عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-06-2012, 01:00 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الموسوعة الفقهية / الجزء الرابع
******************
استعاذةٌ
التعريف :
1 - الاستعاذة لغةً : الالتجاء ، وقد عاذ به يعوذ : لاذ به ، ولجأ إليه ، واعتصم به ، وعذت بفلانٍ واستعذت به : أي لجأت إليه . ولا يختلف معناها اصطلاحاً عن المعنى اللّغويّ ، فقد عرّفها البيجوريّ من الشّافعيّة بأنّها : الاستجارة إلى ذي منعةٍ على جهة الاعتصام به من المكروه . وقول القائل : أعوذ باللّه .. خبرٌ لفظاً دعاءٌ معنًى .
ولكن عند الإطلاق ، ولا سيّما عند تلاوة القرآن أو الصّلاة تنصرف إلى قول : ( أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ) وما بمنزلتها كما سيأتي .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الدّعاء :
2 - الدّعاء أعمّ من الاستعاذة ، فهو لجلب الخير أو دفع الشّرّ والاستعاذة دعاءٌ لدفع الشّرّ . صفتها : حكمها التّكليفيّ :
3 - الاستعاذة سنّةٌ عند أغلب الفقهاء ، وقال البعض بوجوبها عند قراءة القرآن ، وعند الخوف . وسيأتي تفصيل الحكم في كلّ موطنٍ على حدةٍ .
حكمة تشريعها :
4 - طلب اللّه سبحانه من عباده أن يستعيذوا به من كلّ ما فيه شرٌّ ، وشرعها سبحانه عند القيام ببعض الأعمال ، كقراءة القرآن في الصّلاة وخارجها ، وغير ذلك .« واستعاذ الرّسول صلى الله عليه وسلم من الشّرّ كلّه ، بل إنّه استعاذ ممّا عوفي منه وعصم »، إظهاراً للعبوديّة ، وتعليماً لأمّته .
مواطن الاستعاذة :
أوّلاً : الاستعاذة لقراءة القرآن :
5 - أجمع العلماء على أنّ الاستعاذة ليست من القرآن الكريم ، ولكنّها تطلب لقراءته ، لأنّ قراءته من أعظم الطّاعات ، وسعي الشّيطان للصّدّ عنها أبلغ . وأيضاً : القارئ يناجي ربّه بكلامه ، واللّه سبحانه يحبّ القارئ الحسن التّلاوة ويستمع إليه ، فأمر القارئ بالاستعاذة لطرد الشّيطان عند استماع اللّه سبحانه وتعالى له .
حكمها :
6 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها سنّةٌ ، وعن عطاءٍ والثّوريّ : أنّها واجبةٌ أخذاً بظاهر قوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه } « ولمواظبته عليه الصلاة والسلام »، ولأنّها تدرأ شرّ الشّيطان ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجبٌ . واحتجّ الجمهور بأنّ الأمر للنّدب ، وصرفه عن الوجوب إجماع السّلف على سنّيّته ،« ولما روي من ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم لها »، وإذا ثبت هذا كفى صارفاً .
محلّها :
7 - للقرّاء والفقهاء في محلّ الاستعاذة من القراءة ثلاثة آراءٍ :
أحدها : أنّها قبل القراءة ، وهو قول الجمهور ، وذكر ابن الجزريّ الإجماع على ذلك ، ونفى صحّة القول بخلافه . واستدلّوا على ذلك بما رواه أئمّة القرّاء مسنداً عن نافعٍ عن جبير بن مطعمٍ« أنّه صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ». دلّ الحديث على أنّ التّقديم هو السّنّة ، فبقي سببيّة القراءة لها ،
والفاء في ( فاستعذ ) دلّت على السّببيّة ، فلتقدّر ( الإرادة ) ليصحّ .
وأيضاً الفراغ من العمل لا يناسب الاستعاذة .
الثّاني : أنّها بعد القراءة ، وهو منسوبٌ إلى حمزة ، وأبي حاتمٍ ، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن سيرين ، وإبراهيم النّخعيّ ، وحكي عن مالكٍ ، عملاً بظاهر الآية { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه } . فدلّ على أنّ الاستعاذة بعد القراءة ، والفاء هنا للتّعقيب . وردّ صاحب كتاب النّشر صحّة هذا النّقل عمّن روي عنهم .
الثّالث : الاستعاذة قبل القراءة وبعدها ، ذكره الإمام الرّازيّ ، ونفى ابن الجزريّ الصّحّة عمّن نقل عنه أيضاً .
الجهر والإسرار بها :
8 - للفقهاء والقرّاء في الجهر بالاستعاذة ، أو الإسرار بها آراءٌ :
أوّلها : استحباب الجهر بها ، وهو قول الشّافعيّة ، وهو روايةٌ عن أحمد ، وهو المختار عند أئمّة القرّاء ، لم يخالف في ذلك إلاّ حمزة ومن وافقه ، قال الحافظ أبو عمرٍو في جامعه : لا أعلم خلافاً في الجهر بالاستعاذة عند افتتاح القرآن ، وعند ابتداء كلّ قارئٍ بعرضٍ ، أو درسٍ ، أو تلقينٍ في جميع القرآن ، إلاّ ما جاء عن نافعٍ وحمزة . وقيّد الإمام أبو شامة إطلاق اختيار الجهر بما إذا كان ذلك بحضرة من يسمع قراءته ، لأنّ الجهر بالتّعوّذ إظهارٌ لشعائر القراءة كالجهر بالتّلبية وتكبيرات العيد ، ومن فوائده أنّ السّامع ينصت للقراءة من أوّلها لا يفوته منها شيءٌ ، وإذا أخفى التّعوّذ لم يعلم السّامع بالقراءة إلاّ بعد أن يفوته من المقروء شيءٌ ، وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة خارج الصّلاة وفي الصّلاة ، فإنّ المختار في الصّلاة الإخفاء ، لأنّ المأموم منصتٌ من أوّل الإحرام بالصّلاة .
الثّاني : التّخيير بين الجهر والإسرار ، وهو الصّحيح عند الحنفيّة ، قال ابن عابدين : لكنّه يتّبع إمامه من القرّاء ، وهم يجهرون بها إلاّ حمزة فإنّه يخفيها ، وهو قول الحنابلة .
الثّالث : الإخفاء مطلقاً ، وهو قولٌ للحنفيّة ، وروايةٌ للحنابلة ، وهو روايةٌ عن حمزة . الرّابع : الجهر بالتّعوّذ في أوّل الفاتحة فقط ، والإخفاء في سائر القرآن ، وهو روايةٌ ثانيةٌ عن حمزة . ولم أقف على رأي المالكيّة في مسألة الاستعاذة خارج الصّلاة ، لكن يستأنس بما روي عن ابن المسيّب أنّه سئل عن استعاذة أهل المدينة أيجهرون بها أم يخفونها ؟ قال نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة ما كنّا نجهر ولا نخفي ، ما كنّا نستعيذ ألبتّة ).
بعض المواضع الّتي يستحبّ فيها الإسرار :
9 - ذكر ابن الجزريّ بعض المواضع الّتي يستحبّ فيها الإسرار بالاستعاذة ، منها ما إذا قرأ خالياً ، سواءٌ أقرأ جهراً أمّ سرّاً ، ومنها ما إذا قرأ سرّاً ، ومنها ما إذا قرأ في الدّور ولم يكن في قراءته مبتدئاً يسرّ بالتّعوّذ ، لتتّصل القراءة ، ولا يتخلّلها أجنبيٌّ ، فإنّ المعنى الّذي من أجله استحبّ الجهر - وهو الإنصات - فقد في هذه المواضع .
المراد بالإخفاء :
10 - ذكر ابن الجزريّ اختلاف المتأخّرين في المراد بالإخفاء ، فقال : إنّ كثيراً منهم قالوا : هو الكتمان ، وعليه حمل كلام الشّاطبيّ أكثر الشّرّاح ، فعلى هذا يكفي فيه الذّكر في النّفس من غير تلفّظٍ . وقال الجمهور : المراد به الإسرار وعليه حمل الجعبريّ كلام الشّاطبيّ ، فلا يكفي فيه إلاّ التّلفّظ وإسماع نفسه ، وهذا هو الصّواب ، لأنّ نصوص المتقدّمين كلّها على جعله ضدّاً للجهر ، وكونه ضدّاً للجهر يقتضي الإسرار به .
صيغ الاستعاذة وأفضلها :
11 - وردت صيغتان للاستعاذة عند القرّاء والفقهاء ،
إحداهما :" أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم " كما ورد في سورة النّحل من قوله تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم } . وهذا اختيار أبي عمرٍو وعاصمٍ وابن كثيرٍ رحمهم الله . قال ابن الجزريّ : إنّه المختار لجميع القرّاء من حيث الرّواية ، وقال أبو الحسن السّخاويّ في كتابة ( جمال القرّاء ) : إنّ إجماع الأمّة عليه . قال في النّشر :« وقد تواتر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم التّعوّذ به للقراءة ولسائر تعوّذاته »، وقال أبو عمرٍو الدّانيّ : هو المأخوذ به عند عامّة الفقهاء ، كأبي حنيفة ، والشّافعيّ ، وأحمد وغيرهم . وفي الصّحيحين وغيرهما قوله صلى الله عليه وسلم في إذهاب الغضب : « لو قال : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم لذهب عنه ما يجد » وفي غير الصّحيح « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ أمامه عبد اللّه بن مسعودٍ فقال : أعوذ باللّه السّميع العليم فقال : قل : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم وهكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللّوح المحفوظ » .
الثّانية : " أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم إنّ اللّه هو السّميع العليم " ، حكي عن أهل المدينة ، ونقله الرّازيّ في تفسيره عن أحمد ، لقوله تعالى { وإمّا ينزغنّك من الشّيطان نزغٌ فاستعذ باللّه إنّه هو السّميع العليم } وروي عن عمر بن الخطّاب ، ومسلم بن يسارٍ ، وابن سيرين ، والثّوريّ ، وهو اختيار نافعٍ ، وابن عامرٍ ، والكسائيّ .
الثّالثة : أن يقول : " أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم " ، قاله ابن سيرين كما في النّشر .
الرّابعة : أن يقول : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم » رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد اللّه بن مسعودٍ مرفوعاً ، ورواه أبو داود كما في النّشر .
وهناك صيغٌ أخرى أوردها صاحب النّشر .
الوقف على الاستعاذة :
12 - يجوز الوقف عليها والابتداء بما بعدها ، بسملةً كانت أو غيرها ، ويجوز وصلها بما بعدها ، والوجهان صحيحان ، وظاهر كلام الدّانيّ أنّ الأولى وصلها بالبسملة ، ولم يذكر ابن شيطا وأكثر العراقيّين سوى وصل الاستعاذة بالبسملة .
فأمّا من لم يسمّ فالأشبه السّكوت عليها ، ويجوز وصلها .
إعادة الاستعاذة عند قطع القراءة :
13 - إذا قطع القارئ القراءة لعذرٍ ، من سؤالٍ أو كلامٍ يتعلّق بالقراءة ، لم يعد التّعوّذ لأنّها قراءةٌ واحدةٌ . وفي ( مطالب أولي النّهى ) : العزم على الإتمام بعد زوال العذر شرطٌ لعدم الاستعاذة . أمّا إذا كان الكلام أجنبيّاً ، أو كان القطع قطع تركٍ وإهمالٍ فإنّه يعيد التّعوّذ ،
قال النّوويّ : يعتبر السّكوت والكلام الطّويل سبباً للإعادة .
الاستعاذة لدخول الخلاء :
14 - تستحبّ الاستعاذة عند دخول الخلاء ، ويجمع معها التّسمية ، ويبدأ بالتّسمية باتّفاق المذاهب الأربعة . أمّا بعد الدّخول فلا يقولها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويوافقهم المالكيّة إن كان المحلّ معدّاً لذلك .
وقيل يتعوّذ وإن كان معدّاً لذلك . ونسبه العينيّ إلى مالكٍ .
صيغ الاستعاذة لدخول الخلاء :
15 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو المذهب عند الحنابلة - أنّ صيغة الاستعاذة لدخول الخلاء هي :" بسم اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث "، لما روى أنسٌ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء يقول : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث » . وروي أيضاً عن أحمد أنّه يقول الرّجل إذا دخل الخلاء : أعوذ باللّه من الخبث والخبائث ، ولم يذكر التّسمية في هذه الرّواية .وزاد الغزاليّ : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان الرّجيم ، لما روي عن أبي أمامة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان الرّجيم » . والخبث بضمّ الباء : ذكران الشّياطين ، والخبائث : إناثهم ، وقال أبو عبيدٍ : الخبث بإسكان الباء : الشّرّ ، والخبائث : الشّياطين . قال الحطّاب : وخصّ هذا الموضع بالاستعاذة لوجهين .
الأوّل : بأنّه خلاءٌ ، وللشّياطين بقدرة اللّه تعالى تسلّطٌ بالخلاء ما ليس لهم في الملأ . الثّاني : أنّ موضع الخلاء قذرٌ ينزّه ذكر اللّه تعالى فيه عن جريانه على اللّسان ، فيغتنم الشّيطان عدم ذكره ، لأنّ ذكر اللّه تعالى يطرده ، فأمر بالاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمةً بينه وبين الشّيطان حتّى يخرج .
الاستعاذة للتّطهّر :
16 - عند الحنفيّة ، قال الطّحاويّ : يأتي بها قبل التّسمية ، غير أنّه لم يوضّح حكمها . وتستحبّ الاستعاذة للوضوء سرّاً عند الشّافعيّة قبل التّسمية ، قال الشّروانيّ : وأن يزيد بعدها : الحمد للّه الّذي جعل الماء طهوراً ، والإسلام نوراً ، { ربّ أعوذ بك من همزات الشّياطين ، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون } . ولم يثبت عند المالكيّة من الأذكار في الوضوء إلاّ التّشهّدان آخره ، والتّسمية أوّله . ولم نقف للحنابلة على نصٍّ صريحٍ فيها . ولم يتعرّض الفقهاء فيما اطّلعنا عليه للاستعاذة عند الغسل والتّيمّم ، إلاّ أنّهم متّفقون على أنّ الوضوء قبل الغسل مندوبٌ ، فيجري عليه ما تقدّم من أحكام الاستعاذة عند الوضوء . وما أحسن ما جاء في الفروع لابن مفلحٍ : أنّ التّعوّذ يستحبّ عند كلّ قربةٍ فيدخل فيها هذا وما كان مثله .
الاستعاذة عند دخول المسجد والخروج منه :
17 - نصّ المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على ندب الاستعاذة عند دخول المسجد ، وقد وردت صيغة الاستعاذة لدخول المسجد فيما ورد : « أعوذ باللّه العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم » الحمد للّه، اللّهمّ صلّ وسلّم على محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ . اللّهمّ اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، ثمّ يقول : باسم اللّه ، ويقدّم اليمنى في الدّخول ، ويقدّم اليسرى في الخروج ويقول جميع ما ذكرناه إلاّ أنّه يقول : أبواب فضلك بدل رحمتك . وأمّا الحنفيّة فلم نقف لهم على قولٍ في ذلك .
أمّا عند الخروج من المسجد ، فقد نصّ الشّافعيّة ، والحنابلة على ندب الاستعاذة حينئذٍ . قال الشّافعيّة : يستعيذ بما استعاذ به عند الدّخول ، وقد أخذ الحنابلة في ذلك بما ورد من حديث « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من إبليس وجنوده » . ولم يوقف للحنفيّة ، والمالكيّة على شيءٍ في ذلك ، غير أنّ الحنفيّة ذكروا الاستعاذة عند الخروج من المسجد الحرام .
الاستعاذة في الصّلاة :حكمها :
18 - الاستعاذة في الصّلاة سنّةٌ عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وعن أحمد روايةٌ أخرى أنّه واجبٌ . أمّا المالكيّة فقالوا : إنّها جائزةٌ في النّفل ، مكروهةٌ في الفرض . ويكتفى في الاستدلال على هذه الأقوال بما تقدّم في الاستدلال على أحكامها في قراءة القرآن ، فيما عدا دليل المالكيّة على الكراهة ، وحجّتهم أنّ الشّيطان يدبر عند الأذان والتّكبير ، كما استدلّوا بما روي عن أنسٍ قال :« صلّيت خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكرٍ وعمر وكانوا يستفتحون القراءة بالحمد للّه ربّ العالمين . »
محلّ الاستعاذة في الصّلاة :
19 - تكون الاستعاذة قبل القراءة عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ عند المالكيّة ، وهو ظاهر المدوّنة ، والقول الآخر للمالكيّة محلّها بعد أمّ القرآن ، كما في المجموعة . ويستدلّ على ذلك بما تقدّم في محلّ الاستعاذة عند قراءة القرآن ( ف 7 ) .
تبعيّة الاستعاذة في الصّلاة :
20 - الاستعاذة إمّا أن تكون تابعةً لدعاء الاستفتاح ( الثّناء ) أو للقراءة ، وتبعيّتها للقراءة قال به أبو حنيفة ومحمّدٌ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ودليلهم على ذلك أنّها سنّة القراءة فيأتي بها كلّ قارئٍ ، لأنّها شرعت صيانةً عن وساوس الشّيطان في القراءة .
وقال أبو يوسف : إنّها تبعٌ للثّناء ، لأنّها لدفع الوسواس في الصّلاة مطلقاً . وليس للخلاف ثمرةٌ إلاّ بين أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وبين أبي يوسف ، وتظهر في مسائل منها : أنّه لا يأتي بها المقتدي عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّه لا قراءة عليه ، ويأتي بها عند أبي يوسف ، لأنّه يأتي بالثّناء وهي تابعةٌ له .
فوات التّعوّذ :
21 - يفوت التّعوّذ بالشّروع في القراءة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وذلك لفوات المحلّ ، وترك الفرض لأجل السّنّة مرفوضٌ . ومقتضى قواعد المالكيّة كذلك في النّفل ، فهي سنّةٌ قوليّةٌ لا يعود إليها .
الإسرار والجهر بالاستعاذة في الصّلاة :
22 - للفقهاء في ذلك ثلاثة آراءٍ :
الأوّل : استحباب الإسرار ، وبه قال الحنفيّة ، وفي الفتاوى الهنديّة : أنّه المذهب ، ومعهم في هذا الحنابلة ، إلاّ ما استثناه ابن قدامة ، وعلى هذا أيضاً المالكيّة في أحد قوليهم ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة . والدّليل على استحباب الإسرار قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه أربعٌ يخفيهنّ الإمام ، وذكر منها : التّعوّذ والتّسمية وآمين ، ولأنّه لم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم الجهر .
الرّأي الثّاني : استحباب الجهر ، وهو قول المالكيّة في ظاهر المدوّنة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، ويجهر في بعض الأحيان في الجنازة ونحوها ممّا يطلب الإسرار فيه تعليماً للسّنّة ، ولأجل التّأليف ، واستحبّها ابن قدامة وقال : اختار ذلك ابن تيميّة . وقال في الفروع : إنّه المنصوص عن أحمد ، وسندهم في الجهر قياس الاستعاذة على التّسمية وآمين .
الرّأي الثّالث : التّخيير بين الإسرار والجهر ، وهو قولٌ للشّافعيّة ، جاء في الأمّ : كان ابن عمر رضي الله عنهما يتعوّذ في نفسه ، وأبو هريرة رضي الله عنه يجهر به .
تكرار الاستعاذة في كلّ ركعةٍ :
23 - الاستعاذة مشروعةٌ في الرّكعة الأولى باتّفاقٍ ، أمّا تكرارها في بقيّة الرّكعات فإنّ الفقهاء يختلفون فيه على رأيين :
الأوّل : استحباب التّكرار في كلّ ركعةٍ ، وهو قول ابن حبيبٍ من المالكيّة ، ولم ينقل أنّ أحداً منهم خالفه ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، وهو روايةٌ عن أحمد صحّحها صاحب الإنصاف بل قال ابن الجوزيّ : روايةٌ واحدةٌ . والدّليل على ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم } وقد وقع الفصل بين القراءتين ، فأشبه ما لو قطع القراءة خارج الصّلاة بشغلٍ ، ثمّ عاد إليها يستحبّ له التّعوّذ ، ولأنّ الأمر معلّقٌ على شرطٍ فيتكرّر بتكرّره ، كما في قوله تعالى { وإن كنتم جنباً فاطّهّروا } وأيضاً إن كانت مشروعةً في الرّكعة الأولى فهي مشروعةٌ في غيرها من الرّكعات قياساً ، للاشتراك في العلّة . الثّاني : كراهية تكرار الاستعاذة في الرّكعة الثّانية وما بعدها عند الحنفيّة ، وقولٌ للشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة . وحجّتهم أنّه كما لو سجد للتّلاوة في قراءته ثمّ عاد إليها لا يعيد التّعوّذ ، وكأنّ رابطة الصّلاة تجعل الكلّ قراءةً واحدةً ، غير أنّ المسبوق إذا قام للقضاء يتعوّذ عند أبي يوسف .
صيغة الاستعاذة في الصّلاة :
24 - تحصل الاستعاذة في الصّلاة بكلّ ما اشتمل على التّعوّذ من الشّيطان عند الشّافعيّة ، وقيّده البيجوريّ بما إذا كان وارداً . وعلى هذا الحنابلة ، فكيفما تعوّذ من الذّكر الوارد فحسنٌ . واقتصر الحنفيّة على " أعوذ " أو " أستعيذ " . ولم نجد للمالكيّة نصّاً في هذه المسألة . وأفضل الصّيغ على الإطلاق عند الشّافعيّة " أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم " وهو المختار عند الحنفيّة ، وقول الأكثر من الأصحاب منهم ومن الحنابلة ، لأنّه المنقول من استعاذته عليه الصلاة والسلام ، قال ابن المنذر : جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه كان يقول قبل القراءة : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » . وجاء عن أحمد أنّه يقول : « أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم » لحديث أبي سعيدٍ فإنّه متضمّنٌ لهذه الزّيادة . ونقل حنبلٌ عنه أنّه يزيد بعد ذلك " إنّ اللّه هو السّميع العليم " .
وفي فتح القدير لا ينبغي أن يزيد عليه " إنّ اللّه هو السّميع العليم " .
استعاذة المأموم :
25 - لا يختلف حكم الاستعاذة بالنّسبة للإمام عمّا لو كان منفرداً . أمّا المأموم فتستحبّ له عند الشّافعيّة سواءٌ أكانت الصّلاة سرّيّةً أم جهريّةً ، ومعهم أبو يوسف من الحنفيّة ، لأنّ التّعوّذ للثّناء عنده ، وهو إحدى رواياتٍ ثلاثٍ عن أحمد .
وتكره للمأموم تحريماً عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، لأنّها تابعةٌ للقراءة ، ولا قراءة على المأموم ، لكن لا تفسد صلاته إذا استعاذ في الأصحّ ، وعلى هذا الرّواية الثّانية عن أحمد ، أمّا الرّواية الثّالثة عنه فهي إن سمع الإمام كرهت وإلاّ فلا ، وذهب المالكيّة إلى جوازها للإمام والمأموم في النّفل . أمّا في الفرض فمكروهةٌ لهما كما سبق .
الاستعاذة في خطبة الجمعة :
26 - من سنن خطبة الجمعة عند الحنفيّة : أن يستعيذ في الخطبة الأولى في نفسه سرّاً قبل الحمد . ويستدلّ لهم بما قال سويدٌ : سمعت أبا بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه يقول على المنبر : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم . ولم نجد عند بقيّة المذاهب كلاماً في ذلك .
محلّ الاستعاذة في صلاة العيد :
27 - يستعيذ بعد تكبيرات الزّوائد عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وكذلك عند الشّافعيّة تكون بعد التّكبير ، وهو قولٌ عن أحمد ، لأنّها تبعٌ للقراءة . وتكون قبل تكبيرات الزّوائد عند المالكيّة ، وأبي يوسف من الحنفيّة ، لأنّها تبعٌ للثّناء ، وهو إحدى الرّوايات عن أحمد .
حكمها ، ومحلّها في صلاة الجنازة :
28 - لا يختلف حكم الاستعاذة في الجنازة عن حكمها في الصّلاة المطلقة ، ويجري فيها الخلاف الّذي جرى في الصّلاة المطلقة .
المستعاذ به :
29 - الاستعاذة تكون باللّه تعالى ، وأسمائه ، وصفاته ، وقال البعض : لا بدّ فيما يقرأ من القرآن للتّعوّذ أن يكون ممّا يتعوّذ به ، لا نحو آية الدّين . ويجوز الاستعاذة بالإنسان فيما هو داخلٌ تحت قدرته الحادثة ، كأن يستجير به من حيوانٍ مفترسٍ ، أو من إنسانٍ يريد الفتك به . ويحرم الاستعاذة بالجنّ والشّياطين ، لأنّ اللّه تعالى أخبر أنّ من استعاذ بهم زادوه رهقاً ، كما في قوله تعالى { وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً }
المستعاذ منه :
30 - يصعب ذكر المستعاذ منه تفصيلاً ، وقد عنيت كتب التّفسير ، والحديث ، والأذكار بكثيرٍ من هذه الأمور ، وتكفي الإشارة إلى بعض أنواع المستعاذ منه على سبيل التّمثيل . من ذلك : الاستعاذة من بعض صفات اللّه ببعض صفاته سبحانه . ومنه الاستعاذة من الشّرّ كلّه - شرّ النّفس والحواسّ ، والأماكن والرّيح وغير ذلك . ومن ذلك : الاستعاذة من الهرم وكآبة المنقلب ، ومن الشّقاق ، والنّفاق ، وسوء الأخلاق ، ومن الجبن والبخل .
إجابة المستعيذ :
31 - يندب للإنسان إجابة من استعاذ به في أمرٍ مقدورٍ له ، وقد تكون الإعاذة واجباً كفائيّاً أو عينيّاً ، لما روي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما« من استعاذكم باللّه فأعيذوه ، ومن سألكم باللّه فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه إلخ ». وقد يكون المستعيذ باللّه مستغيثاً ، فيكون تفصيل الحكم في مصطلح ( استغاثةٌ ) أولى .
تعليق التّعويذات :
يرجع في حكم تعليق التّعويذات إلى مصطلح ( تميمةٌ ) .

استعارةٌ *
التعريف :
1 - الاستعارة هي : طلب الإعارة ، والإعارة تمليك المنفعة بلا عوضٍ .
صفتها : حكمها التّكليفيّ :
2 - الأصل أنّ من أبيح له أخذ شيءٍ أبيح له طلبه ، ومن لا فلا . ويختلف حكمها بحسب الحالة الّتي يتمّ فيها الطّلب . فقد تكون الاستعارة واجبةً إذا توقّف عليها إحياء نفسٍ ، أو حفظ عرضٍ ، أو نحو ذلك من الأمور الضّروريّة ، لأنّ سدّ الضّرورات واجبٌ لا يجوز التّساهل فيه ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجبٌ .
وقد تكون مندوبةً ليستعين بها على الخير كاستعارة الكتب النّافعة . وتكون الاستعارة مكروهةً ، عندما يكون فيها منّةٌ ، ولحاجةٍ له مندوحةٌ عنها ، وقد عدّ الفقهاء من ذلك استعارة الفرع أصله لخدمته ، لما في ذلك من ذلّ الخدمة الّتي يجب أن ينزّه عنها الآباء . وقد تكون الاستعارة محرّمةً ، كما لو استعار شيئاً ليتعاطى به تصرّفاً محرّماً ، كاستعارته سلاحاً ليقتل به بريئاً ، أو آلة لهوٍ ليجمع عليها الفسّاق ونحو ذلك .
آداب الاستعارة :
3 - من آدابها :
أ - ألا يذلّ نفسه ، بل إن استعار استعار بعزٍّ ، والفرق بين الاستعارة والاستجداء : أنّ الاستجداء يكون مع الذّلّ ، والاستعارة تكون مع العزّ ، ولذلك كان عليه أن يترك الاستعارة ممّن يمنّ عليه طالما له مندوحةٌ عن ذلك كما تقدّم .
ب - وألاّ يلحف في طلب الإعارة ، والإلحاف هو إعادة السّؤال بعد الرّدّ ، وقد ذمّ اللّه الملحفين بالسّؤال بقوله تعالى { تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافاً } وإنّما نهى عنه لأنّ هذا الإلحاف قد يخرج المعير عن طوره ، فيقع في شيءٍ من المحظورات ، كالكلام البذيء ونحو ذلك ، وهو أذًى ينزله المستعير بالمعير ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا تلحفوا في المسألة » . ولكن يجوز التّكرار لبيان مسيس الحاجة إلى الاستعارة .
ج - وأن يقدّم الاستعارة من الرّجل الصّالح على الاستعارة من غيره ، لما يتحرّاه الصّالحون من المال الحلال ، ولما يحملونه من نفوسٍ طيّبةٍ تجود بالخير .
قال النّبيّ عليه الصلاة والسلام : « إن كنت سائلاً لا بدّ فاسأل الصّالحين » .
د - وألاّ يسأل بوجه اللّه ، ولا بحقّ اللّه ، كقوله : أسألك بوجه اللّه ، أو بحقّ اللّه أن تعيرني كذا ، لما فيه من اتّخاذ اسم اللّه تعالى آلةً .
قال عليه الصلاة والسلام : « لا يسأل بوجه اللّه إلاّ الجنّة » وقال : « ملعونٌ من سأل بوجه اللّه » . وللتّفصيل يرجع إلى ( إعارةٌ ) .
رد مع اقتباس