عرض مشاركة واحدة
  #93  
قديم 05-06-2012, 01:06 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أثر الإسقاط :
66 - يترتّب على الإسقاط آثارٌ تختلف باختلاف ما يرد عليه . ومن ذلك :
( 1 ) إسقاط رجلٍ الانتقاع بالبضع بالطّلاق ، ويترتّب عليه آثارٌ متعدّدةٌ ، كالعدّة والنّفقة والسّكنى وجواز الرّجعة ، إن كان الطّلاق رجعيّاً ، وعدم جواز ذلك إن كان بائناً ، وغير ذلك من الآثار . ر : ( طلاقٌ ) .
( 2 ) الإعتاق وهو : إزالة الرّقّ عن المملوك وإثبات الحرّيّة له ، يترتّب عليه ملكه لماله وكسبه ، وإطلاق يده في التّصرّفات ، وإثبات حقّ الولاء للمعتق ، وما شابه ذلك من الأحكام . ر : ( عتقٌ ) .
( 3 ) قد يترتّب على الإسقاط إثبات حقوقٍ تتعلّق بالمحلّ ، كإسقاط حقّ الشّفعة ، يترتّب عليه استقرار الملك للمشتري ، وإسقاط حقّ الخيار في البيع يترتّب عليه لزوم البيع ، لأنّ الملك الثّابت بالبيع قبل الاختيار ملكٌ غير لازمٍ . وإجازة بيع الفضوليّ يترتّب عليها لزوم البيع الموقوف وينظر تفصيل ذلك في : ( بيعٌ - خيارٌ - شفعةٌ - فضوليٌّ ) .
( 4 ) ومن الآثار ما يرد تحت قاعدة : الفرع يسقط بسقوط الأصل ، كما إذا أبرئ المضمون أو المكفول عن الدّين برّئ الضّامن والكفيل ، لأنّ الضّامن والكفيل فرعٌ ، فإذا سقط الأصل سقط الفرع ولا عكس ، فلو أبرئ الضّامن لم يبرّأ الأصيل ، لأنّه إسقاط وثيقةٍ فلا يسقط بها الدّين . ر : ( كفالةٌ - ضمانٌ ) .
( 5 ) وقد يترتّب على الإسقاط الحصول على حقٍّ كان صاحبه ممنوعاً منه ، لتعلّق حقّ الغير ، وذلك مثل صحّة تصرّف الرّاهن في المرهون ، بنحو وقفٍ أو هبةٍ ، إذا أذن المرتهن ، لأنّ منعه كان لتعلّق حقّ المرتهن به ، وقد أسقطه بإذنه .
( 6 ) الغريم إذا وجد عين ماله عند المفلس كان له حقّ الرّجوع فيه بشروطٍ منها : ألاّ يتعلّق بالعين حقٌّ للغير كشفعةٍ ورهنٍ . فإذا أسقط أصحاب الحقوق حقوقهم ، بأن أسقط الشّفيع شفعته ، أو أسقط المرتهن حقّه في الرّهن فلربّ العين أخذها .
( 7 ) إذا أجّل البائع الثّمن بعد العقد سقط حقّ الحبس على ما جاء في البدائع ، لأنّه أخّر حقّ نفسه في قبض الثّمن ، فلا يتأخّر حقّ المشتري في قبض المبيع ، وكذا لو أبرأ البائع المشتري من الثّمن بطل حقّ الحبس .
( 8 ) لو أجّلت الزّوجة المهر لوقتٍ معلومٍ ، فليس لها أن تمنع نفسها ، لأنّ المرأة بالتّأجيل رضيت بإسقاط حقّ نفسها ، فلا يسقط حقّ الزّوج . وهذا في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وقال أبو يوسف : لها أن تمنع نفسها ، لأنّ من حكم المهر أن يتقدّم تسليمه على تسليم النّفس ، فلمّا قبل الزّوج التّأجيل كان ذلك رضاً بتأخير حقّ نفسها في القبض ، بخلاف البائع .
ومن ذلك أيضاً الوصيّة فيما زاد على الثّلث بإجازة الورثة . وينظر تفصيل كلّ ذلك في : ( إفلاسٌ - بيعٌ - حبسٌ - رهنٌ ) .
( 9 ) إسقاط الشّارع العبادات بسبب الأعذار قد يسقط الطّلب بها بعد ذلك ، فلا يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للشّيخ الكبير الّذي لا يقدر عليه . وقد يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للحائض والمسافر .
( 10 ) الإبراء من الدّين أو من الحقّ يترتّب عليه براءة ذمّة المبرّأ متى استوفى الإبراء شروطه . وسواءٌ أكان عن حقٍّ خاصٍّ أم حقٍّ عامٍّ ، بحسب ما يرد في صيغة المبرّئ . ويترتّب كذلك سقوط حقّ المطالبة ، فلا تسمع الدّعوى فيما تناوله الإبراء إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده . ولا تقبل الدّعوى بعد ذلك بحجّة الجهل أو النّسيان .
إلاّ أنّ المالكيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم يكن الإبراء مع الصّلح . فإذا كان الإبراء مع الصّلح ، أو وقع بعد الصّلح إبراءٌ عامٌّ ، ثمّ ظهر خلافه فله نقضه ، لأنّه إبراءٌ على دوام صفة الصّلح لا إبراءٌ مطلقٌ ، إلاّ إذا التزم في الصّلح عدم القيام عليه ولو ببيّنةٍ فلا تسمع الدّعوى .
هذا ، مع استثناء الحنفيّة من الإبراء بعض المسائل ، كضمان الدّرك ( استحقاق المبيع ) ، وكدعوى الوكالة والوصاية ، وكادّعاء الوارث ديناً للميّت على رجلٍ ، وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ينظر في ( إبراءٌ - دعوى ) .
( 11 ) الإبراء العامّ يمنع الدّعوى بالحقّ قضاءً لا ديانةً ، إن كان بحيث لو علم بماله من الحقّ لم يبرّئه ، كما في الفتاوى الولوالجية . لكن في خزانة الفتاوى : الفتوى على أنّه يبرّأ قضاءً وديانةً وإن لم يعلم به .
وعند الشّافعيّة : لو أبرأه في الدّنيا دون الآخرة برّئ فيهما ، لأنّ أحكام الآخرة مبنيّةٌ على أحكام الدّنيا ، وهو أحد قولين عند المالكيّة ، ذكرهما القرطبيّ في شرح مسلمٍ .
بطلان الإسقاط :
67 - للإسقاط أركانٌ ، ولكلّ ركنٍ شروطه الخاصّة ، فإذا لم يتحقّق شرطٌ من الشّروط الّتي سبق بيانها بطل الإسقاط ، أي بطل حكمه ، فلا ينفذ . ومن أمثلة ذلك : أنّه يشترط في المسقط أن يكون بالغاً عاقلاً ، فإذا كان المتصرّف بالإسقاط صبيّاً أو مجنوناً فلا يصحّ الإسقاط ولا ينفذ . ولو كان التّصرّف بالإسقاط منافياً للمشروع ، فإنّه يكون تصرّفاً باطلاً ولا يسقط بالإسقاط ، كإسقاط الولاية ، أو إسقاط حدٍّ من حدود اللّه . وكذلك الإسقاط لا يرد على الأعيان ، ويعتبر إسقاطها باطلاً . ولذلك خرّجه الفقهاء على إسقاط الضّمان .
وقد يقع الإسقاط صحيحاً ، لكن يبطل إذا ردّه المسقط عنه ، عند من يقول أنّه يرتدّ بالرّدّ كالحنفيّة . في قاعدةٍ ذكرها الحنفيّة هي : أنّه إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، قلو أبرأه ضمن عقدٍ فاسدٍ فسد الإبراء . وأغلب هذه المسائل وردت فيما سبق في البحث .

إسكارٌ *
التعريف :
1 - الإسكار لغةً : مصدر أسكره الشّراب . وسكر سكراً ، من باب تعب ، والسّكر اسمٌ منه ، أي أزال عقله . والإسكار في اصطلاح الفقهاء : تغطية العقل بما فيه شدّةٌ مطربةٌ كالخمر . ويرى جمهور الفقهاء أنّ ضابط الإسكار هو أن يختلط كلامه ، فيصير غالب كلامه الهذيان ، حتّى لا يميّز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما ، ولا بين نعله ونعل غيره ، وذلك بالنّظر لغالب النّاس . وقال أبو حنيفة : السّكران الّذي لا يعرف السّماء من الأرض ، ولا الرّجل من المرأة . ر : ( أشربةٌ ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإغماء :
2 - الإغماء آفةٌ تعطّل القوى المدركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوباً .
ب - التّخدير :
3 - التّخدير تغشية العقل من غير شدّةٍ مطربةٍ .
ج- التّفتير :
4 - المفتّر ما من شأنه أن يضعف الأعضاء ويليّن الجسم بشدّةٍ ويسكّن حدّته .
الحكم الإجماليّ :
5 - تعاطي ما يحدث الإسكار محرّمٌ موجبٌ للحدّ ، حيث لا توجد شبهةٌ مسقطةٌ له . أمّا عند أبي حنيفة فالخمر محرّمةٌ بالنّصّ ، ويحدّ شارب القليل والكثير منها . وأمّا غير الخمر فلا يحرم ، ولا يحدّ شاربه إلاّ بالقدر الّذي أسكر فعلاً . وتفصيل ذلك في ( أشربةٌ ) .
كما أنّ للسّكر أثراً في التّصرّفات القوليّة الفعليّة ، كالطّلاق والبيوع والرّدّة والخطابات وغيرهما . وينظر في الملحق الأصوليّ ، باعتباره من عوارض الأهليّة ، وفي الحدود .
مواطن البحث :
6 - يبحث موضوع الإسكار في حدّ الشّرب ، عند الكلام عن ضابط الإسكار ، وفي أوصاف الخمريّة ، وفي علّة حدّ شارب الخمر ، وفي السّرقة عند أثر الإسكار في الإحراز .

إسكانٌ *
انظر : سكنى .
إسلامٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإسلام في اللّغة : الإذعان والانقياد ، والدّخول في السّلم ، أو في دين الإسلام . والإسلام يكون أيضاً بمعنى : الإسلاف ، أي عقد السّلم ، يقال : أسلمت إلى فلانٍ في عشرين صاعاً مثلاً ، أي اشتريتها منه مؤجّلةً بثمنٍ حالٍّ .
أمّا في الشّرع فيختلف معناه تبعاً لوروده منفرداً ، أو مقترناً بالإيمان .
فمعناه منفرداً : الدّخول في دين الإسلام ، أو دين الإسلام نفسه . والدّخول في الدّين هو استسلام العبد للّه عزّ وجلّ باتّباع ما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم من الشّهادة باللّسان ، والتّصديق بالقلب ، والعمل بالجوارح .
ومعناه إذا ورد مقترناً بالإيمان هو : أعمال الجوارح الظّاهرة ، من القول والعمل كالشّهادتين والصّلاة وسائر أركان الإسلام . وإذا انفرد الإيمان يكون حينئذٍ بمعنى : الاعتقاد بالقلب والتّصديق باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه مع الانقياد .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإيمان :
2 - سبق تعريف الإسلام منفرداً ومقترناً بالإيمان . وهذا يتأتّى في تعريف الإيمان أيضاً . فالإيمان منفرداً : هو تصديق القلب بما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم والإقرار باللّسان والعمل به . أمّا إذا اقترن بالإسلام فإنّ معناه يقتصر على تصديق القلب ، كما جاء في حديث سؤال جبريل ونصّه : عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال : « بينما نحن جلوسٌ عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ ، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثّياب ، شديد سواد الشّعر ، لا يرى عليه أثر السّفر ، ولا يعرفه منّا أحدٌ ، حتّى جلس إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه ، وقال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : الإسلام : أن تشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وتقيم الصّلاة ، وتؤتي الزّكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً . قال : صدقت . قال : فعجبنا له يسأله ويصدّقه ، قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : أن تؤمن باللّه ، وملائكته وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه ، قال : صدقت » . الحديث .
إطلاق الإسلام على ملل الأنبياء السّابقين وأتباعهم :
3 - اختلف علماء الإسلام في ذلك ، فبعضهم يرى أنّ الإسلام يطلق على الملل السّابقة . واحتجّ بقوله تعالى : { شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحاً والّذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدّين ولا تتفرّقوا فيه } الآية ، وآياتٍ أخرى .
ويرى آخرون : أنّه لم توصف به الأمم السّابقة ، وإنّما وصف به الأنبياء فقط ، وشرّفت هذه الأمّة بأن وصفت بما وصف به الأنبياء ، تشريفاً لها وتكريماً .
ووجه اختصاص الأمّة المحمّديّة بهذا الاسم " الإسلام " هو : أنّ الإسلام اسمٌ للشّريعة المشتملة على العبادات المختصّة بهذه الأمّة ، من الصّلوات الخمس ، وصوم رمضان ، والغسل من الجنابة ، والجهاد ، ونحوها . وذلك كلّه مع كثيرٍ غيره خاصٍّ بهذه الأمّة ، ولم يكتب على غيرها من الأمم ، وإنّما كتب على الأنبياء فقط . ويؤكّد هذا المعنى - وهو اختصاص الأمّة المحمّديّة باسم الإسلام - قوله تعالى : { ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين } . فالضّمير ( هو ) يرجع لإبراهيم عليه السلام ، كما يراه علماء السّلف لسابقيّة قوله في الآية الأخرى : { ربّنا واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذرّيّتنا أمّةً مسلمةً لك } . فدعا بذلك لنفسه ولولده ، ثمّ دعا لأمّةٍ من ذرّيّته ، وهي هذه الأمّة فقال : { ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم } الآية ، وهو سيّدنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم فاستجاب اللّه دعاءه ، فبعث محمّداً إليهم ، وسمّاهم مسلمين . فاتّفق أئمّة السّلف على أنّ اللّه تعالى لم يذكر أمّةً بالإسلام غير هذه الأمّة ، ولم يسمع بأمّةٍ ذكرت به غيرها .
4 - وقال الإمام ابن تيميّة : وقد تنازع النّاس فيمن تقدّم من أمّة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا ؟ فالإسلام الحاضر الّذي بعث اللّه به محمّداً صلى الله عليه وسلم المتضمّن لشريعة القرآن ، ليس عليه إلاّ أمّة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا .
وأمّا الإسلام العامّ المتناول لكلّ شريعةٍ بعث اللّه بها نبيّاً ، فإنّه إسلام كلّ أمّةٍ متّبعةٍ لنبيٍّ من الأنبياء . وعلى هذا الأساس يمكن أن تفهم كلّ الآيات الكريمة الّتي تعرّض فيها القرآن الكريم لهذه الكلمة مستعملةً بالنّسبة للأمم الأخرى ، إمّا على أنّها تشير إلى المعنى اللّغويّ لمادّة أسلم ، أو أنّها تشير إلى المعنى المشترك بين الشّرائع السّماويّة كلّها الّذي بعث اللّه به جميع الرّسل ، وإليه الإشارة في كثيرٍ من الآيات ، ومنها قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كلّ أمّةٍ رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطّاغوت } .
أثر الدّخول في الإسلام في التّصرّفات السّابقة :
5 - الأصل أنّ تصرّفات غير المسلمين مع المسلمين وغيرهم صحيحةٌ إلاّ ما جاء الإسلام بإبطاله ، كما يعلم في أبواب الفقه المختلفة .
وإذا كان من دخل في الإسلام متزوّجاً بأكثر من أربعٍ ، أو بمن يحرم الجمع بينهنّ ، كأختين ، فإنّه يجب عليه أن يفارق ما زاد على أربعٍ ، أو إحدى الأختين . واستدلّ له القرافيّ « بقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام لغيلان لمّا أسلم على عشر نسوةٍ : أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ » . وهل يلزمه فراق من عدا الأربع الّتي تزوّجهنّ أوّلاً ، أو من شاء ؟ في ذلك خلافٌ يرجع إليه في بابه . وكذلك في مسألة فراق أيّ الأختين شاء .
وإذا أسلم الزّوجان الكافران معاً ، قبل الدّخول أو بعده ، فهما على نكاحهما ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم . إذا أسلم زوج الكتابيّة قبل الدّخول أو بعده ، أو أسلما معاً ، فالنّكاح باقٍ بحاله ، سواءٌ أكان زوجها كتابيّاً أو غير كتابيٍّ ، لأنّ للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابيّةٍ ، فاستدامته أولى ، ولا خلاف في هذا بين القائلين بإجازة نكاح الكتابيّة .
وأمّا إن أسلمت الكتابيّة قبله وقبل الدّخول ، تعجّلت الفرقة ، سواءٌ أكان زوجها كتابيّاً أو غير كتابيٍّ ، إذ لا يجوز لكافرٍ نكاح مسلمةٍ . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم ، والصّحيح أنّ في المسألة خلاف أبي حنيفة ، إذا كان في دار الإسلام ، فإنّه لا فرقة إلاّ بعد أن يعرض عليه الإسلام فيأبى . وإن كان إسلامهما بعد الدّخول فالحكم فيه كالحكم فيما لو أسلم أحد الزّوجين الوثنيّين على ما يأتي :
6 - وإذا أسلم أحد الزّوجين الوثنيّين ، أو المجوسيّين ، أو كتابيٌّ متزوّجٌ بوثنيّةٍ ، أو مجوسيّةٌ قبل الدّخول ، تعجّلت الفرقة بينهما من حين إسلامه ، ويكون ذلك فسخاً لا طلاقاً . وهذا مذهب أحمد والشّافعيّ . وقال الحنفيّة : لا تتعجّل الفرقة ، بل إن كانا في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر ، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذٍ ، وإن أسلم استمرّت الزّوجيّة ، وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك على انقضاء ثلاث حيضٍ ، أو مضيّ ثلاثة أشهرٍ ، وليست عدّةً ، فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة . وقال مالكٌ : إن كانت هي المسلمة عرض عليه الإسلام ، أسلم وإلاّ وقعت الفرقة ، وإن كان هو المسلم تعجّلت الفرقة .
أمّا إن كان إسلام أحد الزّوجين الوثنيّين أو المجوسيّين أو زوجة الكتابيّ ، بعد الدّخول ، ففي المسألة ثلاثة اتّجاهاتٍ :
الأوّل : يقف الأمر على انقضاء العدّة ، فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على النّكاح ، وإن أسلم حتّى انقضت العدّة وقعت الفرقة منذ اختلف الدّينان ، فلا يحتاج إلى استئناف العدّة . وهذا قول الشّافعيّ ، وروايةٌ عن أحمد .
الثّاني . تتعجّل الفرقة . وهذا روايةٌ عن أحمد وقول الحسن وطاووسٍ .
الثّالث : يعرض الإسلام على الآخر إن كان في دار الإسلام ، وهو قول أبي حنيفة ، كقوله في إسلام أحدهما قبل الدّخول ، إلاّ أنّ المرأة إذا كانت في دار الحرب ، فانقضت مدّة التّربّص ، وهي ثلاثة أشهرٍ أو ثلاثة حيضٍ ، وقعت الفرقة ، ولا عدّة عليها بعد ذلك ، لأنّه لا عدّة على الحربيّة . وإن كانت هي المسلمة ، فخرجت إلينا مهاجرةً ، فتمّت الحيض هنا ، فكذلك عند أبي حنيفة . وقال الصّاحبان : عليها العدّة .
ما يلزم الكافر إذا أسلم من التّكاليف السّابقة على الإسلام :
7 - قال القرافيّ : إنّ أحوال الكافر مختلفةٌ إذا أسلم ، فيلزمه ثمن البياعات ، وأجر الإجارات ، ودفع الدّيون الّتي اقترضها ونحو ذلك ، ولا يلزمه من حقوق الآدميّين القصاص ، ولا الغصب والنّهب إن كان حربيّاً . وأمّا الذّمّيّ فيلزمه جميع المظالم وردّها ، لأنّه عقد الذّمّة وهو راضٍ بمقتضى عقد الذّمّة . وأمّا الحربيّ فلم يرض بشيءٍ ، فلذلك أسقطنا عنه الغصوب والنّهوب والغارات ونحوها .
وأمّا حقوق اللّه تعالى ممّا تقدّم في كفره ، فلا تلزمه وإن كان ذمّيّاً لا ظهارٌ ولا نذرٌ ولا يمينٌ من الأيمان ، ولا قضاء الصّلوات ، ولا الزّكوات ، ولا شيءٍ فرّط فيه من حقوق اللّه تعالى ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « الإسلام يجبّ ما كان قبله » وضابط الفرق : أنّ حقوق العباد قسمان : منها ما رضي به حالة كفره ، واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه ، هذا لا يسقط بالإسلام ، لأنّ إلزامه إيّاه ليس منفّراً له عن الإسلام لرضاه . وما لم يرض بدفعه لمستحقّه ، كالقتل والغصب ونحو ، فإنّ هذه الأمور إنّما دخل عليها معتمداً على أنّه لا يوفّيها أهلها ، فهذا كلّه يسقط ، لأنّ في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيراً له عن الإسلام ، فقدّمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق .
وأمّا حقوق اللّه تعالى فتسقط مطلقاً رضي بها أم لا . والفرق بينها وبين حقوق الآدميّين من وجهين : أحدهما : أنّ الإسلام حقٌّ للّه تعالى ، والعبادات حقٌّ للّه تعالى ، فلمّا كان الحقّان لجهةٍ واحدةٍ ناسب أن يقدّم أحدهما على الآخر ، ويسقط أحدهما الآخر ، لحصول الحقّ الثّاني لجهة الحقّ السّاقط . وأمّا حقّ الآدميّين فلجهة الآدميّين ، والإسلام ليس حقّاً لهم ، بل لجهة اللّه تعالى ، فناسب ألاّ يسقط حقّهم بتحصيل حقّ غيرهم .
وثانيهما : أنّ اللّه تعالى كريمٌ جوادٌ ، تناسب رحمته المسامحة ، والعبد بخيلٌ ضعيفٌ ، فناسب ذلك التّمسّك بحقّه ، فسقطت حقوق اللّه تعالى مطلقاً ، وإن رضي بها ، كالنّذور والأيمان ، أو لم يرض بها كالصّلوات . ولا يسقط من حقوق العباد إلاّ ما تقدّم الرّضى به ، فهذا هو الفرق بين القاعدتين .
الآثار اللاّحقة لدخول الإسلام :
8 - إذا أسلم الكافر أصبح كغيره من المسلمين ، له ما لهم من الحقوق ، وعليه ما عليهم من الواجبات . فتلزمه التّكاليف الشّرعيّة ، كالعبادات والجهاد . إلخ . وتجري عليه أحكام الإسلام ، كإباحة تولّي الولايات العامّة كالإمامة ، والقضاء ، والولايات الخاصّة الواقعة على المسلمين ... إلخ .
الأثر المترتّب على الإسلام فيما يتعلّق بالتّكاليف الشّرعيّة كالعبادات والجهاد وغيرها :
9 - الكافر في حال كفره هل هو مخاطبٌ بفروع الشّريعة ومكلّفٌ بها أم لا ؟ قال النّوويّ : المختار أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة المأمور بها ، والمنهيّ عنها ، ليزداد عذابهم في الآخرة . ويستوفي المسألة علماء الأصول في مباحث التّكليف ، فليرجع إليها .
فإذا أسلم الكافر فإنّه يعصم بذلك نفسه وماله وأولاده الصّغار ، كما في الحديث المعروف : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه ، وحسابه على اللّه » وفي روايةٍ أخرى : « فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ، إلاّ بحقّها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين » فتثبت هذه العصمة للنّفس مباشرةً ، وللمال تبعاً لعصمة النّفس ، وتجري عليه أحكام الشّريعة الجارية على المسلمين تلك الّتي كانت ممنوعةً عنه بالكفر .
ويحصل التّوارث بينه وبين أقاربه المسلمين ، فيرثهم إن ماتوا ، ويرثونه كذلك . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم » ولانعقاد الإجماع على ذلك . كما أنّه يحرم من إرث أقاربه الكفّار ، ويحلّ له تزوّج المسلمة ، كما يحرم عليه تزوّج المشركة من غير أهل الكتاب ، أي الوثنيّة .
وتبطل - في حقّ من أسلم - ماليّة الخمر والخنزير بعدما كان له ذلك ، وتلزمه جميع التّكاليف الشّرعيّة وفي مقدّمتها أركان الإسلام : الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ ، أصولاً وفروعاً ، بالنّسبة لجميع التّكاليف . وكذلك يفرض عليه الجهاد ، بعدما كان غير مطالبٍ به ، لحديث : « من مات ولم يغز ، ولم يحدّث به نفسه ، مات على شعبةٍ من نفاقٍ » وتحلّ الصّلاة خلفه ، والصّلاة عليه إذا مات ، وغسله وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين ، إلى غير هذا من أحكامٍ تعرّضت لها كتب الفقه في كلّ المذاهب .
10 - إذا باع ذمّيٌّ لآخر خمراً وخنزيراً ، ثمّ أسلما ، أو أسلم أحدهما قبل القبض ، يفسخ البيع ، لأنّه بالإسلام حرم البيع والشّراء ، فيحرم القبض والتّسليم أيضاً ، أخذاً من قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين } .
وقال ابن رشدٍ : لو أسلموا لأحرزوا بإسلامهم ما بأيديهم من الرّبا وثمن الخمر والخنزير ، لقول اللّه تعالى : { فمن جاءه موعظةٌ من ربّه فانتهى فله ما سلف } .
كما يجب على الّذي أسلم أن يهجر بلد الكفر وبلد الحرب . قال ابن رشدٍ : لقد وجب بالكتاب والسّنّة والإجماع على من أسلم ببلد الكفر أن يهجره ، ويلحق بدار المسلمين ، ولا يسكن بين المشركين ، ويقيم بين أظهرهم ، وذلك إذا كان لا يتمكّن من إقامة شعائر دينه ، أو يجبر على أحكام الكفر . وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( هجرةٌ ) .
رد مع اقتباس