عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 05-06-2012, 01:04 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أ - كيفيّة استيفاء القصاص في النّفس :
14 - قال الحنفيّة ، وهو روايةٌ عن الحنابلة : إنّ القصاص لا يستوفى إلاّ بالسّيف ، لقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « لا قود إلاّ بالسّيف » . والقود هو القصاص ، فكان هذا نفي استيفاء القصاص بغير السّيف . وإن أراد الوليّ أن يقتل بغير السّيف لا يمكّن للحديث ، ولو فعل يعزّر ، لكن لا ضمان عليه ، لأنّ القتل حقّه ، فإذا قتله فقد استوفى حقّه بأيّ طريقٍ كان ، إلاّ أنّه يأثم بالاستيفاء بطريقٍ غير مشروعٍ ، لمجاوزته حدّ الشّرع .
وعند المالكيّة والشّافعيّة - وهو إحدى روايتين للحنابلة - أنّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به ، ودليله : حديث « اليهوديّ الّذي رضّ رأس مسلمةٍ بين حجرين ، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرضّ رأسه كذلك » . وهذا إن ثبت القتل ببيّنةٍ أو اعترافٍ .
فإن ثبت بقسامةٍ قتل بالسّيف ، إلاّ أن يقع القتل بما هو محرّمٌ .
ب - تأخير استيفاء القصاص :
15 - إذا كان وليّ الدّم واحداً أو أكثر ، وكانوا جميعاً عقلاء بالغين حاضرين ، وطلبوا الاستيفاء أجيبوا . أمّا إذا كان وليّ الدّم واحداً صغيراً أو مجنوناً ، فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة - وهو قولٌ للحنفيّة - إلى أنّه ينتظر البلوغ أو الإفاقة ، لاحتمال العفو آنئذٍ . وذهب المالكيّة إلى أنّه لا ينتظر ، بل الاستيفاء لوليّ الصّغير ، والقيّم على المجنون . والقول الآخر للحنفيّة أنّ الّذي يستوفي القصاص في هذه الحال هو القاضي .
وللحنفيّة قولٌ ثالثٌ بأنّ الوليّ إذا كان أباً أو جدّاً يستوفي القصاص عن الصّغير ، وليس ذلك للوصيّ .
أمّا إذا تعدّد أولياء الدّم وكان فيهم كبارٌ وصغارٌ ، فقد ذهب الشّافعيّة وأبو يوسف - وهو روايةٌ عن أحمد - إلى أنّه ينتظر بلوغ الصّغير . وذهب المالكيّة وأبو حنيفة - وهو الرّواية الثّانية عن أحمد - إلى أنّه يستوفيه الكبار . أمّا إن كان بعض الأولياء غائبين فإنّ انتظارهم واجبٌ عند أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد ، وفصّل المالكيّة فقالوا : ينتظر الغائب إن كانت غيبته قريبةً دون الغائب غيبةً بعيدةً ، وكذلك المجنون جنوناً غير مطبقٍ فإنّه ينتظر .
ج - وقت استيفاء القصاص فيما دون النّفس :
16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يقام القصاص فيما دون النّفس قبل برء المجروح ، لحديث : « لا يستقاد من الجراحة حتّى يبرأ » . والشّافعيّة قالوا : إنّه يقتصّ من الجاني على الفور . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( قصاصٌ ) .
ثانياً : استيفاء حقوق العباد الماليّة :
أ - استيفاء الحقّ من مال الغير بصفةٍ عامّةٍ :
17 - قال ابن قدامة : إذا كان لرجلٍ على غيره حقٌّ ، وهو مقرٌّ به باذلٌ له ، لم يكن له أن يأخذ من ماله إلاّ ما يدليه بلا خلافٍ بين أهل العلم ، فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه لزمه ردّه إليه ، وإن كان قدر حقّه ، لأنّه لا يجوز له أن يملك عليه عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورةٍ ، وإن كانت من جنس حقّه ، لأنّه قد يكون للإنسان غرضٌ في العين ، فإن أتلفه أو تلفت فصارت ديناً في ذمّته ، وكان الثّابت في ذمّته من جنس حقّه تقاصّا في قياس المذهب . والمشهور من مذهب الشّافعيّ ، وإن كان المدين مانعاً لأداء الدّين لأمرٍ يبيح المنع كالتّأجيل والإعسار لم يجز أخذ شيءٍ من ماله بغير خلافٍ ، وإن أخذ شيئاً لزمه ردّه إن كان باقياً ، أو عوّضه إن كان تالفاً ، ولا يحصل التّقاصّ هاهنا ، لأنّ الدّين الّذي له لا يستحقّ أخذه في الحال بخلاف ما ذكر قبل .
وإن كان مانعاً له بغير حقٍّ ، وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السّلطان لم يجز له الأخذ أيضاً بغير السّلطان أو الحاكم ، لأنّه قدر على استيفاء حقّه بمن يقوم مقامه ، فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله . وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحداً له ، ولا بيّنة له به ، أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك ، أو نحو هذا ، فالمشهور في المذهب أنّه ليس له أخذ قدر حقّه ، وهو إحدى الرّوايتين عن مالكٍ .
قال ابن عقيلٍ : وقد جعل أصحابنا المحدّثون لجواز الأخذ وجهاً في المذهب ، أخذاً من حديث هندٍ حين قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » . قال أبو الخطّاب : ويتخرّج لنا جواز الأخذ ، فإن كان المقدور عليه من جنس حقّه أخذ بقدره ، وإن كان من غير جنسه تحرّى واجتهد في تقويمه ، مأخوذٌ من حديث هندٍ ، ومن قول أحمد في المرتهن " يركب ويحلب بقدر ما ينفق " . والمرأة تأخذ مئونتها وبائع السّلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضاً . واحتجّ من أجاز الأخذ بحديث هندٍ السّابق .
وقال الشّافعيّ : إن لم يقدر على استخلاص حقّه بعينه فله أخذ قدر حقّه من جنسه ، أو من غير جنسه ، إن لم يخف الفتنة . وإن كانت له بيّنةٌ وقدر على استخلاص حقّه فالمذهب عند الشّافعيّة : أنّ له أخذ جنس حقّه من ماله ، وكذا غير جنسه للضّرورة .
وفي قولٍ آخر : المنع ، لأنّه لا يتمكّن من تملّكه ، وما كان كذلك لا بدّ فيه من التّراضي .
18 - هذا ، وانفرد الشّافعيّة على المذهب أيضاً بأنّ لصاحب الحقّ أخذ حقّه استقلالاً ، ولو كان على مقرٍّ ممتنعٍ ، أو على منكرٍ ولصاحب الحقّ عليه بيّنةٌ ، لأنّ في الرّفع إلى القضاء مئونةً ومشقّةً وتضييع زمانٍ . والقول الآخر عندهم : يجب الرّفع إلى القاضي ، لإمكان حصوله على حقّه مع وجود الإقرار أو البيّنة .
والرّواية الأخرى من مذهب مالكٍ : أنّه إن لم يكن لغيره عليه دينٌ فله أن يأخذ بقدر حقّه ، وإن كان عليه دينٌ لم يجز ، لأنّهما يتحاصّان في ماله إذا أفلس . وقال أبو حنيفة : له أن يأخذ بقدر حقّه إن كان نقداً أو من جنس حقّه ، وإن كان المال عرضاً لم يجز ، لأنّ أخذ العوض عن حقّه اعتياضٌ ، ولا تجوز المعاوضة إلاّ بالتّراضي ، لكنّ المفتى به عند الحنفيّة جواز الأخذ من خلاف الجنس . واحتجّ المانعون من الحنابلة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » ، ومن أخذ منه قدر حقّه من ماله بغير علمه فقد خانه ، فيدخل في عموم الخبر . وقال صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ عن طيب نفسٍ منه » . ولأنّه إن أخذ من غير جنس حقّه ، كان معاوضةً بغير تراضٍ ، وإن أخذ من جنس حقّه ، فليس له تعيين الحقّ بغير رضا صاحبه فإنّ التّعيين إليه ، ألا ترى أنّه لا يجوز له أن يقول : اقض حقّي من هذا الكيس دون هذا ، ولأنّ كلّ ما لا يجوز له تملّكه إذا لم يكن له دينٌ لا يجوز له أخذه إذا كان له دينٌ ، كما لو كان باذلاً له . لكنّ المانعين استثنوا النّفقة ، لأنّها تراد لإحياء النّفس وإبقاء المهجة ، وهذا ممّا لا يصبر عنه ، ولا سبيل إلى تركه ، فجاز أخذ ما تندفع به الحاجة ، بخلاف الدّين ، ولذلك لو صارت النّفقة ماضيةً لم يكن لها أخذها ، ولو وجب لها عليه دينٌ آخر غير النّفقة لم يكن لها أخذه . وتفصيل ذلك في مصطلح ( نفقةٌ ) .
ب - استيفاء المرتهن قيمة الرّهن من المرهون :
19 - حقّ المرتهن في الرّهن أن يمسكه حتّى يؤدّي الرّاهن ما عليه ، فإن لم يأت به عند حلول الأجل كان له أن يرفعه إلى القاضي فيبيع عليه الرّهن ، وينصفه منه ، إن لم يجبه الرّاهن إلى البيع . وكذلك إن كان غائباً ، خلافاً للحنفيّة . وإن وكّل الرّاهن المرتهن على بيع الرّهن عند حلول الأجل جاز ، وكرهه الإمام مالكٌ ، إلاّ أن يرفع الأمر إلى القاضي .
والرّهن عند الجمهور يتعلّق بجملة الحقّ المرهون فيه وببعضه . على معنى أنّ الرّاهن لو أدّى بعض الدّين وبقي بعضه ، فإنّ الرّهن جميعه يبقى بيد المرتهن حتّى يستوفي كلّ حقّه . وقال بعض الفقهاء : بل يبقى من الرّهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحقّ .
وحجّة الجمهور أنّه محبوسٌ بحقٍّ ، فوجب أن يكون محبوساً بكلّ جزءٍ منه ، أصله حبس التّركة عن الورثة حتّى يؤدّوا الدّين الّذي على الميّت . وحجّة الفريق الثّاني أنّ جميعه محبوسٌ بجميعه ، فوجب أن تكون أبعاضه محبوسةً بأبعاضه ، أصله الكفالة .
والمرتهن أحقّ بثمن الرّهن من جميع الغرماء ، حتّى يستوفي حقّه ، حيّاً كان الرّاهن أو ميّتاً ، فإذا ضاق مال الرّاهن عن ديونه وطالب الغرماء بديونهم ، أو حجر عليه لفلسه ، وأريد قسمة ماله بين غرمائه ، فإنّ من له رهنٌ يختصّ بثمنه عن سائر الغرماء ، لأنّ حقّه متعلّقٌ بعين الرّهن وذمّة الرّاهن معاً ، وباقي الغرماء يتعلّق حقّهم بذمّة الرّاهن دون عين الرّهن ، فكان حقّ المرتهن أقوى ، وهذا من أكثر فوائد الرّهن ، وهو تقديمه بحقّه عند تزاحم الغرماء ، وليس في هذا خلافٌ بين المذاهب ، فيباع الرّهن ، فإن كان ثمنه قدر الدّين أخذه المرتهن ، وإن كان فيه زيادةٌ عن دينه ردّ الباقي على الغرماء ، وإن فضل من دينه شيءٌ أخذ ثمنه وشارك الغرماء ببقيّة دينه . وللتّفصيل يرجع إلى باب الرّهن .
ج - حبس المبيع لاستيفاء الثّمن :
20 - المنصوص عليه عند المالكيّة والحنفيّة - وهو قول الحنابلة اختاره ابن قدامة - أنّه إن كان الثّمن ديناً فللبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري حتّى يقضي الثّمن ، ويجبر المشتري على تسليم الثّمن قبل الاستيفاء كالمرتهن . واستدلّوا بأنّه لمّا كان الثّمن غير معيّنٍ وجب دفعه أوّلاً ليتعيّن . وفي رأيٍ للشّافعيّة والحنابلة أنّه إن قال البائع : لا أسلّم المبيع حتّى أقبض الثّمن ، وقال المشتري : لا أسلّمه حتّى أقبض المبيع ، وكان الثّمن عيناً أو عرضاً ، جعل بينهما عدلٌ يقبض منهما ، ويسلّم إليهما . مستدلّين على ذلك بأنّ حقّ البائع قد تعلّق بعين الثّمن ، كما تعلّق حقّ المشتري بعين المبيع فاستويا ، وقد وجب لكلّ واحدٍ منهما على الآخر حقٌّ قد استحقّ قبضه ، فأجبر كلّ واحدٍ منهما على إيفاء صاحبه حقّه ، وهذا قول الثّوريّ . وفي قولٍ للإمام أحمد ، وهو قولٌ ثانٍ للإمام الشّافعيّ : أنّه يجب تسليم المبيع أوّلاً ، ويجبر على ذلك البائع ، لأنّ تسليم المبيع يتعلّق به استقرار البيع وتمامه ، فكان تقديمه أولى ، وإن كان ديناً أجبر البائع على تسليم المبيع ، ثمّ أجبر المشتري على تسليم الثّمن ، لأنّ حقّ المشتري تعلّق بعين المبيع ، وحقّ البائع تعلّق بالذّمّة ، وتقديم ما تعلّق بالعين أولى لتأكّده ، وهذا إن كان الثّمن غير مؤجّلٍ .
د - الاستيفاء في الإجارة :
1 - استيفاء المنفعة :
21 - المنفعة تختلف في كلّ عقدٍ بحسب المعقود عليه ، واستيفاؤها يكون بتمكين المؤجّر للمستأجر من محلّ العقد . ويكون الاستيفاء في الأجير الخاصّ ( ويسمّى أجير الوحد ) بتسليم نفسه مع استعداده للعمل . واستيفاء الإجارة على عملٍ في عينٍ - كخياطة ثوبٍ مثلاً - يكون بتسليم العين مصنوعةً حسب الاتّفاق .
2 - استيفاء الأجرة :
22 - استيفاء الأجرة يكون بأحد أمورٍ : إمّا بتعجيل الأجرة من غير شرطٍ ، وإمّا باستيفاء المنفعة فعلاً ، أو التّمكّن منها ، وإمّا باشتراط تعجيلها ، أو التّعارف على التّعجيل كما صرّح به المالكيّة . وفي المسألة خلافٌ وتفصيلٌ يرجع إليه في مصطلح ( إجارةٌ ) .
هـ - استيفاء المستعير منفعة ما استعاره :
23 - أورد صاحب المغني أحكام استيفاء المنفعة في الإعارة فقال : وإن استعار شيئاً فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله ، لأنّ وكيله نائبٌ عنه ، ويده كيده ، وليس له أن يؤجّره ، لأنّه لم يملك المنافع ، فلا يصحّ أن يملكها ، ولا نعلم في هذا خلافاً ، ولا خلاف بينهم أنّ المستعير لا يملك العين ، وأجمعوا على أنّ للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه ، أمّا إعارته لغيره ففيه خلافٌ وتفصيلٌ موطنه مصطلح ( إعارةٌ ) .
و - النّيابة في الاستيفاء :
1 - استخلاف الإمام غيره في إقامة الحدود :
24 - أجمع فقهاء المذاهب على أنّ للإمام أن يستخلف غيره على إقامة الحدود ، لأنّه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه ، لأنّ أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام ، ولا يمكنه الذّهاب إليها ، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرجٌ عظيمٌ ، فلو لم يجز الاستخلاف لتعطّلت الحدود وهذا لا يجوز ، ولهذا « كان عليه الصلاة والسلام يجعل إلى أمرائه تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود » . والاستخلاف نوعان : تنصيصٌ ، وتوليةٌ .
أمّا التّنصيص : فهو أن ينصّ على إقامة الحدود ، فيجوز للنّائب إقامتها بلا شكٍّ .
والتّولية على نوعين : خاصّةٌ ، وعامّةٌ .
فالعامّة : هي أن يولّي الإمام رجلاً ولايةً عامّةً ، مثل إمارة إقليمٍ أو بلدٍ عظيمٍ ، فيملك المولّى إقامة الحدود وإن لم ينصّ عليها ، لأنّه لمّا قلّده إمارة ذلك البلد فقد فوّض إليه القيام بمصالح المسلمين ، وإقامة الحدود من أعظم مصالحهم ، فيملكها .
والخاصّة : هي أن يولّي رجلاً ولايةً خاصّةً ، مثل جباية الخراج ونحو ذلك ، فلا يملك إقامة الحدود ، لأنّ هذه التّولية لم تتناول إقامة الحدود ، ولو استعمل أميراً على الجيش الكبير ، فإن كان أمير مصرٍ أو مدينةٍ فغزا بجنده ، فإنّه يملك إقامة الحدود في معسكره ، لأنّه كان يملك الإقامة في بلده ، فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك فيهم قبل الخروج ، وأمّا من أخرجه أمير البلد غازياً فمن كان يملك إقامة الحدود عليهم قبل خروجه وبعده لم يفوّض إليه الإقامة ، فلا يملك الإقامة .
2 - الوكالة بالاستيفاء :
25 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة إلى أنّ كلّ ما يملك الإنسان من التّصرّفات فله أن يوكّل فيه ، ومن ذلك القود والحدود . وقال الحنفيّة : كلّ ما يملك الإنسان أن يستوفيه من الحقوق بنفسه ، يجوز أن يوكّل فيه إلاّ الحدود والقصاص ، فلا يجوز أن يستوفيها الوكيل في غيبة الموكّل عن مجلس الاستيفاء ، لأنّها تندرئ بالشّبهات . واستدلّ الأئمّة الثّلاثة على جواز التّوكيل في القود والحدود ، بأنّ النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال : « اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها . فاعترفت فرجمت » ولأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك ، لأنّ الإمام لا يمكنه تولّي ذلك بنفسه .
ويجوز التّوكيل في إثباتها . ووافق بعض الحنابلة الحنفيّة على ما قالوه من عدم جواز استيفاء القصاص وحدّ القذف في غيبة الموكّل .

استيلاءٌ *
التّعريف :
1 - من معاني الاستيلاء لغةً : وضع اليد على الشّيء ، والغلبة عليه ، والتّمكّن منه .
وفي اصطلاح الفقهاء : إثبات اليد على المحلّ ، أو الاقتدار على المحلّ حالاً ومآلاً ، أو القهر والغلبة ولو حكماً . وأمّا الفعل المادّيّ الّذي يتحقّق به الاستيلاء فإنّه يختلف تبعاً للأشياء والأشخاص ، أي أنّ مدار الاستيلاء على العرف .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الحيازة :
2 - الحيازة والحوز لغةً : الجمع والضّمّ . وشرعاً : وضع اليد على الشّيء والاستيلاء عليه ، كما قال الدّردير .
ب - الغصب :
3 - الغصب لغةً : أخذ الشّيء قهراً وظلماً . وشرعاً : الاستيلاء على حقّ الغير بلا حقٍّ . فالغصب أخصّ من الاستيلاء ، لأنّ الاستيلاء يكون بحقٍّ وبغير حقٍّ .
ج - وضع اليد :
4 - يستفاد من كلام الفقهاء أنّ وضع اليد هو : الاستيلاء على الشّيء بالحيازة .
قال ابن عابدين : إنّ وضع اليد والتّصرّف من أقوى ما يستدلّ به على الملك ، ولذا تصحّ الشّهادة بأنّه ملكه ، وليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحدٍ إلاّ بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ ، وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ .
د - الغنيمة :
5 - الاغتنام : أخذ الغنيمة ، وهي كما قال أبو عبيدٍ : ما أخذ من أهل العدوّ عنوةً فالاغتنام أخصّ من الاستيلاء .
هـ- الإحراز :
6 – الإحراز لغةً : جعل الشّيء في الحرز ، وهو الموضع الحصين الّذي يحفظ فيه الشّيء . وفي الشّرع : حفظ المال فيما يحفظ فيه عادةً ، كالدّار والخيمة ، أو بالشّخص نفسه .
وبين الإحراز والاستيلاء عمومٌ وخصوصٌ . ولذا كان الإحراز شرطاً لترتّب الملك على الاستيلاء في بعض الصّور ، فينفرد الاستيلاء في مثل استيلاء الكفّار على أموال المسلمين في دار الإسلام ، فليس ذلك إحرازاً .
صفة الاستيلاء : حكمه التّكليفيّ :
7 - يختلف حكم الاستيلاء بحسب الشّيء المستولى عليه ، وتبعاً لكيفيّة الاستيلاء ، فالأصل بالنّسبة للمال المعصوم المملوك للغير أنّ الاستيلاء عليه محرّمٌ ، إلاّ إذا كان مستنداً إلى طريقٍ مشروعٍ . أمّا المال غير المعصوم فإنّه يجوز الاستيلاء عليه وإن كان مملوكاً ، وكذا المال المباح فإنّه يملك بالاستيلاء عليه على ما سيأتي بيانه .
أثر الاستيلاء في الملك والتّملّك :
8 - الاستيلاء يفيد الملك إذا ورد على مالٍ مباحٍ غير مملوكٍ لأحدٍ ، على تفصيلٍ يأتي بيانه ، أو كان في حكم المباح لعدم العصمة ، بأن كان مالاً للحربيّين في دار الحرب . وهذا إمّا أن يكون منقولاً ، أو عقاراً ، ولكلٍّ حكمه الخاصّ .
9 - فإن كان المال الّذي تمّ الاستيلاء عليه من الحربيّين منقولاً أخذ بالقهر والغلبة ، فإنّ الملك لا يتحقّق فيه إلاّ بالقسمة بين الغانمين ، فالملك موقوفٌ عليها . وفي قولٍ عند الشّافعيّة أنّ الملك يثبت بنفس الاستيلاء بدار الحرب بعد الفراغ من القتال ، لزوال ملك الكفّار بالاستيلاء ، ووجود مقتضى التّمليك ، وهو انقضاء القتال ، وفي قولٍ أنّ الملك موقوفٌ ، فإن سلّمت الغنيمة إلى القسمة بأنّ ملكهم على الشّيوع . وبالقسمة - ولو في دار الحرب - ثبت الملك ، ويستقرّ عند جمهور الفقهاء : المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . وبهذا قال الأوزاعيّ وابن المنذر وأبو ثورٍ ، لما روى أبو إسحاق الفزاريّ قال : قلت للأوزاعيّ : هل قسم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شيئاً من الغنائم بالمدينة ؟ قال : لا أعلمه ، إنّما كان النّاس يتّبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوّهم ،« ولم يقفل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن غزاةٍ قطّ ، أصاب فيها غنيمةً إلاّ خمّسه وقسّمه من قبل أن يقفل »، ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء ، فصحّت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام ، لأنّ سبب الملك الاستيلاء التّامّ وقد وجد ، فإنّنا أثبتنا أيدينا عليها حقيقةً ، وقهرناهم ونفيناهم عنها ، والاستيلاء يدلّ على حاجة المستولي فيثبت الملك كالمباحات .
10 - لكنّ الحنفيّة يرون أنّ الملك لا يثبت للغزاة بدار الحرب بالاستيلاء ، ولكن ينعقد سبب الملك فيها ، على أن يصير علّةً عند الإحراز بدار الإسلام ، وعلى هذا فلم يعتبروا قسمة الغنائم في دار الحرب قسمة تمليكٍ ، وإنّما هي قسمة حملٍ ، لأنّ ملك الكفّار قائمٌ ، إذ الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ بإحرازها في دار الإسلام ، وما دام الغزاة في دار الحرب فاسترداد الكفّار ليس بنادرٍ بل هو محتملٌ .
11 - وأمّا إن كان المال المستولى عليه من الكفّار بالقهر والغلبة أرضاً ، فإنّ للفقهاء ثلاثة اتّجاهاتٍ : فالحنفيّة ، والحنابلة في روايةٍ - عليها المذهب عندهم - صرّحوا بأنّ الإمام مخيّرٌ بين أن يقسمها أو يتركها في يد أهلها بالخراج .
وقال المالكيّة في المشهور عندهم : إنّها لا تقسم ، ويرصد خراجها في مصالح المسلمين ، إلاّ أن يرى الإمام في وقتٍ أنّ المصلحة تقتضي القسمة ، والقول بأنّها تصير وقفاً بالاستيلاء ، ويرصد خراجها لصالح المسلمين روايةٌ عند الحنابلة . وقال الشّافعيّة : إنّها تملك للفاتحين كالمنقول . وهو روايةٌ عند الحنابلة ، وبه قال ابن رشدٍ المالكيّ ، وهو قولٌ عند المالكيّة يقابل المشهور ، وقالوا : إنّ الاستيلاء الحكميّ كالحقيقيّ في ترتّب الملك على الاستيلاء .
12 أمّا الأرض الّتي استولى عليها المسلمون بعد جلاء الكفّار عنها خوفاً ، فإنّها تصير بالاستيلاء عليها وقفاً لمصالح المسلمين . وأمّا الأرض الّتي استولى عليها المسلمون صلحاً فإنّها تبقى في أيدي أصحابها ، إذا كان الصّلح على أن تبقى في ملكيّتهم ، ويوضع عليها الخراج . أمّا إذا كان الصّلح على أن يتملّكها المسلمون فإنّها تكون وقفاً لمصالح المسلمين .
13 - وأمّا إذا كان الاستيلاء على مالٍ معصومٍ مملوكٍ للغير بطريقٍ من طرق التّملّك ، فإنّ الاستيلاء وحده لا يكسب ملكيّةً ، وإنّما حدوث التّملّك يكون بالسّبب المشروع الّذي يقتضيه كالشّراء والهبة ، وحقّ الاستيلاء في هذه الحالة يكون أثراً ونتيجةً للتّملّك وليس سبباً له . وأمّا إذا كان الاستيلاء عدواناً ، فإنّه لا يفيد ملكاً .
وبيان ذلك في مصطلحات ( غصبٌ ) ( وسرقةٌ ) .
14 - واستيلاء الحاكم على ما يحتكره التّجّار له أثرٌ في إزالة ملكيّتهم ، إذ للحاكم رفع يد المحتكرين عمّا احتكروه وبيعه للنّاس جبراً ، والثّمن لمالكيه ، على خلافٍ وتفصيلٍ مبيّنٍ في مصطلح ( احتكارٌ ) . ومن ذلك ما قالوه من استيلاء الحاكم على الفائض من الأقوات بالقيمة لإمداد جهةٍ انقطع عنها القوت أو إمداد جنوده ، لأنّ للإمام أن يخرج ذلك إذا كان بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ كما يفهم من حاشية ابن عابدين ، والاستيلاء على عمل الصّانع إذا احتاج النّاس إلى صناعة طائفةٍ كالفلاحة والنّساجة ، ومدار الاستيلاء في الصّورتين على العرف .
استيلاء الكفّار الحربيّين على أموال المسلمين :
15 - اختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة أقوالٍ مشهورةٍ :
1 - إنّ ما استردّه المسلمون من أيدي الحربيّين فهو لأربابه ، بناءً على أنّ الكفّار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها أصلاً ، وممّن قال بهذا الشّافعيّة ، وأبو ثورٍ وأبو الخطّاب من الحنابلة ، واحتجّوا بما رواه عمران بن حصينٍ أنّه « أسرت امرأةٌ من الأنصار ، وأصيبت العضباء ، فكانت المرأة في الوثاق ، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم ، فانفلتت مع نعمها ذات ليلةٍ من الوثاق ، فأتت الإبل ، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه ، حتّى تنتهي إلى العضباء ، فلم ترغ . قال : وناقةٌ منوّقةٌ . فقعدت في عجزها ثمّ زجرتها فانطلقت ، ونذروا بها ، فطلبوها فأعجزتهم . قال : ونذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها ، فلمّا قدمت المدينة رآها النّاس ، فقالوا : العضباء ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إنّها نذرت إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها . فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال : سبحان اللّه ، بئسما جزتها ، نذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ ، ولا فيما لا يملك العبد » وفي رواية ابن حجرٍ « لا نذر في معصية اللّه » .
2- إنّ ما غنمه الكفّار يملكونه بمجرّد الاستيلاء عليه ، سواءٌ أحرزوه بدارهم أو لم يحرزوه ، وهو روايةٌ عن أحمد . ووجهه أنّ القهر سببٌ يملك به المسلم مال الكافر ، فملك به الكافر مال المسلم ، وعلى هذا إذا استردّ المسلمون ذلك كان غنيمةً سواءٌ بعد الإحراز أو قبله .
3- إنّ الكفّار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها شرط إحرازها بدارهم ، وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة وروايةٌ عن أحمد ، ودليله « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة : وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ » ولأنّ العصمة تزول بالإحراز بدار الحرب ، إذ المالك لا يمكنه الانتفاع به إلاّ بعد الدّخول لما فيه من مخاطرةٍ ، إذ الدّار دارهم ، فإذا زال معنى الملك أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورةً ، فباسترداد المسلمين لذلك يكون غنيمةً .
استيلاء الكفّار على بلدٍ إسلاميٍّ :
16 - إذا استولى الكفّار على بلدٍ إسلاميٍّ فهل تصير دار حربٍ أم تبقى كما هي دار إسلامٍ ؟ في هذه المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ، فذهب أبو يوسف ومحمّدٌ إلى أنّ دار الإسلام تصير دار كفرٍ بشرطٍ واحدٍ ، وهو إظهار أحكام الكفر . وتفصيل ذلك في مصطلح ( دار الإسلام ودار الحرب ) .
إسلام الحربيّ بعد استيلائه على مال المسلم :
17 - إذا استولى الحربيّ على مال مسلمٍ بالقهر والغلبة ، وحكم بملكيّته له شرعاً ، ثمّ دخل إلى دار الإسلام مسلماً وهو في يده ، فهو له ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « من أسلم على شيءٍ فهو له » ولأنّ إسلامه يعصم دمه وماله لخبر الصّحيحين أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه ، وحسابه على اللّه » . واستثنى الجمهور من ذلك استيلاءه على الحرّ المسلم فلا يقرّ عليه . قال أبو يوسف : كلّ ملكٍ لا يجوز فيه البيع فإنّ أهل الحرب لا يملكونه إذا أصابوه وأسلموا عليه ، وصرّح المالكيّة بأنّ مثله : الوقف المحقّق ، والمسروق في فترة عهده ، واللّقطة ، والدّين في ذمّته ، الوديعة ، وما استأجره من المسلمين حال كفره فلا يقرّ على شيءٍ من ذلك . وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك .
18 - وإذا استولى الكافر الحربيّ على مال مسلمٍ بطريق السّرقة ، أو الاغتصاب من حربيٍّ آخر ، ثمّ أسلم ودخل دار الإسلام وهو في يده ، فهو له أيضاً عند جمهور الفقهاء ، لأنّه استولى عليه حال كفره فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلمين . وعن أحمد أنّ صاحبه أحقّ به بالقيمة .
الاستيلاء على المال المباح :
19 - المال المباح كلّ ما خلقه اللّه لينتفع به النّاس على وجهٍ معتادٍ ، وليس في حيازة أحدٍ مع إمكان حيازته ، ويكون حيواناً : برّيّاً أو بحريّاً ، ويكون نباتاً : حشائش وأعشاباً وحطباً ، ويكون جماداً : أرضاً مواتاً وركازاً ، كما يكون ماءً وهواءً ، ومن حقّ أيّ إنسانٍ أن يتملّك منه ، ويكون ذلك بالاستيلاء عليه ، ويتحقّق الاستيلاء وتستقرّ الملكيّة إذا كان الاستيلاء بفعلٍ يؤدّي إلى التّمكّن من وضع اليد . روى أبو داود عن أمّ جندبٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلمٌ فهو له » وعن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أحاط حائطاً على أرضٍ فهي له » وفي روايةٍ : « من أحيا أرضاً ميّتةً فهي له » وإذا ثبت هذا بالنّسبة للعقار المباح فهو بالنّسبة للمنقول من المباحات أولى ، لظهور الاستئثار به ظهوراً لا يكون في العقار .
ولا يحدّ من سلطان النّاس في الاستيلاء على المال المباح إلاّ القواعد العامّة لتنظيم الانتفاع ومنع الضّرر .
20 - ولكلّ نوعٍ من الأموال المباحة طريقٌ للاستيلاء عليه ، فالاستيلاء على الماء المباح والرّكاز يكون بالحوز والكشف ، والاستيلاء على الكلأ والعشب يكون بالحشّ ، والاستيلاء على حيوان البرّ والبحر يكون بالاصطياد ، والاستيلاء على الأرض الموات يكون بالإحياء ، وبإقطاع التّمليك .
تنوّع الاستيلاء :
21 - الاستيلاء يكون حقيقيّاً بوضع اليد على الشّيء المباح فعلاً ، وهذا لا يحتاج إلى نيّةٍ وقصدٍ ، صرّح بذلك الشّافعيّة ، قال الرّمليّ في نهاية المحتاج : يملك الصّيد بضبطه باليد ، لأنّه مباحٌ ، فملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات ، سواءٌ أقصد بذلك ملكه أم لا ، حتّى لو أخذه لينظر إليه ملكه . ويفهم ذلك من كلام سائر المذاهب ، وإنّما تثبت بالاستيلاء الحقيقيّ الملكيّة مستقرّةٌ ، وكذلك يكون الاستيلاء حقيقيّاً إذا كان بآلةٍ أعدّت لذلك ، وكان واضعها قريباً منها ، بحيث لو مدّ يده إليها لأمسك الصّيد ، لأنّه ليس بممتنعٍ عليه .
ومن هذا لو نصب شبكةً للصّيد فوقع فيها طائرٌ وامتنع عليه الطّيران ، أو أغرى كلباً معلّماً فاصطاد حيواناً ، فإنّ من نصب الشّبكة ومن أغرى الكلب يتملّك الصّيد ، سواءٌ أكان هو مالك الشّبكة والكلب أم كان المالك غيره .
22 - ويكون الاستيلاء حكميّاً ، وهو ما كان بواسطة الآلة وحدها الّتي تهيّئ المباح لوضع اليد عليه ، ولم يكن واضعها قريباً منها . كحفرةٍ في جورة المنتفع بالأرض أو مالكها تجمّع فيها ماء المطر ، فلا بدّ لتملّك ما تجمّع فيها من ماءٍ من وجود القصد ، أمّا من غير قصدٍ فإنّ الملكيّة تثبت غير مستقرّةٍ ، ولا تستقرّ إلاّ بصيرورة الاستيلاء حقيقيّاً ، وهذا باتّفاق المذاهب .
23 - وقد سئل الحلوانيّ الحنفيّ عمّن علّق كوزه ، أو وضعه في سطحه ، فأمطر السّحاب وامتلأ الكوز من المطر ، فجاء إنسانٌ وأخذ ذلك الكوز مع الماء ، هل لصاحب الكوز أن يستردّه مع الماء ؟ فقال : لا إشكال في استرداد الكوز ، وأمّا الماء فإن كان قد أعدّ الكوز لذلك حقّ له أن يستردّه ، وإن لم يعدّه لذلك لم يستردّه .
ولو التجأ صيدٌ إلى أرض رجلٍ أو إلى داره ، فلا يعدّ ذلك استيلاءً من صاحب الأرض أو الدّار ، لأنّهما لم يعدّا للاصطياد ، لأنّه لم يحدث منه فعل الاستيلاء ، أمّا إذا ردّ عليه صاحب الدّار الباب بنيّة أخذه ملكه ، لتحقّق الاستيلاء عليه بفعله مع إمكان أخذه .
ومن نصب فسطاطاً فالتجأ إليه صيدٌ لم يملك ، لأنّ الفسطاط لم يكن آلة صيدٍ ، وما كان نصبه بقصد الاستيلاء على الصّيد ، وكذا لو نصب شبكةً للتّجفيف فتعلّق بها صيدٌ ولم يكن من علّق الشّبكة حاضراً بالقرب منها فإنّه لا يملكه ، إذ القصد مرعيٌّ في التّملّك ، ومع هذا فإنّه أحقّ به من غيره إن حضر وهو معلّقٌ بالشّبكة .
وتفصيل كلّ ذلك في مصطلح ( اصطيادٌ ) .
رد مع اقتباس