عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-06-2012, 01:06 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ردّ الإسقاط :
16 - لا يختلف الفقهاء في أنّ الإسقاطات المحضة الّتي ليس فيها معنى التّمليك ، والّتي لم تقابل بعوضٍ ، كالعتق والطّلاق والشّفعة والقصاص لا ترتدّ بالرّدّ ، لأنّها لا تفتقر إلى القبول ، وبالإسقاط يسقط الملك والحقّ ، فيتلاشى ولا يؤثّر فيه الرّدّ ، والسّاقط لا يعود كما هو معلومٌ . ولا يختلفون كذلك في أنّ الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ ، كالطّلاق والعتق على مالٍ ، ترتدّ بالرّدّ ما لم يسبق قبولٌ أو طلبٌ .
17 - أمّا ما فيه معنى التّمليك كالإبراء من الدّين ، فعند الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم ، وهو رأي بعض الشّافعيّة ، أنّه يرتدّ بالرّدّ ، نظراً لجانب التّمليك فيه ، ولما قد يترتّب على عدم قابليّته للرّدّ من ضرر المنّة الّتي يترفّع عنها ذوو المروءات .
18 - هذا مع استثناء الحنفيّة لبعض المسائل الّتي لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي :
أ - إذا أبرأ المحال المحال عليه فلا يرتدّ بردّه .
ب - إذا أبرأ الطّالب الكفيل فالأرجح أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، وقيل يرتدّ .
ج - إذا طلب المدين الإبراء فأبرأه الدّائن فلا يرتدّ بالرّدّ .
د - إذا قبل المدين الإبراء ثمّ ردّه لا يرتدّ .
وهذه المسائل في الحقيقة ليست خروجاً على الأصل الّذي سار عليه الحنفيّة ، ذلك أنّ الحوالة والكفالة من الإسقاطات المحضة ، لأنّ الواجب هو حقّ المطالبة وليس فيه تمليك مالٍ . وأمّا القبول إذا تمّ فلا معنى للرّدّ بعده ، وكذلك طلب المدين البراءة يعتبر قبولاً .
19 - ومع اتّفاق الحنفيّة على أنّ الإبراء يرتدّ بالرّدّ إلاّ أنّهم يختلفون من حيث تقييد الرّدّ بمجلس الإبراء وعدم تقييده . قال ابن عابدين : هما قولان . وفي الفتاوى الصّيرفيّة : لو لم يقبل ولم يردّ حتّى افترقا ، ثمّ بعد أيّامٍ ردّ لا يرتدّ في الصّحيح .
التّعليق والتّقييد والإضافة في الإسقاطات :
20 - التّعليق هو ربط وجود الشّيء بوجود غيره ، ويستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً ، كإن وإذا ، وانعقاد الحكم فيه يتوقّف على حصول الشّرط .
21 - والتّقييد بالشّروط ما جزم فيه بالأصل ، وشرط فيه أمرٌ آخر ، ولا يستعمل فيه لفظ أداة الشّرط صريحاً .
22 - أمّا الإضافة فهي وإن كانت لا تمنع سببيّة اللّفظ للحكم إلاّ أنّها تجعل الحكم يتأخّر البدء به إلى زمنٍ مستقبلٍ يحدّده المتصرّف .
وبيان ذلك بالنّسبة للإسقاطات هو :
أوّلاً : تعليق الإسقاط على الشّرط :
23 - يجوز باتّفاق الفقهاء تعليق الإسقاطات على الشّرط الكائن بالفعل ( أي الموجود حالة الإسقاط ) ، لأنّه في حكم المنجز ، كقول الدّائن لغريمه : إن كان لي عليك دينٌ فقد أبرأتك ، وكقول الرّجل لامرأته : أنت طالقٌ إن كانت السّماء فوقنا والأرض تحتنا ، وكمن قال لآخر : باعني فلانٌ دارك بكذا ، فقال : إن كان كذا فقد أجزته ، وإن كان فلانٌ اشترى هذا الشّقص بكذا فقد أسقطت الشّفعة . كذلك يجوز باتّفاق الفقهاء التّعليق على موت المسقط ، ويعتبر وصيّةً ، كقوله لمدينه : إذا متّ فأنت بريءٌ . وهذا فيما عدا من علّق طلاق زوجته على موته ، إذ فيه الاختلاف بين تنجيز الطّلاق وبين عدم وقوعه .
أمّا فيما عدا ذلك من الشّروط فيمكن تقسيم الإسقاطات بالنّسبة لها في الجملة إلى الآتي :
24 - أ - إسقاطاتٌ محضةٌ ليس فيها معنى التّمليك ولم تقابل بعوضٍ . وهذه يجوز في الجملة تعليقها على الشّرط ، غير أنّ الحنفيّة وضعوا هنا ضابطاً فقالوا : إن كانت الإسقاطات ممّا يحلف بها ، كالطّلاق والعتق ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط ملائماً أم غير ملائمٍ . وإن كانت ممّا لا يحلف بها ، كالإذن في التّجارة وتسليم الشّفعة ، فإنّه يجوز تعليقها بالشّرط الملائم فقط ، وهو ما يؤكّد موجب العقد .
ويعبّر الحنفيّة أحياناً بالشّرط المتعارف . ويظهر أنّ المراد بهما واحدٌ ، ففي ابن عابدين : وفي البحر عن المعراج : غير الملائم هو ما لا منفعة فيه للطّالب أصلاً ، كدخول الدّار ومجيء الغد ، لأنّه غير متعارفٍ . وفي فتح القدير - بعد الكلام عن اختلاف الرّوايات في جواز تعليق البراءة من الكفالة بالشّرط - قال : وجه اختلاف الرّوايتين أنّ عدم الجواز إنّما هو إذا كان الشّرط محضاً لا منفعة فيه أصلاً ، لأنّه غير متعارفٍ بين النّاس ، كما لا يجوز تعليق الكفالة بشرطٍ ليس للنّاس فيه تعاملٌ ، فأمّا إذا كان بشرطٍ فيه نفعٌ للطّالب ، وله تعاملٌ ، فتعليق البراءة به صحيحٌ . ولم يتعرّض غير الحنفيّة لهذا التّقسيم ، والّذي يبدو ممّا ذكروه أنّه يجوز عندهم تعليق الإسقاطات المحضة على الشّرط مطلقاً ، دون تفريقٍ بين ما يحلف به وما لا يحلف به ، ويدلّ لذلك الضّابط الّذي وضعه الشّافعيّة وهو : ما كان تمليكاً محضاً لا مدخل للتّعليق فيه قطعاً كالبيع ، وما كان حلاًّ محضاً ، يدخله التّعليق قطعاً كالعتق ، وبينهما مراتب يجري فيها الخلاف كالفسخ والإبراء . وأمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ المسائل الّتي ذكروا أنّها تقبل التّعليق تفيد هذا المعنى . وقد ورد الكثير من هذه المسائل في فتاوى الشّيخ عليشٍ المالكيّ ، ومنها : إذا طلبت الحاضنة الانتقال بالأولاد إلى مكان بعيدٍ ، فقال الأب : إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليك ، لزمها ذلك ، لأنّ للأب منعها من الخروج بهم إلى مكان بعيدٍ ، فأسقط حقّه بذلك . وإذا قال الشّفيع : إن اشتريت ذلك الشّقص فقد سلّمت لك شفعتي على دينارٍ تعطيني إيّاه ، فإن لم يبعه منك فلا جعل لي عليك ، جاز ذلك .
25 - ب - إسقاطاتٌ فيها معنى المعاوضة ، كالخلع والمكاتبة . وما يلحق بهما من الطّلاق والعتق على مالٍ . فالطّلاق على مالٍ وكذا العتق على مالٍ تعليقهما جائزٌ باتّفاقٍ ، لأنّهما إسقاطٌ محضٌ ، والمعاوضة فيهما معدولٌ بها عن سائر المعاوضات .
وأمّا الخلع فقد أجاز تعليقه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصّحيح ، باعتباره طلاقاً ، ومنعه الحنابلة لمعنى المعاوضة .
وأمّا المكاتبة فقد أجاز تعليقها بالشّرط الحنفيّة والمالكيّة ، ومنعها الحنابلة والشّافعيّة ، جاء في قواعد الزّركشيّ : المعاوضة غير المحضة وهي الّتي يكون المال فيها مقصوداً من جانبٍ واحدٍ ( أي كالمكاتبة ) لا تقبل التّعليق ، إلاّ في الخلع من جانب المرأة .
26 - ج - الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كالإبراء من الدّين . وقد أجاز تعليقه على الشّرط الحنفيّة والمالكيّة . غير أنّ الحنفيّة قيّدوه بالشّرط الملائم أو المتعارف على ما سبق تفسيره . ومنع تعليقة الحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ .
وقد استثنى الشّافعيّة ثلاث صورٍ يجوز فيها التّعليق ، وهي :
( 1 ) لو قال : إن رددت ضالّتي فقد أبرأتك عن الدّين الّذي لي عليك صحّ .
( 2 ) تعليق الإبراء ضمناً ، كما إذا علّق عتق عبده ، ثمّ كاتبه فوجدت الصّفة ، عتق ، وتضمّن ذلك الإبراء من النّجوم ( أي الأقساط ) .
( 3 ) البراءة المعلّقة بموت المبرّئ ، وقد سبق بيان ذلك .
ثانياً : تقييد الإسقاط بالشّرط :
27 - يصحّ في الجملة تقييد الإسقاطات بالشّروط ، فإن كان الشّرط صحيحاً لزم ، وإن كان الشّرط فاسداً فلكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في الحكم على ما يعتبر فاسداً من الشّروط وما لا يعتبر ، وهل يبطل التّصرّف بفساد الشّرط ، أو يبطل الشّرط ويصحّ التّصرّف . ونترك التّفاصيل لمواضعها . لكنّ الحكم الغالب في الإسقاطات أنّها لو قيّدت بالشّرط الفاسد ، صحّ وبطل الشّرط . ويتبيّن هذا ممّا ذكره بعض الفقهاء من الضّوابط ، ومن الفروع الّتي أوردها غيرهم ، وفيما يلي بيان ذلك .
قال الحنفيّة : كلّ ما جاز تعليقه بالشّرط يجوز تقييده بالشّرط ، ولا يفسد بالشّرط ، الفاسد . وقالوا أيضاً : ما ليس مبادلة مالٍ بمالٍ لا يفسد بالشّرط الفاسد . وذكر صاحب الدّرّ وابن عابدين التّصرّفات الّتي تصحّ ولا تفسد بالشّرط الفاسد ، ومنها : الطّلاق والخلع والعتق والإيصاء والشّركة والمضاربة والكفالة والحوالة والوكالة والكتابة والإذن في التّجارة والصّلح عن دم العمد والإبراء عنه . أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلم يربطوا بين التّعليق والتّقييد ، فقد ذكر القرافيّ في الفروق أنّ ما يقبل الشّرط والتّعليق : الطّلاق والعتق ، ولا يلزم من قبول التّعليق قبول الشّرط ، ولا من قبول الشّرط قبول التّعليق ، وتطلب المناسبة في كلّ بابٍ من أبواب الفقه . ومن الأمثلة الّتي وردت عندهم : لو خالعت زوجها واشترطت الرّجعة ، لزم الخلع ، وبطل الشّرط . ولو صالح الجاني وليّ الدّم على شيءٍ بشرط أن يرحل من البلد ، فقال ابن كنانة : الشّرط باطلٌ والصّلح جائزٌ ، وقال ابن القاسم : لا يجوز الصّلح ، وقال المغيرة : الشّرط جائزٌ والصّلح لازمٌ ، وكان سحنونٌ يعجبه قول المغيرة .
ويقول الشّافعيّة : الشّرط الفاسد قد يترتّب عليه بعض أحكام الصّحيح ، ومثل ذلك في الإسقاطات الكتابة والخلع . وممّا قاله الحنابلة في ذلك : إذا قيّد الخلع بشرطٍ فاسدٍ صحّ الخلع ولغا الشّرط . وفي المغني : العتق والطّلاق لا تبطلهما الشّروط الفاسدة .
ثالثاً : إضافة الإسقاط إلى الزّمن المستقبل :
28 - من التّصرّفات ما يظهر أثرها ويترتّب عليها الحكم بمجرّد تمّام الصّيغة ، ولا تقبل إرجاء حكمها إلى زمنٍ آخر كالزّواج والبيع . ومن التّصرّفات ما تكون طبيعتها تمنع ظهور أثرها إلاّ في زمنٍ مستقبلٍ ، كالوصيّة . ومن التّصرّفات ما يقع حكمه منجزاً ، كالطّلاق تنتهي به الزّوجيّة في الحال ، ويصحّ أن يضاف إلى زمنٍ مستقبلٍ لا تنتهي الزّوجيّة إلاّ عند حصوله . وإضافة الطّلاق إلى الزّمن المستقبل جائزٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهو منجزٌ عند المالكيّة ولو أضافه إلى المستقبل ، لأنّه بهذه الإضافة أشبه بنكاح المتعة . وكذلك العتق فإنّه إسقاطٌ يقبل الإضافة . وممّا ذكره الحنفيّة من الإسقاطات الّتي لا تقبل الإضافة إلى زمن مستقبلٍ : الإبراء من الدّين وإسقاط القصاص . والحكم الغالب أنّ الإسقاطات الّتي ليس فيها معنى التّمليك تقبل الإضافة إلى الزّمن المستقبل . هذا في الجملة ، ولكلّ مذهبٍ تفصيلٌ في كلّ نوعٍ من أنواع التّصرّفات ، وينظر في موضعه .
من يملك الإسقاط ( المسقط ) :
29 - الإسقاط قد يكون من قبل الشّرع أساساً ، كإسقاط العبادات الّتي يكون في مباشرتها مشقّةٌ وحرجٌ على المكلّف ، وكإسقاط العقوبات الّتي ترد عليها شبهةٌ ، وسيأتي بيان ذلك . وقد يكون الإسقاط من قبل العباد نتيجةً لأمر الشّارع ، إمّا على سبيل الوجوب كالعتق في الكفّارات ، وإمّا على سبيل النّدب كإبراء المعسر من الدّين ، وكالعفو عن القصاص .
وقد يكون الإسقاط من العباد بعضهم لبعضٍ لأسبابٍ خاصّةٍ ، كإسقاط حقّ الشّفعة لعدم الرّغبة في الشّراء . على ما سبق بيانه في الحكم التّكليفيّ .
ما يشترط في المسقط :
30 - الإسقاط من العباد يعتبر من التّصرّفات الّتي يتنازل فيها الإنسان عن حقّه ، فهو في حقيقته تبرّعٌ . ولمّا كان هذا التّصرّف قد يعود على المسقط بالضّرر ، فإنّه يشترط أهليّته للتّبرّع ، وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً . فلا يصحّ الإسقاط من الصّبيّ والمجنون وهذا في الجملة ، لأنّ الحنابلة يقولون بصحّة الخلع من الصّغير الّذي يعقله ، لأنّ فيه تحصيل عوضٍ له . ويشترط كذلك أن يكون غير محجورٍ عليه لسفهٍ أو دينٍ ، وهذا بالنّسبة للتّبرّعات ، لأنّه يجوز أن يطلّق وأن يعفو عن القصاص وأن يخالع ، لكن لا يدفع إليه المال ، ولذلك لا يصحّ الخلع من الزّوجة المحجور عليها لسفهٍ أو صغرٍ ، مع ملاحظة أنّه لا يحجر على السّفيه ، ولا على المدين عند أبي حنيفة . ر : ( حجرٌ ، وسفهٌ ، وأهليّةٌ ) .
ويشترط أيضاً أن يكون ذا إرادةٍ ، فلا يصحّ إسقاط المكره ، إلاّ ما قاله الحنفيّة من صحّة الطّلاق والعتق من المكره . وللفقهاء تفصيلٌ بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ . وينظر في ( إكراهٌ ) . ويشترط أن يكون في حال الصّحّة ، إذا كان إسقاطه لكلّ ماله أو أكثر من الثّلث ، فإن كان مريضاً مرض الموت وقت الإسقاط فتصرّفه فيما زاد على الثّلث للأجنبيّ ، أو بأقلّ للوارث ، يتوقّف على إجازة الورثة . ر : ( وصيّةٌ ) .
وإذا كان المريض مديناً والتّركة مستغرقةٌ بالدّيون فلا يصحّ منه الإبراء ، لتعلّق حقّ الغرماء . ويشترط أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلافٌ بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيلٌ موضعه مصطلح ( فضوليٌّ ) .
وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . وعلى الجملة فإنّه يصحّ التّوكيل بالخلع ، وبالإعتاق على مالٍ ، وبالصّلح على الإنكار ، وفي إبراءٍ من الدّين ولو للوكيل ، إذا عيّنه الموكّل وقال له : أبرئ نفسك . ويراعى في كلّ ذلك ما يشترط في الموكّل والوكيل وما أذن فيه . وينظر تفصيله في ( وكالةٌ ) . وقد يكون ملك التّصرّف بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذٍ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للصّغير والمولّى عليه ، فلا يجوز له التّبرّع ولا إسقاط المهر ولا العفو على غير مالٍ ولا ترك الشّفعة إذا كان في التّرك ضررٌ . وهذا في الجملة ( ر : وصايةٌ ولايةٌ ) .
المسقط عنه :
31 - المسقط عنه هو من كان عليه الحقّ أو تقرّر قبله ، ويشترط فيه أن يكون معلوماً في الجملة . هذا ، وأغلب الإسقاطات يكون المسقط عنه أو له معروفاً ، كما في الشّفعة والقصاص والخيار وما شابه ذلك . وإنّما نتصوّر الجهالة في إبراء المدين وفي الإعتاق والطّلاق وما أشبه ذلك . أمّا الإبراء من الدّين فيشترط فيه أن يكون المبرّأ معلوماً ، وهذا باتّفاقٍ . ولذلك لو قال : أبرأت شخصاً أو رجلاً ممّا لي قبله لا يصحّ . ومثله ما لو قال : أبرأت أحدً غريميّ ، أمّا لو قال : أبرأت أهالي المحلّة الفلانيّة ، وكان أهل تلك المحلّة معيّنين ، وعبارةً عن أشخاصٍ معدودين ، فإنّه يصحّ الإبراء .
كذلك يشترط أن يكون الإبراء لمن عليه الحقّ ، فلو أبرئ غير من عليه الحقّ لا يصحّ ، ومثال ذلك : إذا أبرئ قاتلٌ من ديةٍ واجبةٍ على عاقلته ، فلا يصحّ الإبراء في ذلك ، لوقوعه على غير من عليه الحقّ . أمّا لو أبرئت عاقلة القاتل ، أو قال المجنيّ عليه : عفوت عن هذه الجناية ، ولم يسمّ المبرّأ من قاتلٍ أو عاقلةٍ صحّ الإبراء ، لانصرافه إلى من عليه الحقّ . ولا يشترط في الإبراء من الدّين أن يكون المبرّأ مقرّاً بالحقّ ، حيث يجوز الإبراء من الإنكار . ومثل ذلك يقال في غير الدّين ممّا يصحّ إسقاطه .
وأمّا بالنّسبة للطّلاق فإنّه يصحّ مع الإبهام ، لكن لا بدّ من التّعيين ، فمن قال لزوجتيه : إحداكما طالقٌ ، فإنّ الطّلاق يقع ، ولكنّه يلزم بتعيين المطلّقة . وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا عند المالكيّة فالمشهور أنّهما تطلقان ، وهو قول المصريّين ، وقال المدنيّون : يختار واحدةً للطّلاق . وعند الحنابلة : يقرع بينهما إن لم يكن نوى واحدةً بعينها .
محلّ الإسقاط :
32 - المحلّ الّذي يجري عليه التّصرّف يسمّى حقّاً ، وهو بهذا الإطلاق العامّ يشمل الأعيان ، ومنافعها ، والدّيون ، والحقوق المطلقة . وكلّ من ملك حقّاً من هذه الحقوق - بهذا الإطلاق العامّ - يصبح له بحكم الملك ولاية التّصرّف فيه باختياره ، ليس لأحدٍ ولاية الجبر عليه إلاّ لضرورةٍ أو لمصلحةٍ عامّةٍ ، ولا لأحدٍ ولاية المنع عنه إلاّ إذا تعلّق به حقّ الغير ، فيمنع عن التّصرّف من غير رضى صاحب الحقّ .
والإسقاط من هذه التّصرّفات ، إلاّ أنّه ليس كلّ محلٍّ قابلاً للإسقاط ، بل منه ما يقبل الإسقاط لتوفّر شروطه ، ومنه ما لا يقبله لعدم تحقّق شروطه ، ككونه مجهولاً ، أو تعلّق به حقٌّ للغير وهكذا . وبيان ذلك فيما يلي :
ما يقبل الإسقاط
أوّلاً - الدّين :
33 - يصحّ باتّفاقٍ إسقاط الدّين الثّابت في الذّمّة ، لأنّه حقٌّ ، والحقوق تسقط بالإسقاط ، فكلّ من ثبت له دينٌ على غيره ، سواءٌ أكان ثمن مبيعٍ ، أم كان مسلماً فيه ، أم نفقةً مفروضةً ماضيةً للزّوجة ، أم غير ذلك ، فإنّه يجوز له إسقاطه . وسواءٌ أكان الإسقاط خاصّاً بدينٍ أم عامّاً لكلّ الدّين ، وسواءٌ أكان مطلقاً أم معلّقاً أم مقيّداً بشرطٍ على ما سبق بيانه . وكما يجوز الإبراء عن كلّ الدّين فإنّه يجوز الإبراء عن بعضه .
وكما يصحّ إسقاط الدّين بدون عوضٍ ، يصحّ إسقاطه نظير عوضٍ ، مع الاختلاف في الصّورة أو الكيفيّة الّتي يتمّ بها ذلك ، ومن هذه الصّور :
أ - أن يعطي المدين الدّائن ثوباً في مقابلة إبرائه ممّا عليه من الدّين ، فيملك الدّائن العوض المبذول له نظير الإبراء ويبرّأ المدين ، وذلك كما يقول الشّافعيّة .
ب - يقول الحنابلة : من وجبت عليه نفقة امرأته ، وكان له عليها دينٌ ، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها ، فإن كانت موسرةً فله ذلك ، لأنّ من عليه حقٌّ فله أن يقضيه من أيّ أمواله شاء ، وهذا من ماله .
ويظهر أنّ هذه الصّورة تعتبر من قبيل المقاصّة ، والمقاصّة بالتّراضي تعتبر إسقاطاً بعوضٍ من الجانبين . مع مراعاة شروطها من اتّحاد الدّين قدراً ووصفاً وغير ذلك من الشّروط .
ت - كذلك يأتي إسقاط الدّين نظير عوض صورة الصّلح . وقد قسّم القرافيّ الإسقاط إلى قسمين : بعوضٍ وبغيره ، وجعل من الإسقاط بعوضٍ الصّلح عن الدّين .
ث - في حاشية ابن عابدين : إذا أبرأت الزّوجة زوجها من المهر والنّفقة ليطلّقها ، صحّ الإبراء ، ويكون بعوضٍ ، وهو أنّه ملّكها نفسها .
ج - وقد يأتي إسقاط الدّين بعوضٍ في صور التّعليق ، كمن قال لغيره : إن أعطيتني سيّارتك أسقطت عنك الدّين الّذي لي عليك .
ح - والإبراء أيضاً في صورة الخلع يعتبر من قبيل العوض .
ثانياً : العين
34 - الأصل أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، على ما سيأتي بيانه فيما لا يقبل الإسقاط ، إلاّ أنّ بعض التّصرّفات تعتبر إسقاطاً للملك . وذلك كالعتق ، فإنّه يعتبر إسقاطاً لملك الرّقبة وهي عينٌ . والعتق مشروعٌ بل مندوبٌ إليه شرعاً ، وقد يكون واجباً كما في الكفّارات .
كذلك الوقف يعتبر إسقاطاً للملك عند بعض الفقهاء ، ففي قواعد المقري : وقف المساجد إسقاط ملكٍ إجماعاً ، وفي غيرها قولان .
وقد يأتي إسقاط العين نظير عوضٍ عمّن عقد الصّلح ، والصّلح جائزٌ شرعاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الصّلح جائزٌ بين المسلمين إلاّ صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً » . وسواءٌ أكان عن إقرارٍ ، أم عن إنكارٍ ، أم سكوتٍ ، فإن كان عن إنكارٍ أو سكوتٍ فهو في حقّ المدّعي معاوضة حقّه في زعمه ، وهذا مشروعٌ ، في حقّ المدّعى عليه افتداء اليمين ودفع الخصومة وهذا مشروعٌ . بل إنّ بعض الحنابلة أجاز الصّلح عمّا تعذّر علمه من دينٍ أو عينٍ بمالٍ لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .
ويلاحظ أنّ الشّافعيّة لا يجيزون الصّلح عن إنكارٍ . وإن كان الصّلح عن إقرارٍ اعتبر كالبيع ، إن كان مبادلة مالٍ بمالٍ ، أو كالإجارة إن كان مبادلة مالٍ بمنفعةٍ ، أو كالهبة إن كان على ترك بعض العين . ويعتبر في كلّ حالٍ شروطها . وينظر تفصيل ذلك في ( صلحٌ ) .
ثالثاً : المنفعة :
35 - المنافع حقوقٌ تثبت لمستحقّيها ، سواءٌ أكانت نتيجة ملك العين المنتفع بها ، أم كانت نتيجة ملك المنفعة دون الرّقبة ( أي العين ) بمقتضى عقدٍ ، كالإجارة والعاريّة والوصيّة بالمنفعة ، أو بغير عقدٍ ، كتحجير الموات لإحيائه ، والاختصاص بمقاعد الأسواق ، وما شابه ذلك . والأصل في المنافع أنّها تقبل الإسقاط بإسقاط مالك العين المنتفع بها أو مستحقّ منفعتها ، إذ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما لم يكن هناك مانعٌ من ذلك . وهذا باتّفاقٍ . وصور ذلك كثيرةٌ في مسائل الفقه ومن أمثلتها :
أ - من أوصى لرجلٍ بسكنى داره ، فمات الموصي ، وباع الوارث الدّار ، ورضي به الموصى له ، جاز البيع وبطلت سكناه .
ب - من وصّى بعين دار لزيدٍ ، وبالمنفعة لعمرٍو ، فأسقط الموصى له بالمنفعة حقّه ، سقط بالإسقاط .
ج - من كان له مسيل ماءٍ في دار غيره ، فقال : أبطلت حقّي في المسيل ، فإن كان له حقّ إجراء الماء دون الرّقبة بطل حقّه قياساً على حقّ السّكنى .
د - يجوز إسقاط الحقّ في الانتفاع ببيوت المدارس الموقوفة على الوجه الّذي أسقطه صاحبه .
فإن أسقطه مدّةً مخصوصةً رجع إليه بعد انتهائها ، وإن أطلق في الإسقاط فلا يعود له .
هـ- أماكن الجلوس في المساجد والأسواق يجوز إسقاط الحقّ فيها .
هذا بالنّسبة لإسقاط الحقّ في المنافع بدون عوضٍ .
36 - أمّا إسقاطه بعوضٍ ، فإنّه يرجع إلى قاعدة التّفريق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع ، فإنّ الأصل أنّ كلّ من ملك المنفعة ملك المعاوضة عليها ، ومن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليه . وعلى ذلك فكلّ من ملك المنفعة ، سواءٌ أكان مالكاً للرّقبة ، أم مالكاً للمنفعة دون الرّقبة ، فإنّه يجوز له إسقاط حقّه في المنفعة والاعتياض عنه وهذا عند الجمهور . أمّا الحنفيّة ، فإنّ الاعتياض عن المنافع عندهم لا يجوز إلاّ لمالك الرّقبة والمنفعة ، أو لمالك المنفعة بعوضٍ . والمنافع ليست بأموالٍ عندهم . وكذلك لا يجوز عندهم إفراد حقوق الارتفاق بعقد معاوضةٍ على الأصحّ ، وإنّما يجوز تبعاً .
وينظر تفصيل ذلك في ( إجارةٌ ، ارتفاقٌ ، إعارةٌ ، وصيّةٌ ، وقفٌ ) .
37 - ومن الأمثلة على إسقاط الحقّ في المنافع بعوضٍ : ما لو صالح الورثة من أوصى له مورّثهم بسكنى دارٍ معيّنةٍ من التّركة بدراهم مسمّاةٍ جاز ذلك صلحاً ، لأنّه إسقاط حقٍّ ، ومثل ذلك ما لو أنّ الموصى له بعين الدّار صالح الموصى له بسكناها بدراهم أو بمنفعة عينٍ أخرى لتسلّم الدّار له جاز .
رابعاً : الحقّ المطلق :
38 - ينقسم الحقّ بحسب من يضاف إليه إلى الآتي :
- -حقٌّ خالصٌ للّه سبحانه وتعالى ، وهو كلّ ما يتعلّق به النّفع العامّ ، أو هو امتثال أوامره ونواهيه .
- وحقٌّ خالصٌ للعباد ، وهو مصالحهم المقرّرة بمقتضى الشّريعة .
- وما اجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، كحدّ القذف والتّعزير .
والأصل أنّ الحقّ للّه سبحانه وتعالى ، لأنّه ما من حقٍّ للعبد إلاّ وفيه حقٌّ للّه تعالى ، وهو أمره بإيصال ذلك الحقّ إلى مستحقّه . وإفراد نوعٍ من الحقوق بجعله حقّاً للعبد فقط ، إنّما هو بحسب تسليط العبد على التّصرّف فيه بحيث لو أسقطه لسقط ، فكلّ واحدٍ من الحقّين ( حقّ اللّه وحقّ العبد ) موكولٌ لمن هو منسوبٌ إليه ثبوتاً وإسقاطاً . وبيان ذلك فيما يأتي : حقّ اللّه سبحانه وتعالى :
39 - ذكر حقّ اللّه هنا فيما يقبل الإسقاط إنّما هو باعتبار قبوله للإسقاط من قبل الشّارع ، أمّا من قبل العباد فلا يجوز على ما سيأتي .
وحقوق اللّه : إمّا عباداتٌ محضةٌ ماليّةٌ كالزّكاة ، أو بدنيّةٌ كالصّلاة ، أو جامعةٌ للبدن والمال كالحجّ . وإمّا عقوباتٌ محضةٌ كالحدود . وإمّا كفّاراتٌ وهي متردّدةٌ بين العقوبة والعبادة . ويقول الفقهاء : إنّ حقوق اللّه مبنيّةٌ على المسامحة ، بمعنى أنّه سبحانه وتعالى لن يلحقه ضررٌ في شيءٍ ، ومن ثمّ قبل الرّجوع عن الإقرار بالزّنى فيسقط الحدّ ، بخلاف حقّ الآدميّين فإنّهم يتضرّرون . وبإيجازٍ نذكر الأسباب الموجبة لإسقاط حقّ اللّه كما اعتبرها الشّارع :
40 -حقوق اللّه سبحانه وتعالى تقبل الإسقاط في الجملة للأسباب الّتي يعتبرها الشّرع مؤدّيةً إلى ذلك ، تفضّلاً منه ، ورحمةً بالعباد ، ورفعاً للحرج والمشقّة عنهم ، كإسقاط العبادات والعقوبات عن المجنون ، وكإسقاط بعض العبادات بالنّسبة لأصحاب الأعذار كالمرضى والمسافرين ، لما ينالهم من مشقّةٍ . وقد فصّل الفقهاء المشاقّ وأنواعها ، وبيّنوا لكلّ عبادةٍ مرتبةً معيّنةً من مشاقّها المؤثّرة في إسقاطها ، وأدرجوا ذلك تحت قاعدة : المشقّة تجلب التّيسير ، أخذاً من قوله تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدّين من حرجٍ } .
والحكم المبنيّ على الأعذار يسمّى رخصةً . ومن أقسام الرّخصة ما يسمّى رخصة إسقاطٍ ، كإسقاط الصّلاة عن الحائض والنّفساء ، وإسقاط الصّوم عن الشّيخ الكبير الّذي لا يقوى عليه . وصلاة المسافر قصراً فرضٌ عند الحنفيّة ، وفي قولٍ للمالكيّة ، وتعتبر رخصة إسقاطٍ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . وجه الاستدلال : أنّ التّصدّق بما لا يحتمل التّمليك إسقاطٌ لا يحتمل الرّدّ ، وإن كان ممّن لا يلزم طاعته كوليّ القصاص ، فهو من اللّه الّذي تلزم طاعته أولى .
والمذهب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ قصر الصّلاة سنّةٌ للتّرفيه عن العبد . كذلك يسقط فرض الكفاية عمّن لم يقم به ، إذا قام به غيره ، بل إنّ القرافيّ يقول : يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظنّ الفعل ، لا وقوعه تحقيقاً .
ومن ذلك أيضاً إسقاط الحرمة في تناول المحرّم للضّرورة ، كأكل المضطرّ للميتة ، وإساغة اللّقمة بالخمر لمن غصّ بها ، وإباحة نظر العورة للطّبيب . ويسري هذا الحكم على المعاملات ، فمن الرّخصة ما سقط مع كونه مشروعاً في الجملة ، وذلك كما في السّلم ، لقول الرّاوي : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » . وأنّ الأصل في البيع أن يلاقي عيناً ، وهذا حكمٌ مشروعٌ ، لكنّه سقط في السّلم . ومن التّخفيف : مشروعيّة الطّلاق ، لما في البقاء على الزّوجيّة من المشقّة عند التّنافر ، وكذا مشروعيّة الخلع والافتداء ، ومشروعيّة الكتابة ليتخلّص العبد من دوام الرّقّ . وكلّ ذلك مفصّلٌ في أبوابه الخاصّة من كتب الفقه ، وفي بابي : الرّخصة والأهليّة من كتب الأصول .
حقوق العباد :
41 - المقصود بحقوق العباد هنا ، ما عدا الأعيان والمنافع والدّيون ، وذلك لحقّ الشّفعة والقصاص والخيار . والأصل أنّ كلّ من له حقٌّ إذا أسقطه - وهو من أهل الإسقاط ، والمحلّ قابلٌ للسّقوط - سقط . فالشّفيع له حقّ الأخذ بالشّفعة بعد البيع ، فإذا أسقط هذا الحقّ وترك الأخذ بالشّفعة سقط حقّه ، ووليّ الدّم في القتل العمد له حقّ القصاص ، فإذا عفا وأسقط هذا الحقّ كان له ذلك ، والغانم قبل القسمة له حقّ التّملّك ، ويجوز له إسقاط هذا الحقّ ، وإذا ثبت حقّ الخيار للبائع أو للمشتري كان لمن ثبت له منهما هذا الحقّ أن يسقطه . وهكذا متى ثبت لإنسانٍ حقٌّ ، وهو جائز التّصرّف ، كان من حقّه إسقاطه ، إلاّ لمانعٍ من ذلك كما سيأتي ، وهذا باتّفاقٍ .
هذا بالنّسبة لإسقاط الحقوق بدون عوضٍ ، أمّا إسقاطها نظير عوضٍ فبيانه كالآتي :
42 - فرّق الكثير من فقهاء الحنفيّة بين ما يجوز الاعتياض عنه من الحقوق وما لا يجوز بقاعدةٍ هي : أنّ الحقّ إذا كان مجرّداً عن الملك فإنّه لا يجوز الاعتياض عنه ، وإن كان حقّاً متقرّراً في المحلّ الّذي تعلّق به صحّ الاعتياض عنه . وفرّق البعض الآخر من الحنفيّة بقاعدةٍ أخرى هي : أنّ الحقّ إذا كان شرع لدفع الضّرر فلا يجوز الاعتياض عنه ، وإذا كانت ثبت على وجه البرّ والصّلة فيكون ثابتاً له أصالةً ، فيصحّ الاعتياض عنه .
ومن يرجع إلى الأمثلة الّتي أوردوها يتبيّن له أنّه لا يكاد يوجد فرقٌ بين القاعدتين ، ففي الأشباه لابن نجيمٍ : الحقوق المجرّدة لا يجوز الاعتياض عنها ، كحقّ الشّفعة ، فلو صالح عنه بمالٍ بطلت ورجع به ، ولو صالح المخيّرة بمالٍ لتختاره بطل ولا شيء لها ، ولو صالح إحدى زوجتيه بمالٍ لتترك نوبتها لم يلزم ، ولا شيء لها . هكذا ذكروه في الشّفعة . وخرج عنها حقّ القصاص وملك النّكاح ، وحقّ الرّقّ ، فإنّه يجوز الاعتياض عنها .
والكفيل بالنّفس إذا صالح المكفول له بمالٍ لم يصحّ ولم يجب ، وفي بطلانها روايتان .
وفي حاشية ابن عابدين : لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجرّدة كحقّ الشّفعة ، ثمّ أورد نفس الأمثلة الّتي جاءت في الأشباه ، ثمّ قال : وعدم جواز الصّلح عن حقّ الشّفعة وحقّ القسم للزّوجة وحقّ الخيار في النّكاح للمخيّرة إنّما هو لدفع الضّرر عن الشّفيع والمرأة ، وما ثبت لذلك لا يصحّ الصّلح عنه ، لأنّ صاحب الحقّ لمّا رضي علم أنّه لا يتضرّر بذلك ، فلا يستحقّ شيئاً . أمّا حقّ القصاص وملك النّكاح وحقّ الرّقّ فقد ثبت على وجه البرّ والصّلة ، فهو ثابتٌ له أصالةً ، لا على وجه رفع الضّرر عن صاحبه . وسار صاحب البدائع على أنّ الحقّ الّذي يجوز الاعتياض عنه ، هو الحقّ الثّابت في المحلّ أصالةً .
أمّا الجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) فلم نعثر لهم على قاعدةٍ يمكن الاستناد إليها في معرفة الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها والّتي لا يجوز ، وإنّما يعرف ذلك بالرّجوع إلى المسائل في أماكنها من أبواب الفقه ، كالحضانة والشّفعة والخيار في العقود وما شابه ذلك ، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الأمثلة . والجمهور أحياناً مع الحنفيّة في بعض المسائل ، مع اتّفاقهم في سبب الاعتياض ، وأحياناً يختلفون عنهم . وسيظهر ذلك من الأمثلة .
أ - الاعتياض عن حقّ الشّفعة ، هو غير جائزٍ عند الحنفيّة كما سبق ، ويوافقهم في الحكم وفي العلّة الشّافعيّة والحنابلة . في حين أجاز الاعتياض عنها المالكيّة ، وفي روايةٍ عن الإمام أحمد : إذا كان الاعتياض ، من المشتري لا من غيره .
ب - هبة الزّوجة يومها لضرّتها ، لا يجوز الاعتياض عنه عند الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة . قال الشّافعيّة : لأنّه ليس عيناً ولا منفعةً فلا يقابل بمالٍ . وقال الحنابلة : إنّ الزّوجة من حقّها كون الزّوج عندها ، وهو لا يقابل بمالٍ . وقال ابن تيميّة : قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره . والمالكيّة أجازوا الاعتياض عن حقّها في ذلك ، لأنّه عوضٌ عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحقّ .
ت - إذا تعذّر ردّ المبيع المعيب كان للمشتري الحقّ في الاعتياض عن العيب . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، لأنّ الرّضى بالعيب يمنع الرّجوع بالنّقصان ،« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرشٍ وبين الرّدّ ». وعند الحنابلة : يجوز إمساك المبيع والاعتياض عن العيب ، لأنّه فات عليه جزءٌ من المبيع ، فكان له المطالبة بعوضه ، ويخالف المصرّاة ، لأنّ الخيار له بالتّدليس ، وكذلك في القول الثّاني عند الشّافعيّة .
ث - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع الفقهاء .
ج - يصحّ الصّلح عن إسقاط حقّ الدّعوى ، كحقّ الشّفعة والشّرب ، إلاّ ما كان مخالفاً للشّرع كدعوى الحدّ والنّسب ، ولأنّ الصّلح في الدّعوى لافتداء اليمين ، وهو جائزٌ .
ح - يجوز الصّلح عن التّعزير الّذي هو حقّ العبد ، لكن قال أبو حنيفة : إنّ التّعزير الّذي فيه حقّ اللّه كقبلة الأجنبيّة ، فالظّاهر عدم صحّة الصّلح فيه .
خ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الحضانة عند الحنفيّة والمالكيّة ، على القول بأنّها حقّ الحاضن .
د - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ، إذ من العسير حصر الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها ، ويرجع في ذلك إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه .
رد مع اقتباس