عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-06-2012, 01:06 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ما لا يقبل الإسقاط :
أ - العين :
43 - العين ما يحتمل التّعيين مطلقاً ، جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً ، كالعروض من الثّياب ، والعقار من الأرضين والدّور ، والحيوان من الدّوابّ ، والمكيل والموزون .
ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيعٍ أو غيره . أمّا التّصرّف فيها بالإسقاط - أي رفع الملك وإزالته ، بأن يقول الشّخص مثلاً : أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلانٍ ، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا باطلٌ ، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين ، وثبوت الملك فيها للمسقط له . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . إلاّ ما ورد بالنّسبة للعتق والوقف على ما سبق بيانه .
44 - لكن لو حدث هذا التّصرّف من المالك ، وكانت العين تحت يد المسقط له ، فإن كانت العين مغصوبةً هالكةً صحّ الإسقاط ، لأنّه حينئذٍ يكون إسقاطاً لقيمتها المترتّبة في ذمّته ، فصار إسقاطاً للدّين ، وإسقاط الدّين صحيحٌ .
وإن كانت العين قائمةً ، فمعنى إسقاطها إسقاط ضمانها لو هلكت ، وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي . وقال زفر رحمه الله : لا يصحّ الإبراء وتبقى مضمونةً . وإن كانت العين أمانةً ، فالبراءة عنها لا تصحّ ديانةً ، بمعنى أنّ مالكها إذا ظفر بها أخذها . وتصحّ قضاءً ، فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة . وقد قالوا : الإبراء عن الأعيان باطلٌ ديانةً لا قضاءً . ومعناه أنّها تكون ملكاً له بالإبراء ، وإنّما الإبراء عنها صحيحٌ في سقوط الضّمان ، أو يحمل على الأمانة .
ويقول المالكيّة : إنّ البراءة من المعيّنات يسقط بها الطّلب بقيمتها إذا فاتت ، والطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وهذا هو المشهور من المذهب ، إلاّ إنّه نقل عن المازريّ ما ظاهره أنّ الإبراء يشمل الأمانات وهي معيّناتٌ ( وهذا في الإبراء العامّ ) . كذلك صرّح ابن عبد السّلام بأنّ الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه يكون في المعيّن وغيره .
ب - الحقّ :
ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق ، سواءٌ أكان من حقّ اللّه أم من حقّ العبد ، ونذكر فيما يلي ما لا يقبل الإسقاط منهما .
ما لا يقبل الإسقاط من حقوق اللّه تعالى :
45 - الأصل أنّ حقّ اللّه لا يقبل الإسقاط من أحدٍ من العباد ، وأنّ ذلك موكولٌ إلى صاحب الشّرع لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كالتّخفيف عن العباد على ما سبق . فحقّ اللّه الخالص من العبادات كالصّلاة والزّكاة ، ومن العقوبات كحدّ الزّنى وحدّ شرب الخمر ، ومن الكفّارات وغير ذلك من الحقوق الّتي ثبتت للعبد بمقتضى الشّريعة كحقّ الولاية على الصّغيرة ، حقّ اللّه هذا لا يجوز لأحدٍ من العباد إسقاطه ، لأنّه لا يملك الحقّ في ذلك ، بل إنّ من حاول ذلك فإنّه يقاتل ، كما فعل أبو بكرٍ رضي الله عنه بمانعي الزّكاة . حتّى إنّ السّنن الّتي فيها إظهار الدّين ، وتعتبر من شعائره ، كالأذان ، لو اتّفق أهل بلدةٍ على تركه وجب قتالهم .
46 - كذلك لا يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات ، كمن دخل عليه وقت صلاة ، فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها - وهو فاقدٌ لعقله - كالمغمى عليه . وكمن كان له مالٌ يقدر به على الحجّ ، فوهبه كيلاً يجب عليه الحجّ .
47 - وتحرم الشّفاعة لإسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى . وفي السّرقة كذلك بعد الرّفع للحاكم ، لأنّ الحدّ فيها حقّ اللّه تعالى ، وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قد سرق ، فأمر به فقطع ، فقيل : يا رسول اللّه ما كنّا نراك تبلغ به هذا ، قال : لو كانت فاطمة بنت محمّدٍ لأقمت عليها الحدّ » . وروى عروة قال :« شفع الزّبير في سارقٍ فقيل : حتّى يأتي السّلطان ، قال : إذا بلغ السّلطان فلعن اللّه الشّافع والمشفّع ». ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان ، حين تصدّق على السّارق : « فهلاّ قبل أن تأتيني به » . وقال النّوويّ في شرح مسلمٍ : وأجمعوا على تحريم الشّفاعة في الحدود بعد بلوغه الإمام ، فأمّا قبل بلوغه الإمام فقد أجازه أكثر العلماء ، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذًى للمسلمين ، فإن كان لم يشفع فيه .
48 - ويلاحظ أنّ السّرقة ، وإن كان الحدّ فيها هو حقّ اللّه ، إلاّ أنّ الجانب الشّخصيّ فيها متحقّقٌ ناحية المال ، ولذلك يجوز الإبراء من المال . أمّا الحدّ فإنّه يجوز العفو عنه قبل الرّفع للحاكم ، أمّا بعده فلا يجوز . لكن قال الحنفيّة - غير زفر ، وروايةٌ لأبي يوسف - لو أنّ المسروق منه ملّك المسروق للسّارق سقط الحدّ .
والقذف ممّا يجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، مع الاختلاف في تغليب أحدهما ، وعلى الجملة ، فإنّه يجوز العفو فيه ( أي الإسقاط ) قبل التّرافع وبعده عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز بعد الرّفع عند الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة قيّدوا العفو بعد التّرافع بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ، ويثبت ذلك بالبيّنة . ولا يشترط هذا القيد بين الابن وأبيه . وروي عن الإمام أبي يوسف أنّه يجوز العفو كذلك بعد الرّفع للإمام .
وأمّا التّعزير ، فما كان منه حقّاً للآدميّ جاز العفو عنه ، وما كان حقّاً للّه فهو موكولٌ إلى الإمام . ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه يجب على الإمام إقامته إذا كان في حقّ اللّه .
وعن الإمامين أبي حنيفة وأحمد أنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته فيجب امتثال الأمر فيه ، وما لم يكن منصوصاً عليه فهو موكولٌ إلى الإمام .
49 - وما دامت حدود اللّه لا تقبل الإسقاط من العباد ، فبالتّالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها ، فلا يصحّ أن يصالح سارقاً أو شارباً ليطلقه ولا يرفعه للسّلطان ، لأنّه لا يصحّ أخذ العوض في مقابلته . وكذا لا يصحّ أن يصالح شاهداً على ألاّ يشهد عليه بحقٍّ للّه أو لآدميٍّ ، لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسبٌ حقّاً للّه تعالى ، لقوله تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } والصّلح عن حقوق اللّه عزّ وجلّ باطلٌ ويجب عليه ردّ ما أخذ ، لأنّه أخذه بغير حقٍّ .
وهناك أيضاً ما يعتبر حقّاً للّه تعالى ممّا شرع أصلاً لمصلحة العباد ، ولذلك لا يسقط بالإسقاط ، لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروعٌ . ومن أمثلة ذلك :
الولاية على الصّغير :
50 - من الحقوق الّتي اعتبرها الشّارع وصفاً ذاتيّاً لصاحبها ، ولاية الأب على الصّغير ، فهي لازمةٌ له ولا تنفكّ عنه ، فحقّه ثابتٌ بإثبات الشّرع ، فهي حقٌّ عليه للّه تعالى ، ولذلك لا تسقط بإسقاطه ، لأنّ ذلك يعتبر خلاف المشروع ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا غير الأب كالوصيّ ففيه خلافٌ . فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا كان الوصيّ قد قبل الوصاية ، ومات الموصي ، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا الحقّ له . ولأنّها ولايةٌ فلا تسقط بالإسقاط .
أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّه يجوز عندهم أن يسقط الوصيّ حقّه ، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي ، لأنّه متصرّفٌ بالإذن ، فكان له عزل نفسه كالوكيل .
وينظر تفصيل أنواع الولايات ، كالقاضي وناظر الوقف ، في مصطلح ( ولايةٌ ) .
السّكنى في بيت العدّة :
51 - أوجب الشّارع على المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى حال وقوع الفرقة أو الموت ، والبيت المضاف إليها في قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } هو البيت الّذي تسكنه . ولا يجوز للزّوج ولا لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها . وليس لها أن تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ، لأنّ في العدّة حقّاً للّه تعالى ، وإخراجها أو خروجها من مسكن العدّة منافٍ للمشروع ، فلا يجوز لأحدٍ إسقاطه . وهذا في الجملة ، لأنّ المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب على المطلّقة البائنة قرارها في مسكن العدّة ، لحديث فاطمة بنت قيسٍ الّذي فيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : « لا نفقة لك ولا سكنى » .
وإنّما يستحبّ لها ذلك ، خروجاً من الخلاف . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ر : ( عدّةٌ ، سكنى ) .
خيار الرّؤية :
52 - بيع الشّيء قبل رؤيته يثبت خيار الرّؤية للمشتري ، فله الأخذ وله الرّدّ عند رؤيته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه » فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ، وإنّما هو ثابتٌ شرعاً فكان حقّ اللّه تعالى ، ولهذا لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط ، وهذا متّفقٌ عليه عند من يجيزون بيع الشّيء الغائب ، مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار .
ولو أنّ العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار الرّؤية بطل الشّرط مع الخلاف في صحّة العقد وفساده ، بناءً على حكم الشّروط الفاسدة في البيع . وينظر التّفصيل في : ( بيعٌ ، خيارٌ ) .
حقّ الرّجوع في الهبة :
53 - حقّ الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها - وهي فيما يهبه الوالد لولده عند الجمهور ، وفيما يهبه الإنسان إذا لم يوجد مانعٌ من موانع الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة - حقٌّ ثابتٌ شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو يهب هبةً ، فيرجع فيها ، إلاّ الوالد بما يعطي ولده » . وهذا ما استدلّ به الجمهور . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الواهب أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي ما لم يعوّض . قالوا : والعوض فيما وهب لذي الرّحم المحرّم هو : صلة الرّحم ، وقد حصل .
وما دام حقّ الرّجوع في الهبة - فيما يجوز الرّجوع فيه - ثابتاً شرعاً فإنّه لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط . وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في قولٍ . والقول الآخر للحنابلة أنّ الرّجوع حقّه ، وهو يسقط بإسقاطه . وعند المالكيّة يجوز للأب الرّجوع فيما وهبه لولده ، إلاّ إذا أشهد عليها ، أو شرط عدم الاعتصار ( أي الرّجوع ) ، فلا رجوع له حينئذٍ على المشهور . وينظر تفصيل ذلك في : ( هبةٌ ) .
ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد :
سبق أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ما لم يكن هناك مانعٌ ، وفيما يلي بيان بعض ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق اتّفاقاً أو عند بعض الفقهاء ، إمّا لفقد شرطٍ من شروط المحلّ ، أو شرطٍ من شروط الإسقاط في حدّ ذاته .
ما يتعلّق به حقّ الغير :
54 - الإسقاط إذا كان مسّ حقّاً لغير من يباشره فإنّه لا يصحّ ، إذا كان فيه ضررٌ على الغير كحقّ الصّغير ، أو يتوقّف على إجازة من يملك الإجازة كالوارث والمرتهن ، ومن أمثلة ذلك ما يأتي :
حقّ الحضانة :
55 - يرى جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أيضاً قولٌ للمالكيّة خلاف المشهور عندهم - أنّ للحاضن أن يسقط حقّه بإسقاطه ، وينتقل الحقّ إلى من بعده ، ولا يجبر على الحضانة إلاّ إذا تعيّن ولم يوجد حاضنٌ غيره ، ثمّ إن عاد الحاضن فطلب الحضانة عاد الحقّ إليه . وخالف ذلك المالكيّة في المشهور عندهم فقالوا : إنّ الحاضنة إذا أسقطت حقّها من الحضانة لغير عذرٍ ، بعد وجوبها لها ، ثمّ أرادت العود فلا تعود .
وللتّفصيل ر : ( حضانةٌ ) .
نسب الصّغير :
56 - النّسب حقّ الصّغير ، فإذا ثبت هذا الحقّ فإنّه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحقّ ، فمن أقرّ بابنٍ ، أو هنّئ به فسكت ، أو أمّن على الدّعاء ، أو أخّر نفيه مع إمكان النّفي فقد التحق به ، ولا يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك .
ولو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل فصالحت عن النّسب على شيءٍ فالصّلح باطلٌ ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها .
عزل الوكيل :
57 - الأصل أنّ الموكّل يجوز له عزل الوكيل متى شاء ، لأنّه تصرّف في خالص حقّه ، لكن لو تعلّق بالوكالة حقٌّ للغير ، فلا يجوز له أن يعزله بغير رضى صاحب الحقّ ، لأنّ في العزل إبطال حقّه من غير رضاه ، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله ما دامت الخصومة مستمرّةً . وكالعدل المتسلّط على بيع المرهون .
وذلك في الجملة عند الحنفيّة والمالكيّة ، مع تفصيلٍ كثيرٍ في شروط العزل وشروط الوكالة في الخصومة ، وتنظر في : ( وكالةٌ ، رهنٌ ) .
تصرّف المفلس :
58 - المحجور عليه للفلس ، يتعلّق حقّ الغرماء بماله ، ولذلك لا يجوز له التّصرّف في ماله تصرّفاً مستأنفاً ، كوقفٍ ، وعتقٍ ، وإبراءٍ ، وعفوٍ مجّاناً فيما لا قصاص فيه ، وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ، فهو محجورٌ عليه فيه ، أشبه الرّاهن يتصرّف في الرّهن . ر : ( حجرٌ ، فلسٌ ) .
إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وبعد وجود سبب الوجوب :
59 - يتّفق الفقهاء على عدم صحّة الإسقاط قبل وجوب الحقّ ، وقبل وجود سبب الوجوب ، لأنّ الحقّ قبل ذلك غير موجودٍ بالفعل ، فلا يتصوّر ورود الإسقاط عليه ، فإسقاط ما لم يجب ، ولا جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما مجرّد وعدٍ لا يلزم منه الإسقاط مستقبلاً ، كإسقاط الشّفعة قبل البيع ، وإسقاط الحاضنة حقّها في الحضانة قبل وجوبها ، فكلّ هذا لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما هو امتناعٌ عن الحقّ في المستقبل ، ويجوز الرّجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحقّ .
60 - أمّا إذا لم يجب الحقّ ، ولكن وجد سبب وجوبه ، ففي صحّة الإسقاط حينئذٍ اختلاف الفقهاء : فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ الإسقاط بعد وجود السّبب وقبل الوجوب .
فقد جاء في بدائع الصّنائع : الإبراء عن الحقّ بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ ، كالإبراء عن الأجرة قبل مضيّ مدّة الإجارة . وفي فتح القدير : الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائزٌ . وفي شرح منتهى الإرادات ، ومثله في المغني : إن عفا مجروحٌ عمداً أو خطأً عن قود نفسه أو ديتها صحّ عفوه ، لإسقاطه حقّه بعد انعقاد سببه .
وفي فتح العليّ المالك وردت عدّة مسائل : كإبراء الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، وإسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل ، وكعفو المجروح عمّا يئول إليه الجرح . ثمّ قال نقلاً عن ابن عبد السّلام : وبعض هذه المسائل أقوى من بعضٍ ، فهل يلزم الإسقاط في ذلك ، لأنّ سبب الوجوب قد وجد أو لا يلزم لأنّها لم تجب ؟ قولان حكاهما ابن رشدٍ . وفي الدّسوقيّ ذكر أنّ المعتمد هو لزوم الإسقاط لجريان السّبب . والأظهر عند الشّافعيّة والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يصحّ إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وإن جرى سبب وجوبه .
جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ المشتري البائع عن الضّمان لم يبرّأ في الأظهر ، إذ هو إبراءٌ عمّا لم يجب ، وهو غير صحيحٍ وإن وجد سببه ، والقول الثّاني : يبرّأ لوجود سبب الضّمان . واستثنى الشّافعيّة صورةً يصحّ فيها الإسقاط قبل الوجوب وهي : من حفر بئراً في ملك غيره بلا إذنٍ ، وأبرأه المالك ، ورضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ ممّا وقع فيها .
إسقاط المجهول :
61 - إسقاط الحقّ المعلوم لا خلاف فيه ، والخلاف إنّما هو في المجهول ، كالدّين ، والعيب في المبيع ، وحصّةٍ في تركةٍ ، وما ماثل ذلك . فهذا النّوع محلّ خلافٍ بين الفقهاء في صحّة إسقاطه ، بناءً على اختلافهم في الإبراء من الدّين ، هل هو تمليكٌ أو إسقاطٌ ؟
فعند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة ، والقديم عند الشّافعيّ : أنّه يجوز الإبراء من المجهول ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن اختصما في مواريث قد درست : استهما ، وتوخّيا الحقّ ، وليحلل كلٌّ منكما صاحبه » . ولأنّه إسقاط حقٍّ لا تسليم فيه ، فصحّ في المجهول ، لأنّ الجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة . ومن ذلك عند الحنابلة : صحّة الصّلح عمّا تعذّر علمه من الدّين ، لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .
وفي الجديد عند الشّافعيّ ، وهو روايةٌ عند الحنابلة : أنّه لا يصحّ الإبراء من المجهول ، بناءً على أنّه تمليك ما في ذمّته ، فيشترط العلم به .
ولا فرق عند الشّافعيّة ، والحنابلة على القول بعدم الصّحّة بين مجهول الجنس والقدر والصّفة . ويستثني الشّافعيّة من الإبراء من المجهول صورتين :
الأولى : الإبراء من إبل الدّية ، فيصحّ الإبراء منها مع الجهل بصفتها ، لاغتفارهم ذلك في إثباتها في ذمّة الجاني . وكذا الأرش والحكومة يصحّ الإبراء منهما مع الجهل بصفتهما . الثّانية : إذا ذكر قدراً يتحقّق أنّ حقّه أقلّ منه . وأضيف إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأه عمّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهالة ، لأنّه وصيّةٌ . كذلك الجهل اليسير الّذي يمكن معرفته لا يؤثّر في الإسقاط عند الشّافعيّة ، كالإبراء من حصّته من مورّثه في التّركة ، إن علم قدر التّركة ، وجهل قدر حصّته . وإن أجاز الوارث وصيّة مورّثه فيما زاد على الثّلث ، وقال : إنّما أجزت لأنّي ظننت المال قليلاً ، وأنّ الثّلث قليلٌ ، وقد بان أنّه كثيرٌ ، قبل قوله بيمينه ، وله الرّجوع بما زاد على ظنّه ، ما لم يكن المال ظاهراً لا يخفى على المجيز ، أو تقوم بيّنةٌ بعلمه وبقدره ، وهذا في الجملة .
62 - أمّا الإبراء من العيوب في البيع ، فالحكم فيه عند الحنفيّة والمالكيّة كالحكم في الدّين ، مع تفصيلٍ بين الحادث والقائم . وعند الحنابلة : الأشهر فيه عدم صحّة الإبراء .
والرّأي الثّاني : يجوز الإبراء فيه . وأمّا عند الشّافعيّة ففيه طريقان :
أحدهما أنّ المسألة على ثلاثة أقوالٍ : قولٌ بصحّة البراءة من كلّ عيبٍ ، وقولٌ بعدم صحّة البراءة والثّالث أنّه لا يبرّأ إلاّ من عيبٍ واحدٍ ، وهو العيب الباطن في الحيوان الّذي لا يعلم به البائع ، قال الشّافعيّ رحمه الله : لأنّ الحيوان يفارق ما سواه ، وقلّما يبرّأ من عيبٍ يظهر أو يخفى ، فدعت الحاجة إلى التّبرّي من العيب الباطن فيه .
هذه أمثلةٌ لما لا يقبل الإسقاط بالاتّفاق ، أو مع الاختلاف لعدم تحقّق شرطٍ من شروط المحلّ أو شروط الإسقاط في حدّ ذاته .
63 - وهناك كثيرٌ من الحقوق الّتي لا تقبل الإسقاط لأسبابٍ مختلفةٍ ، ومن العسير حصر هذه الحقوق لتشعّبها في مسائل الفقه المختلفة . ومن أمثلة ذلك : حقّ الزّوج في الاستمتاع . وهناك ما لا يسقط لقاعدةٍ عند الشّافعيّة وهي : أنّ صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط كالأجل والجودة ، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفيّة خروجاً عن قاعدة " التّابع تابعٌ " .
كذلك قال الحنفيّة : إنّ الشّرط إذا كان في عقدٍ لازمٍ فإنّه يلزم ولا يقبل الإسقاط ، فلو قال ربّ السّلم : أسقطت حقّي في التّسليم في ذلك المكان أو البلد لم يسقط . وكمن أسقط حقّه فيما شرط له من ريع الوقف لا لأحدٍ ، لأنّ الاشتراط له صار لازماً كلزوم الوقف .
وغير ذلك كثيرٌ ، وينظر في مواضعه .
تجزّؤ الإسقاط :
64 - من المعلوم أنّ الإسقاط يرد على محلٍّ ، والمحلّ هو الأساس في بيان حكم التّجزّؤ ، فإذا كان المحلّ يقبل الإسقاط في بعضه دون البعض الآخر ، قيل : إنّ الإسقاط يتجزّأ .
وإن كان المحلّ لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه ، بل يثبت في الكلّ ، قيل : إنّ الإسقاط لا يتجزّأ . ومن القواعد في ذلك عند الحنفيّة ، كما ذكر ابن نجيمٍ والأتاسيّ شارح المجلّة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " . فإذا طلّق نصف تطليقةٍ وقعت واحدةٌ ، أو طلّق نصف المرأة طلقت ، ومنها العفو عن القصاص : إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص كلّه وانقلب نصيب الباقين مالاً .
وخرج عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة ، فإنّه إذا أعتق بعض عبده لم يعتق كلّه . وعند الصّاحبين لا يتجزّأ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شركاً له في مملوكٍ فعليه عتقه كلّه » . وأدخل شارح المجلّة تحت القاعدة أيضاً : الكفالة بالنّفس ، والشّفعة ، ووصاية الأب ، والولاية . وذكر الشّافعيّة هذه القاعدة بتوضيحٍ أكثر فقالوا : ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . وذكروا تحت هذه القاعدة المسائل الّتي سبق إيرادها عن ابن نجيمٍ ، وهي : الطّلاق والقصاص والعتق والشّفعة . فإذا عفا الشّفيع عن بعض حقّه سقط الكلّ . واستثنى الشّافعيّة من القاعدة حدّ القذف ، فالعفو عن بعضه لا يسقط شيئاً منه . قاله الرّافعيّ . وزاد في نهاية المحتاج : التّعزير ، فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شيءٌ .
والمسائل المشهورة الّتي وردت من طلاقٍ وعتقٍ وقصاصٍ هي محلّ اتّفاقٍ بين المذاهب ، في أنّ الطّلاق المبعّض أو المضاف إلى جزءٍ من الزّوجة ، أو العتق المضاف إلى جزءٍ من العبد ، أو عفو أحد المستحقّين عن القصاص ، كلّ هذا يسري على الكلّ ، ولا يتبعّض المحلّ ، فتطلق المرأة ، ويعتق العبد ، ويسقط القصاص . وهذا في الجملة في الأصل العامّ ، إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة في العتق كما سبق . وللفقهاء تفصيلٌ في فروع كلّ مسألةٍ . فمثلاً إضافة الطّلاق أو العتق إلى الظّفر والسّنّ والشّعر لا يقع به شيءٌ عند الحنابلة ، لأنّ هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل . وفي الإضافة إلى الشّعر قولان عند المالكيّة ، ويقع بالإضافة إليه الطّلاق عند الشّافعيّة . والشّفعة أيضاً الأصل العامّ فيها أنّها لا تتبعّض ، حتّى لا يقع ضررٌ بتفريق الصّفقة . فالشّفيع إمّا أن يأخذ الكلّ أو يترك ، وإذا أسقط حقّه في البعض سقط الكلّ . لكن وقع خلافٌ عند الشّافعيّة ، إذ قيل : إنّ إسقاط بعض الشّفعة لا يسقط شيئاً منها . وليس من تبعيض الشّفعة ما إذا كان البائع أو المشتري اثنين ، فإنّ الشّفيع له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر ، وإذا تعدّد الشّفعاء فالشّفعة على قدر الأنصباء . والدّين ممّا يقبل التّبعيض ، فللدّائن أخذ بعضه وإسقاط بعضه .
السّاقط لا يعود :
65 - من المعلوم أنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ، ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلاّ بسببٍ جديدٍ يصير مثله لا عينه ، فإذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ، فلا يكون هناك دينٌ ، إلاّ إذا وجد سببٌ جديدٌ ، وكالقصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ، ولا تستباح إلاّ بجنايةٍ أخرى ، وهكذا . وكمن أسقط حقّه في الشّفعة ، ثمّ رجعت الدّار إلى صاحبها بخيار رؤيةٍ ، أو بخيار شرطٍ للمشتري ، فليس له أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ الحقّ قد بطل ، فلا يعود إلاّ بسببٍ جديدٍ .
والإسقاط يقع على الكائن المستحقّ ، وهو الّذي إذا سقط لا يعود ، أمّا الحقّ الّذي يثبت شيئاً فشيئاً ، أي يتجدّد بتجدّد سببه فلا يرد عليه الإسقاط ، لأنّ الإسقاط يؤثّر في الحال دون المستقبل . ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزّوايا : لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض ، ورضي المشتري بترك الفسخ ، ثمّ بدا له ، يمكّن من الفسخ ، لأنّ التّسليم مستحقٌّ له في الأوقات كلّها ، والإسقاط يؤثّر في الحال دون ما يستحقّ من بعد .
وقال ابن عابدين : لو أسقطت الزّوجة نوبتها لضرّتها فلها الرّجوع ، لأنّها أسقطت الكائن ، وحقّها يثبت شيئاً فشيئاً ، فلا يسقط في المستقبل ، ولا يرد أنّ السّاقط لا يعود ، لأنّ العائد غير السّاقط ، وهذه مسألةٌ متّفقٌ عليها . وقد ذكر ابن نجيمٍ قاعدةً في ذلك فقال : الأصل أنّ المقتضي للحكم إن كان موجوداً والحكم معدومٌ فهو من باب المانع ، وإن عدم المقتضي فهو من باب السّاقط . فهناك فرقٌ إذن بين وجود المقتضي للحكم ، ثمّ سقط الحكم لمانعٍ ، فإذا زال المانع مع وجود المقتضي عاد الحكم ، بخلاف ما إذا عدم المقتضي فلا يعود الحكم . ومن ذلك حقّ الحضانة . جاء في منتهى الإرادات : لا حضانة لفاسقٍ ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ ، ولا تزويج بأجنبيٍّ من محضونٍ . وبمجرّد زوال المانع من فسقٍ أو كفرٍ ، أو تزوّجٍ بأجنبيٍّ ، وبمجرّد رجوع ممتنعٍ من حضانةٍ يعود الحقّ له في الحضانة ، لقيام سببها مع زوال المانع . هذا مع الاختلاف بين الفقهاء ، هل الحضانة حقّ الحاضن أو حقّ المحضون . وفي الدّسوقيّ : إذا انتقلت الحضانة لشخصٍ لمانعٍ ، ثمّ زال المانع فإنّها تعود للأوّل ، كما لو تزوّجت الأمّ ودخل بها الزّوج ، وأخذت الجدّة الولد ، ثمّ فارق الزّوج الأمّ ، وقد ماتت الجدّة ، أو تزوّجت ، والأمّ خاليةٌ من الموانع ، فهي أحقّ ممّن بعد الجدّة ، وهي الخالة ومن بعدها . كذا قال المصنّف ( الدّردير ) ، وهو ضعيفٌ . والمعتمد أنّ الجدّة إذا ماتت انتقلت الحضانة لمن بعدها كالخالة ، ولا تعود للأمّ ولو كانت متأيّمةً ( لا زوج لها ) .
وفي الجمل على شرح المنهج : لو أسقطت الحاضنة حقّها انتقلت لمن يليها ، فإذا رجعت عاد حقّها . ومثل ذلك عند الحنفيّة كما في البدائع . وقال ابن نجيمٍ : وفرّعت على " وقولهم : السّاقط لا يعود " قولهم إذا حكم القاضي بردّ شهادة الشّاهد ، مع وجود الأهليّة ، لفسقٍ أو لتهمةٍ ، فإنّه لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة .
ومن المسائل الّتي ذكرها ابن نجيمٍ للتّفرقة بين ما هو مسقطٌ وما هو مانعٌ قوله : لا يعود التّرتيب بعد سقوطه بقلّة الفوائت ، بخلاف ما إذا سقط بالنّسيان فإنّه يعود بالتّذكّر ، لأنّ النّسيان كان مانعاً لا مسقطاً ، فهو من باب زوال المانع . ولا تصحّ إقالة الإقالة في السّلم ، لأنّه دينٌ ساقطٌ فلا يعود . أمّا عود النّفقة - بعد سقوطها بالنّشوز - بالرّجوع ، فهو من باب زوال المانع ، لا من باب عود السّاقط . وتنظر الفروع في أبوابها .
رد مع اقتباس