخ ونقيع الزّبيب ، فيحرم شرب قليلها وكثيرها باتّفاق الفقهاء ، لما تقدّم من الأحاديث ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : « الخمر من هاتين الشّجرتين » . وأشار عليه الصلاة والسلام إلى النّخلة والكرمة . والّذي هاهنا هو المستحقّ لاسم الخمر ، فكان حراماً . هذا إذا كان عصيرهما نيئاً غير مطبوخٍ ، وغلى واشتدّ عند الصّاحبين ، وقذف بالزّبد عند أبي حنيفة . أمّا المطبوخ من هذه الأشياء فسيأتي حكمه عند الأحناف . شرب درديّ الخمر :
10 - ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم شرب درديّ الخمر ، ويحدّ شاربه ، لأنّه خمرٌ بلا شكٍّ ، وسواءٌ درديّ الخمر أو درديّ غيره ، وأنّه لا فرق بين الجميع ، ويحدّ بالثّخين منها إذا أكله . وذهب الأحناف إلى كراهة شرب درديّ الخمر ، لأنّ فيه ذرّات الخمر المتناثرة ، وقليله ككثيره ، ولكن لا يحدّ شارب الدّرديّ إلاّ إذا سكر ، لأنّه لا يسمّى خمراً ، فإذا سكر منه وجب الحدّ عليه ، كما في شرب الباذق أو المنصّف .
حكم المطبوخ من العنب أو عصيره :
11 - إنّ المطبوخ من عصير العنب أدنى طبخٍ ، بحيث ذهب منه أقلّ من الثّلثين ، وكان مسكراً يحرم شرب قليله وكثيره عند الفقهاء عامّةً ، لأنّه إذا ذهب أقلّ من الثّلثين بالطّبخ ، فالحرام فيه باقٍ ، وهو ما زاد على الثّلث . أمّا إذا ذهب ثلثاه بالطّبخ ، وبقي ثلثه فهو حلالٌ وإن اشتدّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمّدٌ : يحرم . وهذا الخلاف فيما إذا قصد به التّقوّي ، أمّا إذا قصد به التّلهّي فإنّه لا يحلّ بالاتّفاق . وعن محمّدٍ مثل قولهما . وعنه أنّه كره ذلك ، وعنه أنّه توقّف فيه . هذا إذا طبخ عصير العنب ، فأمّا إذا طبخ العنب كما هو ، فقد حكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّ حكمه حكم العصير لا يحلّ حتّى يذهب ثلثاه . وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّ حكمه حكم الزّبيب ، حتّى لو طبخ أدنى طبخةٍ يكون بمنزلة الزّبيب ، أي يحلّ منه ما دون المسكر وإن لم يذهب ثلثاه ، لأنّ طبخه قبل عصره أبعد عن صفة الخمر ، فلم يعتبر ذهاب الثّلثين .
حكم المطبوخ من نبيذ التّمر ونقيع الزّبيب وسائر الأنبذة :
12 - مذهب جمهور العلماء - كما تقدّم - أنّ ما أسكر من النّيء والمطبوخ ، سواءٌ اتّخذ من العنب أو التّمر أو الزّبيب أو غيرها يحرم شرب قليله وكثيره ، وقد سبق ذكر أدلّتهم . أمّا عند الحنفيّة ، فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف : إنّ المطبوخ من نبيذ التّمر ونقيع الزّبيب أدنى طبخةٍ ، يحلّ شربه ولا يحرم إلاّ السّكر منه . وعن محمّدٍ روايتان : الرّواية الأولى : لا يحلّ شربه ، لكن لا يجب الحدّ إلاّ بالسّكر . والرّواية الثّانية : قال محمّدٌ : لا أحرّمه ، ولكن لا أشرب منه . واحتجّ أبو حنيفة وأبو يوسف لقولهما : بأنّ طبخ العصير على هذه الصّفة - وهي أن يذهب أقلّ من ثلثيه - لا يحرم إلاّ السّكر منه ، وإن اشتدّ وقذف بالزّبد ، إذا غلب على ظنّه أنّ الشّراب لا يسكره ، وذلك لأنّه ليس فيه قوّة الإسكار بنفسه . هذا ، وإن حلّ شرب القليل الّذي لا يسكر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ليس مطلقاً ، ولكنّه مقيّدٌ بشروطٍ هي :