ج - السّفه :
4 - السّفه في اللّغة : خفّة العقل والطّيش والحركة . وفي الشّريعة : تضييع المال وإتلافه على خلاف مقتضى الشّرع والعقل . وقد عرّفه بعضهم بالتّبذير والإسراف في النّفقة ، فقد جاء في بلغة السّالك : أنّ السّفه هو التّبذير ، وورد في أسنى المطالب أنّ السّفيه هو : المبذّر ، والأصل أنّ السّفه سبب التّبذير والإسراف ، وهما أثران للسّفه ، كما يتبيّن ممّا قاله الجرجانيّ في التّعريفات : السّفه خفّةٌ تعرض للإنسان من الفرح والغضب ، فيحمله على العمل بخلاف طور العقل ومقتضى الشّرع . وجاء في دستور العلماء ما يؤيّد ذلك ، حيث قال : ومن عادة السّفيه التّبذير والإسراف في النّفقة . ويؤيّد هذه التّفرقة المعنى اللّغويّ للسّفه من أنّه : خفّة العقل . وعلى ذلك فالعلاقة بين السّفه والإسراف علاقة السّبب والمسبّب .
حكم الإسراف :
5 - يختلف حكم الإسراف بحسب متعلّقه ، كما تبيّن في تعريف الإسراف ، فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ صرف المال الكثير في أمور البرّ والخير والإحسان لا يعتبر إسرافاً ، فلا يكون ممنوعاً . أمّا صرفه في المعاصي والتّرف وفيما لا ينبغي فيعتبر إسرافاً منهيّاً عنه ، ولو كان المال قليلاً . وقد نقل عن مجاهدٍ أنّه قال : لو كان جبل أبي قبيسٍ ذهباً لرجلٍ ، فأنفقه في طاعة اللّه لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً أو مدّاً في معصية اللّه كان مسرفاً ، ويرى بعض الفقهاء أنّ الإسراف كما يكون في الشّرّ ، يكون في الخير ، كمن تصدّق بجميع ماله ، واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفوا } أي لا تعطوا أموالكم كلّها فتقعدوا فقراء ، وروي أنّ ثابت بن قيس بن شمّاسٍ أنفق جذاذ خمسمائة نخلةٍ ، ولم يترك لأهله شيئاً ، فنزلت الآية السّابقة . وقيل : إنّها نزلت في معاذ بن جبلٍ بفعله مثل ذلك . كذلك يختلف حكم الإسراف إذا كان في العبادات عمّا إذا كان في المحظورات أو المباحات ، أو في استعمال الحقّ والعقوبات ، وسيأتي تفصيل هذه الأنواع .
الإسراف في الطّاعات :
أوّلاً - الإسراف في العبادات البدنيّة :
أ - الإسراف في الوضوء :
وذلك يتحقّق في حالتين :
الحالة الأولى : تكرار غسل الأعضاء :
6 - صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ تكرار غسل الأعضاء إلى ثلاثٍ مسنونٌ . جاء في المغني أنّ الوضوء مرّةً أو مرّتين يجزئ ، والثّلاث أفضل . والمشهور في مذهب مالكٍ أنّ الغسلة الثّانية والثّالثة فضيلتان . وعلى ذلك فغسل الأعضاء ثلاث مرّاتٍ لا يعتبر إسرافاً ، بل هو سنّةٌ أو مندوبٌ . أمّا الزّيادة على الثّلاث الموعبة فمكروهٌ عند الجمهور : الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو الرّاجح في مذهب المالكيّة ، لأنّها من السّرف في الماء ، والقول الثّاني للمالكيّة أنّها تمنع . والكراهة فيما إذا كان الماء مملوكاً أو مباحاً ، أمّا الماء الموقوف على من يتطهّر به - ومنه ماء المدارس - فإنّ الزّيادة فيه على الثّلاث حرامٌ عند الجميع ، لكونها غير مأذونٍ بها ، لأنّه إنّما يوقف ويساق لمن يتوضّأ الوضوء الشّرعيّ ، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك . واستدلّوا على كراهة الزّيادة على الثّلاث بحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه « أنّ رجلاً أتاه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه كيف الطّهور ؟ فدعا بماءٍ في إناءٍ فغسل كفّيه ثلاثاً ، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ، ثمّ غسل ذراعيه ثلاثاً ، ثمّ مسح برأسه ، وأدخل أصبعيه السّبّاحتين في أذنيه ، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ، وبالسّبّاحتي ن باطن أذنيه ، ثمّ غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ، ثمّ قال : هكذا الوضوء ، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء » . وقد ذكر بعض الفقهاء أنّ الوعيد في الحديث لمن زاد أو نقص مع عدم اعتقاد الثّلاث سنّةٌ ، أمّا إذا زاد - مع اعتقاد سنّيّة الثّلاث - لطمأنينة القلب عند الشّكّ ، أو بنيّة وضوءٍ آخر فلا بأس به ، فإنّ الوضوء على الوضوء نورٌ على نورٍ ، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ولهذا جاء في ابن عابدين نقلاً عن البدائع : إذا زاد أو نقص ، واعتقد أنّ الثّلاث سنّةٌ ، لا يلحقه الوعيد . ثمّ بيّن أنّ المنفيّ في هذه الحالة إنّما هو الكراهة التّحريميّة ، فتبقى الكراهة التّنزيهيّة . وقيّد الشّافعيّة ، وبعض الحنفيّة ، أفضليّة الوضوء على الوضوء بألاّ يكون في مجلسٍ واحدٍ ، أو كان قد صلّى بالضّوء الأوّل صلاةً ، وإلاّ يكره التّكرار ويعتبر إسرافاً ، وقال القليوبيّ : الوجه الحرمة . أمّا لو كرّره ثالثاً أو رابعاً بغير أن تتخلّله صلاةٌ فيعتبر إسرافاً محضاً عند الجميع .
الحالة الثّانية - استعمال الماء أكثر ممّا يكفيه :
7 - اتّفق الفقهاء على أنّ ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدّرٍ بمقدارٍ معيّنٍ ، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك وقال : إنّ ما ورد في الحديث : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يتوضّأ بالمدّ ويغتسل بالصّاع » ليس بتقديرٍ لازمٍ ، بل هو بيان أدنى القدر المسنون ، حتّى إنّ من أسبغ بدون ذلك أجزأه ، وإن لم يكفه زاد عليه ، لأنّ طباع النّاس وأحوالهم مختلفةٌ . واتّفقوا كذلك على أنّ الإسراف في استعمال الماء مكروهٌ ، ولهذا صرّح الحنابلة بأنّه يجزئ المدّ وما دون ذلك في الوضوء ، وإن توضّأ بأكثر من ذلك جاز ، إلاّ أنّه يكره الإسراف . ومع ذلك قال الشّافعيّة : يسنّ أن لا ينقص ماء الوضوء فيمن اعتدل جسمه عن مدٍّ تقريباً ، لأنّه صلى الله عليه وسلم « كان يوضّئه المدّ » ولا حدّ لماء الوضوء ، لكنّه يشترط الإسباغ . وقال المالكيّة : من مستحبّات الوضوء تقليل الماء من غير تحديدٍ في ذلك ، وأنكر مالكٌ قول من قال : حتّى يقطر الماء أو يسيل ، يعني أنكر السّيلان عن العضو لا السّيلان على العضو ، إذ لا بدّ منه ، وإلاّ فهو مع عدم السّيلان مسحٌ بلا شكٍّ ، وإنّما يراعى القدر الكافي في حقّ كلّ واحدٍ ، فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعةٌ وإسرافٌ ، وإن اقتصر على قدر ما يكفيه فقد أدّى السّنّة ، فالمستحبّ لمن يقدر على الإسباغ بقليلٍ أن يقلّل الماء ، ولا يستعمل زيادةً على الإسباغ ، أي في كلّ مرّةٍ .
ومعيار الإسراف عند الحنفيّة هو أن يستعمل الماء فوق الحاجة الشّرعيّة ، وذكر أكثر الأحناف أنّ ترك التّقتير - بأن يقترب إلى حدّ الدّهن ، ويكون التّقاطر غير ظاهرٍ - وترك الإسراف - بأن يزيد على الحاجة الشّرعيّة - سنّةٌ مؤكّدةٌ ، وعلى هذا فيكون الإسراف في استعمال الماء في الوضوء مكروهاً تحريماً ، كما صرّح به صاحب الدّرّ ، لكن رجّح ابن عابدين كونه مكروهاً تنزيهاً . واستدلّ الفقهاء على كراهة الإسراف في الماء بحديث عبد اللّه بن عمر وأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « مرّ بسعدٍ وهو يتوضّأ ، فقال : ما هذا السّرف ؟ فقال : أفي الوضوء إسرافٌ ؟ فقال : نعم ، وإن كنت على نهرٍ جارٍ » .
وهذا كلّه في غير الموسوس ، أمّا الموسوس فيغتفر في حقّه لما ابتلي به .
ب - الإسراف في الغسل :
8 - من سنن الغسل التّثليث ، بأن يفيض الماء على كلّ بدنه ثلاثاً مستوعباً ، والزّائد على ذلك يعتبر إسرافاً مكروهاً ، ولا يقدّر الماء الّذي يجزئ الغسل به ، لأنّ الحاجة الشّرعيّة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فما زاد على الكفاية أو بعد تيقّن الواجب فهو سرفٌ مكروهٌ ، وهذا القدر متّفقٌ عليه ، أمّا ما ورد في الحديث : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصّاع » فهو بيانٌ لأقلّ ما يمكن به أداء السّنّة عادةً ، وليس تقديراً لازماً .
ج - الإسراف في الصّلاة والصّوم :
9 - الإنسان مأمورٌ بالاقتصاد ومراعاة الاعتدال في كلّ أمرٍ ، حتّى في العبادات الّتي تقرّب إلى اللّه تعالى كالصّلاة والصّيام ، قال اللّه تعالى : { يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . فالعبادات إنّما أمر بفعلها مشروطةً بنفي العسر والمشقّة الخارجة عن المعتاد ، ومن هنا أبيح الإفطار في حالة السّفر والحامل والمريض والمرضع وكلّ من خشي ضرر الصّوم على نفسه فعليه أن يفطر ، لأنّ في ترك الإفطار عسراً ، وقد نفى اللّه عن نفسه إرادة العسر . فلا يجوز فيها الإسراف والمبالغة . وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « هلك المتنطّعون » أي المبالغون في الأمر . وروي عن أنسٍ أنّه « جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر . قال أحدهم : أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدّهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبداً . فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللّه إنّي لأخشاكم للّه ، وأتقاكم له ، لكنّي أصوم وأفطر ، وأصلّي وأرقد ، وأتزوّج النّساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » .
قال في نيل الأوطار : فيه دليلٌ على أنّ المشروع هو الاقتصاد في الطّاعات ، لأنّ إتعاب النّفس فيها والتّشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع ، والدّين يسرٌ ، ولن يشادّ أحدٌ الدّين إلاّ غلبه ، والشّريعة النّبويّة بنيت على التّيسير وعدم التّنفير . ولهذا صرّح بعض الفقهاء بكراهة صوم الوصال وصوم الدّهر ، كما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من صام الدّهر فلا صام ولا أفطر » وقالوا بكراهة قيام اللّيل كلّه ، لما روي عن « عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : لا أعلم نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم قام ليلةً حتّى الصّباح ، ولا صام شهراً قطّ غير رمضان » . قال ابن عابدين : الظّاهر من إطلاق الأحاديث الواردة في إحياء اللّيل الاستيعاب ، لكنّه نقل عن بعض المتقدّمين أنّه فسّر ذلك بنصفه ، لأنّ من أحيا نصف اللّيل فقد أحيا اللّيل ، ويؤيّد هذا التّفسير حديث عائشة المتقدّم ، فيترجّح إرادة الأكثر أو النّصف ، والأكثر أقرب إلى الحقيقة . وأوضح ما جاء في منع الإسراف والمبالغة في الصّلاة والصّيام حديث عبد اللّه بن عمر وقال : « دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجرتي ، فقال : ألم أخبر أنّك تقوم اللّيل وتصوم النّهار ؟ ، قلت : بلى ، قال : فلا تفعلنّ ، نم وقم ، وصم وأفطر ، فإنّ لعينيك عليك حقّاً ، وإن لجسدك عليك حقّاً ، وإنّ لزوجتك عليك حقّاً ، وإنّ لصديقك عليك حقّاً ، وإنّ لضيفك عليك حقّاً ، وإن عسى أن يطول بك عمرٌ ، وأنّه حسبك أن تصوم من كلّ شهرٍ ثلاثاً ، فذلك صيام الدّهر كلّه ، وإنّ الحسنة بعشر أمثالها » . وقال النّوويّ من الشّافعيّة : ويكره أن يقوم كلّ اللّيل دائماً ، للحديث المذكور في الكتاب ، فإن قيل : ما الفرق بينه وبين صوم الدّهر - غير أيّام النّهي - فإنّه لا يكره عندنا ؟ فالجواب أنّ صلاة اللّيل كلّه دائماً يضمر العين وسائر البدن ، كما جاء في الحديث الصّحيح ، بخلاف الصّوم فإنّه يستوفي في اللّيل ما فاته من أكل النّهار ، ولا يمكنه نوم النّهار إذا صلّى اللّيل ، لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه . هذا حكم قيام اللّيل دائماً ، فأمّا بعض اللّيل فلا يكره إحياؤه ، فقد ثبت في الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا اللّيل » واتّفق أصحابنا على إحياء ليلتي العيدين ، واللّه أعلم .
ثانياً - الإسراف في العبادات الماليّة :
أ - الإسراف في الصّدقة :
10 - الصّدقات الواجبة المحدّدة المقدار ، كالزّكاة والنّذر وصدقة الفطر ، لا يتصوّر فيها الإسراف ، لأنّ أداءها بالقدر المحدّد واجبٌ شرعاً . وتفصيل شروط الوجوب ، ومقدار ما وجب في هذه الصّدقات مذكورٌ في موضعها .
أمّا الصّدقات المندوبة - وهي الّتي تعطى للمحتاجين لثواب الآخرة - فرغم حثّ الإسلام على الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين في كثيرٍ من الآيات والأحاديث ، فقد أمر اللّه بالقصد والاعتدال وعدم التّجاوز إلى حدٍّ يعتبر إسرافاً ، بحيث يؤدّي إلى فقر المنفق نفسه حتّى يتكفّف النّاس . قال اللّه تعالى في صفات المؤمنين : { والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وكان بين ذلك قواماً } . وكذلك قال سبحانه : { ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ، ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً } قال المفسّرون في تفسير هذه الآية : ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه ، فتقعد منقطعاً عن النّفقة والتّصرّف ، كما يكون البعير الحسير ، وهو الّذي ذهبت قوّته فلا انبعاث به ، وقيل : لئلاّ تبقى ملوماً ذا حسرةٍ على ما في يدك ، لكنّ المراد بالخطاب غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّه لم يكن ممّن يتحسّر على إنفاق ما حوته يده في سبيل اللّه ، وإنّما نهى اللّه عن الإفراط في الإنفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج عن يده ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يأتي أحدكم بما يملك ، فيقول : هذه صدقةٌ ، ثمّ يقعد يستكفّ النّاس ، ، خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنًى » فأمّا من وثق بموعود اللّه وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مرادٍ بالآية ، وقد كان كثيرٌ من فضلاء الصّحابة ينفقون في سبيل اللّه جميع أموالهم ، فلم يعنّفهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصحّة يقينهم وشدّة بصائرهم . وفي ضوء هذه الآيات والأحاديث صرّح الفقهاء أنّ الأولى أن يتصدّق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يموّنه على الدّوام ، ومن أسرف بأن تصدّق بما ينقصه عن كفاية من تلزمه مؤنته ، أو ما يحتاج إليه لنفقة نفسه - ولا كسب له - فقد أثم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يموّنه » ولأنّ نفقة من يموّنه واجبةٌ ، والتّطوّع نافلةٌ ، وتقديم النّفل على الفرض غير جائزٍ ، ولأنّ الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدّة نزاع النّفس إلى ما خرج منه ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره ، ويصير كلاًّ على النّاس . أمّا من يعلم من نفسه حسن التّوكّل ، والصّبر على الفقر ، والتّعفّف عن المسألة ، أو كان ذا مكسبٍ واثقاً من نفسه ، فله أن يتصدّق بكلّ ماله عند الحاجة ، ولا يعتبر هذا في حقّه إسرافاً . لما روي أنّ أبا بكرٍ أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكلّ ما عنده ، فقال له : « ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم اللّه ورسوله » فهذا كان فضيلةً في حقّ أبي بكرٍ ، لقوّة يقينه وكمال إيمانه ، وكان أيضاً تاجراً ذا مكسبٍ .
ب - الإسراف في الوصيّة :
11 - الوصيّة تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت بطريق التّبرّع ، أو هي التّبرّع بالمال بعد الموت ، وهي مستحبّةٌ بجزءٍ من المال لمن ترك خيراً في حقّ من لا يرث ، وقد حدّد الشّرع حدودها بأن لا تزيد عن الثّلث ، ورغّب في التّقليل من الثّلث ، وذلك لتجنّب الإسراف ، وإيقاع الضّرر بالورثة .
فإذا وجد للميّت وارثٌ ، نفّذت الوصيّة في الثّلث ، وبطلت في الزّائد منه اتّفاقاً إن لم يجزها الورثة ، لحديث سعد بن أبي وقّاصٍ قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجّة الوداع من وجعٍ اشتدّ بي ، فقلت : إنّي قد بلغ بي من الوجع ، وأنا ذو مالٍ ، ولا يرثني إلاّ ابنةٌ ، أفأتصدّق بثلثي مالي ؟ قال : لا ، فقلت : بالشّطر ، فقال : لا ، ثمّ قال : الثّلث ، والثّلث كبيرٌ أو كثيرٌ ، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس » . فالثّلث هو الحدّ الأعلى في الوصيّة إذا كان للميّت وارثٌ ، ولم يتّفقوا على الحدّ الأدنى ، مع استحبابهم الأقلّ من الثّلث ، وأن تكون الوصيّة للأقارب غير الوارثين ، لتكون صدقةً وصلةً معاً . وذكر صاحب المغني أنّ الأفضل للغنيّ الوصيّة بالخمس ، ونحو ذلك يروى عن أبي بكرٍ وعليّ بن أبي طالبٍ أمّا إذا لم يكن للميّت وارثٌ ، أو كان له وارثٌ وأجاز الزّيادة على الثّلث ، ففيه خلافٌ وتفصيلٌ موضعه مصطلح ( وصيّةٌ ) .
ثالثاً : الإسراف في سفك دماء العدوّ في القتال :
12 - الإسراف بمعنى مجاوزة الحدّ منهيٌّ عنه في كلّ حالةٍ ، حتّى في المقابلة مع الأعداء في الجهاد والقتال ، فالمسلم مأمورٌ بمراعاة القصد والاعتدال في جميع الأحوال ، يقول اللّه تعالى : { ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } ويقول سبحانه : { ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتّقوى } .
ولهذا صرّح الفقهاء بأنّه إن كان العدوّ ممّن لم تبلغهم الدّعوة لم يجز قتالهم ، حتّى يدعوهم إلى الإسلام ، ويكره نقل رءوس المشركين ، على تفصيلٍ في ذلك ، وتكره المثلة بقتلاهم وتعذيبهم . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ أعفّ النّاس قتلةً أهل الإيمان » .
ولا يجوز قتل الصّبيان والمجانين بلا خلافٍ ، ولا تقتل امرأةٌ ولا شيخٌ فانٍ ، ولا يقتل زمنٌ ولا أعمى ولا راهبٌ عند الجمهور : الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وروايةٍ عند الشّافعيّة ، إلاّ إذا اشتركوا في المعركة ، أو كانوا ذا رأيٍ وتدبيرٍ ومكايد في الحرب ، أو أعانوا الكفّار بوجهٍ آخر ولا يجوز الغدر والغلول ، ولا يجوز الإحراق بالنّار إن أمكن التّغلّب عليهم بدونها ، ولا يجوز التّمثيل بالقتل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيءٍ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة » ويجوز معهم عقد الأمان والصّلح بمالٍ لو كان ذلك خيراً للمسلمين ، لقوله تعالى : { وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها } . ولو حاصرناهم دعوناهم إلى الإسلام ، فإن أسلموا فيها ، وإلاّ فرضنا عليهم الجزية إن لم يكونوا مرتدّين ولا من مشركي العرب ، فإن قبلوا ذلك فلهم منّا المعاملة بالعدل والقسط على حسب شروط عقد الذّمّة ، وإن أبوا قاتلناهم حتّى نغلبهم عنوةً .
وتفصيل هذه الأحكام ر : ( جهادٌ ) ( وجزيةٌ ) .
الإسراف في المباحات :
أ - الإسراف في الطّعام والشّراب :
13 - الأكل والشّرب بقدر ما يندفع به الهلاك فرضٌ ، وهو بقدر الشّبع مباحٌ ، فإذا نوى بالشّبع ازدياد قوّة البدن على الطّاعة وأداء الواجبات فهو مندوبٌ ، وما زاد على الشّبع فهو مكروهٌ أو محظورٌ ، على الخلاف بين الفقهاء ، إلاّ إذا قصد به التّقوّي على صوم الغد ، أو لئلاّ يستحي الضّيف . قال اللّه تعالى : { كلوا واشربوا ولا تسرفوا } .
فالإنسان مأمورٌ بأن يأكل ويشرب بحيث يتقوّى على أداء المطلوب ، ولا يتعدّى إلى الحرام ، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ، ولا يتناول مقداراً كثيراً يضرّه ولا يحتاج إليه ، فإن تعدّى ذلك إلى ما يمنعه القيام بالواجب حرم عليه ، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه ، ولأنّه إضاعة المال وإمراض النّفس . وقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنٍ ، بحسب ابن آدم أكلاتٌ يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه ، وثلثٌ لشرابه ، وثلثٌ لنفسه » . وقال صلى الله عليه وسلم : « إنّ من السّرف أن تأكل كلّ ما اشتهيت » .
وقد نقل القرطبيّ في الحضّ على تقليل الطّعام ما ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « قال لأبي جحيفة حينما أتاه يتجشّأ : اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة ، فإنّ أكثر النّاس شبعاً في الدّنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة » . وهذا القدر ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . وقال المالكيّة : يطلب تخفيف المعدة بتقليل الطّعام والشّراب على قدرٍ لا يترتّب عليه ضررٌ ولا كسلٌ عن عبادةٍ ، فقد يكون للشّبع سبباً في عبادةٍ فيجب ، وقد يترتّب عليه ترك واجبٍ فيحرم ، أو ترك مستحبٍّ فيكره . وقال الغزاليّ : صرف المال إلى الأطعمة النّفيسة الّتي لا يليق بحاله تبذيرٌ . فيكون سبباً للحجر كما سيأتي .
وقال القليوبيّ : إنّ هذا هو أحد القولين عند الشّافعيّة ، والقول الثّاني عندهم أنّه لا يعتبر تبذيراً ما لم يصرف في محرّمٍ ، فيعتبر عندئذٍ إسرافاً وتبذيراً إجماعاً .
وصرف الحنابلة أنّ أكل المتخوم ، أو الأكل المفضي إلى تخمةٍ سببٌ لمرضه وإفساد بدنه ، وهو تضييع المال في غير فائدةٍ . وقالوا : لا بأس بالشّبع ، لكن يكره الإسراف ، والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحدّ ، وهو من العدوان المحرّم .
ب - الإسراف في الملبس والزّينة :
14 - الإسراف في الملبس والزّينة ممنوعٌ ، لما ورد في الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « البسوا ما لم يخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ » .
قال ابن عابدين : يلبس بين الخسيس والنّفيس ، إذ خير الأمور أوسطها ، وللنّهي عن الشّهرتين ، وهو ما كان في نهاية النّفاسة أو الخساسة . ويندب لبس الثّوب الجميل للتّزيّن في الأعياد والجمع ومجامع النّاس ، لحديث ابن مسعودٍ مرفوعاً : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه ذرّةٌ من كبرٍ ، قال رجلٌ : إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً ، قال : إنّ اللّه جميلٌ يحبّ الجمال ، الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس » .
الإسراف في المهر :
15 - المهر يجب إمّا بالتّسمية أو بالعقد . فإذا سمّي في العقد ، وعّين مقداره ، وجب المسمّى ، وإلاّ وجب مهر المثل ، وهذا متّفقٌ عليه بين الفقهاء .
ولم يحدّد الشّافعيّة والحنابلة ، وكذلك المالكيّة في روايةٍ أقلّ المهر ، وحدّد الحنفيّة أقلّ المهر بعشرة دراهم ، وقال المالكيّة في المشهور عندهم : أقلّه ربع دينارٍ شرعيٍّ ، أو ثلاثة دراهم فضّةً خالصةً . ولا حدّ لأكثر المهر إجماعاً بين الفقهاء . والدّليل عليه قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً } . لأنّ القنطار يطلق على المال الكثير .
ولكن حذّر الفقهاء من الإسراف والمغالاة في المهر ، وقالوا : تكره المغالاة في الصّداق ، لما روي عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أعظم النّساء بركةً أيسرهنّ مؤنةً » وفسّروا المغالاة في المهر بما خرج عن عادة أمثال الزّوجة ، وهي تختلف باختلاف أمثالها ، إذ المائة قد تكون كثيرةً جدّاً بالنّسبة لامرأةٍ ، وقليلةً جدّاً بالنّسبة لأخرى . واستدلّوا كذلك بكراهة الإسراف في المهر بأنّ الرّجل يغلي بصدقة المرأة ( أي فوق طاقته ) ، حتّى يكون لها عداوةٌ في قلبه ، ولأنّه إذا كثر بما تعذّر عليه فيتعرّض للضّرر في الدّنيا والآخرة . ولتفصيل الموضوع راجع مصطلح : ( مهرٌ ) .
الإسراف في التّكفين والتّجهيز :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الكفن هو الثّوب الواحد . والإيتار فيه إلى ثلاثٍ للرّجل ، وإلى خمسٍ للمرأة سنّةٌ ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّن في ثلاثة أثوابٍ يمانيّةٍ بيضٍ سحوليّةٍ ... » .
وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « أعطى اللّواتي غسّلن ابنته خمسة أثوابٍ » ولأنّ عدد الثّلاث أكثر ما يلبسه الرّجل في حياته ، فكذا بعد مماته ، والمرأة تزيد في حال حياتها على الرّجل في السّتر ، لزيادة عورتها على عورته ، فكذلك بعد الموت .
وتكره الزّيادة على الأثواب الثّلاثة للرّجل ، والخمسة للمرأة عند الجمهور : الشّافعيّة ، والحنابلة ، وروايةٍ عند الحنفيّة ، لما فيها من الإسراف وإضاعة المال المنهيّ عنهما ، وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لا تغالوا في الكفن ، فإنّه يسلب سلباً سريعاً » وما روى عنه صلى الله عليه وسلم في تحسين الكفن : « إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه » . معناه بياضه ونظافته ، لا كونه ثميناً حليةً .
ولا بأس عند المالكيّة بالزّيادة إلى خمسةٍ في الرّجل ، وإلى سبعةٍ في المرأة ، وقالوا : إنّ الزّيادة على الخمسة في الرّجل ، والسّبعة في المرأة إسرافٌ ، وثلاثةٌ أولى من أربعةٍ ، وخمسةٌ أولى من ستّةٍ . فعلم من ذلك أنّ الإسراف محظورٌ في الكفن في جميع المذاهب . والقاعدة في ذلك أنّ الكفن يكون وفقاً لما يلبسه الميّت حال حياته عادةً .
وينظر تفصيل هذا الموضوع في مصطلح ( كفنٌ ) .
الإسراف في المحرّمات :
17 - المحظور في اصطلاح الفقهاء : هو ما منع من استعماله شرعاً ، ويشمل بالمعنى الأعمّ الحرام والمكروه كراهة تحريمٍ ، فالمحظورات بهذا المعنى هي الممنوعات الشّرعيّة الّتي توجب العقاب . وارتكاب المحرّمات يعتبر بنفسه إسرافاً ، لأنّه مجاوزة الحدّ المشروع . يقول الرّازيّ في تفسير قوله تعالى : { ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } : الإسراف في كلّ شيءٍ الإفراط فيه ، والمراد هنا الذّنوب العظيمة الكبيرة . قال أبو حيّان الأندلسيّ : ( ذنوبنا وإسرافنا ) متقاربان من حيث المعنى ، فجاء ذلك على سبيل التّأكيد . وقيل : الذّنوب ما دون الكبائر . ثمّ إنّ المبالغة في ارتكاب الممنوع توجب تشديد العقاب ، فالعقوبة بقدر الجريمة ، كما قرّره الفقهاء ، والإصرار على الصّغيرة وإدامتها يأخذ حكم الكبيرة في إسقاط العدالة ، فلا تقبل شهادة من كثرت صغائره وأصرّ عليها .
18 - لكن هناك حالاتٌ خاصّةٌ يجوز للشّخص الإتيان بالمحرّم ، بشرط ألاّ يسرف أي لا يجاوز الحدّ المشروع وذلك مثل :
أ - حالة الإكراه : كما إذا أجبر شخصٌ آخر بأكل أو شرب ما حرّم اللّه ، كالميتة والدّم والخمر وغيرها .
ب - حالة الاضطرار : كما إذا وجد الشّخص في حالةٍ لو لم يتناول المحرّم هلك ، ولا تكون للخروج عن هذه الحالة وسيلةٌ أخرى ، كحالة الجوع والعطش الشّديدين .
ففي هذه الحالات يجوز اتّفاقاً - بل يجب عند الأكثر - أكل ما حرّم اللّه من الميتة والدّم والأموال المحرّمة ، بشرط ألاّ يسرف الآكل والشّارب ، ولا يتجاوز الحدود الشّرعيّة المقرّرة الّتي سيأتي تفصيلها . وتتّفق حالة الإكراه مع حالة الاضطرار في الحكم ، ولكنّهما تختلفان في سبب الفعل ، ففي الإكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل المحرّم شخصٌ آخر ويجبره على العمل ، أمّا في حالة الاضطرار فيوجد الفاعل في ظروفٍ تقتضي الخروج منها ، أن يرتكب الفعل المحرّم لينجي نفسه . وبهذا نكتفي بذكر حكم الإسراف في حالة الاضطرار فقط .
19 - اتّفق الفقهاء على أنّ المضطرّ يجوز له الانتفاع بالمحرّم ، ولو كان ميتةً أو دماً أو لحم خنزيرٍ أو مال الغير ، واستدلّوا بقوله تعالى : { فمن اضطرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه } لكنّ الأكل والشّرب من المحرّم حال الاضطرار محدودٌ بحدودٍ لا يجوز التّجاوز عنها والإسراف فيها ، وإلاّ يعتبر مسيئاً وآثماً .
والجمهور : الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ، ذهبوا إلى أنّ مقدار ما يجوز للمضطرّ أكله أو شربه من المحرّم هو ما يسدّ الرّمق ، فمن زاد عن هذا المقدار يعتبر مجاوزاً للحدّ . فلا يجوز له الأكل إلى حدّ الشّبع والتّزوّد بالمحرّم ، لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قيّد جواز الانتفاع بالمحرّم في حالة الاضطرار بقوله : { غير باغٍ ولا عادٍ } ، والمراد ألاّ يكون المضطرّ باغياً في أكل المحرّم تلذّذاً ، ولا متعدّياً بالحدّ المشروع ، فيكون مسرفاً في الأكل إذا تناول منها أكثر من المقدار الّذي يمسك الرّمق ، فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضّرر في الحال فقد زالت الضّرورة ، ولا اعتبار في ذلك لسدّ الجوعة ، لأنّ الجوع في الابتلاء لا يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه .
ومذهب المالكيّة ، وهو قولٌ عند الشّافعيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، أنّ للمضطرّ أن يأكل من الميتة إلى حدّ الشّبع إذا لم يوجد غيرها ، لأنّ ما جاز سدّ الرّمق به جاز الشّبع منه كالمباح ، بل المالكيّة جوّزوا التّزوّد من الميتة ، وقالوا : إنّه يأكل منها حتّى يشبع ، ويتزوّد منها ، فإن وجد عنها غنًى طرحها ، لأنّ المضطرّ ليس ممّن حرمت عليه الميتة ، فإذا كانت حلالاً له الأكل منها ما شاء ، حتّى يجد غيرها فتحرم عليه ، وجواز التّزوّد للمضطرّ من لحم الميتة روايةٌ عند الحنابلة . وعلى ذلك فالأكل إلى حدّ الشّبع لا يعتبر إسرافاً عند هؤلاء ، كما أنّ التّزوّد من الميتة لا يعدّ إسرافاً عند المالكيّة ، وفي روايةٍ عند الحنابلة .
ولتفصيل الموضوع ر : ( اضطرارٌ ) .
الإسراف في العقوبة :
20 - الأصل في الشّريعة أنّ العقوبة بقدر الجريمة ، قال سبحانه وتعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقال سبحانه : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فلا تجوز فيها الزّيادة والإسراف قطعاً ، لأنّ الزّيادة تعتبر تعدّياً منهيّاً عنه بقوله تعالى : { ولا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين } وبيان ذلك فيما يلي :
أ - الإسراف في القصاص :
21 - اتّفق الفقهاء على أنّ مبنى القصاص على المساواة ، فلا يجوز فيه الإسراف والزّيادة . قال اللّه تعالى : { ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنّه كان منصوراً } قال المفسّرون في تفسير هذه الآية : لا يسرف في القتل أي لا يتجاوز الحدّ المشروع فيه ، فلا يقتل غير قاتله ، ولا يمثّل بالقاتل كعادة الجاهليّة ، لأنّهم كانوا إذا قتل منهم واحدٌ قتلوا به جماعةً ، وإذا قتل من ليس شريفاً لم يقتلوه ، وقتلوا به شريفاً من قومه ، فنهي عن ذلك .
22 - وصرّح الفقهاء أنّه إذا وجب القصاص على حاملٍ لم تقتل حتّى تضع حملها ، وإذا وضعت لم تقتل حتّى تسقي ولدها اللّبأ ، فإن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتّى يجيء أوان فطامه ، لما ورد في الحديث : « إذا قتلت المرأة عمداً لم تقتل حتّى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً ، وحتّى تكفل ولدها » . ولأنّ في قتل الحامل قتلاً لولدها ، فيكون إسرافاً في القتل ، واللّه سبحانه قال : { فلا يسرف في القتل } ، ولأنّ في القصاص من الحامل قتلاً لغير الجاني وهو محرّمٌ ، إذ { لا تزر وازرةٌ وزر أخرى } .
23 - ونشترط المماثلة في قصاص الأعضاء في المحلّ والمقدار والصّفة ، بألاّ يكون العضو المقتصّ منه أحسن حالاً من العضو التّالف ، وإلاّ يعتبر إسرافاً منهيّاً عنه ، فلا تؤخذ يدٌ صحيحةٌ بيدٍ شلاّء ، ولا رجلٌ صحيحةٌ برجلٍ شلاّء ، ولا تؤخذ يدٌ كاملةٌ بيدٍ ناقصةٍ ، لأنّه ليس للمجنيّ عليه أن يأخذ فوق حقّه ، ولو وجب له قصاصٌ في أنملةٍ فقطع أنملتين ، فإن كان عامداً وجب عليه القصاص في الزّيادة ، وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء .
24 - ولكي يؤمن الإسراف والتّعدّي ، صرّح الفقهاء أنّه لا يستوفى القصاص فيما دون النّفس إلاّ بحضرة السّلطان أو نائبه ، لأنّه يفتقر إلى اجتهاده ، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التّشفّي ، ويلزم وليّ الأمر تفقّد آلة الاستيفاء ، والأمر بضبط المقتصّ منه في غير النّفس ، حذراً من الزّيادة واضطرابه ، وإذا سلّم الحاكم القاتل لوليّ الدّم ليقتله نهى الحاكم الوليّ عن التّمثيل بالقاتل والتّشديد عليه في قتله .
وفي قصاص الأطراف يشترط إمكان الاستيفاء من غير حيفٍ ولا زيادةٍ ، بأن يكون القطع من مفصلٍ ، فإن كان القطع من غير مفصلٍ فلا قصاص فيه من موضع القطع ، حذراً من الإسراف . ولأنّ الجرح الّذي يمكن استيفاء القصاص فيه من غير حيفٍ ولا زيادةٍ هو كلّ جرحٍ ينتهي إلى عظمٍ كالموضحة ، اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ فيها القصاص ، واتّفقوا كذلك على عدم القصاص فيما بعد الموضحة لأنّه يعظم فيه الخطر ، أمّا في غيرها من الجروح فاختلفوا في ذلك ، لاحتمال الزّيادة والحيف خوفاً من الإسراف ، ولو زاد المقتصّ عمداً في موضحةٍ على حقّه لزمه قصاص الزّيادة لتعمّده ، كما نصّوا على ذلك .
وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ( قصاصٌ ) .