عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 05-06-2012, 01:05 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - الإسراف في الحدود :
25 - الحدّ عقوبةٌ مقدّرةٌ واجبةٌ حقّاً للّه . والمراد بالعقوبة المقدّرة : أنّها معيّنةٌ ومحدّدةٌ لا تقبل الزّيادة والنّقصان ، فحدّ من سرق ربع دينارٍ أو مائة ألف دينارٍ واحدٌ . ومعنى أنّها حقّ اللّه تعالى : أنّها لا تقبل العفو والإسقاط بعد ثبوتها ، ولا يمكن استبدال عقوبةٍ أخرى بها ، لأنّها ثبتت بالأدلّة القطعيّة ، فلا يجوز فيها التّعدّي والإسراف ، وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . ولهذا صرّح الفقهاء بأنّه لا يقام الحدّ على الحامل ، لأنّ فيه هلاك الجنين بغير حقٍّ ، وهذا إسرافٌ بلا شكٍّ . ويشترط في الحدود الّتي عقوبتها الجلد ، كالقذف والشّرب والزّنى في حالة عدم الإحصان ألاّ يكون في الجلد خوف الهلاك ، لأنّ هذا الحدّ شرع زاجراً لا مهلكاً ، ويكون الضّرب وسطاً ، لا مبرّحاً ولا خفيفاً ، ولا يجمع في عضوٍ واحدٍ ، ويتّقي المقاتل ، وهي الرّأس والوجه والفرج ، لما فيها من خوف الهلاك ، وينبغي أن يكون الجلاّد عاقلاً بصيراً بأمر الضّرب ، وذلك كلّه للتّحرّز عن التّعدّي والإسراف .
فإن أتى بالحدّ على الوجه المشروع من غير زيادةٍ وإسرافٍ لا يضمن من تلف به ، وهذا معنى قولهم : إنّ إقامة الحدّ غير مشروطةٍ بالسّلامة ، أمّا إذا أسرف وزاد على الحدّ فتلف المحدود وجب الضّمان بالاتّفاق . وينظر تفصيل هذه المسائل في مواضعها .
ج - الإسراف في التّعزير :
26 - التّعزير هو : التّأديب على ذنوبٍ لم يشرع فيها حدٌّ ولا كفّارةٌ . وهو عقوبةٌ غير مقدّرةٍ تختلف باختلاف الجناية وأحوال النّاس ، فتقدّر بقدر الجناية ، ومقدار ما ينزجر به الجاني ، ومن النّاس من ينزجر باليسير ، ومنهم من لا ينزجر إلاّ بالكثير ، ولهذا قرّر الفقهاء في الضّرب للتّأديب ألاّ يكون مبرّحاً ، ولا يكون على الوجه ، ولا على المواضع المخوفة ، وأن يكون ممّا يعتبر مثله تأديباً ، فإنّ المقصود منه الصّلاح لا غير ، فإن غلب على ظنّه أنّ الضّرب لا يفيد إلاّ أن يكون مخوفاً لم يجز التّعزير بالضّرب ، وإلاّ كان ضامناً بلا خلافٍ ، لأنّ الضّرب غير المعتاد ، والّذي لا يعتبر مثله أدباً تعدٍّ وإسرافٌ فيوجب الضّمان .
27 - أمّا إذا ضرب للتّأديب على النّحو المشروع من غير إسرافٍ - كما فسّره الرّمليّ - بأن يكون الضّرب معتاداً كمّاً وكيفاً ومحلاًّ - كما عبّر الطّحطاويّ - فتلف ، كضرب الزّوج زوجته لنشوزها ، فتلفت من التّأديب المشروع ، لا يضمن عند المالكيّة والحنابلة ، ويضمن عن التّلف عند الحنفيّة والشّافعيّة ولو كان الضّرب معتاداً ، لأنّ التّأديب حقٌّ ، واستعمال الحقّ يقيّد بالسّلامة عندهما ، ولا يقيّد بها عند المالكيّة والحنابلة ، كما هو مبيّنٌ في موضعها . وأكثر الفقهاء ( منهم أبو حنيفة ، ومحمّدٌ ، والشّافعيّ في الأصحّ ، وأحمد في روايةٍ ) على أنّ عقوبة الجلد في التّعزير لا تتجاوز تسعةً وثلاثين سوطاً ، لما ورد في الحديث الصّحيح أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من بلغ حدّاً في غير حدٍّ فهو من المعتدين » . لأنّ الأربعين حدٌّ كاملٌ للرّقيق ، فإذا نقضت سوطاً أصبح الحدّ الأعلى للتّعزير تسعةً وثلاثين ، وقيّد بعضهم هذا فيما يكون في جنسه حدٌّ .
وفي روايةٍ عن أحمد ، وهو قول ابن وهبٍ من المالكيّة ، أنّه لا يزاد على عشر جلداتٍ ، وقال ابن قدامة نقلاً عن القاضي : إنّ هذا هو المذهب . ويفوّض مقداره مطلقاً - وإن زائداً على الحدّ - للحاكم بشرط ألاّ يتجاوز عمّا يكفي لزجر الجاني عند المالكيّة . وليس لأقلّ التّعزير حدٌّ معيّنٌ في الرّاجح عند الفقهاء ، فلو رأى القاضي أنّه ينزجر بسوطٍ واحدٍ اكتفى به ، فلا يجوز الإسراف والزّيادة في التّعزير على مقدار ما ينزجر به المجرم في المذاهب كلّها .
الحجر على المسرف :
28 - المسرف في الأموال يعتبر سفيهاً عند الفقهاء ، لأنّه يبذّر الأموال ويضيّعها على خلاف مقتضى الشّرع والعقل ، وهذا هو معنى السّفه عندهم . ولهذا جرى على لسان الفقهاء : أنّ السّفه هو التّبذير ، والسّفيه هو المبذّر . وعلى ذلك فالإسراف النّاشئ عن السّفه سببٌ للحجر عند جمهور الفقهاء : المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو رأي الصّاحبين : أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، وعليه الفتوى عندهم خلافاً لأبي حنيفة ، فلا يحجر على المكلّف لسبب السّفه والتّبذير . ولتفصيل ذلك انظر مصطلح ( حجرٌ ) .

أسرى *
التعريف :
1 - الأسرى جمع أسيرٍ ، ويجمع أيضاً على أسارى وأسارى .
والأسير لغةً : مأخوذٌ من الإسار ، وهو القيد ، لأنّهم كانوا يشدّونه بالقيد . فسمّي كلّ أخيذٍ أسيراً وإن لم يشدّ به . وكلّ محبوسٍ في قيدٍ أو سجنٍ أسيرٌ . قال مجاهدٌ في تفسير قول اللّه سبحانه : { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً } الأسير : المسجون .
2 - وفي الاصطلاح : عرّف الماورديّ الأسرى بأنّهم : الرّجال المقاتلون من الكفّار ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً . وهو تعريفٌ أغلبيٌّ ، لاختصاصه بأسرى الحربيّين عند القتال ، لأنّه بتتبّع استعمالات الفقهاء لهذا اللّفظ يتبيّن أنّهم يطلقونه على كلّ من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم ، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها ، أو من غير حربٍ فعليّةٍ ، ما دام العداء قائماً والحرب محتملةٌ .
من ذلك قول ابن تيميّة : أوجبت الشّريعة قتال الكفّار ، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ، بل إذا أسر الرّجل منهم في القتال أو غير القتال ، مثل أن تلقيه السّفينة إلينا ، أو يضلّ الطّريق ، أو يؤخذ بحيلةٍ فإنّه يفعل به الإمام الأصلح . وفي المغني : هو لمن أخذه ، وقيل : يكون فيئاً . ويطلق الفقهاء لفظ الأسير أيضاً على : من يظفر به المسلمون من الحربيّين إذا دخلوا دار الإسلام بغير أمانٍ ، وعلى من يظفرون به من المرتدّين عند مقاتلتهم لنا . يقول ابن تيميّة : ومن أسر منهم أقيم عليه الحدّ . كما يطلقون لفظ الأسير على : المسلم الّذي ظفر به العدوّ . يقول ابن رشدٍ : وجب على الإمام أن يفكّ أسرى المسلمين من بيت المال ... ويقول : وإذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين ، وأطفالٌ من المسلمين ... إلخ .
الألفاظ ذات الصّلة
أ - الرّهينة :
3 - الرّهينة : واحدة الرّهائن وهي كلّ ما احتبس بشيءٍ ، والأسير والرّهينة كلاهما محتبسٌ ، إلاّ أنّ الأسير يتعيّن أن يكون إنساناً ، واحتباسه لا يلزم أن يكون مقابل حقٍّ .
ب - الحبس :
4 - الحبس : ضدّ التّخلية ، والمحبوس : الممسك عن التّوجّه حيث يشاء ، فالحبس أعمّ من الأسر .
ج - السّبي :
5 - السّبي والسّباء : الأسر ، فالسّبي أخذ النّاس عبيداً وإماءً ، والفقهاء يطلقون لفظ السّبي على من يظفر به المسلمون حيّاً من نساء أهل الحرب وأطفالهم . ويخصّصون لفظ الأسرى - عند مقابلته بلفظ السّبايا - بالرّجال المقاتلين ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً .
صفة الأسر : حكمه التّكليفيّ :
6 - الأسر مشروعٌ ، ويدلّ على مشروعيّته النّصوص الواردة في ذلك ، ومنها قول اللّه سبحانه : { فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ... } ولا يتنافى ذلك مع قول اللّه تعالى { ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض } لأنّها لم ترد في منع الأسر مطلقاً ، وإنّما جاءت في الحثّ على القتال ، وأنّه ما كان ينبغي أن يكون للمسلمين أسرى قبل الإثخان في الأرض ، أي المبالغة في قتل الكفّار .
الحكمة من مشروعيّة الأسر :
7 - هي كسر شوكة العدوّ ، ودفع شرّه ، وإبعاده عن ساحة القتال ، لمنع فاعليّته وأذاه ، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين به .
من يجوز أسرهم ومن لا يجوز :
8 - يجوز أسر كلّ من وقع في يد المسلمين من الحربيّين ، صبيّاً كان أو شابّاً أو شيخاً أو امرأةً ، الأصحّاء منهم والمرضى ، إلاّ من لا يخشى من تركه ضررٌ وتعذّر نقله ، فإنّه لا يجوز أسره على تفصيلٍ بين المذاهب في ذلك .
فمذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه لا يؤسر من لا ضرر منهم ، ولا فائدة في أسرهم ، كالشّيخ الفاني والزّمن والأعمى والرّاهب إذا كانوا ممّن لا رأي لهم . ونصّ المالكيّة على أنّ كلّ من لا يقتل يجوز أسره ، إلاّ الرّاهب والرّاهبة إذا لم يكن لهما رأيٌ فإنّهما لا يؤسران ، وأمّا غيرهما من المعتوه والشّيخ الفاني والزّمن والأعمى فإنّهم وإن حرم قتلهم يجز أسرهم ، ويجوز تركهم من غير قتلٍ ومن غير أسرٍ .
وذهب الشّافعيّة في الأظهر إلى أنّه يجوز أسر الجميع دون استثناءٍ .
9 - ولا يجوز أسر أحدٍ من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبينها عهد موادعةٍ ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان ، وبالأمان لا تصير الدّار مستباحةً ، وحتّى لو خرج قومٌ من الموادعين إلى بلدةٍ أخرى ليس بينهم وبين المسلمين موادعةٌ ، فغزا المسلمون تلك البلدة ، فهؤلاء آمنون ، لا سبيل لأحدٍ عليهم ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان لهم ، فلا ينتقض بالخروج إلى موضعٍ آخر . وكذا لو دخل في دار الموادعة رجلٌ من غير دارهم بأمانٍ ، ثمّ خرج إلى دار الإسلام بغير أمانٍ ، فهو آمنٌ لا يجوز أسره ، لأنّه لمّا دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحدٍ منهم . ومثله ما لو وجد الحربيّ بدار الإسلام بأمانٍ فإنّه لا يجوز أسره ، وما لو أخذ الحربيّ الأمان من المسلمين وهو في حصن الحربيّين .
الأسير في يد آسره ومدى سلطانه عليه :
10 - الأسير في ذمّة آسره لا يد له عليه ، ولا حقّ له في التّصرّف فيه ، إذ الحقّ للتّصرّف فيه موكولٌ للإمام ، وعليه بعد الأسر أن يقوده إلى الأمير ليقضي فيه بما يرى ، وللآسر أن يشدّ وثاقه إن خاف انفلاته ، أو لم يأمن شرّه ، كما يجوز عصب عينيه أثناء نقله لمنعه من الهرب . فمن حقّ المسلم أن يمنع الأسير من الهرب ، وإذا لم يجد فرصةً لمنعه إلاّ قتله فلا بأس ، وقد فعل هذا غير واحدٍ من الصّحابة .
11 - وجمهور الفقهاء على أنّ الأسير إذا صار في يد الإمام فلا استحقاق للآسر فيه إلاّ بتنفيل الإمام ، لا بنفس الأسر ، وذلك بأن ينادي في العسكر : من أصاب منكم أسيراً فهو له ، فإن قال ذلك فأعتق الرّجل أسيره فإنّه ينفذ عتقه . ولو أصاب ذا رحمٍ محرمٍ منه عتق ، لأنّه إذا ثبت الاستحقاق لهم بالإصابة صار الأسير مملوكاً لآسره واحداً أو جماعةً . بل قالوا : لو قال الأمير : من قتل قتيلاً فله سلبه . فأسر العسكر بعض الأسرى ، ثمّ قتل أحد الأسراء رجلاً من العدوّ ، كان السّلب من الغنيمة ، إن لم يقسّم الأمير الأسراء ، وإن كان قسمهم أو باعهم فالسّلب لمولى الأسير القاتل . وقد فرّق المالكيّة بين من أسر أسيراً أثناء القتال مستنداً إلى قوّة الجيش ، وبين من أسر أسيراً من غير حربٍ ، وقالوا : إن كان الآسر من الجيش ، أو مستنداً له خمسٌ كسائر الغنيمة ، وإلاّ اختصّ به الآسر .
حكم قتل الآسر أسيره :
12 - ليس لواحدٍ من الغزاة أن يقتل أسيره بنفسه ، إذ الأمر فيه بعد الأسر مفوّضٌ للإمام ، فلا يحلّ القتل إلاّ برأي الإمام اتّفاقاً ، إلاّ إذا خيف ضرره ، فحينئذٍ يجوز قتله قبل أن يؤتى به إلى الإمام ، وليس لغير من أسره قتله ، لحديث جابرٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله » .
فلو قتل رجلٌ من المسلمين أسيراً في دار الحرب أو في دار الإسلام ، فالحنفيّة يفرّقون بين ما إذا كان قبل القسمة أو بعدها ، فإن كان قبل القسمة فلا شيء فيه من ديةٍ أو كفّارةٍ أو قيمةٍ ، لأنّ دمه غير معصومٍ ، إذ للإمام فيه خيرة القتل ، ومع هذا فهو مكروهٌ ، وإن كان بعد القسمة ، أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل ، لأنّ دمه صار معصوماً ، فكان مضموناً بالقتل ، إلاّ أنّه لا يجب القصاص لقيام الشّبهة . ولم يفرّقوا في ذلك بين ما إذا كان هو الآسر أو غيره كما يفيده الإطلاق . والمالكيّة يتّجهون وجهة الحنفيّة من ناحية الضّمان ، غير أنّهم جعلوا التّفرقة فيما إذا كان القتل في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم ، أو بعد أن صار مغنماً ، وينصّون على أنّ من قتل من نهي عن قتله ، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر اللّه ، وإن قتله بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته .
والشّافعيّة أيضاً يلزمون القاتل بالضّمان ، فإذا كان بعد اختيار رقّه ضمن قيمته ، وكان في الغنيمة . وإذا كان بعد المنّ عليه لزمه ديته لورثته . وإن قتله بعد الفداء فعليه ديته غنيمةً ، إن لم يكن قبض الإمام الفداء ، وإلاّ فديته لورثته . وإن قتله بعد اختيار الإمام قتله فلا شيء عليه ، وإن كان قبله عزّر .
وعند الحنابلة : إن قتل أسيره أو أسير غيره قبل الذّهاب للإمام أساء ، ولم يلزمه ضمانه .
معاملة الأسير قبل نقله لدار الإسلام :
13 - مبادئ الإسلام تدعو إلى الرّفق بالأسرى ، وتوفير الطّعام والشّراب والكساء لهم ، واحترام آدميّتهم ، لقوله تعالى { ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيماً وأسيراً } ، وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ صائفٍ : « أحسنوا إسارهم ، وقيّلوهم ، واسقوهم » وقال : « لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح ... » وقال الفقهاء : إن رأى الإمام قتل الأسارى فينبغي له ألاّ يعذّبهم بالعطش والجوع ، ولكنّه يقتلهم قتلاً كريماً . ويجوز حبس الأسرى في أيّ مكان ، ليؤمن منعهم من الفرار ، فقد جاء في الصّحيحين أنّ « الرّسول حبس في مسجد المدينة »
التّصرّف في الأسرى قبل نقلهم لدار الإسلام :
14 - يرى جمهور الفقهاء جواز التّصرّف في الغنائم - ومنها الأسرى في دار الحرب - وقبل نقلهم لدار الإسلام . قال مالكٌ : الشّأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب ، وروى الأوزاعيّ أنّ رسول اللّه والخلفاء لم يقسموا غنيمةً قطّ إلاّ في دار الشّرك ، قال أبو سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه : « خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة المصطلق ، فأصبنا سبياً من سبي العرب ، فاشتهينا النّساء ، واشتدّت علينا وأحببنا العزل ، فأردنا العزل وقلنا : نعزل ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله ، فسألناه عن ذلك فقال : ما عليكم أن لا تفعلوا ، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنةٌ » فإنّ سؤالهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن العزل في وطء السّبايا دليلٌ على أنّ قسمة الغنائم قد تمّت في دار الحرب ، ولما في ذلك من تعجيل مسرّة الغانمين وغيظ الكافرين ، ويكره تأخيره لبلد الإسلام ، وهذا إذا كان الغانمون جيشاً وأمنوا من كرّ العدوّ عليهم .
وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ للغانمين التّملّك قبل القسمة لفظاً ، بأن يقول كلٌّ بعد الحيازة ، وقبل القسمة : اخترت ملك نصيبي ، فتملّك بذلك . وقيل : يملكون بمجرّد الحيازة ، لزوال ملك الكفّار بالاستيلاء . وقيل : الملك موقوفٌ . والمراد عند من قال يملكون بمجرّد الحيازة : الاختصاص ، أي يختصمون .
وصرّح الحنابلة بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب ، وهو قول الأوزاعيّ وابن المنذر وأبي ثورٍ لفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء .
15 - وعند الحنفيّة لا تقسم الغنائم إلاّ في دار الإسلام ، لأنّ الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ بإحرازها في دار الإسلام ، لأنّ سبب ثبوت الحقّ القهر ، وهو موجودٌ من وجهٍ دون وجهٍ ، لأنّهم قاهرون يداً مقهورون داراً ، فلا ينبغي للإمام أن يقسم الغنائم - ومنها الأسرى - أو يبيعها حتّى يخرجها إلى دار الإسلام ، خشية تقليل الرّغبة في لحوق المدد بالجيش ، وتعرّض المسلمين لوقوع الدّبرة عليهم ، بأن يتفرّقوا ويستقلّ كلّ واحدٍ منهم بحمل نصيبه . ومع هذا فقالوا : وإن قسم الإمام الغنائم في دار الحرب جاز ، لأنّه أمضى فصلاً مختلفاً فيه بالاجتهاد . وقد روي أنّ « الرّسول صلى الله عليه وسلم أخّر قسمة غنائم حنينٍ حتّى انصرف إلى الجعرانة » .
تأمين الأسير :
16 - يتّفق الفقهاء على أنّه يحقّ للإمام إعطاء الأمان للأسير بعد الاستيلاء عليه ، لأنّ عمر لمّا قدم عليه بالهرمزان أسيراً قال :" لا بأس عليك ، ثمّ أراد قتله ، فقال له أنسٌ : قد أمّنته فلا سبيل لك عليه ، وشهد الزّبير بذلك "فعدّوه أماناً ، ولأنّ للإمام أن يمنّ عليه ، والأمان دون المنّ ، ولا ينبغي للإمام أن يتصرّف على حكم التّمنّي والتّشهّي دون مصلحة المسلمين ، فما عقده أمير الجيش من الأمان جاز ولزم الوفاء به ، وأمّا آحاد الرّعيّة فليس لهم ذلك ، لأنّ أمر الأسير مفوّضٌ إلى الإمام ، فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنع ذلك كقتله . وذكر أبو الخطّاب أنّه يصحّ أمان آحاد الرّعيّة ، لأنّ « زينب بنت الرّسول صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا العاص بن الرّبيع بعد أسره ، فأجاز النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمانها » . وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمانٌ ) .
حكم الإمام في الأسرى :
17 - يرجع الأمر في أسرى الحربيّين إلى الإمام ، أو من ينيبه عنه .
وجعل جمهور الفقهاء مصائر الأسرى بعد ذلك ، وقبل إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين ، في أحد أمورٍ : فقد نصّ الشّافعيّة والحنابلة على تخيير الإمام في الرّجال البالغين من أسرى الكفّار ، بين قتلهم ، أو استرقاقهم ، أو المنّ عليهم ، أو مفاداتهم بمالٍ أو نفسٍ .
أمّا الحنفيّة فقد قصروا التّخيير على ثلاثة أمورٍ فقط : القتل ، والاسترقاق ، والمنّ عليهم بجعلهم أهل ذمّةٍ على الجزية ، ولم يجيزوا المنّ عليهم دون قيدٍ ، ولا الفداء بالمال إلاّ عند محمّد بن الحسن بالنّسبة للشّيخ الكبير ، أو إذا كان المسلمون بحاجةٍ للمال . وأمّا مفاداتهم بأسرى المسلمين فموضع خلافٍ عندهم .
وذهب مالكٌ إلى أنّ الإمام يخيّر في الأسرى بين خمسة أشياء : فإمّا أن يقتل ، وإمّا أن يسترقّ ، وإمّا أن يعتق ، وإمّا أن يأخذ فيه الفداء ، وإمّا أن يعقد عليه الذّمّة ويضرب عليه الجزية ، والإمام مقيّدٌ في اختياره بما يحقّق مصلحة الجماعة .
18 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأصل في السّبايا من النّساء والصّبيّة أنّهم لا يقتلون . ففي الشّرح الكبير للدّردير : وأمّا النّساء والذّراريّ فليس فيهم إلاّ الاسترقاق أو الفداء . وتفصيله في ( سبيٌ ) . كما يتّفقون على أنّ الأسير الحربيّ الّذي أعلن إسلامه قبل القسمة ، لا يحقّ للإمام قتله ، لأنّ الإسلام عاصمٌ لدمه على ما سيأتي .
19 - ويقول الشّافعيّة : إن خفي على الإمام أو أمير الجيش الأحظّ حبسهم حتّى يظهر له ، لأنّه راجعٌ إلى الاجتهاد ، ويصرّح ابن رشدٍ بأنّ هذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين ، إذا لم يكن يوجد تأمينٌ لهم .
20 - وقال قومٌ : لا يجوز قتل الأسير ، وحكى الحسن بن محمّدٍ التّميميّ أنّه إجماع الصّحابة . والسّبب في الاختلاف تعارض الآية في هذا المعنى ، وتعارض الأفعال ، ومعارضة ظاهر الكتاب لفعله عليه الصلاة والسلام ، لأنّ ظاهر قول اللّه تعالى : { فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب } أنّه ليس للإمام بعد الأسر إلاّ المنّ أو الفداء . وقوله تعالى { ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض } والسّبب الّذي نزلت فيه يدلّ على أنّ القتل أفضل من الاستبقاء .
وأمّا فعل الرّسول صلى الله عليه وسلم :« فقد قتل الأسارى في غير موطنٍ »، فمن رأى أنّ الآية الخاصّة بالأسارى ناسخةٌ لفعله قال : لا يقتل الأسير ، ومن رأى أنّ الآية ليس فيها ذكرٌ لقتل الأسير ولا المقصود منها حصر ما يفعل بالأسارى قال بجواز قتل الأسير .
21 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأسرى من نساء الحربيّين وذراريّهم ، ومن في حكمهم كالخنثى والمجنون ، وكذا العبيد المملوكون لهم يسترقّون بنفس الأسر ، ويتّفقون على أنّ من أسلم من الحربيّين قبل الاستيلاء والأسر لا يسترقّ ، وكذا بالنّسبة للمرتدّين ، فإنّ الحكم بالنّسبة لهم الاستتابة والعودة إلى الإسلام ، وإلاّ فالسّيف .
22 - أمّا الرّجال الأحرار المقاتلون منهم . فقد اتّفقوا أيضاً على جواز استرقاق الأعاجم ، وثنيّين كانوا أو أهل كتابٍ . واتّجه الجمهور إلى جواز استرقاق العرب على تفصيلٍ بينهم . والحنفيّة لا يجيزون استرقاق مشركي العرب .
الفداء بالمال :
23 - المشهور في مذهب المالكيّة ، وهو قول محمّد بن الحسن من فقهاء الحنفيّة ، ومذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في غير روايةٍ عن الإمام أحمد : جواز فداء أسرى الحربيّين الّذين يثبت الخيار للإمام فيهم بالمال . غير أنّ المالكيّة يجيزونه بمالٍ أكثر من قيمة الأسير ، وعن محمّد بن الحسن - كما نقل السّرخسيّ عن السّير الكبير - تقييد ذلك بحاجة المسلمين للمال ، وقيد الكاسانيّ هذا بما إذا كان الأسير شيخاً كبيراً لا يرجى له ولدٌ . وأجازه الشّافعيّة بالمال دون قيدٍ ، ولو لم تكن ثمّة حاجةٌ للمال ، ونصّوا على أنّه للإمام أن يفدي الأسرى بالمال يأخذه منهم ، سواءٌ ، أكان من مالهم أم من مالنا الّذي في أيديهم ، وأن نفديهم بأسلحتنا الّتي في أيديهم . أمّا أسلحتهم الّتي بأيدينا ففي جواز مفاداة أسرانا بها وجهان ، أوجههما عندهم الجواز . واستدلّ المجيزون بظاهر قوله تعالى { فإمّا منّاً بعد وإمّا فداءً } ، و«بفعل الرّسول صلى الله عليه وسلم ، فقد فادى أسارى بدرٍ بالمال وكانوا سبعين رجلاً ، كلّ رجلٍ منهم بأربعمائة درهمٍ »، وأدنى درجات فعله الجواز والإباحة .
24 - ويرى الحنفيّة ، في غير ما روي عن محمّدٍ ، وهو روايةٌ عن أحمد وقول أبي عبيد القاسم بن سلاّمٍ عدم جواز الفداء بمالٍ . ويدلّ على عدم الجواز أنّ قتل الأسارى مأمورٌ به ، لقوله تعالى { فاضربوا فوق الأعناق } وأنّه منصرفٌ إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق ، وقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } والأمر بالقتل للتّوسّل إلى الإسلام ، فلا يجوز تركه إلاّ لما شرع له القتل ، وهو أن يكون وسيلةً إلى الإسلام ، ولا يحصل معنى التّوسّل بالمفاداة بالمال ، كما أنّ في ذلك إعانةً لأهل الحرب ، لأنّهم يرجعون إلى المنعة ، فيصيرون حرباً علينا ، وقتل المشرك عند التّمكّن منه فرضٌ محكمٌ ، وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض ، وقد روي عن أبي بكرٍ أنّه قال في الأسير :" لا تفادوه وإن أعطيتم به مدّين من ذهبٍ " ولأنّه صار بالأسر من أهل دارنا ، فلا يجوز إعادته لدار الحرب ، ليكون حرباً علينا ، وفي هذا معصيةٌ ، وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز ، ولو أعطونا مالاً لترك الصّلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة ، فكذا لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة .
وعلى القول بأنّ للإمام حقّ المفاداة بالمال ، فإنّ هذا المال يكون للغانمين ، وليس من حقّه أن يسقط شيئاً من المال الّذي يفرضه عليهم مقابل الفداء إلاّ برضى الغانمين .
فداء أسرى المسلمين بأسرى الأعداء :
25 - ذهب الجمهور من المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وصاحبا أبي حنيفة ، وهو إحدى الرّوايتين عن أبي حنيفة إلى جواز تبادل الأسرى ، مستدلّين بقول النّبيّ « أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكّوا العاني » وقوله « إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ، ويؤدّوا عن غارمهم » و « فادى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرّجل الّذي أخذه من بني عقيلٍ » . « وفادى بالمرأة الّتي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناساً من المسلمين كانوا قد أسروا بمكّة » ولأنّ في المفاداة تخليص المسلم من عذاب الكفّار والفتنة في الدّين ، وإنقاذ المسلم أولى من إهلاك الكافر .
ولم يفرّقوا بين ما إذا كانت المفاداة قبل القسمة أو بعدها . أمّا أبو يوسف فقد قصر جواز المفاداة على ما قبل القسمة ، لأنّه قبل القسمة لم يتقرّر كون أسيرهم من أهل دارنا حتّى جاز للإمام أن يقتله ، وأمّا بعد القسمة فقد تقرّر كونه من أهل دارنا حتّى ليس للإمام أن يقتله . أي فلا يعاد بالمفاداة إلى دار الكفر . ولأنّ في المفاداة بعدها إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه . ونصّ المالكيّة على مثل قول أبي يوسف أيضاً ، ومحمّد بن الحسن أجازه في الحالتين لأنّ المعنى الّذي لأجله جوّز ذلك قبل القسمة الحاجة إلى تخليص المسلم من عذابهم ، وهذا موجودٌ بعد القسمة ، وحقّ الغانمين في الاسترقاق ثابتٌ قبل القسمة ، وقد صار الأسير بذلك من أهل دارنا ، ثمّ تجوز المفاداة به لهذه الحاجة ، فكذلك بعد القسمة .
وقد نقل الحطّاب عن أبي عبيدٍ أنّ النّساء والذّراريّ ليس فيهم إلاّ الاسترقاق ، أو المفاداة بالنّفوس دون المال . وأمّا الرّواية الأخرى عن أبي حنيفة فهي منع مفاداة الأسير بالأسير ، ووجهه : أنّ قتل المشركين فرضٌ محكمٌ ، فلا يجوز تركه بالمفاداة .
26 - ولو أسلم الأسير لا يفادى به لعدم الفائدة ، أي لأنّه فداء مسلمٍ بمسلمٍ ، إلاّ إذا طابت به نفسه وهو مأمونٌ على إسلامه :
27 - ويجوز مفاداة الأكثر بالأقلّ والعكس كما قال الشّافعيّة ، ولم يصرّح بذلك الحنابلة ، لكن في كتبهم ما يوافق ذلك ، لاستدلالهم بالأحاديث المتقدّمة . أمّا الحنفيّة فقد نصّوا على أنّه لا يجوز أن يعطى لنا رجلٌ واحدٌ من أسرانا ، ويؤخذ بدله أسيران من المشركين .
جعل الأسرى ذمّةً لنا وفرض الجزية عليهم :
28 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للإمام أن يضع الجزية في رقاب الأسرى من أهل الكتاب والمجوس على أن يكونوا ذمّةً لنا ، وفي وجهٍ عند الشّافعيّ أنّه يجب على الإمام إجابتهم إلى ذلك إذا سألوه ، كما يجب إذا بذلوا الجزية في غير أسرٍ . واستدلّوا على جواز ذلك بفعل عمر في أهل السّواد وقالوا : إنّه أمرٌ جوازيٌّ ، لأنّهم صاروا في يد المسلمين بغير أمانٍ ، وكيلا يسقط بذلك ما ثبت من اختيارٍ . وهذا إن كانوا ممّن تؤخذ منهم الجزية .
وهذا يتّفق مع ما حكاه ابن رشدٍ حيث قال : وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس ، واختلفوا فيما سواهم من المشركين ، فقال قومٌ : تؤخذ من كلّ مشركٍ ، وبه قال مالكٌ . وأجاز الحنفيّة ذلك للإمام بالنّسبة للأسارى من غير مشركي العرب والمرتدّين ، ووضعوا قاعدةً عامّةً هي : كلّ من يجوز استرقاقه من الرّجال ، يجوز أخذ الجزية منه بعقد الذّمّة ، كأهل الكتاب وعبدة الأوثان من العجم ، ومن لا يجوز استرقاقه لا يجوز أخذ الجزية منه ، كالمرتدّين وعبدة الأوثان من العرب .
رد مع اقتباس