عرض مشاركة واحدة
  #81  
قديم 05-06-2012, 01:02 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

اغتسال المرأة من الاستمناء :
7 - يجب الغسل على المرأة إن أنزلت بالاستمناء بأيّ وسيلةٍ حصل . والمراد بالإنزال أن يصل إلى المحلّ الّذي تغسله في الاستنجاء ، وهو ما يظهر عند جلوسها وقت قضاء الحاجة . وهذا هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وبهذا قال الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة عدا ( سندٍ ) ، فقد قال : إنّ بروز المنيّ من المرأة ليس شرطاً ، بل مجرّد الانفصال عن محلّه يوجب الغسل ، لأنّ عادة منيّ المرأة أن ينعكس إلى الرّحم .
أثر الاستمناء في الصّوم :
8 - الاستمناء باليد يبطل الصّوم عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وعامّة الحنفيّة على ذلك ، لأنّ الإيلاج من غير إنزالٍ مفطرٌ ، فالإنزال بشهوةٍ أولى . وقال أبو بكر بن الإسكاف ، وأبو القاسم من الحنفيّة : لا يبطل به الصّوم ، لعدم الجماع صورةً ومعنًى . ولا كفّارة فيه مع الإبطال عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو مقابل المعتمد عند المالكيّة ، وأحد قولي الحنابلة ، لأنّه إفطارٌ من غير جماعٍ ، ولأنّه لا نصّ في وجوب الكفّارة فيه ولا إجماع . ومعتمد المالكيّة على وجوب الكفّارة مع القضاء ، وهو روايةٌ عن أحمد ، وعموم رواية الرّافعيّ من الشّافعيّة ، والّتي حكاها عن أبي خلفٍ الطّبريّ يفيد ذلك ، فمقتضاها وجوب الكفّارة بكلّ ما يأثم بالإفطار به ، والدّليل على وجوب الكفّارة : أنّه تسبّبٌ في إنزالٍ فأشبه الإنزال بالجماع .
9 - أمّا الاستمناء بالنّظر فإنّه يبطل الصّوم عند المالكيّة ، تكرّر النّظر أم لا ، وسواءٌ أكانت عادته الإنزال أم لا ، والحنابلة معهم في الإبطال إن تكرّر النّظر . والاستمناء بالتّكرار مبطلٌ للصّوم في قولٍ للشّافعيّة أيضاً ، وقيل . إن كانت عادته الإنزال أفطر ، وفي " القوت " أنّه إذا أحسّ بانتقال المنيّ فاستدام النّظر فإنّه يفسد . وقال الحنفيّة لا يفطر به الصّائم مطلقاً ، وهو المعتمد للشّافعيّة ، ولا كفّارة فيه إلاّ عند المالكيّة ، لكنّهم اختلفوا في الحالات الّتي تجب فيها الكفّارة . إن تكرّر النّظر وكانت عادته الإنزال أو استوت حالتاه وجبت عليه الكفّارة قطعاً . وإن كانت عادته عدم الإنزال فقولان . أمّا مجرّد النّظر من غير استدامةٍ فظاهر كلام ابن القاسم في المدوّنة أنّه لا كفّارة . وقال القابسيّ : كفّر إن أمنى من نظرةٍ واحدةٍ .
10 - وأمّا الاستمناء بالتّفكير فلا يختلف حكمه عن حكم الاستمناء بالنّظر ، من حيث الإبطال والكفّارة وعدمهما عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة . أمّا الحنابلة ، عدا أبي حفصٍ البرمكيّ ، فقالوا بعدم الإفساد بالإنزال بالتّفكير ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « عفي لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم به » . وقال أبو حفصٍ البرمكيّ بالإبطال ، واختاره ابن عقيلٍ ، لأنّ الفكرة تستحضر وتدخل تحت الاختيار ، ومدح اللّه سبحانه الّذين يتفكّرون في خلق السّموات والأرض ،« ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن التّفكّر في ذات اللّه ، وأمر بالتّفكّر في الآلاء ». ولو كانت غير مقدورٍ عليها لم يتعلّق ذلك بها .
أثر الاستمناء في الاعتكاف :
11 - يبطل الاعتكاف بالاستمناء باليد عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة ، إلاّ أنّ من الشّافعيّة من ذكره قولاً واحداً ، ومنهم من استظهر البطلان . ولتفصيل ذلك انظر ( اعتكافٌ ) . أمّا الاستمناء بالنّظر والتّفكير فلا يبطل به الاعتكاف عند الحنفيّة والشّافعيّة ، ويبطل به عند المالكيّة ، وكذلك الحنابلة ، إذ يفهم من كلامهم بطلان الاعتكاف ، لفقدان شرط الطّهارة ممّا يوجب الغسل .
أثر الاستمناء في الحجّ والعمرة :
12 - لا يفسد الحجّ بالاستمناء باليد عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لكن يجب فيه دمٌ ، لأنّه كالمباشرة فيما دون الفرج في التّحريم والتّعزير ، فكان بمنزلتها في الجزاء . ويفسد الحجّ به عند المالكيّة ، وأوجبوا فيه القضاء والهدي ولو كان ناسياً ، لأنّه أنزل بفعلٍ محظورٍ . ولبيان نوع الدّم ووقته انظر ( إحرامٌ ) . والعمرة في ذلك كالحجّ عند الحنفيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ، وهو ما يفهم من عموم كلام الباجيّ من المالكيّة ، لكنّ ظاهر كلام بهرامٌ وغيره أنّ ما يوجب الفساد في الحجّ في بعض الأحوال من وطءٍ وإنزالٍ يوجب الهدي في العمرة ، لأنّ أمرها أخفّ من حيث إنّها ليست فرضاً .
13 - أمّا الاستمناء بالنّظر والفكر فإنّه يفسد الحجّ عند المالكيّة ، باستدعاء المنيّ بنظرٍ أو فكرٍ مستدامين ، فإن خرج بمجرّد الفكر أو النّظر لم يفسد وعليه هديٌ وجوباً ، وسواءٌ أكان عمداً أم جهلاً أم نسياناً . ولا يفسد به الحجّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا فدية فيه عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وعند الحنابلة تجب الفدية في النّظر ، وأمّا التّفكير فانفرد بالفدية فيه منهم أبو حفصٍ البرمكيّ .
الاستمناء عن طريق الزّوجة :
14 - أغلب الفقهاء على جواز الاستمناء بالزّوجة ما لم يوجد مانعٌ ، لأنّها محلّ استمتاعه ، كما لو أنزل بتفخيذٍ أو تبطينٍ ، ولبيان المانع انظر ( حيضٌ ، نفاسٌ ، صومٌ ، اعتكافٌ ، حجٌّ ) . وقال بكراهته بعض الحنفيّة والشّافعيّة ، نقل صاحب الدّرّ عن الجوهرة : ولو مكّن امرأته من العبث بذكره فأنزل كره ولا شيء عليه ، غير أنّ ابن عابدين حملها على الكراهة التّنزيهيّة . وفي نهاية الزّين : وفي فتاوى القاضي : لو غمرت المرأة ذكر زوجها بيدها كره وإن كان بإذنه إذا أمنى ، لأنّه يشبه العزل ، والعزل مكروهٌ .
عقوبة الاستمناء :
15 - الاستمناء المحرّم يعزّر فاعله باتّفاقٍ ، لقوله تعالى : { والّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين } .

استمهالٌ *
التعريف :
1 - الاستمهال في اللّغة . طلب المهلة . والمهلة التّؤدة والتّأخير .
والفقهاء يستعملون " الاستمهال . بهذا المعنى الّذي استعمله به أهل اللّغة .
حكم الاستمهال :
2 - الاستمهال قد يكون مشروعاً ، وقد يكون غير مشروعٍ :
أ - الاستمهال المشروع ، وهو على أنواعٍ :
النّوع الأوّل : الاستمهال لإثبات حقٍّ ، كاستمهال المدّعي القاضي لإحضار البيّنة ، أو مراجعة الحساب ، ونحو ذلك ، وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب الدّعوى .
النّوع الثّاني : الاستمهال الوارد مورد الشّرط في العقود ، كاشتراط أحد المتبايعين ترك مهلةٍ له للتّروّي ، كما هو الحال في خيار الشّرط ، واشتراط المشتري إمهال البائع له بدفع الثّمن إلى أجلٍ معلومٍ . وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب البيع .
النّوع الثّالث : الاستمهال الّذي هو من قبيل التّبرّع ، كاستمهال المدين الدّائن في وفاء الدّين . واستمهال المستعير المعير في ردّ ما استعاره منه ، وقد ذكر الفقهاء ذلك في أبوابه من كتب الفقه .
ب - الاستمهال غير المشروع :
ومنه الاستمهال في الحقوق الّتي اشترط فيها الشّارع الفوريّة ، أو المجلس ، كاستمهال أحد المتعاقدين الآخر في تسليم البدل في بيع الصّرف ، واستمهال المشتري البائع في تسليمه رأس مال السّلم ، كما هو مذكورٌ في بيع السّلم .
3 - ومن الاستمهال ما يسقط الحقّ ، كاستمهال الشّفيع المشتري لطلب الشّفعة ، كما هو مذكورٌ في باب الشّفعة من كتب الفقه ، وكاستمهال الزّوجة الصّغيرة - إذا بلغت - في الإفصاح عن اختيارها زوجها أو فراقه ، كما هو مذكورٌ في خيار البلوغ عند الحنفيّة .
مدّة المهلة الّتي تعطى في الاستمهال :
4 - مدّة المهلة إمّا محدّدةٌ من قبل الشّرع فتلتزم ، كإمهال العنّين سنةً ، كما روي ذلك عن عمر وعليٍّ . وابن مسعودٍ . وإمّا متروكةٌ للقضاء ، كمهلة المدّعي لإحضار البيّنة ، وإمهال الزّوجة لتسليم نفسها لزوجها بعد قبضها المهر بقدر ما تنظّف نفسها وتتهيّأ له . وإمّا اتّفاقيّةٌ بين الطّرفين ، كإمهال الدّائن للمدين في وفاء الدّين ، انظر مصطلح ( أجلٌ ) .
حكم إجابة المستمهل :
5 - أ - يجب الإمهال في حالات الاستمهال لإثبات حقٍّ ، والاستمهال الّذي هو من قبيل المطالبة بحقٍّ ، والاستمهال الوارد مورد الشّرط في العقود .
ب - يندب الإمهال عندما يكون الإمهال من قبيل التّبرّع .
ج - يحرم الإمهال في الحقوق الّتي اشترط فيها الشّارع الفوريّة أو المجلس ، لأنّ الإمهال فيها يؤدّي إلى إبطالها . كما ذكر ذلك الفقهاء في الأبواب الّتي أشرنا إليها عند ذكر هذه الحالات .
د - يبطل الحقّ في مثل الحالات الّتي أشرنا إليها في ( ف 3 ) .

استنابةٌ *
انظر : إنابةٌ .
استنادٌ *
التعريف :
1 - الاستناد لغةً : مصدر استند . وأصله سند . يقال : سندت إلى الشّيء ، وأسندت إليه واستندت إليه : إذا ملت إليه واعتمدت عليه . والمسند : ما استندت إليه من المتاع ، واستند إلى فلانٍ : لجأ إليه في طلب العون .
وللاستناد في الاصطلاح معانٍ ثلاثةٌ :
الأوّل : الاستناد الحسّيّ ، وهو أن يميل الإنسان على الشّيء معتمداً عليه ، والاستناد بهذا المعنى طبق المعنى اللّغويّ .
الثّاني : الاستناد إلى الشّيء بمعنى الاحتجاج به .
الثّالث : الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيٍّ ، وهو بالمعنى الثّاني والثّالث يعتبر استناداً معنويّاً .
المبحث الأوّل :
الاستناد الحسّيّ :
2 - الاستناد إلى الشّيء بهذا المعنى هو الميل على الشّيء مع الاعتماد عليه . وممّا له صلةٌ بالاستناد : الاتّكاء . وقد ذكر أبو البقاء أنّ الاستناد على الشّيء الاتّكاء عليه بالظّهر خاصّةً ، قال : الاتّكاء أعمّ من الاستناد ، وهو - يعني الاتّكاء - الاعتماد على الشّيء بأيّ شيءٍ كان ، وبأيّ جانبٍ كان . والاستناد : اتّكاءٌ بالظّهر لا غير . ولم نطّلع على هذا التّقييد في شيءٍ من كتب اللّغة .
أوّلاً : أحكام الاستناد في الصّلاة :
أ - الاستناد في الصّلاة المفروضة :
3 - الاستناد إلى عمادٍ - كحائطٍ أو ساريةٍ - في صلاة الفريضة للقادر على القيام مستقلاًّ دون اعتمادٍ . للفقهاء فيه اتّجاهاتٌ ثلاثةٌ :
الاتّجاه الأوّل : يرى الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة منعه ، وهو قولٌ للشّافعيّة . قالوا : من اعتمد على عصاً أو حائطٍ ونحوه بحيث يسقط لو زال العماد ، لم تصحّ صلاته ، قالوا : لأنّ الفريضة من أركانها القيام ، ومن استند على الشّيء بحيث لو زال من تحته سقط ، لا يعتبر قائماً . أمّا إن كان لا يسقط لو زال ما استند إليه ، فهو عندهم مكروهٌ ، صرّح به الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . قال الحلبيّ في شرح المنية : يكره اتّفاقاً - أي بين أئمّة الحنفيّة - لما فيه من إساءة الأدب وإظهار التّجبّر . وعلّل ابن أبي تغلب - من الحنابلة - للكراهة بكون الاستناد يزيل مشقّة القيام .
والاتّجاه الثّاني : قول الشّافعيّة المقدّم لديهم أنّ صلاة المستند تصحّ مع الكراهة ، قالوا : لأنّه يسمّى قائماً ولو كان بحيث لو أزيل ما اعتمد عليه لسقط .
والاتّجاه الثّالث : أنّ استناد القائم في صلاة الفرض جائزٌ . روي ذلك عن أبي سعيدٍ الخدريّ وأبي ذرٍّ رضي الله عنهما وجماعةٍ من الصّحابة والسّلف . ثمّ إنّ الصّلاة المفروضة - الّتي هذا حكم الاستناد فيها - تشمل الفرض العينيّ والكفائيّ ، كصلاة الجنازة ، وصلاة العيد عند من أوجبها . وتشمل الواجب بالنّذر على من نذر القيام فيه على ما صرّح به الدّسوقيّ ، وألحق به الحنفيّة سنّة الفجر على قولٍ لتأكّدها .
ب - الاستناد في الفرض في حال الضّرورة :
4 - يتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجدت الضّرورة ، بحيث لا يستطيع المصلّي أن يصلّي قائماً إلاّ بالاستناد ، أنّ الاستناد جائزٌ له . ولكن هل يسقط عنه فرض القيام فيجوز له الصّلاة جالساً مع التّمكّن من القيام بالاستناد ؟ للفقهاء في هذه المسألة اتّجاهان :
الأوّل : أنّ القيام واجبٌ حينئذٍ ولا تصحّ صلاته جالساً . وهو مذهب الحنفيّة على الصّحيح عندهم ، ومذهب الحنابلة ، وقولٌ مرجوحٌ عند المالكيّة ، ذهب إليه ابن شاسٍ وابن الحاجب . قال شارح المنية من الحنفيّة : لو قدر على القيام متوكّئاً على عصاً أو خادمٍ . قال الحلوانيّ : الصّحيح أنّه يلزمه القيام متّكئاً .
الثّاني : وهو المقدّم عند المالكيّة ، ومقابل الصّحيح عند الحنفيّة ، ومقتضى مذهب الشّافعيّة - كما تقدّم - أنّ فرض القيام ساقطٌ عنه حينئذٍ ، وتجوز صلاته جالساً . قال الحطّاب نقلاً عن ابن رشدٍ : لأنّه لمّا سقط عنه القيام ، وجاز له أن يصلّي جالساً ، صار قيامه نافلةً ، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النّافلة ، والقيام مع الاعتماد أفضل . واشترط المالكيّة لجواز الصّلاة مع الاعتماد أن يكون استناده لغير حائضٍ أو جنبٍ ، فإن صلّى مستنداً إلى واحدٍ منهما أعاد في الوقت ، أي الوقت الضّروريّ لا الاختياريّ .
ج - الاستناد في الصّلاة أثناء الجلوس :
5 - الحكم في الاستناد في الجلوس كالحكم في الاستناد في القيام تماماً ، على ما صرّح به الحنفيّة : فإذا لم يقدر على القعود مستوياً ، وقدر متّكئاً ، يجب أن يصلّي متّكئاً أو مستنداً أمّا المالكيّة فقد قال الدّردير ما معناه : المعتمد أنّ القيام مستنداً أولى من الجلوس مستقلاًّ . أمّا الجلوس مستقلاًّ فواجبٌ لا يعدل عنه إلى الجلوس مستنداً إلاّ عند العجز . وكذا لا يصار إلى الجلوس مستنداً ممّن قدر على القيام بالاستناد . ومثل ذلك الجلوس مستنداً ، فهو مقدّمٌ وجوباً على الصّلاة مضطجعاً ، ولم نجد للشّافعيّة والحنابلة ذكراً لهذه المسألة .
د - الاستناد في النّفل :
6 - قال النّوويّ : الاتّكاء في صلاة النّفل جائزٌ على العصيّ ونحوها باتّفاق العلماء إلاّ ابن سيرين فقد نقلت عنه كراهته . وقال مجاهدٌ : ينقص من أجره بقدره . وقد فصّل الحنفيّة فقالوا : أنّه مكروهٌ في التّطوّع كما هو مكروهٌ في الفرض . لكن لو افتتح التّطوّع قائماً ثمّ أعيا - أي كلّ وتعب - فلا بأس عليه أن يتوكّأ على عصاً أو حائطٍ أو نحو ذلك . وإنّما فرّق الجمهور بين الاستناد في الفرض فمنعوه ، وأجازوه في النّفل ، لأنّ النّفل تجوز صلاته من جلوس دون قيامٍ ، فكذا يجوز الاستناد فيه مع القيام .
الاستناد في غير الصّلاة :
أ - استناد النّائم المتوضّئ :
7 - ذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية ، والشّافعيّة ، وهو روايةٌ للحنابلة إلى أنّه إذا نام مستنداً إلى شيءٍ - بحيث لو زال لسقط - لا ينتقض وضوء المستند في الأصحّ ، وعليه عامّة المشايخ ، وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلةً عن الأرض وإلاّ نقض اتّفاقاً . وذهب المالكيّة ، وهو غير ظاهر الرّواية عند الحنفيّة إلى أنّه ينقض الوضوء ، لأنّه يعتبر من النّوم الثّقيل ، فإن كان لا يسقط فهو من النّوم الخفيف الّذي لا ينقض . والمذهب عند الحنابلة أنّ نوم المستند قليلاً كان أو كثيراً ينقض .
ب - الاستناد إلى القبور :
8 - يكره الاستناد إلى القبور عند جمهور الفقهاء ، صرّح بذلك الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وقد ألحقوا الاستناد بالجلوس الّذي وردت الأحاديث بالنّهي عنه . قال ابن قدامة : يكره الجلوس على القبر ، والاتّكاء عليه ، والاستناد إليه ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً : « لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ » . وقال الخطّابيّ : روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد اتّكأ على قبرٍ فقال : لا تؤذ صاحب القبر » .
وقد قيّد الشّافعيّة الكرامة بعدم الحاجة إلى الاستناد ، وبكون الاستناد إلى قبر مسلمٍ . وقواعد غيرهم لا تأبى هذا التّقييد . وأمّا المالكيّة فيرون أنّه لا كراهة في الجلوس على القبر ، ومن باب أولى الاستناد إليه . قال الدّسوقيّ : يجوز الجلوس على القبر مطلقاً . وأمّا ما ورد من حرمة الجلوس على القبر فهو محمولٌ على الجلوس لقضاء الحاجة .
المبحث الثّاني : الاستناد بمعنى الاحتجاج :
9 - يأتي الاستناد بمعنى الاحتجاج بما يقوّي القضيّة المدّعاة ، ويكون إمّا في مقام المناظرة والاستدلال والاجتهاد ، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى أبواب الأدلّة ، وباب الاجتهاد من علم الأصول . وإمّا في دعوى أمام القضاء ، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى مصطلح ( إثباتٌ ) .
المبحث الثّالث : الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيٍّ :
10 - الاستناد بهذا المعنى : هو أن يثبت الحكم في الحال لتحقّق علّته ، ثمّ يعود الحكم القهقريّ ليثبت في الماضي تبعاً لثبوته في الحاضر . ومن أمثلته : أنّ المغصوب إذا تلف تحت يد الغاصب بفعله أو بغير فعله يضمنه بمثله أو بقيمته ، فإذا ضمنه ملكه ملكاً مستنداً إلى وقت وجود سبب الضّمان ، حتّى أنّه يملك زوائده المتّصلة الّتي وجدت من حين الغصب إلى حين الضّمان ، لأنّها نماء ملكه .
ومن أمثلته أيضاً أنّ البيع الموقوف نفاذه على إجازة من له حقّ الإجازة - كبيع الصّبيّ المميّز يقف نفاذه على إجازة وليّه - إذا أجازه نفذ نفاذاً مستنداً إلى وقت وجود العقد ، حتّى يملك المشتري زوائده المتّصلة والمنفصلة . واستعمال لفظ الاستناد بهذا المعنى هو مصطلحٌ للحنفيّة خاصّةً . والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يستعملون بدلاً منه اصطلاح " التّبيّن " ، والمالكيّة يعبّرون أيضاً عن ذلك المعنى " بالانعطاف " . ومعنى الاستناد في الإجازة مثلاً أنّ العقد الموقوف إذا أجيز يكون للإجازة استنادٌ وانعطافٌ ، أي تأثيرٌ رجعيٌّ ، فبعد الإجازة يستفيد العاقد من ثمرات العقد منذ انعقاده ، لأنّ الإجازة لم تنشئ العقد إنشاءً بل أنفذته إنفاذاً ، أي فتحت الطّريق لآثاره الممنوعة المتوقّفة لكي تمرّ وتسري ، فتلحق تلك الآثار بالعقد المولّد لها اعتباراً من تاريخ انعقاده ، لا من تاريخ الإجازة فقط . فبعد الإجازة يعتبر الفضوليّ ****لٍ عن صاحب العقد قبل العقد ، وبما أنّ تصرّفات الوكيل نافذةٌ على الموكّل منذ صدورها ، يكون عقد الفضوليّ نافذاً على المجيز نفاذاً مستنداً إلى تاريخ العقد .
هذا ، ومن أجل أنّ هذا الاصطلاح خاصٌّ بالحنفيّة فسيكون كلامنا في هذا المبحث معبّراً عن مذهب الحنفيّة خاصّةً ، إلاّ في المواضع الّتي ينصّ فيها على غيرهم .
11 - وقد ذكر ابن نجيمٍ أنّ الأحكام تثبت بطرقٍ أربعٍ ، فذكر مع الاستناد الّذي سبق بيانه :
أ - الاقتصار : وهو الأصل . كما إذا أنشأ طلاقاً منجّزاً غير معلّقٍ ، فإنّ الطّلاق يقع عند هذا القول في الحال ، فيقتصر عليه ولا يكون له أثرٌ رجعيٌّ .
ب - والانقلاب : هو أن يثبت الحكم في وقتٍ لاحقٍ متأخّرٍ عن القول ، كما لو قال لزوجته : أنت طالقٌ إن دخلت الدّار ، لا يثبت به الطّلاق في الحال ، لكن إن دخلتها طلقت بدخولها . ووجه تسميته انقلاباً : أنّ ما ليس بعلّةٍ - وهو الصّيغة المعلّقة - انقلب علّةً بوجود الدّخول ، إذ أنّ قوله : أنت طالقٌ ليس بعلّةٍ للطّلاق قبل دخولها البيت ، ومتى دخلت انقلب فأصبح علّةً ، لأنّ ذلك القائل جعل للعلّيّة شرطاً وقد تحقّق .
ج - والتّبيّن أو الظّهور : وهو أن يظهر في الحال أنّ الحكم كان ثابتاً من قبل ، كما لو قال يوم الجمعة : إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ، ثمّ يتبيّن يوم السّبت أنّ زيداً كان في الدّار يوم الجمعة ، فإنّ الطّلاق يقع يوم الجمعة عند قوله ذاك ، وإن لم يتبيّن أنّه وقع يوم الجمعة إلاّ في يوم السّبت . والعدّة تبتدئ يوم الجمعة .
التّفريق بين الاستناد والتّبيّن :
12 - في حالة الاستناد لم يكن الحكم ثابتاً في نفس الأمر في الماضي ، ثمّ لمّا ثبت في الحاضر رجع ثبوته القهقريّ فانسحب على المدّة السّابقة ، أمّا في التّبيّن فقد كان الحكم ثابتاً في نفس الأمر ولكن تأخّر العلم به ، ومن هنا ظهر بين الأمرين الفروق التّالية :
الأوّل : أنّ حالة التّبيّن يمكن أن يطّلع العباد فيها على الحكم . وفي الاستناد لا يمكن . ففي المثال السّابق للتّبيّن وهو قوله : إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ثمّ علم كونه في الدّار بعد مدّةٍ ، فإنّ العلم بكونه في الدّار ممّا يدخل في طوق العباد ، بخلاف العلم بإجازة الوليّ لبيع الصّبيّ ، فإنّه لا يمكن العلم بإجازته قبل أن يجيز .
الثّاني : أنّ حالة التّبيّن لا يشترط فيها قيام المحلّ عند حصول تبيّن الحكم ، ولا استمرار وجوده إلى حين التّبيّن . فلو قال لزوجته : أنت طالقٌ إن كان زيدٌ في الدّار ، فحاضت ثلاث حيضٍ ثمّ طلّقها ثلاثاً ، ثمّ ظهر أنّ زيداً كان في الدّار في ذلك الوقت ، لا تقع الثّلاث ، لأنّه تبيّن وقوع الأوّل ، وأنّ إيقاع الثّلاث كان بعد انقضاء العدّة . أمّا في حالة الاستناد فلا بدّ من قيام المحلّ حال ثبوت الحكم ، وعدم انقطاع وجوده من وقت ثبوت الحكم ، عوداً إلى الوقت الّذي استند إليه ، كما في الزّكاة تجب بتمام الحول ، ويستند وجوبها إلى وقت وجود النّصاب ، فلو كان عند تمّام الحول مفقوداً ، أو انقطع أثناءه لم يثبت الوجوب في آخر الحول .
الاستناد من وجهٍ دون وجهٍ :
13 - إذا استند الملك فإنّه في الفترة ما بين التّصرّف إلى حصول الإجازة وما يقوم معها - كضمان المضمونات - ملكٌ ناقصٌ ، وليس كغيره من الملك التّامّ .
ويتفرّع على هذه المسألة فرعان :
الفرع الأوّل : لو غصب عيناً فزادت عنده زيادةً متّصلةً كالسّمن ، أو منفصلةً كالولد ، فإذا ضمن الغاصب المغصوب فيما بعد ، ملكه ملكاً مستنداً إلى وقت الغصب . أمّا الزّيادة المتّصلة كسمن الدّابّة فلا يضمنها ، لأنّها تكون قد حدثت على ملكه . وأمّا الزّيادة المنفصلة الّتي حصلت بعد الغصب وقبل الضّمان ، لو باعها أو استهلكها ، فإنّه يضمنها ، لأنّها في الأصل غير مضمونة عليه ، إذ قد حدثت عنده أمانةً في يده فلا يضمنها إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط ، وببيعها أو استهلاكها يكون متعدّياً ، فكان غاصباً لها فيضمنها على تفصيلٍ موطنه الغصب . فظهر الاستناد من جهة الزّوائد المتّصلة ، واقتصر الملك على الحال من جهة الزّوائد المنفصلة . قال الكاسانيّ : أثبتنا الملك بطريق الاستناد ، فالمستند يظهر من وجهٍ ويقتصر على الحال من وجهٍ ، فيعمل بشبه الظّهور في الزّوائد المتّصلة ، وبشبه الاقتصار في المنفصلة ، ليكون عملاً بالشّبهين بقدر الإمكان .
الفرع الثّاني : لو استغلّ الغاصب المغصوب ، كما لو آجر الدّابّة ، فإنّه يتصدّق بالغلّة على قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، ولا يلزمه أن يتصدّق بالغلّة على قول أبي يوسف ، لأنّه حصل في ملكه حين أدّى ضمانه مستنداً إلى حين الغصب . وقال البابرتيّ : وإنّما قال أبو حنيفة بالتّصدّق بالغلّة لأنّها حصلت بسببٍ خبيثٍ وهو التّصرّف في ملك الغير ، وهو وإن دخل في ملكه من حين الغصب ، إلاّ أنّ الملك المستند ناقصٌ لكونه ثابتاً فيه من وجهٍ دون وجهٍ ، ولهذا يظهر في حقّ المغصوب القائم دون الفائت ، فلا ينعدم فيه الخبث .
ما نشأ عن اعتبار الإجازة مستندةً في البيع الموقوف :
14 - نشأ عن نظريّة استناد إجازة التّصرّفات الموقوفة إلى وقت الانعقاد إن اشترطوا لصحّة الإجازة قيام المجيز والمحلّ عند العقد ، بالإضافة إلى قيام العاقدين . ولذا يقول الحصكفيّ : كلّ تصرّفٍ صدر من الفضوليّ وله مجيزٌ - أي من يقدر على إمضائه حال وقوعه - انعقد موقوفاً ، وما لا مجيز له لا ينعقد أصلاً . فلو أنّ صبيّاً باع عيناً ثمّ بلغ قبل إجازة وليّه فأجازه بنفسه جاز ، لأنّ له وليّاً يجيزه حالة العقد ، بخلاف ما لو طلّق مثلاً ثمّ بلغ فأجازه بنفسه ، لأنّه وقت قيام التّصرّف لا مجيز له - أي لأنّ وليّه لا يملك إجازة الطّلاق - فيبطل ، إلاّ أن يوقع الطّلاق حينئذٍ ، كأن يقول بعد البلوغ : أوقعت ذلك الطّلاق .
ما يدخله الاستناد :
15 - يدخل الاستناد في تصرّفات شرعيّةٍ كثيرةٍ : منها في العبادة كما ذكر ابن نجيمٍ في الأشباه : أنّ الزّكاة تجب بتمام الحول مستنداً إلى أوّل وجود النّصاب .
وكطهارة المستحاضة تنتقض عند خروج الوقت مستنداً إلى وقت الحدث ، لا إلى خروج الوقت ، وكطهارة المتيمّم ، تنتقض عند رؤية الماء مستنداً إلى وقت الحدث لا إلى رؤية الماء ، فلو لبست المستحاضة الخفّ مع السّيلان أو بعده لم تمسح عليه ، ولو لبس المتيمّم الخفّ بعد تيمّمه لا يجوز له المسح عليه . ووضّح ذلك الكرلانيّ من الحنفيّة بالنّسبة للمستحاضة بأنّ الثّابت بالاستناد ثابتٌ من وجهٍ دون وجهٍ ، لأنّه بين الظّهور والاقتصار ، لأنّ انتقاض الوضوء حكم الحدث ، والحدث وجد في تلك الحالة ، فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً معلّقةً بخروج الوقت ، وخروج الوقت وجد الآن ، فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً في الحال ، فجعلناه ظهوراً من وجهٍ اقتصاراً من وجهٍ ، ولو كان ظهوراً من كلّ وجهٍ لا يجوز المسح ، ولو كان اقتصاراً من كلّ وجهٍ لجاز المسح ، فقلنا لا يجوز المسح أخذاً بالاحتياط .
16 - ويكون الاستناد أيضاً في البيوع الموقوف نفاذها على الإجازة كما تقدّم . ومن البيوع الموقوفة بيع المكره والمرتدّ ، وما صدر من مالكٍ غير أهلٍ لتولّي طرفي العقد ، كالصّبيّ المميّز والسّفيه المحجور عليه ، وبيع المحجور عليه لحقّ الدّائنين ، وما صدر ممّن ليس له ولايةٌ شرعيّةٌ كالفضوليّ . وكذا لو باع المالك ما تعلّق به حقّ الغير كالمرهون .
ويدخل الاستناد أيضاً سائر العقود والإسقاطات والتّصرّفات الّتي تتوقّف على الإجازة ، فمثلاً كلّ تصرّفٍ صدر من الفضوليّ تمليكاً كتزويجٍ ، أو إسقاطاً كطلاقٍ وإعتاقٍ ، ينعقد موقوفاً على الإجازة ويستند . والقاعدة في ذلك أنّ " الإجازة اللاّحقة كالوكالة السّابقة " ( ر : إجازةٌ ) . وكذا العقود الّتي فيها الخيار للطّرفين ، أو لأحدهما إذا أجازها من له الخيار فلزمت ، فإنّها تلزم لزوماً مستنداً إلى وقت الانعقاد ، لأنّها موقوفةٌ على قولٍ ، والمضمونات تملك بأداء الضّمان ملكاً مستنداً إلى وقت سبب الضّمان .
ويكون الاستناد أيضاً في الوصيّة إذا قبل الموصى له المعيّن ما أوصى له به ، عند من يثبت الملك فيه من حين موت الموصي ، وهو القول الأصحّ للشّافعيّة ، وهو وجهٌ مرجوحٌ عند الحنابلة ، وعليه فيطالب الموصى له بثمرة الموصى به ، وتلزمه نفقته وفطرته وغيرهما من حين موت الموصي .
وممّا يدخله الاستناد : الوصيّة لأجنبيٍّ بأكثر من الثّلث ، أو لوارثٍ ، وتبرّعات المريض في مرض الموت ، إذ يتوقّف ذلك على إجازة الورثة ، ويستند إلى وقت وفاة الموصي عند بعض الفقهاء .
رد مع اقتباس