عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 05-06-2012, 01:05 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - الكفّارة والدّية :
66 - ومن ناحية الكفّارة والدّية عند إصابة أحد أسرى المسلمين نتيجة رمي التّرس ، فإنّ جمهور الحنفيّة على أنّ ما أصابوه منهم لا يجب فيه ديةٌ ولا كفّارةٌ ، لأنّ الجهاد فرضٌ ، والغرامات لا تقرن بالفروض ، لأنّ الفرض مأمورٌ به لا محالة ، وسبب الغرامات عدوانٌ محضٌ منهيٌّ عنه ، وبينهما منافاةٌ ، فوجوب الضّمان يمنع من إقامة الفرض ، لأنّهم يمتنعون منه خوفاً من لزوم الضّمان ، وهذا لا يتعارض مع ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أنّه « ليس في الإسلام دمٌ مفرجٌ » - أي مهدرٌ - لأنّ النّهي عامٌّ خصّ منه البغاة وقطّاع الطّريق ، فتخصّ صورة النّزاع ، كما أنّ النّهي في الحديث خاصٌّ بدار الإسلام ، وما نحن فيه ليس بدار الإسلام .
67 - وعند الحسن بن زيادٍ من الحنفيّة وجمهور الحنابلة والشّافعيّة تلزم الكفّارة قولاً واحداً ، وفي وجوب الدّية روايتان :
إحداهما : تجب ، لأنّه قتل مؤمناً خطأً ، فيدخل في عموم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله إلاّ أن يصّدّقوا } .
الثّانية : لا دية ، لأنّه قتل في دار الحرب برميٍ مباحٍ ، فيدخل في عموم قوله تعالى { وإن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ } ولم يذكر ديةً . وعدم وجوب الدّية هو الصّحيح عند الحنابلة .
68 - ويقول الجمل الشّافعيّ : وجبت الكفّارة إن علم القاتل ، لأنّه قتل معصوماً ، وكذا الدّية ، لا القصاص ، لأنّه مع تجويز الرّمي لا يجتمعان . وفي نهاية المحتاج تقييد ذلك بأن يعلم به ، وأن يكون في الإمكان توقّيه . وينقل البابرتيّ من الحنفيّة عن أبي إسحاق أنّه قال : إن قصده بعينه لزمه الدّية ، علمه مسلماً أو لم يعلمه ، للحديث المذكور . وإن لم يقصده بعينه بل رمى إلى الصّفّ فأصيب فلا دية عليه . والتّعليل الأوّل أنّ الإقدام على قتل المسلم حرامٌ ، وترك قتل الكافر جائزٌ ، لأنّ للإمام أن يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين ، فكان تركه لعدم قتل المسلم أولى ، ولأنّ مفسدة قتل المسلم فوق مصلحة قتل الكافر .
69 - ولم نقف للمالكيّة على شيءٍ في هذا إلاّ ما قاله الدّسوقيّ عند تعليقه على قول خليلٍ : وإن تترّسوا بمسلمٍ ، فقال : وإن تترّسوا بأموال المسلمين فيقاتلون ولا يتركون . وينبغي ضمان قيمته على من رماهم ، قياساً على ما يرمى من السّفينة للنّجاة من الغرق ، بجامع أنّ كلاًّ إتلاف مالٍ للنّجاة .
مدى تطبيق بعض الأحكام الشّرعيّة على أسرى المسلمين
حقّ الأسير في الغنيمة :
70 - يستحقّ من أسر قبل إحراز الغنيمة فيما غنم قبل الأسر ، إذا علم حياته أو انفلت من الأسر . لأنّ حقّه ثابتٌ فيها ، وبالأسر لم يخرج من أن يكون أهلاً ، لتقرّر حقّه بالإحراز . ولا شيء له فيما غنمه المسلمون بعد أسره ، لأنّ المأسور في يد أهل الحرب لا يكون مع الجيش حقيقةً ولا حكماً ، فهو لم يشاركهم في إصابة هذا ، ولا في إحرازه بالدّار . وإذا لم يعرف مصير هذا الأسير في يد الحربيّين قسمت الغنائم ، ولم يوقف له منها شيءٌ . وإن قسمت الغنائم ثمّ جاء بعد ذلك حيّاً لم يكن له شيءٌ ، لأنّ حقّ الّذين قسم بينهم قد تأكّد بالقسمة وثبت ملكهم فيها ، ومن ضرورته إبطال الحقّ الضّعيف .
والمذهب عند الحنابلة أنّه إذا هرب فأدرك الحرب قبل تقضّيها أسهم له ، وفي قولٍ لا شيء له . وإن جاء بعد إحراز الغنيمة فلا شيء له .
71 - ومن أسر بعد إخراج الغنائم من دار الحرب أو بيعها ، وكان قد تخلّف في دار الحرب لحاجة بعض المسلمين ، فإنّه يوقف نصيبه حتّى يجيء فيأخذه ، أو يظهر موته فيكون لورثته ، لأنّ حقّه قد تأكّد في المال المصاب بالإحراز . وفي بداية المجتهد : أنّ الغنيمة إنّما تجب عند الجمهور للمجاهدين بأحد شرطين : إمّا أن يكون ممّن حضر القتال ، وإمّا أن يكون ردءاً لمن حضر القتال . وتفصيل الكلام في هذا موضعه مصطلح ( غنيمةٌ ) .
حقّ الأسير في الإرث وتصرّفاته الماليّة :
72 - أسير المسلمين الّذي مع العدوّ يرث إذا علمت حياته في قول عامّة الفقهاء ، لأنّ الكفّار لا يملكن الأحرار بالقهر ، فهو باقٍ على حرّيّته ، فيرث كغيره . وكذلك لا تسقط الزّكاة عنه ، لأنّ تصرّفه في ماله نافذٌ ، ولا أثر لاختلاف الدّار بالنّسبة له . فقد كان شريحٌ يورّث الأسير في أيدي العدوّ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ترك مالاً فلورثته ... » فهذا الحديث بعمومه يؤيّد قول الجمهور أنّ الأسير إذا وجب له ميراثٌ يوقف له . وعن سعيد بن المسيّب أنّه لم يورّث الأسير في أيدي العدوّ ، وفي روايةٍ أخرى عنه أنّه يرث .
73 - والمسلم الّذي أسره العدوّ ، ولا يدرى أحيٌّ هو أم ميّتٌ ، مع أنّ مكانه معلومٌ وهو دار الحرب ، له حكمٌ في الحال ، فيعتبر حيّاً في حقّ نفسه ، حتّى لا يورث عنه ماله ، ولا تزوّج نساؤه ، وميّتاً في حقّ غيره حتّى لا يرث من أحدٍ . وله حكمٌ في المآل ، وهو الحكم بموته بمضيّ مدّةٍ معيّنةٍ ، فهو في حكم المفقود . انظر مصطلح ( مفقودٌ ) .
74 - ويسري على الأسير في تصرّفاته الماليّة ما يسري على غيره في حال الصّحّة من أحكامٍ ، فبيعه وهبته وصدقته وغير ذلك جائزٌ ، ما دام صحيحاً غير مكرهٍ . قال عمر بن عبد العزيز :" أجيز وصيّة الأسير وعتاقه وما صنع في ماله ما لم يتغيّر عن دينه ، فإنّما هو ماله يصنع فيه ما يشاء ". أمّا إن كان الأسير في يد مشركين عرفوا بقتل أسراهم ، فإنّه يأخذ حكم المريض مرض الموت ، لأنّ الأغلب منهم أن يقتلوا ، وليس يخلو المرّة في حالٍ أبداً من رجاء الحياة وخوف الموت ، لكن إذا كان الأغلب عنده وعند غيره الخوف عليه ، فعطيّته عطيّة مريضٍ ، وإذا كان الأغلب الأمان كانت عطيّته عطيّة الصّحيح .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( مرض الموت ) .
جناية الأسير وما يجب فيها :
75 - يتّجه جمهور الفقهاء : الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قولٌ عند المالكيّة ، إلى أنّه إذا صدر من الأسير حال الأسر ما يوجب حدّاً أو قصاصاً وجب عليه ما يجب في دار الإسلام ، لأنّه لا تختلف الدّاران في تحريم الفعل ، فلم تختلف فيما يجب من العقوبة . فلو قتل بعضهم بعضاً ، أو قذف بعضهم بعضاً ، أو شرب أحدهم خمراً ، فإنّ الحدّ يقام عليهم إذا صاروا إلى بلاد المسلمين ، ولا تمنع الدّار حكم اللّه . ويقول الحطّاب : إذا أقرّ الأسير أنّه زنى ، ودام على إقراره ولم يرجع ، أو شهد عليه ، قال ابن القاسم وأصبغ : عليّة الحدّ .
وإذا قتل الأسير أحداً منهم خطأً ، وقد كان أسلم ، والأسير لا يعلم ، فعليه الدّية والكفّارة . وقيل الكفّارة فقط . وإذا قتله عمداً ، وهو لا يعلمه مسلماً فعليه الدّية والكفّارة . وإن كان قتله عمداً وهو يعلم بإسلامه قتل به . وإذا جنى الأسير على أسيرٍ مثله فكغيرهما .
76 - وقال الحنفيّة - وهو قولٌ عند المالكيّة ، قاله عبد الملك - في جريمة الزّنى - بعدم إقامة الحدّ عليه ، لقوله عليه السلام « لا تقام الحدود في دار الحرب » لانعدام المستوفي ، وإذا لم يجب عليه حين باشر السّبب لا يجب عليه بعد ذلك ، وقالوا : لا حدّ على من زنى وكان أسيراً في معسكر أهل البغي ، لأنّ يد إمام أهل العدل لا تصل إليهم . وقالوا : لو قتل أحد الأسيرين المسلمين الآخر فلا شيء عليه سوى الكفّارة ، وهذا عند أبي حنيفة ، لأنّه بالأسر صار تبعاً لهم ، لصيرورته مقهوراً في أيديهم ، ولهذا يصير مقيماً بإقامتهم ومسافراً بسفرهم . وخصّ الخطأ بالكفّارة ، لأنّه لا كفّارة في العمد ، وبقي عليه عقاب الآخرة .
وقال الصّاحبان بلزوم الدّية أيضاً في الخطأ والعمد ، لأنّ العصمة لا تبطل بعارض الأسر وامتناع القصاص لعدم المنفعة ، وتجب الدّية في ماله الّذي في دار الإسلام .
أنكحة الأسرى :
77 - ظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّ الأسير لا يحلّ له التّزوّج ما دام أسيراً ، وهذا قول الزّهريّ ، وكره الحسن أن يتزوّج في أرض المشركين ، لأنّ الأسير إذا ولد له ولدٌ كان رقيقاً لهم ، ولا يأمن أن يطأ امرأته غيره منهم ، وسئل أحمد عن أسيرٍ اشتريت معه امرأته أيطؤها ؟ فقال : كيف يطؤها ؟ فلعلّ غيره منهم يطؤها ، قال الأثرم : قلت له : ولعلّها تعلق بولدٍ فيكون معهم ، قال : وهذا أيضاً . ويقول الموّاق : الأسير يعلم تنصّره فلا يدري أطوعاً أم كرهاً فلتعتدّ زوجته ، ويوقف ماله ، ويحكم فيه بحكم المرتدّ ، وإن ثبت إكراهه ببيّنةٍ كان بحال المسلم في نسائه وماله . وتفصيل ذلك في موضع ( إكراهٌ ) ( وردّةٌ ) .
إكراه الأسير والاستعانة به :
78 - الأسير إن أكرهه الكفّار على الكفر ، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ، لا تبين منه امرأته ، ولا يحرم ميراثه من المسلمين ، ولا يحرمون ميراثهم منه ، وإذا ما أكره على أكل لحم الخنزير أو دخول الكنيسة ففعل وسعه ذلك لقاعدة الضّرورات . ولو أكرهوه على أن يقتل مسلماً لم يكن له ذلك ، كما لا يرخّص له في أن يدلّ على ثغرةٍ ينفذ منها العدوّ إلى مقاتلتنا ، ولا الاشتراك مع العدوّ في القتال عند كثيرٍ من العلماء ، وأجاز ذلك الأوزاعيّ وغيره ، ومنعه مالكٌ وابن القاسم . وتفصيل ذلك موضعه مصطلح ( إكراهٌ ) .
الأمان من الأسير وتأمينه :
79 - لا يصحّ الأمان من الأسير عند الحنفيّة ، لأنّ الأمان لا يقع منه بصفة النّظر منه للمسلمين ، بل لنفسه حتّى يتخلّص منهم ، ولأنّ الأسير خائفٌ على نفسه ، إلاّ أنّه فيما بينهم وبينه إن أمنوه وأمنهم ، فينبغي أن يفي لهم كما يفون له ، ولا يسرق شيئاً من أموالهم ، لأنّه غير متّهمٍ في حقّ نفسه ، وقد شرط أن يفي لهم ، فيكون بمنزلة المستأمن في دارهم . وهو ما قاله اللّيث . ووافقهم كلٌّ من : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إذا ما كان الأسير محبوساً أو مقيّداً ، لأنّه مكرهٌ ، وأعطى الشّافعيّة من أمّن آسره حكم المكره ، وقالوا : إنّ أمانه فاسدٌ . أمّا إذا كان مطلقاً وغير مكرهٍ ، فقد نصّ الشّافعيّة على أنّ أسير الدّار - وهو المطلق ببلاد الكفّار الممنوع من الخروج منها - يصحّ أمانه . قال الماورديّ : وإنّما يكون مؤمّنه آمناً بدارهم لا غير ، إلاّ أن يصرّح بالأمان في غيرها . وسئل أشهب عن رجلٍ شذّ عن عسكر المسلمين ، فأسره العدوّ ، فطلبهم المسلمون ، فقال العدوّ للأسير المسلم : أعطنا الأمان ، فأعطاهم الأمان ، فقال : إذا كان أمّنهم ، وهو آمنٌ على نفسه ، فذلك جائزٌ ، وإن كان أمّنهم ، وهو خائفٌ على نفسه ، فليس ذلك بجائزٍ ، وقول الأسير في ذلك جائزٌ .
ويعلّل ابن قدامة لصحّة أمان الأسير إذا عقده غير مكرهٍ ، بأنّه داخلٌ في عموم الخبر الّذي رواه مسلمٌ بسنده من أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « ذمّة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم ... » كما أنّه مسلمٌ مكلّفٌ مختارٌ .
صلاة الأسير في السّفر ، والانفلات ، وما ينتهي به الأسر :
80 - الأسير المسلم في أيدي الكفّار إن عزم على الفرار من الأسر عند التّمكّن من ذلك ، وكان الكفّار أقاموا به في موضعٍ يريدون المقام فيه المدّة الّتي تعتبر إقامةً ، ولا تقصر بعدها الصّلاة ، لزمه أن يتمّ الصّلاة ، لأنّه مقهورٌ في أيديهم ، فيكون المعتبر في حقّه نيّتهم في السّفر والإقامة ، لا نيّته . وإن كان الأسير انفلت منهم ، وهو مسافرٌ ، فوطّن نفسه على إقامة شهرٍ في غارٍ أو غيره قصر الصّلاة ، لأنّه محاربٌ لهم ، فلا تكون دار الحرب موضع الإقامة في حقّه ، حتّى ينتهي إلى دار الإسلام .
وتفصيل ذلك موطنه مصطلح ( صلاة المسافر ) .
81 - والأسر ينتهي بما يقرّر الإمام ، من قتلٍ أو استرقاقٍ أو منٍّ أو فداءٍ بمالٍ ، أو عن طريق تبادل الأسرى على ما سبق بيانه ، كما ينتهي الأسر بموت الأسير قبل قرار الإمام فيه ، وكذلك فإنّه قد ينتهي بفرار الأسير ، يقول الكاسانيّ : لو انفلت أسيرٌ قبل الإحراز بدار الإسلام والتحق بمنعتهم يعود حرّاً ، وينتهي أسره ، ولم يعد فيئاً ، لأنّ حقّ أهل دار الإسلام لا يتأكّد إلاّ بالأخذ حقيقةً ، ولم يوجد .
82 - ويصرّح الفقهاء بأنّه يجب على أسرى المسلمين الفرار إن أطاقوه ، ولم يرج ظهور الإسلام ببقائهم ، للخلوص من قهر الأسر ، وقيّد بعضهم الوجوب بعدم التّمكّن من إظهار الدّين ، لكن جاء في مطالب أولي النّهي : وإن أسر مسلمٌ ، فأطلق بشرط أن يقيم في دار الحرب مدّةً معيّنةً ، ورضي بالشّرط لزمه الوفاء ، وليس له أن يهرب لحديث : « المؤمنون عند شروطهم » وإن أطلق بشرط أن يرجع إليهم لزمه الوفاء ، إن كان قادراً على إظهار دينه ، إلاّ المرأة فلا يحلّ لها الرّجوع . واختار ابن رشدٍ - إذا ائتمن العدوّ الأسير طائعاً على ألاّ يهرب ، ولا يخونهم - أنّه يهرب ولا يخونهم في أموالهم .
وأمّا إن ائتمنوه مكرهاً ، أو لم يأتمنوه ، فله أن يأخذ ما أمكنه من أموالهم ، وله أن يهرب بنفسه . وقال اللّخميّ : إن عاهدوه على ألاّ يهرب فليوفّ بالعهد ، فإن تبعه واحدٌ منهم أو أكثر بعد خروجه فليدفعهم حتماً إن حاربوه وكانوا مثليه فأقلّ ، وإلاّ فندباً .

أسرةٌ *
التعريف :
1 - أسرة الإنسان : عشيرته ورهطه الأدنون ، مأخوذٌ من الأسر ، وهو القوّة ، سمّوا بذلك لأنّه يتقوّى بهم ، والأسرة : عشيرة الرّجل وأهل بيته ، وقال أبو جعفرٍ النّحّاس : الأسرة أقارب الرّجل من قبل أبيه .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - لفظ الأسرة لم يرد ذكره في القرآن الكريم ، كذلك لم يستعمله الفقهاء في عباراتهم فيما نعلم . والمتعارف عليه الآن إطلاق لفظ ( الأسرة ) على الرّجل ومن يعولهم من زوجه وأصوله وفروعه . وهذا المعنى يعبّر عنه الفقهاء قديماً بألفاظٍ منها : الآل ، والأهل ، والعيال . كقول النّفراويّ المالكيّ : من قال : الشّيء الفلانيّ وقفٌ على عيالي ، تدخل زوجته في العيال . وفي ابن عابدين : أهله زوجته ، وقالا ، يعني صاحبي أبي حنيفة : كلّ من في عياله ونفقته غير مماليكه ، لقوله تعالى : { فنجّيناه وأهله أجمعين } .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - ما يعرف بأحكام الأسرة أو الأحوال الشّخصيّة فهو اصطلاحٌ حادثٌ ، والمراد به مجموعة الأحكام الّتي تنظّم العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة . وقد فصّلها الفقهاء في أبواب النّكاح والمهر والنّفقات والقسم والطّلاق والخلع والعدد والظّهار والإيلاء والنّسب والحضانة والرّضاع والوصيّة والميراث ونحوها . وتنظر هذه الأحكام تحت هذه العناوين أيضاً ، وتحت عنوان ( أبٌ ، ابنٌ ، بنتٌ ) إلخ .

أسطوانةٌ *
التعريف :
1 - الأسطوانة : السّارية في المسجد أو البيت أو نحوهما .
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك .
الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
2 - في وقوف الإمام بين السّواري ، وفي صلاته إلى الأسطوانة خلافٌ . فقال أبو حنيفة ومالكٌ بالكراهة ، وذهب الجمهور إلى عدم الكراهة . وتفصيل ذلك في كتاب الصّلاة ، في مبحث ( صلاة الجماعة ) . أمّا المأمومون : فقد اتّفق الفقهاء على أنّه إذا لم تقطع الأسطوانة الصّفّ فلا كراهة لعدم الدّليل على ذلك . أمّا إذا قطعت ففيه خلافٌ . فالحنفيّة والمالكيّة لا يرون به بأساً ، لعدم الدّليل على المنع . والحنابلة يرون الكراهة ،« لما ورد من النّهي عن الصّفّ بين السّواري »إلاّ أن يكون الصّفّ قدر ما بين السّاريتين ، أو أقلّ فلا يكره . وقد ذكر الفقهاء ذلك أيضاً في صلاة الجماعة .

إسفارٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإسفار في اللّغة : الكشف ، يقال : سفر الصّبح وأسفر : أي أضاء ، وأسفر القوم : أصبحوا ، وسفرت المرأة : كشفت عن وجهها .
وأكثر استعمال الفقهاء للإسفار بمعنى ظهور الضّوء ، يقال : أسفر بالصّبح : إذا صلاّها وقت الإسفار ، أي عند ظهور الضّوء ، لا في الغلس .
الحكم الإجماليّ :
2 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الوقت الاختياريّ في صلاة الصّبح هو إلى وقت الإسفار ، لما روي : « أنّ جبريل عليه السلام صلّى الصّبح بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم حين طلع الفجر ، وصلّى من الغد حين أسفر ، ثمّ التفت وقال : هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك » .
ويرى الحنفيّة أنّه يستحبّ الإسفار بصلاة الصّبح ، وهو أفضل من التّغليس ، في السّفر والحضر ، وفي الصّيف والشّتاء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أسفروا بالفجر » ، وفي روايةٍ « نوّروا بالفجر فإنّه أعظم للأجر » . قال أبو جعفرٍ الطّحاويّ : يبدأ بالتّغليس ويختم بالإسفار جمعاً بين أحاديث التّغليس والإسفار .
مواطن البحث :
3 - يبحث الإسفار في الصّلاة عند الكلام عن وقت صلاة الصّبح ، والأوقات المستحبّة .

إسقاطٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإسقاط لغةً : الإيقاع والإلقاء ، يقال : سقط اسمه من الدّيوان : إذا وقع ، وأسقطت الحامل : ألقت الجنين ، وقول الفقهاء : سقط الفرض ، أي سقط طلبه والأمر به . وفي اصطلاح الفقهاء : هو إزالة الملك ، أو الحقّ ، لا إلى مالكٍ ولا إلى مستحقٍّ ، وتسقط بذلك المطالبة به ، لأنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ولا ينتقل ، وذلك كالطّلاق والعتق والعفو عن القصاص والإبراء من الدّين ، وبمعنى الإسقاط : الحطّ ، إذ يستعمله الفقهاء بالمعنى نفسه . ويستعمله الفقهاء أيضاً في إسقاط الحامل الجنين . وسبق تفصيله في ( إجهاضٌ ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإبراء :
2 - الإبراء عند الفقهاء : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . وهذا عند من يعتبر الإبراء من الدّين إسقاطاً محضاً ، أمّا من يعتبره تمليكاً فيقول : هو تمليك المدين ما في ذمّته . وتوسّط ابن السّمعانيّ فقال : هو تمليكٌ في حقّ من له الدّين ، إسقاطٌ في حقّ المدين ، وهذا بالنّظر لبراءة الإسقاط لا لبراءة الاستيفاء .
ويلاحظ أنّه إذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخصٍ ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاطٌ . وبذلك يتبيّن أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجهٍ . غير أنّ ابن عبد السّلام من المالكيّة يعتبر الإبراء أعمّ من جهةٍ أخرى ، إذ يقول : الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه ، لأنّه يكون في المعيّن وغيره .
ب - الصّلح :
3 - الصّلح اسمٌ بمعنى : المصالحة والتّوفيق والسّلم .
وشرعاً : عقدٌ يقتضي قطع النّزاع والخصومة . ويجوز في الصّلح إسقاط بعض الحقّ ، سواءٌ أكان عن إقرارٍ أم إنكارٍ أم سكوتٍ . فإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضةٌ ، وليس إسقاطاً ، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ .
ج - المقاصّة :
4 - يقال تقاصّ القوم : إذا قاصّ كلٌّ منهم صاحبه في الحساب ، فحبس عنه مثل ما كان له عليه . والمقاصّة نوعٌ من الإسقاط ، إذ هي إسقاط ما للإنسان من دينٍ على غريمه في مثل ما عليه . فهي إسقاطٌ بعوضٍ ، في حين أنّ الإسقاط المطلق يكون بعوضٍ وبغير عوضٍ ، وبذلك تكون المقاصّة أخصّ من الإسقاط . ولها شروطٌ تنظر في موضعها .
د - العفو :
5 - من معاني العفو : المحو والإسقاط وترك المطالبة ، يقال : عفوت عن فلانٍ إذا تركت مطالبته بما عليه من الحقّ ، ومنه قوله تعالى : { والعافين عن النّاس } . أي التّاركين مظالمهم عندهم لا يطالبونهم بها . فالعفو الّذي يستعمل في ترك الحقّ مساوٍ للإسقاط في المعنى ، إلاّ أنّ العفو على إطلاقه أعمّ لتعدّد استعمالاته .
هـ - التّمليك :
6 - التّمليك : نقل الملك وإزالته إلى مالكٍ آخر ، سواءٌ أكان المنقول عيناً كما في البيع ، أم منفعةً كما في الإجارة ، وسواءٌ أكان بعوضٍ كما سبق ، أم بدونه كالهبة . والتّمليك بعمومه يفارق الإسقاط بعمومه ، إذ التّمليك إزالةٌ ونقلٌ إلى مالكٍ ، في حين أنّ الإسقاط إزالةٌ وليس نقلاً ، كما أنّه ليس إلى مالكٍ ، لكنّهما قد يجتمعان في الإبراء من الدّين ، عند من يعتبره تمليكاً ، كالمالكيّة وبعض فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة ، ولذلك يشترطون فيه القبول .
صفة الإسقاط : حكمه التّكليفيّ :
7 - الإسقاط من التّصرّفات المشروعة في الجملة ، إذ هو تصرّف الإنسان في خالص حقّه ، دون أن يمسّ ذلك حقّاً لغيره . والأصل فيه الإباحة ، وقد تعرض له الأحكام التّكليفيّة الأخرى . فيكون واجباً ، كترك وليّ الصّغير الشّفعة الّتي وجبت للصّغير ، إذا كان الحظّ في تركها ، لأنّه يجب عليه النّظر في ماله بما فيه حظٌّ وغبطةٌ له . وكالطّلاق الّذي يراه الحكمان إذا وقع الشّقاق بين الزّوجين ، وكذلك طلاق الرّجل إذا آلى من زوجته ولم يفئ إليها .
ويكون مندوباً إذا كان قربةً ، كالعفو عن القصاص ، وإبراء المعسر ، والعتق ، والكتابة . ومن النّصوص الدّالّة على النّدب في العفو عن القصاص قوله تعالى : { والجروح قصاصٌ ، فمن تصدّق به فهو كفّارةٌ له } . فندب اللّه تعالى إلى العفو والتّصدّق بحقّ القصاص .. وفي إبراء المدين قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } يقول القرطبيّ : ندب اللّه تعالى بهذه الألفاظ إلى الصّدقة على المعسر ، وجعل ذلك خيراً من إنظاره . ، ولذلك يقول الفقهاء : إنّ المندوب هنا وهو الإبراء أفضل من الواجب وهو الإنظار . وقد يكون حراماً ، كطلاق البدعة ، وهو طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حملٍ ، وكذلك عفو وليّ الصّغير عن القصاص مجّاناً .
وقد يكون مكروهاً ، كالطّلاق بدون سببٍ يستدعيه ،
لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق » .
الباعث على الإسقاط :
8 - تصرّفات المكلّفين فيما يملكون التّصرّف فيه لا تأتي عفواً ، بل تكون لها بواعث ، قد تكون شرعيّةً ، فيكون التّصرّف استجابةً لأوامر الشّرع ، وقد تكون لمصالح شخصيّةٍ . والإسقاط من التّصرّفات الّتي يتأتّى فيها الباعث الشّرعيّ والشّخصيّ .
فمن البواعث الشّرعيّة :
العمل على حرّيّة الإنسان الّتي هي الأصل لكلّ النّاس ، وذلك العتق الّذي حثّ عليه الإسلام . ومنها : الإبقاء على الحياة ، وذلك بإسقاط حقّ القصاص ممّن ثبت له هذا الحقّ .
ومنها : معاونة المعسرين ، وذلك بإسقاط الدّين عنهم إن وجد ، وقد سبق ذكر النّصوص الدّالّة على مشروعيّة ذلك .
ومنها : إرادة نفع الجار ، كما في وضع خشبه على جدار جاره وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره » إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع المقام لذكره .
أمّا البواعث الشّخصيّة :
فمنها : رجاء حسن العشرة بين الزّوجين ، ممّا يدعو الزّوجة إلى إبراء زوجها من المهر في نكاح التّفويض بعد الدّخول ، أو إسقاط الزّوجة حقّها في القسم .
ومنها : الإسراع في الحصول على الحرّيّة ، وذلك كالمكاتب ، إذا أسقط حقّه في الأجل في أداء المال المكاتب ، عليه ، فعجّل أداء النّجوم ( الأقساط ) ، فإنّ السّيّد يلزمه أخذ المال ، لأنّ الأجل حقّ المكاتب فيسقط بإسقاطه كسائر الحقوق ، حتّى لو أبى السّيّد أخذ المال جعله الإمام في بيت المال ، وحكم بعتقه .
ومنها : الانتفاع المادّيّ ، كالخلع والعفو عن القصاص على مالٍ .
أركان الإسقاط :
9 - ركن الإسقاط عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، ويزاد عليها عند غيرهم : الطّرفان - المسقط وهو صاحب الحقّ ، والمسقط عنه الّذي تقرّر الحقّ قبله - والمحلّ وهو الحقّ الّذي يرد عليه الإسقاط . الصّيغة :
10 - ممّا هو معلومٌ أنّ الصّيغة تتكوّن من الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك باتّفاقٍ في الجملة في الإسقاطات الّتي تقابل بعوضٍ كالطّلاق على مالٍ .
وفي غيرها اختلاف الفقهاء بالنّسبة للقبول على ما سيأتي .
الإيجاب في الصّيغة :
11 - الإيجاب في الصّيغة ، هو ما يدلّ على الإسقاط من قولٍ ، أو ما يؤدّي معنى القول ، من إشارةٍ مفهمةٍ أو كتابةٍ أو فعلٍ أو سكوتٍ . ويلاحظ أنّ الإسقاطات قد ميّز بعضها بأسماءٍ خاصّةٍ تعرف بها ، فإسقاط الحقّ عن الرّقّ عتقٌ ، وعن استباحة البضع طلاقٌ ، وعن القصاص عفوٌ ، وعن الدّين إبراءٌ . ولكلّ نوعٍ من هذه الإسقاطات صيغٌ خاصّةٌ سواءٌ أكانت صريحةً ، أم كنايةً تحتاج إلى نيّةٍ أو قرينةٍ . ر : ( طلاقٌ ، عتقٌ ) .
أمّا غير هذه الأنواع من الإسقاطات ، فإنّ حقيقة اللّفظ الّذي يدلّ عليها هو الإسقاط . وما بمعناه . وقد ذكر الفقهاء ألفاظاً متعدّدةً تؤدّي معنى الإسقاط ، وذلك مثل : التّرك والحطّ والعفو والوضع والإبراء في براءة الإسقاط والإبطال والإحلال ، والمدار في ذلك على العرف ودلالة الحال ، ولذلك جعلوا من الألفاظ الّتي تدلّ عليه : الهبة والصّدقة والعطيّة حين لا يراد بهذه الألفاظ حقيقتها وهي التّمليك ، ويكون المقام دالاًّ على الإسقاط ، ففي شرح منتهى الإرادات : من أبرأ من دينه ، أو وهبه لمدينه ، أو أحلّه منه ، أو أسقطه عنه ، أو تركه له ، أو ملّكه له ، أو تصدّق به عليه ، أو عفا عن الدّين ، صحّ ذلك جميعه ، وكان مسقطاً للدّين . وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عينٌ موجودةٌ يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . قال الحارثيّ : ولهذا لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . وكما يحصل الإسقاط بالقول ، فإنّه يحصل بالكتابة المعنونة المرسومة ، وبالإشارة المفهمة من فاقد النّطق .
كذلك قد يحصل الإسقاط بالسّكوت ، كما إذا علم الشّفيع ببيع المشفوع فيه ، وسكت مع إمكان الطّلب ، فإنّ سكوته يسقط حقّه في طلب الشّفعة . ويحصل الإسقاط أيضاً نتيجة فعلٍ يصدر من صاحب الحقّ ، كمن يشتري بشرط الخيار ، ثمّ يتصرّف في المبيع بوقفٍ أو بيعٍ في زمن الخيار ، فإنّ هذا التّصرّف يعتبر إسقاطاً لحقّه في الخيار .
القبول :
12 - الأصل في الإسقاط أن يتمّ بإرادة المسقط وحده ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ، ما دام لم يمسّ حقّ غيره .
ومن هنا فإنّ الفقهاء يتّفقون على أنّ الإسقاط المحض الّذي ليس فيه معنى التّمليك ، والّذي لم يقابل بعوضٍ ، يتمّ بصدور ما يحقّق معناه من قولٍ ، أو ما يؤدّي معناه دون توقّفٍ على قبول الطّرف الآخر ، كالطّلاق ، فلا يحتاج الطّلاق إلى قبولٍ .
13 - ويتّفقون كذلك على أنّ الإسقاط الّذي يقابل بعوضٍ يتوقّف نفاذه على قبول الطّرف الآخر في الجملة ، كالطّلاق على مالٍ ، لأنّ الإسقاط حينئذٍ يكون معاوضةً ، فيتوقّف ثبوت الحكم على قبول دفع العوض من الطّرف الآخر ، إذ المعاوضة لا تتمّ إلاّ برضى الطّرفين . وقد ألحق الحنفيّة بهذا القسم الصّلح على دم العمد ، فإنّ الحكم فيه يتوقّف على رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } والمراد به الصّلح . ولأنّه حقٌّ ثابتٌ للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً ، فكذا تعويضاً ، لاشتماله على إحسان الأولياء وإحياء القاتل ، فيجوز بالتّراضي .
وما ذهب إليه الحنفيّة هو قولٌ للإمام مالكٍ وبعض أصحابه . وعند الشّافعيّة والحنابلة ، وفي قولٍ آخر للإمام مالكٍ أنّ من له حقّ القصاص ، إذا أراد أخذ الدّية بدل القصاص ، فله ذلك من غير رضى الجاني ، لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين ، إمّا أن يودى ، وإمّا أن يقاد » . وبهذا قال سعيد بن المسيّب وابن سيرين وعطاءٌ ومجاهدٌ وأبو ثورٍ وابن المنذر .
14 - ويبقى بعد ذلك الإسقاط الّذي فيه معنى التّمليك ، كإبراء المدين من الدّين .
وهذا النّوع من الإسقاط هو الّذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي الإسقاط والتّمليك . فالحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة وأشهب من المالكيّة ، نظروا إلى جانب الإسقاط فيه ، فلا يتوقّف تمامه عندهم على القبول ، لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه أو بعضه . ولأنّه إسقاط حقٍّ ليس فيه تمليك مالٍ ، فلم يعتبر فيه القبول ، كالعتق والطّلاق والشّفعة . بل إنّ الخطيب الشّربينيّ قال : لا يشترط القبول على المذهب ، سواءٌ قلنا : الإبراء تمليكٌ أو إسقاطٌ . ويستوي عند هؤلاء الفقهاء التّعبير بالإبراء أو بهبة الدّين للمدين ، إلاّ ما فرّق به بعض الحنفيّة من أنّ التّعبير بالهبة يحتاج إلى القبول . جاء في الفتاوى الهنديّة : هبة الدّين من الكفيل لا تتمّ بدون القبول ، وإبراؤه يتمّ بدون قبولٍ .
15 - ولمّا كان الإبراء من بدل الصّرف ورأس مال السّلم يتوقّف على القبول عند الحنفيّة ، ممّا يشعر بالتّعارض مع رأيهم في عدم توقّف الإبراء من الدّين على القبول ، فقد علّلوا ذلك بأنّ التّوقّف على القبول فيهما ليس من جهة أنّه هبة الدّين للمدين ، ولكن لأنّ الإبراء فيهما يوجب انفساخ العقد بفوات القبض المستحقّ بالعقد لحقّ الشّارع ، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخه ، فلهذا توقّف على قبول الآخر . والأرجح عند المالكيّة ، وعند بعض الشّافعيّة أنّ إبراء المدين من الدّين يتوقّف تمامه على القبول ، لأنّ الإبراء - على رأيهم - نقلٌ للملك ، فهو تمليك المدين ما في ذمّته ، فيكون من قبيل الهبة الّتي يشترط فيها القبول .
والحكمة في ذلك عندهم هي ترفّع ذوي المروءات عمّا قد يحدث في الإبراء من منّةٍ ، وما قد يصيبهم من ضررٍ بذلك ، لا سيّما من السّفلة ، فكان لهم الرّفض شرعاً ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجةٍ .
رد مع اقتباس