عرض مشاركة واحدة
  #75  
قديم 05-06-2012, 01:00 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

استعانةٌ *
التعريف :
1 - الاستعانة مصدر استعان ، وهي : طلب العون ، يقال : استعنته واستعنت به فأعانني والمعنى الاصطلاحيّ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - تنقسم الاستعانة إلى استعانةٍ باللّه ، واستعانةٍ بغيره . فالاستعانة باللّه سبحانه وتعالى مطلوبةٌ في كلّ شيءٍ : مادّيٍّ مثل قضاء الحاجات ، كالتّوسّع في الرّزق ، ومعنويٍّ مثل تفريج الكروب ، مصداقاً لقوله تعالى : { إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } . وقوله تعالى : { قال موسى لقومه : استعينوا باللّه واصبروا } . وتكون الاستعانة بالتّوجّه إلى اللّه تعالى بالدّعاء ، كما تكون بالتّوجّه إليه تعالى بفعل الطّاعات ، لقوله تعالى : { واستعينوا بالصّبر والصّلاة } .
3 - أمّا الاستعانة بغير اللّه ، فإمّا أن تكون بالإنس أو بالجنّ . فإن كانت الاستعانة بالجنّ فهي ممنوعةٌ ، وقد تكون شركاً وكفراً ، لقوله تعالى : { وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً } .
4 - وأمّا الاستعانة بالإنس فقد اتّفق الفقهاء على أنّها جائزةٌ فيما يقدر عليه من خيرٍ ، لقوله تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وقد يعتريها الوجوب عند الاضطرار ، كما لو وقع في تهلكةٍ وتعيّنت الاستعانة طريقاً للنّجاة ، لقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } .
استعانة المسلم بغير المسلم في القتال :
5 - أجاز الحنفيّة والحنابلة استعانة المسلم بغيره في القتال عند الضّرورة ، والشّافعيّة بشروطٍ ، والمالكيّة بشرط رضاه وتفصيل ذلك في مصطلح ( جهادٌ )
الاستعانة بغير المسلمين في غير القتال :
6 - تجوز الاستعانة في الجملة بغير المسلم ، سواءٌ أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم في غير القربات ، كتعليم الخطّ والحساب والشّعر المباح ، وبناء القناطر والمساكن والمساجد وغيرها فيما لا يمنع من مزاولته شرعاً . ولا تجوز الاستعانة به في القربات كالأذان والحجّ وتعليم القرآن ، وفي الأمور الّتي يمنع من مزاولتها شرعاً ، كاتّخاذه في ولايةٍ على المسلمين ، أو على أولادهم . وقد تباح الاستعانة بأهل الكتاب ، دون غيرهم من المشركين والمجوس ومن على شاكلتهم في بعض الأمور ، مثل الصّيد والذّبح ،
أمّا المشرك والمجوسيّ فلا يتولّى الاصطياد والذّبح لمسلمٍ ، وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( إجارةٌ ) ( وصيدٌ ) ( وذبائح ) ( وأطعمةٌ ) ( ووكالةٌ ) .
الاستعانة بأهل البغي ، وعليهم :
7 - قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : يجوز الاستعانة بأهل البغي على الكفّار ، ولم يجز الاستعانة بالكفّار عليهم إلاّ الحنفيّة . ولتفصيل ذلك ينظر إلى مصطلح ( بغاةٌ )
الاستعانة بالغير في العبادة :
8 - الاستعانة بالغير في أداء العبادة جائزةٌ ، ولكن هل يعتبر ذلك قدرةً ملزمةً لمن لا يستطيع الأداء إلاّ بها ؟ قال بعض الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة : يعتبر الإنسان قادراً ، إذا وجد من يعينه على العبادة ، مثل الوضوء ، أو القيام في الصّلاة .
وقال بعض الحنفيّة ، وهو المفهوم عند المالكيّة : لا يصير قادراً بإعانة غيره ، لأنّ المعونة تعتبر له نافلةً .
استعطاءٌ *
انظر : ( عطاءٌ ) ، ( عطيّةٌ ) .
استعلاءٌ *
التعريف :
1 - الاستعلاء في اللّغة : استفعالٌ من العلوّ ، وهو السّموّ والارتفاع . والمستعلي من الحروف : المفخّم منها ، ومعنى استعلائها : أنّها تتصعّد في الحنك الأعلى ، واستعلى على النّاس : غلبهم وقهرهم وعلاهم .
وفي اصطلاح علماء الأصول يستعمل الاستعلاء بمعنى إظهار العلوّ ، سواءٌ أكان هناك علوٌّ في الواقع أم لا وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمرٌ ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - التّكبّر : هو إظهار الكبر أي العظمة . وتعريفه شرعاً : بطر الحقّ وغمط النّاس ، كما جاء في الحديث . وهو في صفات اللّه تعالى مدحٌ ، لأنّ شأنه عظيمٌ ، وفي صفاتنا ذمٌّ ، لأنّ شأننا صغيرٌ ، وهو أهلٌ للعظمة ولسنا بأهلٍ لها .
الحكم الإجماليّ :
3 - يرى جمهور الأصوليّين أنّ الاستعلاء شرطٌ في الأمر ، وذلك احترازاً عن الدّعاء والالتماس .
مواطن البحث :
4 - الاستعلاء كشرطٍ في الأمر يبحثه الأصوليّون في مسألة الأمر عند الحديث عن شروطه ، ودلالة حرف " على " على الاستعلاء يبحث في مسائل حروف الجرّ ، عند الحديث عن حرف الجرّ " على " وتفصيل ذلك في المصطلح الأصوليّ .

استعمالٌ *
التعريف :
1 - الاستعمال في اللّغة : طلب العمل ، أو توليته ، واستعمله : عمل به ، واستعمل فلانٌ : ولي عملاً من أعمال السّلطة ، وحبلٌ مستعملٌ : قد عمل به ومهن .
والاستعمال في عرف الفقهاء لا يخرج عن معناه اللّغويّ ، حيث عبّر الفقهاء عنه بمعانيه اللّغويّة الواردة في التعريف كما سيأتي بعد ، ومن ذلك قولهم الماء المستعمل .
الألفاظ ذات الصّلة :
استئجارٌ :
2 - الاستئجار استفعالٌ من الإجارة ، واستأجره : اتّخذه أخيراً على العمل بأجرٍ . فالاستعمال أعمّ ، لأنّه قد يكون بأجرٍ ، وقد يكون بغير أجرٍ .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف حكم الاستعمال بحسب نوعه ، وللاستعمال أنواعٌ مختلفةٌ : ومنها استعمال الآلات ، واستعمال الموادّ ، ومنها استعمال الأشخاص .
استعمال الموادّ ، ومن صوره :
أ - استعمال الماء :
4 - إذا استعمل الماء المطلق للطّهارة من أحد الحدثين امتنع إطلاق اسم الماء عليه دون قيدٍ ، وصار له حكمٌ آخر من حيث الطّهوريّة . فيقرّر الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّه طاهرٌ في نفسه غير مطهّرٍ لغيره ، وخالف في هذا المالكيّة ، حيث أجازوا التّطهّر به مع الكراهة إن وجد غيره ، وإلاّ فلا كراهة ، وتفصيل ذلك في بحث المياه من كتب الفقه .
ب - استعمال الطّيب :
5 - استعمال الطّيب مستحبٌّ في الجملة ، إلاّ في الإحرام ، أو الإحداد ، أو خوف الفتنة بالنّساء عند الخروج من البيوت . ولتفصيل ذلك ينظر مصطلح : ( إحرامٌ ) ( وإحدادٌ ) .
ج - استعمال جلود الميتة :
6 - استعمال جلود الميتة عند المالكيّة والحنابلة غير جائزٍ في الجملة ، وكذلك عند الشّافعيّة قبل الدّبغ ، وقد أجاز ذلك الحنفيّة بعد قطع الرّطوبة بالتّشميس أو التّتريب . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( دباغةٌ ) .
د - استعمال أواني الذّهب والفضّة :
7 - منع العلماء استعمال أواني الذّهب والفضّة في الأكل والشّرب ، لما ورد فيها من نصوصٍ منها : قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « لا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ، ولا تأكلوا في صحافها ، فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة » .
ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( آنيةٌ ) .
الاستعمال الموجب للضّمان :
8 - قرّر الفقهاء في الجملة أنّ استعمال المرهون الوديعة يعتبر تعدّياً يضمن بموجبه ، لأنّ التّعدّي سببٌ للضّمان مطلقاً ، ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( رهنٌ ) ( ووديعةٌ ) ( وضمانٌ ) .
استعمال الإنسان :
9 - يجوز استعمال الإنسان متطوّعاً وبأجرٍ ، مثل الاستعمال على الإمامة والقضاء بشروطٍ معيّنةٍ ، يرجع في تفصيلها إلى الولاية والإمامة والقضاء في كتب الفقه .
وكذا استعمال الإنسان في الصّناعة والخدمة والتّجارة . ومنه قول العبّاس بن سهلٍ السّاعديّ في صنع المنبر النّبويّ : " فذهب أبي ، فقطع عيدان المنبر من الغابة ، قال : فما أدري عملها أبي أو استعملها " .
ويرجع في تفصيل ذلك إلى مصطلح ( استصناعٌ ) ( وإجارةٌ ) ( ووكالةٌ )

استغاثةٌ *
التعريف :
1 - الاستغاثة لغةً : طلب الغوث والنّصر . والاستغاثة شرعاً : لا تخرج في المعنى عن التعريف اللّغويّ ، حيث تكون للعون ، وتفريج الكروب .
الألفاظ ذات الصّلة :
الاستخارة :
2 - الاستخارة لغةً : طلب الخيرة في الشّيء . واصطلاحاً : طلب صرف الهمّة لما هو المختار عند اللّه ، والأولى بالصّلاة والدّعاء .
فالاستخارة أخصّ ، لأنّها لا تطلب إلاّ من اللّه .
الاستعانة :
3 - الاستعانة : طلب العون . استعنت بفلانٍ طلبت معونته فأعانني ، وعاونني . وتكون من العباد فيما يقدرون عليه ، ومن اللّه { إيّاك نعبد وإيّاك نستعين } فالفرق أنّ الاستغاثة لا تكون إلاّ في الشّدّة .
حكم الاستغاثة :
4 - للاستغاثة أربعة أحكامٍ :
الأوّل : الإباحة ، وذلك في طلب الحوائج من الأحياء ، إذا كانوا يقدرون عليها - ومن ذلك الدّعاء فإنّه يباح طلبه من كلّ مسلمٍ ، بل يحسن ذلك - فله أن يستغيث بالمخلوقين أو لا يستغيث ، ولكن لا يجب أن يطلب منهم على جهة السّؤال والذّلّ والخضوع والتّضرّع لهم كما يسأل اللّه تعالى ، لأنّ مسألة المخلوقين في الأصل محرّمةٌ ، ولكنّها أبيحت عند الحاجة والضّرورة ، والأفضل الاستعفاف عنها إلاّ إذا ترتّب على ترك الاستغاثة هلاكٌ ، أو حدٌّ ، أو ضمانٌ ، فإنّه يجب عليه أن يدفع بالاستغاثة أوّلاً . فإن لم يفعل أثم وترتّب عليه سبق ضمانٍ للدّماء والحقوق على تفصيلٍ سيأتي .
الثّاني : النّدب ، وذلك إذا استغاث باللّه ، أو بصفةٍ من صفاته في الشّدّة والكرب { أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء } .
الثّالث : الوجوب ، وذلك إذا ترتّب على ترك الاستغاثة هلاكٌ أو ضمانٌ ، فإن تركه مع وجوبه أثم .
الرّابع : التّحريم ، وذلك إذا استغاث بمن لا يملك في الأمور المعنويّة بالقوّة أو التّأثير ، سواءٌ كان المستغاث به إنساناً ، أو جنّاً ، أو ملكاً ، أو نبيّاً ، في حياته ، أو بعد مماته { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك } .
الاستغاثة باللّه :
5 - أ - في الأمور العادية : أجمع علماء الأمّة على استحباب الاستغاثة باللّه تبارك وتعالى ، سواءٌ أكان ذلك من قتال عدوٍّ أم اتّقاء سبعٍ أم نحوه . لاستغاثة الرّسول صلى الله عليه وسلم باللّه في موقعة بدرٍ ، وقد أخبرنا القرآن بذلك . قال اللّه تعالى : { إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين } ، ولما روي عن خولة بنت حكيم بن حزامٍ رضي الله عنها قالت : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من نزل منزلاً ثمّ قال : أعوذ بكلمات اللّه التّامّات من شرّ ما خلق لم يضرّه شيءٌ حتّى يرتحل من منزله » .
ب - وتستحبّ أيضاً الاستغاثة باللّه في الأمور المعنويّة بالقوّة والتّأثير ، وفيما لا يقدر عليه إلاّ اللّه سبحانه وتعالى . مثل إنزال المطر ، وكشف الضّرّ ، وشفاء المرض ، وطلب الرّزق ، ونحو ذلك ممّا لا يقدر عليه إلاّ اللّه تبارك وتعالى ، لقوله تعالى : { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلت فإنّك إذاً من الظّالمين } وقوله تعالى : { وإن يمسسك اللّه بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو } .
ويستغاث باسم اللّه أو بصفةٍ من صفاته ، لما روي عن أنس بن مالكٍ : قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمرٌ قال : يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث »
الاستغاثة بالرّسول صلى الله عليه وسلم .
6 - الاستغاثة بالرّسول أقسامٌ :
القسم الأوّل : الاستغاثة بالرّسول فيما يقدر عليه .
اتّفق الفقهاء على جواز الاستغاثة برسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبكلّ مخلوقٍ حال حياته فيما يقدر عليه ، لقوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر } ولقوله : { فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه } وهي من قبيل العون والنّجدة ، كما قال تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } .
القسم الثّاني :الاستغاثة بالرّسول صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وسيأتي الكلام عليها والخلاف فيها .
القسم الثّالث : أن يستغيث العبد باللّه تعالى متقرّباً برسوله صلى الله عليه وسلم ، كأن يقول : اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم أن تفعل كذا كما سيأتي .
القسم الرّابع : الاستغاثة بذات الرّسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي .
أنواع الاستغاثة بالخلق :
7 - والاستغاثة بالخلق - فيما لا يقدرون عليه - تكون على أربع صورٍ :
أوّلها : أن يسأل اللّه بالمتوسّل به تفريج الكربة ، ولا يسأل المتوسّل به شيئاً ، كقول القائل : اللّهمّ بجاه رسولك فرّج كربتي . وهو على هذا سائلٌ للّه وحده ، ومستغيثٌ به ، وليس مستغيثاً بالمتوسّل به . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ هذه الصّورة ليست شركاً ، لأنّها استغاثةٌ باللّه تبارك وتعالى ، وليست استغاثةً بالمتوسّل به ؛ ولكنّهم اختلفوا في المسألة من حيث الحلّ والحرمة على ثلاثة أقوالٍ :
8 - القول الأوّل : جواز التّوسّل بالأنبياء والصّالحين حال حياتهم وبعد مماتهم . قال به مالكٌ ، والسّبكيّ ، والكرمانيّ ، والنّوويّ ، والقسطلاّنيّ ، والسّمهوديّ ، وابن الحاجّ ، وابن الجزريّ .
9 - واستدلّ القائلون بجواز الاستغاثة بالأنبياء والصّالحين بأدلّةٍ كثيرةٍ ، منها ما ورد من الأدعية المأثورة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثل « أسألك بحقّ السّائلين عليك ، وبحقّ ممشاي هذا إليك » . ومنها ما قاله الرّسول صلى الله عليه وسلم في الدّعاء لفاطمة بنت أسدٍ « اغفر لأمّي فاطمة بنت أسدٍ ، ووسّع عليها مدخلها ، بحقّ نبيّك والأنبياء الّذين من قبلي ، فإنّك أرحم الرّاحمين » . ومن الأدلّة حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من زار قبري وجبت له شفاعتي » . وما ورد من حديث المعراج « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ على موسى وهو قائمٌ يصلّي في قبره » والصّلاة تستدعي حياة البدن . وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عند قوله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا } أنّه قال : كان أهل خيبر تقاتل غطفان ، كلّما التقتا هزمت غطفان اليهود ، فدعت اليهود بهذا الدّعاء : اللّهمّ إنّا نسألك بحقّ الّذي وعدتنا أن تخرجه لنا إلاّ نصرتنا عليهم . فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدّعاء فتهزم اليهود غطفان . وقوله تعالى : { ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرّسول لوجدوا اللّه توّاباً رحيماً } .
وهذا تفخيمٌ للرّسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع بموته . ويستدلّون« بحديث الأعمى المتوسّل برسول اللّه في ردّ بصره ».
10 - القول الثّاني : أجاز العزّ بن عبد السّلام وبعض العلماء الاستغاثة باللّه متوسّلاً بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم والصّالحين حال حياتهم . وروي عنه أنّه قصر ذلك على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وحده . واستشهد لهذا بحديث الأعمى الّذي دعا اللّه سبحانه متوسّلاً برسول اللّه فردّ اللّه عليه بصره . فعن عثمان بن حنيفٍ أنّ « رجلاً ضريراً أتاه عليه الصلاة والسلام . فقال : ادع اللّه تعالى أن يعافيني ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن شئت أخّرت وهو خيرٌ ، وإن شئت دعوت . فقال : ادع قال : فأمره أن يتوضّأ ويحسن وضوءه ويدعو بهذا الدّعاء : اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بحبيبك محمّدٍ نبيّ الرّحمة ، يا محمّد ، إنّي أتوجّه بك إلى ربّك في حاجتي لتقضى . اللّهمّ شفّعه في » وصحّحه البيهقيّ وزاد : فقام ، وقد أبصر .
11 - القول الثّالث : عدم جواز الاستغاثة إلاّ باللّه سبحانه وتعالى ، ومنع التّوسّل في تلك الاستغاثة بالأنبياء والصّالحين ، أحياءً كانوا أو أمواتاً .
وصاحب هذا الرّأي ابن تيميّة ، ومن سار على نهجه من المتأخّرين . واستدلّوا بقوله تعالى : { ومن أضلّ ممّن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } . وبما رواه الطّبرانيّ بسنده عن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه ، أنّه « كان في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم منافقٌ يؤذي المؤمنين ، فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّه لا يستغاث بي وإنّما يستغاث باللّه » .
الصّورة الثّانية :
12 - استغاثةٌ باللّه واستغاثةٌ بالشّفيع أن يدعو اللّه له : وهو أن يسأل اللّه ، ويسأل المتوسّل به أن يدعو له ،« كما كان يفعل الصّحابة ، ويستغيثون ويتوسّلون بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ، ثمّ من بعده بعمّه العبّاس »، ويزيد بن الأسود الجرشيّ رضي الله عنهما ، فهو استغاثةٌ باللّه ، واستغاثةٌ بالشّفيع أن يسأل اللّه له . فهو متوسّلٌ بدعائه وشفاعته ، وهذا مشروعٌ في الدّنيا والآخرة في حياة الشّفيع ، ولا يعلم فيه خلافٌ . فقد روى البخاريّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « ألا أخبركم بأهل الجنّة ، كلّ ضعيفٍ مستضعفٍ ، لو أقسم على اللّه لأبرّه » قال العلماء : معناه لو حلف على اللّه ليفعلنّ كذا لأوقع مطلوبه ، فيبرّ بقسمه إكراماً له ، لعظم منزلته عنده . فدلّ ذلك على أنّ بعض ، النّاس خصّه اللّه بإجابة الدّعوة ، فلا بأس أن يسأل فيدعو للمستغيث ، وقد ورد هذا في آثارٍ كثيرةٍ عن الرّسول صلى الله عليه وسلم والصّحابة .
الصّورة الثّالثة : استغاثةٌ في سؤال اللّه :
13 - وهي أن يستغيث الإنسان بغيره في سؤال اللّه له تفريج الكرب ، ولا يسأل اللّه هو لنفسه . وهذا جائزٌ لا يعلم فيه خلافٌ . ومنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « وهل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم » أي بدعائهم ، وصلاتهم ، واستغفارهم . ومن هذا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يستفتح بصعاليك المهاجرين » . أي يستنصر بهم . فالاستنصار والاسترزاق يكون بالمؤمنين بدعائهم ، مع أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل منهم . لكنّ دعاءهم وصلاتهم من جملة الأسباب ، ويقتضي أن يكون للمستنصر به والمسترزق به مزيّةً على غيره من النّاس . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبرّه . منهم البراء بن مالكٍ » . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أويسٍ القرنيّ : « فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » وقول الرّسول صلى الله عليه وسلم لعمر لمّا ودّعه للعمرة : « لا تنسنا من دعائك » .
الصّورة الرّابعة :
14 - أن يسأل المستغاث به ما لا يقدر عليه ، ولا يسأل اللّه تبارك وتعالى ، كأن يستغيث به أن يفرّج الكرب عنه ، أو يأتي له بالرّزق . فهذا غير جائزٍ وقد عدّه العلماء من الشّرك ، " لقوله تعالى { ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فعلت فإنّك إذاً من الظّالمين . وإن يمسسك اللّه بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو وإن يردك بخيرٍ فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرّحيم } . وفي الصّحيح عن أنسٍ رضي الله عنه قال : « شجّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ وكسرت رباعيته ، فقال : كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم ؟ فنزلت { ليس لك من الأمر شيءٌ } » ، فإذا نفى اللّه تعالى عن نبيّه ما لا قدرة له عليه من جلب نفع أو دفع ضرٍّ ، فغيره أولى .
الاستغاثة بالملائكة :
15 - الاستغاثة بهم استغاثةٌ بغير اللّه تعالى ، وكلّ استغاثةٍ بغير اللّه ممنوعةٌ ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . « إنّه لا يستغاث بي ، ولكن يستغاث باللّه »
ولحديثه أيضاً عليه السلام « لمّا ألقي إبراهيم في النّار اعترضه جبريل ، فقال له : ألك حاجةٌ ؟ فقال : أمّا إليك فلا » .
الاستغاثة بالجنّ :
16 - الاستغاثة بالجنّ محرّمةٌ ، لأنّها استغاثةٌ بمن لا يملك ، وتؤدّي إلى ضلالٍ ، وقد بيّن اللّه تعالى ذلك بقوله { وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً } ويعتبر هذا من السّحر .
المستغيث وأنواعه :
17 - إذا استغاث المسلم لدفع شرٍّ وجبت إغاثته ، لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضّالّ » وقوله عليه السلام « من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدّنيا نفّس اللّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة » وهذا إذا لم يخش المغيث على نفسه ضرّاً ، لأنّ له الإيثار بحقّ نفسه دون حقّ غيره ، وهذا في غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } . أمّا الإمام ونوّابه فإنّه يجب عليهم الإغاثة ، ولو مع الخشية على النّفس ، لأنّ ذلك مقتضى وظائفهم .
18 - وإذا استغاث الكافر فإنّه يغاث لأنّه آدميٌّ ، ولأنّه يجب الدّفع عن الغير إذا كان آدميّاً محترماً ، ولم يخش المغيث على نفسه هلاكاً ، لأنّ له الإيثار بحقّ نفسه دون حقّ غيره ولحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « إنّ اللّه يحبّ إغاثة الملهوف » ولقوله صلى الله عليه وسلم « لا تنزع الرّحمة إلاّ من شقيٍّ » . وكذلك إذا كان الكافر حربيّاً واستغاث ، فإنّه يجاب إلى طلبه ، لعلّه يسمع كلام اللّه ، أو يرجع عمّا في نفسه من شرٍّ ويأسره المعروف . لقوله تعالى { وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه } " أي فأجره ، وأمّنه على نفسه وأمواله ، فإن اهتدى وآمن عن علمٍ واقتناعٍ فذاك ، وإلاّ فالواجب أن تبلغه المكان الّذي يأمن به على نفسه ، ويكون حرّاً في عقيدته .
الاستعانة بالكافر في حرب الكفّار :
19 - اتّفق العلماء على أنّ الاستغاثة لدفع شرٍّ ، أو جلب نفعٍ ممّا يملكه المخلوق تجوز بالمخلوقين مطلقاً ، فيستغاث بالمسلم والكافر ، والبرّ والفاجر ، كما يستغاث بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم ويستنصر به كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر » فلم تكن الإغاثة من خصائص المؤمنين فضلاً عن أن تكون من خصائص النّبيّين أو المرسلين ، وإنّما هي وصفٌ مشتركٌ بين جميع الآدميّين .
استغاثة الحيوان :
20 - يجب إغاثة الحيوان ، لما روي من الأحاديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « أنّ رجلاً دنا إلى بئرٍ فنزل ، فشرب منها وعلى البئر كلبٌ يلهث ، فرحمه ، فنزع أحد خفّيه فسقاه ، فشكر اللّه له فأدخله الجنّة » .
حالة المستغيث :
21 - إذا كان المستغيث على حقٍّ وجبت إغاثته ، لما تقدّم من وجوب إغاثة المسلم ، لقوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر إلاّ على قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ } " أي إن استنقذوكم فأعينوهم بنفيرٍ أو مالٍ ، فذلك فرضٌ عليكم ، فلا تخذلوهم إلاّ أن يستنصروكم على قومٍ كفّارٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فلا تنصروهم عليهم . إلاّ أن يكونوا أسرى مستضعفين ، فإنّ الولاية معهم قائمةٌ ، والنّصرة لهم واجبةٌ ، حتّى لا تبقى منّا عينٌ تطرف ، حتّى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتّى لا يبقى لأحدٍ درهمٌ ، كذلك قال مالكٌ وجميع العلماء ولحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « من أذلّ عنده مؤمنٌ فلم ينصره ، وهو قادرٌ على أن ينصره ، أذلّه اللّه عزّ وجلّ على رؤوس الخلائق يوم القيامة » .
22 - أمّا إن كان المستغيث على باطلٍ ، فإن أراد النّزوع عنه وأظهر ذلك استنقذ ، وإن كان يريد البقاء على باطله فلا . وكذلك كلّ ظالمٍ فإن نصرته محرّمةٌ ، لحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « مثل الّذي يعين قومه على غير الحقّ كمثل بعيرٍ تردّى في بئرٍ فهو ينزع بذنبه » . وقوله : « من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود اللّه فقد ضادّ اللّه في ملكه ، ومن أعان على خصومةٍ لا يعلم أحقٌّ أو باطلٌ فهو في سخط اللّه حتّى ينزع » . وقال سفيان الثّوريّ : إذا استغاث الظّالم وطلب شربة ماءٍ فأعطيته إيّاها كان ذلك إعانةً له على ظلمه .
رد مع اقتباس