استيلادٌ *
التعريف :
1 - الاستيلاد لغةً : مصدر استولد الرّجل المرأة إذا أحبلها ، سواءٌ أكانت حرّةً أم أمةً . واصطلاحاً كما عرّفه الحنفيّة : تصيير الجارية أمّ ولدٍ . وعرّف غيرهم أمّ الولد بتعاريف منها : قول ابن قدامة : إنّها الأمة الّتي ولدت من سيّدها في ملكه . فأمّ الولد نوعٌ من أنواع الرّقيق الّذي له في الفقه أحكامٌ خاصّةٌ من حيث نشوءه وما يتلوه ، وللتّفصيل ينظر ( استرقاقٌ ورقٌّ ) ، والكلام هنا منحصرٌ فيما تنفرد به أمّ الولد عن سائر الرّقيق من أحكامٍ خاصّةٍ ، وكذلك أحكام ولدها .
الألفاظ ذات الصّلة :
العتق :
2 - من معاني العتق في اللّغة : السّراح والاستقلال .
وشرعاً : رفع ملك الآدميّين عن آدميٍّ مطلقاً تقرّباً إلى اللّه تعالى ، فهو يجتمع مع الاستيلاد في أنّ كلاًّ منهما سببٌ للحرّيّة ، غير أنّ العتق قد يكون منجزاً ، أمّا أمّ الولد فتصير حرّةً بعد موت سيّدها غالباً ، إذ يجوز عتقها وهي أمّ ولدٍ حال حياة السّيّد .
التّدبير :
3 - التّدبير : تعليق العتق بالموت ، كأن يقول السّيّد لعبده أو أمته : أنت حرٌّ أو أنت حرّةٌ دبر موتي أي بعد موتي أو ما شابه ذلك من الألفاظ ، فهو يجتمع مع الاستيلاد في أنّ كلاًّ منهما سببٌ للحرّيّة بعد الموت ، لكنّ التّدبير بالقول ، والاستيلاد بالفعل .
الكتابة :
4 - الكتابة والمكاتبة : بيع السّيّد نفس رقيقه منه بمالٍ في ذمّته ، فيعتق العبد أو الأمة بعد أداء ما كوتب عليه ، فكلٌّ من الاستيلاد والمكاتبة سببٌ للحرّيّة إلاّ أنّ المكاتبة عقدٌ بعوضٍ . التّسرّي :
5 - التّسرّي إعداد الرّجل أمته لأن تكون موطوءةً ، فالفرق بينه وبين الاستيلاد حصول الولادة .
صفة الاستيلاد ، وحكمه التّشريعيّ ، وحكمة التّشريع :
6 - قال صاحب المغني : لا خلاف في إباحة التّسرّي ووطء الإماء ، لقول اللّه تعالى { والّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فإنّهم غير ملومين } وقد كانت مارية القبطيّة أمّ ولد النّبيّ صلى الله عليه وسلم حيث ولدت له إبراهيم ، وكانت هاجر أمّ إسماعيل سرّيّة سيّدنا إبراهيم ، وكان لعمر بن الخطّاب أمّهات أولادٍ ، وكذلك لعليّ بن أبي طالبٍ ، ولكثيرٍ من الصّحابة رضي الله عنهم ، وكان عليٌّ زين العابدين بن الحسين ، والقاسم بن محمّد بن أبي بكرٍ ، وسالم بن عبد اللّه بن عمر ، من أمّهات الأولاد ، وروي أنّ النّاس لم يكونوا يرغبون في أمّهات الأولاد حتّى ولد هؤلاء الثّلاثة من أمّهات الأولاد ، فرغب النّاس فيهنّ . ويقصد بالاستيلاد الولد ، فقد يرغب الشّخص في الأولاد ولا يتيسّر له ذلك من الحرائر ، وأباح اللّه له أن يتسرّى من تلد له . ومن تحمل من سيّدها تعتق عليه بموته من كلّ ماله تبعاً لولدها . والأصل في ذلك قول النّبيّ « أيّما أمةٍ ولدت من سيّدها فهي حرّةٌ عن دبرٍ منه » . والاستيلاد وسيلةٌ للعتق ، والعتق من أعظم القرب .
حكم ولد المستولدة من غير سيّدها :
7 - إذا صارت الأمة أمّ ولدٍ بولادتها من سيّدها ، ثمّ ولدت من غيره ، كان لذلك الولد حكم أمّه في العتق بموت سيّدها ، وغيره من أحكامها ، وأمّا أولادها الّذين ولدتهم قبل ثبوت حكم الاستيلاد لها فلا يتّبعونها ، ولا يكون لهم حكم أمّهم .
ما يتحقّق به الاستيلاد وشرائطه :
8 - يتحقّق الاستيلاد ( بمعنى أن تصير الجارية أمّ ولدٍ ) بولادة الولد الحيّ أو الميّت ، لأنّ الميّت ولدٌ ، به تتعلّق أحكام الولادة فتنقضي به العدّة ، وتصير المرأة نفساء ، وكذا إذا أسقطت سقطاً مستبيناً خلقه أو بعض خلقه وأقرّ السّيّد بوطئها ، فهو بمنزلة الحيّ الكامل الخلقة ، ويترتّب على هذا ثبوت النّسب إذا أقرّ السّيّد بالوطء عند الجمهور ، خلافاً للحنفيّة حيث اشترطوا إقراره بأنّ الولد منه . وإذا تزوّج الشّخص أمة غيره فأولدها أو أحبلها ثمّ ملكها بشراءٍ أو غيره لم تصر أمّ ولدٍ له بذلك ، سواءٌ ملكها حاملاً فولدت في ملكه ، أو ملكها بعد ولادتها ، وبهذا قال الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّها علقت منه بمملوكٍ فلم يثبت لها حكم الاستيلاد . ونقل عن الإمام أحمد أنّها تصير أمّ ولدٍ في الحالين ، وهو قول أبي حنيفة ، لأنّها أمّ ولدٍ وهو مالكٌ لها ، فثبت لها حكم الاستيلاد ، كما لو حملت في ملكه .
وعند المالكيّة إن اشتراها حاملاً فإنّها تصير أمّ ولدٍ بهذا الحمل .
ما يملكه السّيّد في أمّ الولد :
9 - إذا حبلت الأمة من سيّدها وولدت فحكمها حكم الإماء في حلّ وطء سيّدها لها ، واستخدامها ، وملك كسبها ، وتزويجها ، وإجارتها ، وعتقها ، وهذا قول أكثر أهل العلم . وقال المالكيّة : لا يجوز لسيّدها تزويجها بغير رضاها ، فإن رضيت جاز مع الكراهة ، قالوا : لأنّ ذلك ليس من مكارم الأخلاق ، وقالوا : إنّ إجارتها كذلك لا تجوز إلاّ برضاها وإلاّ فسخت ، وللسّيّد قليل خدمتها .
ما لا يملكه السّيّد :
10 - جمهور الفقهاء - وعليه أكثر التّابعين - على أنّ السّيّد لا يجوز له في أمّ ولده التّصرّف بما ينقل الملك ، فلا يجوز بيعها ، ولا وقفها ، ولا رهنها ، ولا تورث ، بل تعتق بموت السّيّد من كلّ المال ويزول الملك عنها . روي عن عبيدة قال : خطب عليٌّ النّاس ، فقال : ( شاورني عمر في أمّهات الأولاد فرأيت أنا وعمر أن أعتقهنّ ، فقضى به عمر حياته ، وعثمان حياته ، فلمّا ولّيت رأيت أن أرقّهنّ ). قال عبيدة : فرأي عمر وعليٍّ في الجماعة أحبّ إلينا من رأي عليٍّ وحده . وروي القول بهذا أيضاً عن عثمان وعائشة ، وروي الخلاف في ذلك عن عليٍّ وابن عبّاسٍ وابن الزّبير قالوا بإباحة بيع أمّ الولد .
والأصل في الباب حديث « أيّما أمةٍ ولدت من سيّدها فهي حرّةٌ عن دبرٍ منه » وخبر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع أمّهات الأولاد ، لا يوهبن ولا يورثن ، يستمتع بها سيّدها ما دام حيّاً ، فإذا مات فهي حرّةٌ » .
أثر اختلاف الدّين في الاستيلاد :
11 - قال الفقهاء : يصحّ استيلاد الكافر ، ذمّيّاً أو مستأمناً أو مرتدّاً ، كما يصحّ منه العتق . وإذا استولد الذّمّيّ أمته الذّمّيّة ثمّ أسلمت لم تعتق في الحال عند الشّافعيّة ، وفي الرّواية المعتمدة عند الحنابلة . وعند المالكيّة تعتق إذ لا سبيل إلى بيعها ، ولا إلى إقرار ملكه عليها ، لما فيه من إثبات ملك الكافر على مسلمةٍ ، فلم يجز كالأمة .
وعن الإمام أحمد روايةٌ أخرى أنّها تستسعى ، فإن أرادت عتقت ، وهو قول أبي حنيفة إذا لم يسلم مالكها ، لأنّ في الاستسعاء جمعاً بين الحقّين : حقّها في ألاّ تبقى ملكاً للكافر ، وحقّه في حصول عوضٍ عن ملكه ، فأشبه بيعها إذا لم تكن أمّ ولدٍ ، وإذا أسلمت أمّ ولدٍ لكافرٍ منع من وطئها أو التّلذّذ بها ، ويحال بينه وبينها ، ويجبر على نفقتها فإذا أسلم حلّت له .
ما تختصّ به المستولدة :
الأصل في أحكام أمّهات الأولاد أنّها كأحكام الإماء في جميع الأمور ، إلاّ أنّ بي الولد تختصّ بما يلي :
أ - العدّة :
12 - إذا مات السّيّد عن أمّ ولده فعند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة تستبرأ بحيضةٍ ، وأمّا مذهب الحنفيّة فعليها العدّة ، وعدّتها بالحيض فلا يكتفى بحيضةٍ ، وإنّما كانت عدّتها بالحيض في الموت وغيره كتفريق القاضي لأنّ عدّتها لتعرف براءة الرّحم ، وهذا إذا كانت غير يائسةٍ وغير حاملٍ ، فإنّ عدّة اليائسة شهران ، وعدّة الحامل وضع الحمل ، ولا نفقة لها في مدّة العدّة عند كلّ الفقهاء ، لأنّها عدّة وطء لا عدّة عقدٍ .
ب - العورة :
13 - عورة أمّ الولد ما بين السّرّة والرّكبة والظّهر والبطن ، وهذا عند الحنفيّة ، وروايةٌ عن المالكيّة ، وفي روايةٍ أخرى أنّها لا تصلّي إلاّ بقناعٍ ، وعند الشّافعيّة ، وهو الصّحيح عند الحنابلة أنّ عورتها ما بين السّرّة والرّكبة .
جناية أمّ الولد :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ أمّ الولد إذا جنت جنايةً أوجبت المال ، أو أتلفت شيئاً ، فعلى السّيّد فداؤها بأقلّ الأمرين : من قيمتها يوم الحكم على أنّها أمةٌ بدون مالها ، أو الأرش ، حتّى وإن كثرت الجنايات .
وحكي قولٌ آخر عن الحنابلة أنّ على السّيّد فداءها بأرش جنايتها بالغةً ما بلغت ، كالقنّ .
إقرار أمّ الولد بجنايةٍ :
15 - إذا أقرّت أمّ الولد بجنايةٍ توجب المال لم يجز إقرارها ، لأنّه إقرارٌ على السّيّد ، وهذا بخلاف الإقرار بالقتل عمداً ، فإنّه يصحّ إقرارها على نفسها فتقتل به . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة . ومذهب الحنابلة : أنّ العبد - وأمّ الولد مثله - يصحّ إقراره بالحدّ والقصاص فيما دون النّفس ، لأنّ الحقّ له دون سيّده .
وأمّا إقراره بما يوجب القصاص في النّفس فالمنصوص عن أحمد أنّه لا يقبل ، ويتبع به بعد العتق ، لأنّه يسقط حقّ سيّده بإقراره ، ولأنّه متّهمٌ في أنّه يقرّ لرجلٍ ليعفو عنه ويستحقّ أخذه ، فيتخلّص به من سيّده . واختار أبو الخطّاب أنّه يصحّ إقراره به ، لأنّه أحد فرعي القصاص ، فيصحّ إقراره بما دون النّفس .
الجناية على جنين أمّ الولد من سيّدها :
16 - تقدّم أنّ حمل أمّ الولد من سيّدها حرٌّ ، فلو ضربها أحدٌ فألقت جنينها ففيه دية جنين الحرّة ، انظر مصطلح ( إجهاضٌ ) .
الجناية عليها :
17 - إذا قتل المستولدة حرٌّ ، فلا قصاص عليه لعدم المكافأة ، وعليه قيمتها بالغةً ما بلغت ، وإن زادت على دية الحرّة ، وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف .
وقال أبو حنيفة ومحمّدٌ : دية العبد قيمته . فإن بلغت دية الحرّ ، أو بلغت قيمة الأمة قيمة دية الحرّة ينقص كلٌّ من دية العبد أو الأمة عشرة دراهم ، إظهاراً لانحطاط مرتبة الرّقيق عن الحرّ . وتعيين العشرة بأثر ابن مسعودٍ . أمّا إذا قتلها رقيقٌ فيقتل بها لأنّها أكمل منه .
أثر موت المستولدة في حياة سيّدها عليها ، وعلى ولدها من غيره :
18 - إذا ماتت أمّ الولد قبل سيّدها لا يبطل حكم الاستيلاد في الولد الّذين ولدتهم بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها ، بل يعتقون بموت السّيّد .
الوصيّة للمستولدة وإليها :
19 - تصحّ الوصيّة لأمّ الولد ، قال صاحب المغني : لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم القائلين بثبوت حكم الاستيلاد . فقد روي أنّ عمر بن الخطّاب " أوصى لأمّهات أولاده بأربعة آلافٍ ، أربعة آلافٍ لكلّ امرأةٍ منهنّ ولأنّ بي الولد حرّةٌ في حال نفاذ الوصيّة لأنّ عتقها يتنجّز بموته ، فلا تقع الوصيّة لها إلاّ في حال حرّيّتها ، وذلك إذا احتملها الثّلث ، فما زاد يتوقّف على إجازة الورثة ، فإن أجازوه جاز إلاّ ردّ إليهم . وكذلك تجوز الوصيّة إلى المستولدة بعد وفاة سيّدها إذا كانت صالحةً لذلك ، لأنّها بعد عتقها بموت سيّدها كسائر الحرائر ، فتجوز الوصيّة إليها .
أسرٌ *
انظر : أسرى .
إسرارٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإسرار في اللّغة : الإخفاء . ومنه قوله تعالى : { وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثاً } . وأسررت الشّيء : أخفيته .
أمّا في الاصطلاح فيأتي ( الإسرار ) بالمعاني التّالية :
أ - أن يسمع نفسه دون غيره ، وأدناه ما كان بحركة اللّسان ، وهذا المعنى يستعمله الفقهاء في أقوال الصّلاة والأذكار .
ب - أن يسمع غيره على سبيل المناجاة ، مع الكتمان عن الآخرين ، وهذا المعنى يرد في السّرّ وإفشائه ، ويرجع إليه في مصطلح ( إفشاء السّرّ ) .
ج - أن يخفي فعله عمّن سواه ، وهذا المعنى يرد في أداء العبادات كالصّلاة والزّكاة ونحوهما .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - المخافتة :
2 - من معاني المخافتة في اللّغة : خفض الصّوت . أمّا في الاصطلاح فقد اختلفوا في حدّ وجود القراءة على ثلاثة أقوالٍ :
فشرط الهندوانيّ والفضليّ من الحنفيّة لوجودها خروج صوتٍ يصل إلى أذنه ، وبه قال الشّافعيّ . وشرط الإمام أحمد وبشرٌ المريسيّ خروج الصّوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه ، لكن بشرط كونه مسموعاً في الجملة ، حتّى لو أدنى أحدٌ صماخه إلى فيه يسمع ، ولم يشترط الكرخيّ وأبو بكرٍ البلخيّ السّماع ، واكتفيا بتصحيح الحروف .
واختار شيخ الإسلام قاضي خان وصاحب المحيط والحلوانيّ قول الهندوانيّ ، كما في معراج الدّراية . فظهر بهذا أنّ أدنى المخافتة إسماع نفسه ، أو من بقربه من رجلٍ أو رجلين مثلاً ، وأعلاها مجرّد تصحيح الحروف ، كما هو مذهب الكرخيّ ، وأدنى الجهر إسماع غيره ممّن ليس بقربه ، كأهل الصّفّ الأوّل ، وأعلاه لا حدّ له .
ب - الجهر :
3 - من معاني الجهر في اللّغة : رفع الصّوت . يقال : جهر بالقول رفع به صوته .
وفي الاصطلاح : أن يسمع غيره ممّن يليه ، وأعلاه لا حدّ له ، فالجهر مباينٌ للإسرار .
ج - الكتمان :
4 - من معانيه في اللّغة : أنّه خلاف الإعلان . وهو في الاصطلاح : السّكوت عن البيان . قال تعالى { إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون ، إلاّ الّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا ، فأولئك أتوب عليهم وأنا التّوّاب الرّحيم } .
د - الإخفاء :
5 - الإحفاء بمعنى الإسرار لغةً واصطلاحاً ، إلاّ أنّ استعمال الإخفاء يغلب في الأفعال ، أمّا الإسرار فيغلب في الأقوال . وينظر مصطلح ( اختفاءٌ ) .
صفة الإسرار : حكمه التّكليفيّ :
أوّلاً - الإسرار بمعنى إسماع نفسه فقط :
الإسرار في العبادات :
6 - الصّلوات السّرّيّة : المراد بها الّتي لا جهر فيها ، وهي الظّهر والعصر في الفرائص والنّوافل ، وصلاة التّطوّع في النّهار . والإسرار فيها مستحبٌّ عند الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في قولٍ لهم ، وفي آخر مندوبٌ ، وواجبٌ عند الحنفيّة . وإنّما كانت سرّيّةً ، لأنّها صلاة نهارٍ ، وصلاة النّهار عجماء كما ورد في الخبر ، أي ليست فيها قراءةٌ مسموعةٌ ، وذلك بالنّسبة لكلّ مصلٍّ ، سواءٌ أكان إماماً أم منفرداً أم مأموماً عند غير الحنفيّة ، فإنّ المأموم عندهم لا قراءة عليه .
الإسرار في أقوال الصّلاة :
أ - تكبيرة الإحرام :
7 - يستحبّ للإمام أن يجهر بالتّكبير بحيث يسمع المأمومين ليكبّروا ، فإنّهم لا يجوز لهم التّكبير إلاّ بعد تكبيره . فإن لم يمكنه إسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم ، أو ليسمع من لا يسمع الإمام ، لما روى جابرٌ قال « صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ خلفه ، فإذا كبّر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كبّر أبو بكرٍ ليسمعنا » متّفقٌ عليه .
ب - دعاء الاستفتاح :
8 - وهو ما تستفتح به الصّلاة من الأدعية المأثورة لذلك ، نحو « سبحانك اللّهمّ وبحمدك ... » أو « وجّهت وجهي ... » وهو سنّةٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، خلافاً للمالكيّة فإنّهم لا يقولون به . والسّنّة عند من يقول بمشروعيّته أن يأتي به سرّاً ، ويكره الجهر به ولا تبطل الصّلاة . انظر ( استفتاحٌ ) .
ت - التّعوّذ :
9 - والقول في الإسرار به كالقول في الاستفتاح سواءٌ .
ث - البسملة لغير المؤتمّ في أوّل كلّ ركعةٍ :
10 - وهي سنّةٌ عند الحنفيّة والحنابلة ، واجبةٌ عند الشّافعيّة في الصّلاة ، ولا يقول بها المالكيّة في الفرض لكراهيتها في المشهور ، وأجازوها في النّافلة من غير كراهةٍ ، فيسنّ الإسرار بها عند الحنفيّة والحنابلة ، أمّا عند الشّافعيّة فهي تابعةٌ لكيفيّة القراءة من جهرٍ أو إسرارٍ ، وتفصيله في مصطلح ( بسملةٌ ) .
ج – قراءة الفاتحة :
11 – وتقرأ سرّاً في الصّلاة السّرّيّة ، للإمام والمنفرد ، وفي الرّكعتين الثّالثة والرّابعة من الصّلاة الجهريّة للإمام والمنفرد ، أمّا قراءة المأموم لها عند من قال بذلك فهي كلّها سرّيّةٌ . أمّا المنفرد في الصّلاة الجهريّة ، فهو مخيّرٌ بين الجهر والإسرار عند الحنفيّة والحنابلة ، ويستحبّ له الجهر عند الشّافعيّة .
ويسرّ في النّوافل النّهاريّة وجوباً عند الحنفيّة ، واستحباباً عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويسرّ في قضاء الصّلاة السّرّيّة إذا قضاها ليلاً ، وصرّح ابن قدامة بأنّه لا يعلم فيه خلافاً . وإذا قضى الصّلاة الجهريّة نهاراً وكان إماماً جهر وجوباً عند الحنفيّة والمالكيّة ، وأسرّ عند الشّافعيّة ، وللحنابلة قولان . ويجهر بالقراءة في الجمعة والعيدين والاستسقاء .
ح - تأمين الإمام والمأموم والمنفرد :
12 - يقولونه سرّاً عند الحنفيّة والمالكيّة ، وجهراً عند الشّافعيّة والحنابلة .
واستدلّ القائلون بالإسرار بأنّه دعاءٌ ، والأصل في الأدعية الإسرار ، كالتّشهّد .
واستدلّ من قال بالجهر « بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : آمين ورفع بها صوته » ، « ولأنّه صلى الله عليه وسلم أمر بالتّأمين عند تأمين الإمام »، فلو لم يجهر بها لم يعلّق عليه كحالة الإخفاء .
خ - تسبيح الرّكوع :
13 - الإسرار بالتّسبيح سنّةٌ اتّفاقاً .
د - التّسميع والتّحميد حال رفع الرّأس من الرّكوع للقيام :
14 - يسمّع الإمام جهراً ، ويحمد الجميع سرّاً .
ذ - التّسبيح في السّجدتين :
15 - يقوله المصلّي سرّاً ، إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً . وكذلك الأذكار بين السّجدتين ، والتّشهّد الأوّل والأخير ، والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، والأدعية في آخر الصّلاة . أمّا التّسليم فيجهر به الإمام دون المأموم أو المنفرد .
الإسرار بالاستعاذة والبسملة خارج الصّلاة :
16 - للفقهاء والقرّاء في الجهر بالاستعاذة أو الإسرار بها آراءٌ :
أ - استحباب الجهر بها ، وهو قول الشّافعيّة ، وروايةٌ عن أحمد ، والمختار عند أئمّة القرّاء .
ب - لم يخالف في ذلك إلاّ حمزة ومن وافقه .
ج - التّخيير بين الجهر والإسرار ، وهو الصّحيح عند الحنفيّة ، وقولٌ للحنابلة .
د - الإخفاء مطلقاً ، وهو قولٌ للحنفيّة ، وروايةٌ عند الحنابلة ، وروايةٌ عن حمزة .
هـ – الجهر بالتّعوّذ في أوّل الفاتحة فقط ، والإخفاء في سائر القرآن ، وهو روايةٌ ثانيةٌ عن حمزة . وحكم البسملة في ذلك تابعٌ لحكم الاستعاذة ، إلاّ ما روي عن نافعٍ أنّه كان يخفي الاستعاذة ويجهر بالبسملة عند افتتاح السّور ورءوس الآيات في جميع القرآن .
هذا بالنّسبة للرّجل ، أمّا المرأة فجهرها إسماع نفسها فقط ، والجهر في حقّها كالإسرار ، فيكون أعلى جهرها وأدناه واحداً ، وعلى هذا فيستوي في حقّها السّرّ والجهر ، لأنّ صوتها كالعورة ، وربّما كان سماعه فتنةً ، بل جهرها مرتبةٌ واحدةٌ ، وهو أن تسمع نفسها فقط ، وليس هذا إسراراً منها ، بل إسرارها مرتبةٌ أخرى ، وهو أن تحرّك لسانها دون إسماع نفسها ، فليس لإسرارها أعلى وأدنى ، كما أنّ جهرها كذلك .
وانظر للتّفصيل مصطلحي ( استعاذةٌ ) ( وبسملةٌ ) .
ثانياً: الإسرار في الأفعال :
الزّكاة :
17 - قال أبو بكر بن العربيّ : لا خلاف في أنّ إظهار صدقة الفرض أفضل ، كصلاة الفرض وسائر فرائض الشّريعة ، لأنّ المرء يحرز بها إسلامه ويعصم ماله . وقال الحنفيّة والمالكيّة : إنّه لا يشترط علم الفقير أنّ ما أعطي له زكاةٌ على الأصحّ ، لما في ذلك من كسر قلبه ، ولذا فإنّ الإسرار في إعطائها إليه أفضل من إعلانه بها . وقال الشّافعيّة : إنّ الأفضل فيها إظهار إخراجها ليراه غيره فيعمل عمله ، ولئلاّ يساء الظّنّ به . واستحبّ الحنابلة إظهار إخراجها ، سواءٌ أكان الإخراج بموضعٍ يخرج أهله الزّكاة أم لا ، وسواءٌ أنفي عنه ظنّ السّوء بإظهار إخراجها أم لا ، لما فيه من نفي الرّيبة عنه ، ولعلّه يقتدى به ، ومن علم أهليّته أخذ الزّكاة - ولو بغلبة الظّنّ - كره أن يعلمه أنّها زكاةٌ ، ومع عدم عادة الآخذ بأخذ الزّكاة لا يجزئ دفعها إليه إلاّ أن يعلمه أنّها زكاةٌ ، لأنّه لا يقبل زكاةً ظاهراً .
صدقات التّطوّع :
18 - قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إنّ الإسرار بها أفضل من الجهر ، ولذا يسنّ لمعطيها أن يسرّ بها ، لقوله تعالى { إن تبدوا الصّدقات فنعمّا هي ، وإن تحفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ويكفّر عنكم من سيّئاتكم واللّه بما تعملون خبيرٌ } . ولما روي عن أبي هريرة مرفوعاً « سبعةٌ يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه وذكر منهم رجلاً تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله » . ولما روي أنّ رسول قال : « صنائع المعروف تقي مصارع السّوء ، وصدقة السّرّ تطفئ غضب الرّبّ ، وصلة الرّحم تزيد في العمر » ولأنّ إعطاءها على هذا النّحو يراد به اللّه عزّ وجلّ وحده ، وقد قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما " جعل اللّه صدقة السّرّ في التّطوّع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً .
قيام اللّيل :
19 - ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ المتنفّل ليلاً يخيّر بين الجهر بالقراءة والإسرار بها ، إلاّ أنّه إن كان الجهر أنشط له في القراءة ، أو كان بحضرته من يستمع قراءته ، أو ينتفع بها فالجهر أفضل ، وإن كان قريباً منه من يتهجّد ، أو من يتضرّر برفع صوته فالإسرار أولى ، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا فليفعل ما شاء . « قال عبد اللّه بن أبي قيسٍ : سألت عائشة كيف كانت قراءة رسول اللّه ؟ فقالت : كلّ ذلك كان يفعل . ربّما أسرّ ، وربّما جهر » . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : « كانت قراءة النّبيّ صلى الله عليه وسلم باللّيل يرفع طوراً ، يخفض طوراً » وقال المالكيّة : إنّ المستحبّ في نوافل اللّيل الإجهار ، وهو أفضل من الإسرار ، لأنّ صلاة اللّيل تقع في الأوقات المظلمة فينبّه القارئ بجهره المارّة ، وللأمن من لغو الكافر عند سماع القرآن ، لاشتغاله غالباً في اللّيل بالنّوم أو غيره ، بخلاف النّهار . وقال الشّافعيّة : إنّه يسنّ في نوافل اللّيل المطلقة التّوسّط بين الجهر والإسرار إن لم يشوّش على نائمٍ أو مصلٍّ أو نحوه ، إلاّ التّراويح فيجهر بها . والمراد بالتّوسّط أن يزيد على أدنى ما يسمع نفسه من غير أن تبلغ تلك الزّيادة سماع من يليه ، والّذي ينبغي فيه ما قاله بعضهم : إنّه يجهر تارةً ، ويسرّ أخرى .
الأدعية والأذكار في غير الصّلاة :
20 - قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إنّ الإسرار بالأدعية والأذكار من حيث الجملة أفضل من الجهر بها ، فالإسرار بها سنّةٌ عند الحنفيّة والحنابلة ، ومندوبٌ عند الشّافعيّة . لقوله تعالى : { ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً } أي سرّاً في النّفس ، ليبعد عن الرّياء ، وبذلك أثنى اللّه تعالى على نبيّه زكريّا عليه السلام ، إذ قال مخبراً عنه : { إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً } ، ولأنّه أقرب إلى الإخلاص ، وقد ورد « خير الذّكر الخفيّ » .
أمّا في عرفة فرفع الصّوت بذلك وبالتّلبية أفضل من الإسرار به ، إذ رفع الصّوت بالتّلبية والدّعاء بعرفة سنّةٌ عند الحنفيّة والحنابلة ، ومندوبٌ عند الشّافعيّة ، بحيث لا يجهد نفسه ، ولا يفرط في الجهر بالدّعاء بها ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « جاءني جبريل عليه السلام فقال : يا محمّد ، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتّلبية ، فإنّها من شعار الحجّ » وقال : « أفضل الحجّ العجّ والثّجّ » فالعجّ : رفعه الصّوت بالتّلبية ، والثّجّ : إسالة دماء الهدي . هذا ، وإنّ لبعض الأذكار صفةً خاصّةً من الجهر أو الإسرار ، كالتّلبية ، والإقامة ، وأذكار ما بعد الصّلاة ، والتّسمية على الذّبيحة ، والأذكار من المرأة ، وتنظر في مواضعها الخاصّة .
الإسرار باليمين :
21 - الإسرار باليمين - إذا أسمع نفسه - كالجهر بها . والإسرار بالاستثناء كالإسرار باليمين متى توافرت عناصره ، وكان الاستثناء متّصلاً بالمستثنى منه ، إلاّ لعارضٍ كسعالٍ أو عطاسٍ أو انقطاع نفسٍ . وتفصيل ذلك يرجع إليه في ( استثناءٌ ) ( وأيمانٌ ) .
الإسرار بالطّلاق :
22 - الإسرار في الطّلاق بإسماع نفسه كالجهر به ، فمتى طلّق امرأته إسراراً بلفظ الطّلاق ، صريحاً كان أو كنايةً مستوفيةً شرائطها على الوجه المذكور ، فإنّ طلاقه يقع ، وتترتّب عليه آثاره ، ومتى لم تتوافر شرائطه فإنّ الطّلاق لا يقع ، كما لو أجراه على قلبه دون أن يتلفّظ به إسماعاً لنفسه أو بحركة لسانه . هذا ، وقد قال المالكيّة في لزومه بكلامه النّفسيّ ، كأن يقول بقلبة أنت طالقٌ : أنّ فيه خلافاً ، والمعتمد عندهم عدم اللّزوم .
والكلام في الاستثناء في الطّلاق كالكلام في الطّلاق .
إسرافٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإسراف في اللّغة : مجاوزة القصد ، يقال : أسرف في ماله أي أنفق من غير اعتدالٍ ، ووضع المال في غير موضعه . وأسرف في الكلام ، وفي القتل : أفرط . وأمّا السّرف الّذي نهى اللّه تعالى عنه فهو ما أنفق في غير طاعة اللّه ، قليلاً كان أو كثيراً .
أمّا في الاصطلاح الشّرعيّ ، فقد ذكر القليوبيّ للإسراف المعنى اللّغويّ نفسه ، وهو : مجاوزة الحدّ . وخصّ بعضهم استعمال الإسراف بالنّفقة والأكل . يقول الجرجانيّ في التّعريفات : الإسراف تجاوز الحدّ في النّفقة . وقيل : أن يأكل الرّجل ما لا يحلّ له ، أو يأكل ما يحلّ له فوق الاعتدال ومقدار الحاجة .
وقيل : الإسراف تجاوز الكميّة ، فهو جهلٌ بمقادير الحقوق . والسّرف : مجاوزة الحدّ بفعل الكبائر ، ومنه قوله تعالى : { ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّقتير :
2 - وهو يقابل الإسراف ، ومعناه : التّقصير ، قال اللّه تعالى : { والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وكان بين ذلك قواماً }
ب - التّبذير :
3 - التّبذير : هو تفريق المال في غير قصدٍ ، ومنه البذر في الزّراعة .
وقيل : هو إفساد المال وإنفاقه في السّرف . قال تعالى : { ولا تبذّر تبذيراً } وخصّه بعضهم بإنفاق المال في المعاصي ، وتفريقه في غير حقٍّ . ويعرّفه بعض الفقهاء بأنّه : عدم إحسان التّصرّف في المال ، وصرفه فيما لا ينبغي ، فصرف المال إلى وجوه البرّ ليس بتبذيرٍ ، وصرفه في الأطعمة النّفيسة الّتي لا تليق بحاله تبذيرٌ . وعلى هذا فالتّبذير أخصّ من الإسراف ، لأنّ التّبذير يستعمل في إنفاق المال في السّرف أو المعاصي أو في غير حقٍّ ، والإسراف أعمّ من ذلك ، لأنّه مجاوزٌ الحدّ ، سواءٌ أكان في الأموال أم في غيرها ، كما يستعمل الإسراف في الإفراط في الكلام أو القتل وغيرهما . وقد فرّق ابن عابدين بين الإسراف والتّبذير من جهةٍ أخرى ، فقال : التّبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف ، والتّحقيق أنّ بينهما فرقاً ، وهو أنّ الإسراف : صرف الشّيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي ، والتّبذير : صرف الشّيء فيما لا ينبغي . ومثله ما جاء في نهاية المحتاج نقلاً عن الماورديّ ، التّبذير : الجهل بمواقع الحقوق ، والسّرف : الجهل بمقادير الحقوق .