عرض مشاركة واحدة
  #78  
قديم 05-06-2012, 01:01 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الألفاظ ذات الصّلة :
الاستمتاع :
2 - الاستمتاع : أعمّ من الاستفراش مطلقاً ، إذ يدخل في الاستمتاع بالحلال والحرام ، ومتعة الحجّ وغيرها .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - الأصل في الاستفراش الإباحة ، وتفصيله في مصطلحي ( نكاحٌ ) ( وتسرّي ) .

استفسارٌ *
التعريف :
1 - الاستفسار في اللّغة : مصدر استفسرته كذا إذا سألته أن يفسّره لي . ولا يختلف معناه في الفقه عنه في اللّغة . وهو عند الأصوليّين : طلب ذكر معنى اللّفظ ، حين تكون فيه غرابةٌ أو إجمالٌ . فالاستفسار عند الأصوليّين أخصّ منه عند أهل اللّغة وأهل الفقه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - السّؤال :
2 - السّؤال هو : الطّلب ، وهو أعمّ من أن يكون طلب توضيحٍ أو غيره ، كقولك : سألته عن كذا ، وسألت اللّه العافية . أمّا الاستفسار فهو خاصٌّ بطلب التّوضيح .
ب - الاستفصال :
3 - الاستفصال هو طلب التّفصيل ( ر : استفصالٌ ) ، فهو أخصّ من الاستفسار ، لأنّ التّفسير قد يكون بغير التّفصيل ، كما في تفسير اللّفظ بمرادفه .
الحكم الإجماليّ :
4 - حكمه عند الأصوليّين : الاستفسار من آداب المناظرة ، فإذا خفي على المناظر مفهوم كلام المستدلّ لإجمالٍ أو غرابةٍ في الاستعمال استفسره ، وعلى المستدلّ بيان مراده عند الاستفسار ، حتّى لا يكون هناك لبسٌ ولا إيهامٌ ، وحتّى تجري المناظرة على خير الوجوه . مثال الإجمال : أن يقول المستدلّ : يلزم المطلّقة أن تعتدّ بالأقراء ، فيطلب المناظر تفسير القرء ، لأنّه يطلق على الطّهر ، كما يطلق على الحيض . ومثال الغرابة قوله : لا يحلّ السّيّد ( بكسر السّين وسكون الياء ) فيستفسر المناظر معناه ، فيجيبه بأنّه الذّئب .
هذا ، ويعدّ الأصوليّون الاستفسار من جملة الاعتراضات بمعنى القوادح ، ويرتّبونه في أوّلها ، وموطن استيفائه الملحق الأصوليّ .
حكمه عند الفقهاء :
5 - على القاضي أن يستفسر ذوي العلاقة الأمور الغامضة ، ليكون في حكمه على بصيرةٍ ، كاستفساره من أقرّ بشيءٍ مبهمٍ ، واستفساره الشّاهد السّبب ، كما إذا شهدا أنّ بينهما رضاعاً ، فالجمهور على أنّه لا بدّ من التّفصيل .
6 - وقد لا يجب الاستفسار لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كاستفسار من أكره على شرب المسكر ، فإنّه يصدق بيمينه ، ولا يستفسر كيفيّة حصول الإكراه ، درءاً للحدود ما أمكن ، خلافاً للأذرعيّ من الشّافعيّة القائل بوجوب الاستفسار .
مواطن البحث :
7 - بعض الأصوليّين أوردوا المبادئ المنطقيّة ، كمقدّمةٍ لعلم الأصول ، وذكروا الاستفسار ضمنها ، وبعضهم يذكره في مباحث القوادح في الدّليل . كما يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار ، حين الكلام على الإقرار بمبهمٍ ، وفي بحث طلاق المكره من كتاب الطّلاق ، بمناسبة كلامهم على من أكره على شرب المسكر ، هل يستفسر ؟ وفي كتاب الشّهادات ، عند الكلام على ما يجب فيه ذكر سبب الشّهادة ، وفي كتاب القضاء كذلك .

استفصالٌ *
التعريف :
1 - يستفاد من سياق عبارات الأصوليّين والفقهاء أنّ الاستفصال : طلب التّفصيل . ولم ترد هذه الكلمة في المعاجم اللّغويّة الّتي بين أيدينا ، وهي مع ذلك صحيحةٌ ، وقد وردت في كلام الشّافعيّ ، وكفى به حجّةً في لغة العرب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستفسار :
2 - الاستفسار عند الأصوليّين : طلب ذكر معنى اللّفظ حين تكون فيه غرابةٌ أو خفاءٌ ، وهو عند الفقهاء : طلب التّفسير مطلقاً .
ب - السّؤال :
3 - السّؤال : الطّلب ، وهو أعمّ من أن يكون طلب تفصيلٍ أو غيره .
الحكم الإجماليّ :
حكمه عند الأصوليّين :
4 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال ، مع قيام الاحتمال ، ينزل منزلة العموم في المقال . ومثاله « أنّ غيلان الثّقفيّ أسلم على عشر نسوةٍ ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أمسك منهنّ أربعاً ، وفارق سائرهنّ » ولم يسأل عن كيفيّة ورود عقده عليهنّ ، أكان مرتّباً أم في وقتٍ واحدٍ ؟ فكان إطلاق القول ، دالاًّ على أنّه لا فرق بين الحالين .
وفي دلالة ذلك على العموم وعدمه خلافٌ ينظر في الملحق الأصوليّ .
حكمه عند الفقهاء :
5 - يجب على القاضي أن يستفصل في الأمور الأساسيّة المجملة الّتي يتوقّف الحكم الصّحيح على معرفتها ، حتّى يكون مبنيّاً على أمورٍ واضحةٍ لا لبس فيها ولا غموض . كما ورد في حديث ماعزٍ إذ أقرّ بالزّنا ، فلم يرجمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ بعد أن استفصل منه فقال : « لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال : لا يا رسول اللّه . قال : أنكتها لا يكني قال فعند ذلك أمر برجمه » . فلم يترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم مجالاً لاحتمال التّجوّز .
6 - وهناك أمورٌ ليست بهذه الأهمّيّة فيندب فيها للحاكم الاستفصال ولا يجب ، كما إذا لم يبيّن في الشّهادة على الشّهادة جهة تحمّلها ، ووثق القاضي بمعرفة الشّاهد على الشّاهد بشرائط التّحمّل ، وكان موافقاً للقاضي في تلك المسألة ، فيندب له أن يستفصله ، فيسأله : بأيّ سببٍ ثبت هذا المال ؟ وهل أخبرك به الأصل ( الشّاهد الأصليّ ) أوّلاً وكما إذا شهد المغفّل الّذي لا يضبط دائماً أو غالباً ، وبيّن سبب الشّهادة ، كأشهد أنّ لفلانٍ على فلانٍ ألفاً قرضاً ، فيندب للحاكم استفصاله فيه .
7 - على أنّه قد يمتنع الاستفصال لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كما إذا ادّعى السّارق أنّ المسروق ملكٌ له ، أو ادّعى أنّه أخذ من غير حرزٍ ، أو أنّه دون نصابٍ ، أو أنّ المالك أذن له في الأخذ ، لم يقطع ، ولا يستفصل في دعواه بشيءٍ من ذلك وإن علم كذبه ، نظراً إلى أنّ الحدود تدرأ بالشّبهات .
مواطن البحث :
8 - يذكر الأصوليّون الاستفصال في مباحث العامّ مع صيغ العموم . كما يذكره الفقهاء في أبواب : القذف واللّعان ، والسّرقة ، والشّهادات على النّحو الّذي تقدّم .

استقاءةٌ *
التعريف :
1 - الاستقاءة : طلب القيء ، وهو استخراج ما في الجوف عمداً .
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ . فإن ذرعه القيء أي : غلبه وسبقه فهو يختلف عن الاستقاءة الّتي بها طلبٌ واستدعاءٌ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستقاءة الواردة عند الفقهاء أكثر ما يكون ورودها في الصّيام ، لتأثيرها فيه .
ويرى جمهور الفقهاء أنّ الصّائم إذا استقاء متعمّداً أفطر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ذرعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه قضاءٌ ، ومن استقاء فليقض » .
وعند الحنفيّة : إن استقاء عامداً ملء الفم أفطر ، لأنّ ما دون ملء الفم تبعٌ للرّيق .
مواطن البحث :
3 - يأتي الكلام عن الاستقاءة في الغالب في باب الصّوم ، عند الكلام عمّا يفسد الصّيام . كما ترد في نواقض الوضوء .
استقبالٌ *
التعريف :
1 - الاستقبال في اللّغة : مصدر استقبل الشّيء إذا واجهه ، والسّين والتّاء فيه ليستا للطّلب ، فاستفعل هنا بمعنى فعل ، كاستمرّ واستقرّ ومثله المقابلة . ويقابله بهذا المعنى الاستدبار . ويرد الاستقبال في اللّغة أيضاً بمعنى : الاستئناف ، يقال اقتبل الأمر واستقبله : إذا استأنفه . وقد استعمله الفقهاء بهذين الإطلاقين فيقولون : استقبال القبلة أي مقابلتها ويقولون : استقبل حول الزّكاة أي : ابتدأه واستأنفه . وزاد الشّافعيّة إطلاقه على طلب القبول الّذي يقابل الإيجاب في العقود ، فقالوا : يصحّ البيع بالاستقبال ، ومثّلوا له بنحو : اشتر منّي ، فإنّه استقبالٌ قائمٌ مقام الإيجاب ، ومثل البيع الرّهن ، فيصحّ بنحو : ارتهن داري بكذا .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاستئناف :
2 - الاستئناف : ابتداء الأمر ، وعليه فهو مرادفٌ للاستقبال في أحد إطلاقاته .
ب - المسامتة :
3 - المسامتة بمعنى : المقابلة والموازاة ، وهي مرادفةٌ للاستقبال عند الّذين فسّروا الاستقبال بمعنى التّوجّه إلى الشّيء بعينه بلا انحرافٍ يمنةً ولا يسرةً .
وأمّا الّذين لم يشترطوا في الاستقبال هذا الشّرط كالمالكيّة فإنّهم فرّقوا بينهما ، فخصّوا المسامتة باستقبال عين الشّيء تماماً بجميع البدن ، وجعلوا الاستقبال أعمّ من ذلك ، لصدقه بخروج شيءٍ من البدن عن محاذاة العين .
ج - المحاذاة :
4 - المحاذاة بمعنى : الموازاة . وما قيل في المسامتة يقال هنا أيضاً .
د - الالتفات :
5 - الالتفات صرف الوجه ذات اليمين أو الشّمال . وقد يراد به الانحراف بالوجه والصّدر أيضاً كما ورد في مسند الإمام أحمد : « فجعلت تلتفت خلفها » ومعلومٌ أنّ التّحوّل إلى خلفٍ لا يكون إلاّ بالوجه والصّدر .
6 - هذا والاستقبال عند الفقهاء قد يكون إلى القبلة ، وقد يكون إلى غير القبلة .
واستقبال القبلة قد يكون في الصّلاة ، وقد يكون في غيرها وسيأتي بيان هذه الأقسام واحداً بعد الآخر .
استقبال القبلة في الصّلاة :
7 - المراد بالقبلة موضع الكعبة ، لأنّه لو نقل بناؤها إلى موضعٍ آخر وصلّي إليه لم يجز . وسمّيت بذلك لأنّ النّاس يقابلونها في صلاتهم .
وما فوق الكعبة إلى السّماء يعدّ قبلةً ، وهكذا ما تحتها مهما نزل ، فلو صلّى في الجبال العالية والآبار العميقة جاز ما دام متوجّهاً إليها ، لأنّها لو زالت صحّت الصّلاة إلى موضعها ، ولأنّ المصلّي على الجبل يعدّ مصلّياً إليها .
استقبال الحجر :
8 - ذكر الحنفيّة والمالكيّة أنّه لو استقبل المصلّي الحجر دون الكعبة لم يجزه ، لأنّ كونه من البيت مظنونٌ لا مقطوعٌ به ، وهو لا يكتفى به في القبلة احتياطاً ، وهذا هو الصّحيح عند الشّافعيّة . وذهب الحنابلة واللّخميّ من المالكيّة إلى جواز الصّلاة إلى الحجر ، لأنّه من البيت ، للحديث الصّحيح أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الحجر من البيت » .
وفي روايةٍ : « ستّ أذرعٍ من الحجر من البيت » ولأنّه لو طاف فيه لم يصحّ طوافه . وهو وجهٌ مشهورٌ عند الشّافعيّة ، وإن كان خلاف الأصحّ في مذهبهم ، وقدّره الحنابلة بستّ أذرعٍ وشيءٍ ، فمن استقبل عندهم ما زاد على ذلك لم تصحّ صلاته ألبتّة . على أنّ هذا التّقدير بالنّسبة لغير الطّواف ، أمّا بالنّسبة له فلا بدّ من خروجه عن جميعه احتياطاً .
حكم استقبال القبلة في الصّلاة :
9 - لا خلاف في أنّ من شروط صحّة الصّلاة استقبال القبلة ، لقوله تعالى : { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته .
ويستثنى من ذلك أحوالٌ لا يشترط فيها الاستقبال ، كصلاة الخوف ، والمصلوب ، والغريق ، ونفل السّفر المباح وغيرها ، ونصّوا على أنّ نيّة الاستقبال ليست بشرطٍ على الرّاجح ، انظر الكلام على النّيّة في الصّلاة .
ترك الاستقبال :
10 - ذكر الحنفيّة أنّ من مفسدات الصّلاة تحويل المصلّى صدره عن القبلة بغير عذرٍ اتّفاقاً ، وإن تعمّد الصّلاة إلى غير القبلة على سبيل الاستهزاء يكفر ، وهذا متّفقٌ مع القواعد العامّة للشّريعة . وفصّل الحنفيّة فيما إذا صلّى بلا تحرٍّ فظهر أنّه أصاب القبلة أثناء الصّلاة بطلت صلاته ، لبناء القويّ على الضّعيف ، فإن ظهر ذلك بعد الصّلاة صحّت صلاته ، لأنّ ما فرض لغيره - كالاستقبال المشروط لصحّة الصّلاة - يشترط حصوله لا تحصيله ، وقد حصل وليس فيه بناء القويّ على الضّعيف .
وقال المالكيّة : إن أدّاه اجتهاده لجهةٍ فخالفها وصلّى متعمّداً بطلت صلاته وإن صادف القبلة ، ويعيد أبداً . وأمّا لو صلّى لغيرها ناسياً وصادف القبلة فهل يجري فيه من الخلاف ما يجري في النّاسي إذا أخطأ ، أو يجزم بالصّحّة لأنّه صادف وهو الظّاهر ؟ .
وذكر الشّافعيّة أنّه لا يسقط استقبالها بجهلٍ ولا غفلةٍ ولا إكراهٍ ولا نسيانٍ ، فلو استدبر ناسياً لم يضرّ لو عاد عن قربٍ . ويسنّ عند ذلك أن يسجد للسّهو لأنّ تعمّد الاستدبار مبطلٌ . وهذا بخلاف ما لو أميل عنها قهراً فإنّها تبطل ، وإن قلّ الزّمن لندرة ذلك . ولو دخل في الصّلاة باجتهادٍ ثمّ ظهر الخطأ بطلت صلاته .
وأطلق الحنابلة القول بأنّ من مبطلات الصّلاة استدبار القبلة حيث شرط استقبالها . كما نصّوا في باب شروط الصّلاة على أنّ هذه الشّروط لا تسقط عمداً أو سهواً أو جهلاً . هذا ، ولا بدّ من القول أنّ المالكيّة والحنابلة نصّوا على أنّ المصلّي إذا حوّل وجهه وصدره عن القبلة لم تفسد صلاته ، حيث بقيت رجلاه إلى القبلة . ونصّ المالكيّة على أنّه يكره له ذلك بلا ضرورةٍ ، وقالوا : إنّ هذه الكراهة في حقّ معاين الكعبة حيث لم يخرج شيءٌ من بدنه ، فإن خرج منه شيءٌ ولو أصبعاً من سمتها بطلت صلاته .
ما يتحقّق به استقبال القبلة في الصّلاة :
11 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يشترط في استقبال القبلة في الصّلاة أن يكون بالصّدر لا بالوجه ، خلافاً لما قد يتوهّم من ظاهر قوله تعالى : { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام } لأنّ المراد بالوجه هنا الذّات ، والمراد من الذّات بعضها وهو الصّدر فهو مجازٌ مبنيٌّ على مجازٍ . ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يشترط الاستقبال بالقدمين .
أمّا الاستقبال بالوجه فهو سنّةٌ ، وتركه مكروهٌ عند الأئمّة الأربعة . وهذا في حقّ القائم والقاعد . أمّا الّذي يصلّي مستلقياً أو مضطجعاً لعجزه فيجب عليهما الاستقبال بالوجه ، على تفصيلٍ يذكر في صلاة المريض . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط في الاستقبال التّوجّه بالصّدر أيضاً ، وإنّما الّذي لا بدّ منه فهو التّوجّه بالرّجلين . على أنّ الفقهاء تعرّضوا لأعضاءٍ أخرى يستقبل بها المصلّي القبلة في مناسباتٍ كثيرةٍ في كتاب الصّلاة ، نكتفي بالإشارة إلى بعضها دون تفصيلٍ لكونها بتلك المواطن ألصق ، ولسياق الفقهاء أنسب من جهةٍ ، وتفادياً للتّكرار من جهةٍ أخرى . ومن ذلك : استحباب الاستقبال ببطون أصابع اليدين في تكبيرة الإحرام وباليدين وبأصابع الرّجلين في السّجود ، وبأصابع يسراه في التّشهّد . وذلك حين الكلام على " صفة الصّلاة " . فمن أرادها بالتّفصيل فليرجع إلى مواطنها هناك .
استقبال المكّيّ للقبلة :
استقبال المكّيّ المعاين :
12 - لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنّ من كان يعاين الكعبة فعليه إصابة عينها في الصّلاة ، أي مقابلة ذات بناء الكعبة يقيناً ، ولا يكفي الاجتهاد ولا استقبال جهتها ، لأنّ القدرة على اليقين والعين تمنع من الاجتهاد والجهة المعرّضين للخطأ . وأيضاً فإنّ من انحرف عن مقابلة شيءٍ فهو ليس متوجّهاً نحوه . وذكر المالكيّة والشّافعيّة وابن عقيلٍ من الحنابلة - وأقرّوه - أنّ المصلّي في مكّة وما في حكمها ممّن تمكنه المسامتة لو استقبل طرفاً من الكعبة ببعض بدنه وخرج باقيه - لو عضواً واحداً - عن استقبالها لم تصحّ صلاته . وفي قولٍ عند الشّافعيّة والحنابلة يكفي التّوجّه ببعض بدنه .
صلاة الجماعة قرب الكعبة :
13 - ذكر الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو ما يستفاد من كلام الحنابلة - أنّه إن امتدّ صفٌّ طويلٌ بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته ، لعدم استقبالهم لها ، بخلاف البعد عنها ، فيصلّون في حالة القرب دائرةً أو قوساً إن قصروا عن الدّائرة ، لأنّ الصّلاة بمكّة تؤدّى هكذا من لدن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا .
استقبال المكّيّ غير المعاين :
14 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ من بينه وبين الكعبة حائلٌ فهو كالغائب على الأصحّ ، فيكفيه استقبال الجهة ، وسيأتي تفصيل مذهبهم في إصابة الجهة في " استقبال البعيد عن مكّة " . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أن من لم يصلّ بالمسجد من أهل مكّة ومن ألحق بهم عليه إصابة العين ، وهو قولٌ ضعيفٌ عند الحنفيّة . وتفصيل مذهب الحنابلة أنّهم أوجبوا إصابة العين يقيناً على من كان من أهل مكّة أو ناشئاً بها من وراء حائلٍ محدثٍ كالحيطان .
وأمّا من لم يكن من أهلها وهو غائبٌ عن الكعبة ففرضه الخبر ، كما إذا وجد مخبراً يخبره عن يقينٍ ، أو كان غريباً نزل بمكّة فأخبره أهل الدّار بها .
وعند الشّافعيّة يجب على من نشأ بمكّة وهو غائبٌ عن الكعبة إصابة العين إن تيقّن إصابتها ، وإلاّ جاز له الاجتهاد لما في تكليفه المعاينة من المشقّة إذا لم يجد ثقةً يخبره عن علمٍ .
الاستقبال عند صلاة الفريضة في الكعبة :
15 -ذهب جمهور العلماء إلى صحّة صلاة الفريضة داخل الكعبة . منهم الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والثّوريّ ، لحديث بلالٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في الكعبة » . قال الحنفيّة : ولأنّ الواجب استقبال جزءٍ منها غير معيّنٍ ، وإنّما يتعيّن الجزء قبلةً بالشّروع في الصّلاة والتّوجّه إليه . ومتى صار قبلةً فاستدبار غيره لا يكون مفسداً . وعلى هذا ينبغي أنّه لو صلّى ركعةً إلى جهةٍ أخرى لم يصحّ ، لأنّه صار مستدبراً الجهة الّتي صارت قبلةً في حقّه بيقينٍ بلا ضرورةٍ . ومذهب المالكيّة والحنابلة لا تصلّى الفريضة والوتر في الكعبة ، لأنّها من المواطن السّبع الّتي نهى عنها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي قريباً ، ولما في ذلك من الإخلال بالتّعظيم ، ولقوله تعالى : { وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } قالوا : والشّطر : الجهة . ومن صلّى فيها أو على سطحها فهو غير مستقبلٍ لجهتها ، ولأنّه قد يكون مستدبراً من الكعبة ما لو استقبله منها وهو في خارجها صحّت صلاته ، ولأنّ النّهي عن الصّلاة على ظهرها قد ورد صريحاً في حديث عبد اللّه بن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « سبع مواطن لا تجوز فيها الصّلاة : ظهر بيت اللّه والمقبرة » ... إلخ ، وفيه تنبيهٌ على النّهي عن الصّلاة فيها لأنّها سواءٌ في المعنى . وتوجّه المصلّي في داخلها إلى الجدار لا أثر له ، إذ المقصود البقعة ، بدليل أنّه يصلّي للبقعة حيث لا جدار .
وإنّما جاز على أبي قبيسٍ مع أنّه أعلى من بنائها لأنّ المصلّي عليه مصلٍّ لها ، وأمّا المصلّي على ظهرها فهو فيها . وهناك قولٌ للمالكيّة بجواز الصّلاة في الكعبة مع الكراهة .
الاستقبال عند صلاة الفريضة فوق الكعبة :
16 - وأمّا صلاة الفريضة على ظهر الكعبة فقد أجازها الحنفيّة والشّافعيّة ، لكن مع الكراهة عندهم . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز الفرض والوتر عليها لما تقدّم في المسألة السّابقة .
صلاة النّافلة في الكعبة وعليها :
17 - ذهب الأئمّة الأربعة إلى جواز صلاة النّفل المطلق داخل الكعبة ،« لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى فيها »، وللأدلّة السّابقة على صحّة صلاة الفريضة ، وأمّا السّنن الرّواتب فذهب جمهور الفقهاء إلى جوازها في الكعبة كذلك . وللمالكيّة ثلاثة أقوالٍ : الحرمة بأدلّتهم على منع الفريضة ، والجواز قياساً على النّفل المطلق ، والثّالث الكراهة وهو الرّاجح . وذهب أصبغ من المالكيّة ومحمّد بن جريرٍ وابن عبّاسٍ رضي الله عنهما فيما حكي عنه إلى أنّه لا تصحّ صلاة النّافلة فيها . أمّا صلاة النّافلة على ظهرها فتجوز عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وفي قولٍ للمالكيّة بناءً على أنّه يكفي استقبال الهواء أو استقبال قطعةٍ من البناء ولو من حائط السّطح .
هذا ، وقد نصّ الشّافعيّة على جوازها مع الكراهة لبعده عن الأدب كما تقدّم في الفريضة . هذا ، وما ورد في شأن الصّلاة في الكعبة يرد في الحجر ( الحطيم ) لأنّه جزءٌ من الكعبة .
18 - وذهب الحنفيّة والمالكيّة ، إلى أنّ الصّلاة الّتي تجوز في الكعبة ، تصحّ لأيّ جهةٍ ولو لجهة بابها مفتوحاً ، ولو لم يستقبل شيئاً في هذه الحال ، لأنّ القبلة هي العرصة والهواء إلى عنان السّماء ، وليست هي البناء ، بدليل أنّه لو نقل إلى عرصةٍ أخرى وصلّى إليه لم يجز ، ولأنّه لو صلّى على جبل أبي قبيسٍ جازت بالإجماع ، مع أنّه لم يصلّ إلى البناء . وشرط الشّافعيّة لجواز الصّلاة في الكعبة وعليها أن يستقبل جداراً منها أيّاً كان ، أو يستقبل الباب إن كان مفتوحاً وكان له عتبةٌ قدر ثلثي ذراعٍ بذراع الآدميّ تقريباً على الصّحيح المشهور ، لأنّ هذا المقدار هو سترة المصلّي فاعتبر فيه قدرها . واختار أكثر الحنابلة أن يشترط أن يكون بين يديه شيءٌ منها شاخصٌ يتّصل بها ، كالبناء والباب ولو مفتوحاً ، فلا اعتبار بالآجرّ غير المبنيّ ، ولا الخشب غير المسمور ، لأنّه غير متّصلٍ ، لكنّهم لم يقدّروا ارتفاع الشّاخص . وفي روايةٍ عن أحمد أنّه يكفي أن يكون بين يديه شيءٌ من الكعبة إذا سجد ، وإن لم يكن شاخصٌ ، اختارها الموفّق في المغني وغيره وهي المذهب .
استقبال البعيد عن مكّة :
19 - مذهب الحنفيّة ، وهو الأظهر عند المالكيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّ : أنّه يكفي المصلّي البعيد عن مكّة استقبال جهة الكعبة باجتهادٍ ، وليس عليه إصابة العين ، فيكفي غلبة ظنّه أنّ القبلة في الجهة الّتي أمامه ، ولو لم يقدّر أنّه مسامتٌ ومقابلٌ لها . وفسّر الحنفيّة جهة الكعبة بأنّها الجانب الّذي إذا توجّه إليه الإنسان يكون مسامتاً للكعبة ، أو هوائها تحقيقاً أو تقريباً . واستدلّوا بالآية الكريمة : { وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } وقالوا : شطر البيت نحوه وقبله ، كما استدلّوا بحديث : « ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ » وهذا كلّه في غير المدينة المنوّرة ، وما في حكمها من الأماكن المقطوع بقبلتها ، على ما سيأتي في استقبال المحاريب إن شاء اللّه . والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قولٌ لابن القصّار عند المالكيّة ، وروايةٌ عن أحمد اختارها أبو الخطّاب من الحنابلة : أنّه تلزم إصابة العين . واستدلّوا بقوله تعالى : { وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته ، والمراد بالجهة هنا العين ؛ وكذا المراد بالقبلة هنا العين أيضاً ، لحديث الصّحيحين : « أنّه صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة » فالحصر هنا يدفع حمل الآية على الجهة . وإطلاق الجهة على العين حقيقةٌ لغويّةٌ وهو المراد هنا .
استقبال أهل المدينة وما في حكمها :
20 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ ، وهو قولٌ للحنابلة إلى أنّ الواجب على أهل المدينة - كغيرها - الاجتهاد لإصابة جهة الكعبة ، وهو جارٍ مع الأصل في أمر القبلة .
وقال الحنفيّة في الرّاجح ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو قولٌ للحنابلة ( وأرادوا بالمدنيّ من في مسجده صلى الله عليه وسلم أو قريباً منه ) : يجب على المصلّي في المدينة إصابة عين القبلة« لثبوت محراب مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي »، فهو كما لو كان مشاهداً للبيت ، بل أورد القاضي عياضٌ في الشّفاء أنّه رفعت له الكعبة حين بنى مسجده صلى الله عليه وسلم .
استقبال محاريب الصّحابة والتّابعين :
21 - ذهب الجمهور إلى أنّ محاريب الصّحابة ، كجامع دمشق ، وجامع عمرٍو بالفسطاط ، ومسجد الكوفة والقيروان والبصرة ، لا يجوز الاجتهاد معها في إثبات الجهة ، لكن لا يمنع ذلك من الانحراف اليسير يمنةً أو يسرةً ، ولا تلحق بمحاريب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز فيها أدنى انحرافٍ . وكذلك محاريب المسلمين ، ومحاريب جادّتهم أي معظم طريقهم وقراهم القديمة الّتي أنشأتها قرونٌ من المسلمين ، أي جماعاتٌ منهم صلّوا إلى هذا المحراب ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه طعن فيها ، لأنّها لم تنصب إلاّ بحضرة جمعٍ من أهل المعرفة بالأدلّة ، فجرى ذلك مجرى الخبر . لكن قال الحنابلة : إن فرض من كان فيها إصابة العين ببدنه بالتّوجّه إلى قبلته ، معلّلين ذلك باتّفاق الصّحابة عليه .
الإخبار عن القبلة :
22 - ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا لم يكن ثمّة محاريب منصوبةً في الحضر ، فيسأل من يعلم بالقبلة ممّن تقبل شهادته من أهل ذلك المكان ممّن يكون بحضرته .
أمّا غير مقبول الشّهادة ، كالكافر والفاسق والصّبيّ فلا يعتدّ بإخباره فيما هو من أمور الدّيانات ما لم يغلب على الظّنّ صدقه . وأمّا إذا لم يكن من أهل ذلك المكان فلأنّه يخبر عن اجتهادٍ ، فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره .
وأمّا إذا لم يكن بحضرته من أهل المسجد أحدٌ فإنّه يتحرّى ولا يجب عليه قرع الأبواب .
وأمّا في المفازة فالدّليل عليها النّجوم كالقطب ، وإلاّ فمن أهلها العالم بها ممّن لو صاح به سمعه ، والاستدلال بالنّجوم في المفازة مقدّمٌ على السّؤال ، والسّؤال مقدّمٌ على التّحرّي .
اختلاف المخبرين :
23 - صرّح الشّافعيّة عند اختلاف اثنين في الإخبار عن القبلة : أنّه يتخيّر فيأخذ بقول أحدهما ، وقيل : يتساقطان ويجتهد لنفسه ، ولا يأخذ بقول أحدهما إلاّ عند العجز عن الاجتهاد ، وفي هذه الحالة اضطرّ للأخذ بقول أحدهما ، أمّا في غير هذه الحالة فالمخبران اختلفا في علامةٍ واحدةٍ لعارضٍ فيها وهو موجبٌ للتّساقط .
وما صرّحوا به لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى .
أدلّة القبلة :
24 - سبق ما يتّصل بالاستدلال على القبلة بالمحاريب ، فإن لم توجد فهناك علاماتٌ يمكن الاعتماد عليها عند أهل الخبرة بها ، منها :
أ - النّجوم :
وأهمّها القطب ، لأنّه نجمٌ ثابتٌ ويمكن به معرفة الجهات الأربع ، وبذلك يمكن معرفة القبلة ولو على سبيل التّقريب . وتختلف قبلة البلاد بالنّسبة إليه اختلافاً كبيراً .
ب - الشّمس والقمر :
يمكن التّعرّف بمنازل الشّمس والقمر على الجهات الأربع ، وذلك في أيّام الاعتدالين ( الرّبيعيّ والخريفيّ ) بالنّسبة للشّمس ، واستكمال البدر فيه بالنّسبة للقمر . وفي غير الاعتدالين ينظر إلى اتّجاه تلك المنازل ، وهو معروفٌ لأهل الخبرة فيرجع إليهم فيه ، وفي كتب الفقه تفاصيل عن ذلك . ويتّبع ذلك الاستدلال بمطالع الشّمس والقمر ومغاربهما .
ج - الإبرة المغناطيسيّة :
من الاستقراء المفيد لليقين تبيّن أنّها تحدّد جهة الشّمال تقريباً ، وبذلك تعرف الجهات الأربع وتحدّد القبلة .
ترتيب أدلّة القبلة :
25 - ذكر الحنفيّة أنّ الدّليل على القبلة في المفاوز والبحار النّجوم كالقطب ، فإن لم يمكن لوجود غيمٍ أو لعدم معرفته بها فعليه أن يسأل عالماً بها ، فإن لم يكن من يسأله أو لم يخبره المسئول عنها فيتحرّى . وذكر الشّافعيّة أنّه لو تعارضت الأدلّة على القبلة فينبغي تقديم خبر جمعٍ بلغ عددهم حدّ التّواتر ، لإفادته اليقين ، ثمّ الإخبار عن علمٍ برؤية الكعبة ، ثمّ رؤية المحاريب المعتمدة ، ثمّ رؤية القطب .
وأمّا بيت الإبرة فقد صرّح الشّافعيّة بأنّ المجتهد مخيّرٌ بينها وبين الاجتهاد . وأمّا الحنابلة فإنّهم قالوا : إنّ خبر المخبر عن يقينٍ مقدّمٌ على الاجتهاد .
تعلّم أدلّة القبلة :
26 - تعلّم العلامات الّتي تعرف بها القبلة مطلوبٌ شرعاً ، وقد صرّح الشّافعيّة في الأصحّ عندهم بأنّ هذا واجبٌ على سبيل الكفاية . وقد يصبح تعلّم هذه العلامات واجباً عينيّاً ، كمن سافر سفراً يجهل معه اتّجاه القبلة ، ويقلّ فيها العارفون بها ، وكانت عنده قدرةٌ على تعلّم هذه العلامات ، وكلّ ذلك تحقيقاً لإصابة القبلة . وهل يجوز تعلّمها من كافرٍ ؟ قواعد الشّريعة لا تمنع ذلك . لأنّه لا يعتمد عليه في اتّجاه القبلة ، وإنّما في معرفة العلامات الّتي لا يختلف فيها الكافر عن المسلم ، وذلك كتعلّم سائر العلوم .
الاجتهاد في القبلة :
27 - اتّفقت المذاهب الأربعة على وجوب الاجتهاد في القبلة في الجملة .
قال الشّافعيّة والحنابلة : إن فقد المصلّي ما ذكر من الرّؤية والمحاريب والمخبر وأمكنه الاجتهاد ، بأن كان بصيراً يعرف أدلّة القبلة وجب عليه الاجتهاد وإن كان جاهلاً بأحكام الشّرع ، إذ كلّ من علم أدلّة شيءٍ كان مجتهداً فيه ، ولأنّ ما وجب عليه اتّباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه ، وذكروا أيضاً أنّ من وجب عليه الاجتهاد حرم عليه التّقليد ، لأنّه يتمكّن من استقبالها بدليله . وقالوا : أنّه إذا ضاق عليه الوقت عن الاجتهاد صلّى حسب حاله ولا يقلّد ، كالحاكم لا يسعه تقليد غيره ، ولكنّه يعيد الصّلاة .
وصرّح ابن قدامة بأنّ شرط الاجتهاد لا يسقط بضيق الوقت مع إمكانه .
الشّكّ في الاجتهاد وتغيّره :
28 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تغيّر اجتهاد المجتهد عمل بالاجتهاد الثّاني حتماً ، إن ترجّح على الأوّل ، وعمل بالأوّل إن ترجّح على الثّاني . وقال الحنابلة : وإن شكّ في اجتهاده لم يزل عن جهته ، لأنّ الاجتهاد ظاهرٌ فلا يزول عنه بالشّكّ . ولا يعيد ما صلّى بالاجتهاد الأوّل ، كالحاكم لو تغيّر اجتهاده في الحادثة الثّانية عمل فيها بالاجتهاد الثّاني ، ولم ينقض حكمه الأوّل بغير خلافٍ ، لأنّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد .
وذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المصلّي بالاجتهاد في القبلة إذا تحوّل رأيه استدار وبنى على ما مضى من صلاته . ولا فرق بين تغيّر اجتهاده في أثناء الصّلاة وبعدها ، فإن كان فيها استدار وبنى على ما مضى من صلاته ، حتّى إنّه لو صلّى أربع ركعاتٍ لأربع جهاتٍ بالاجتهاد جاز ، لأنّه مجتهدٌ أدّاه اجتهاده إلى جهةٍ ، فلم تجز له الصّلاة إلى غيرها ، كما لو أراد صلاةً أخرى ، وليس فيه نقضٌ لاجتهاده ، لأنّا لم نلزمه إعادة ما مضى ، وإنّما نلزمه العمل به في المستقبل .
أمّا عند المالكيّة فإن تبيّن لمن صلّى بالاجتهاد خطأ اجتهاده في الصّلاة يقيناً أو ظنّاً وهو في الصّلاة قطعها وجوباً . أمّا بعد إتمام الصّلاة فإنّه يعيدها ندباً لا وجوباً . قياساً على القاضي إذا تبيّن له خطأ الدّليل قبل بتّ الحكم ، فإنّه لا يجوز له الحكم باجتهاده الأوّل ، وإن حكم به نقض . أمّا إن شكّ وهو في الصّلاة فإنّه يتمّ صلاته على اجتهاده الأوّل .
الاختلاف في الاجتهاد في القبلة :
29 - ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه إذا اختلف اجتهاد مجتهدين لم يتّبع أحدهما صاحبه ولا يؤمّه ، لأنّ كلّ واحدٍ منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز الائتمام . وعند ابن قدامة أنّ قياس المذهب جواز ذلك . وهو مذهب أبي ثورٍ ، ذلك أنّ كلّ واحدٍ منهما يعتقد صحّة صلاة الآخر ، وأنّ فرضه التّوجّه إلى ما توجّه إليه ، فلم يمنع اختلاف الجهة الاقتداء به ، كالمصلّين حول الكعبة . ولو اتّفقا في الجهة واختلفا في الانحراف يميناً أو شمالاً فالمذهب صحّة الائتمام بلا خلافٍ لاتّفاقهما في الجهة ، وهي كافيةٌ في الاستقبال . وقال الشّافعيّة : لو اجتهد اثنان في القبلة ، واتّفق اجتهادهما ، فاقتدى أحدهما بالآخر ، ثمّ تغيّر اجتهاد واحدٍ منهما لزمه الانحراف إلى الجهة الثّانية ، وينوي المأموم المفارقة وإن اختلفا تيامناً وتياسراً ، وذلك عذرٌ في المفارقة فلا تفوته فضيلة الجماعة ، ومحلّ ذلك حيث علم المأموم بانحراف إمامه ، فإن لم يعلم به إلاّ بعد السّلام فالأقرب وجوب الإعادة .
وقال الحنفيّة : لو سلّم الإمام فتحوّل رأي مسبوقٍ ولاحقٍ استدار المسبوق ، لأنّه منفردٌ فيما يقضيه ، واستأنف اللاّحق ، لأنّه مقتدٍ فيما يقضيه .
والمقتدي إذا ظهر له وراء الإمام أنّ القبلة غير الجهة الّتي يصلّي إليها الإمام لا يمكنه إصلاح صلاته ، لأنّه إن استدار خالف إمامه في الجهة قصداً وهو مفسدٌ ، وإلاّ كان متمّاً صلاته إلى ما هو غير القبلة عنده وهو مفسدٌ أيضاً .
خفاء القبلة على المجتهد :
30 - خفاء القبلة على المجتهد إمّا أن يكون قبل الصّلاة أو في أثنائها ، وإمّا أن يكون قبل التّحرّي أو بعده ، وسنتناول بالبحث كلاًّ على حدةٍ .
رد مع اقتباس