عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-06-2012, 06:21 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

فَصْلُ
[فِي أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بيِّنَ لأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ القُرْآنِ]
يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ لأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ القُرْآنِ، كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا.
وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا القُرْآنَ، كَـ: عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِمَا: (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلْمِ، وَالعَمَلِ؛ قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا القُرْآنَ وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعاً)؛ وَلِهَذَا كَانُوا يَبْقَونَ مُدَّةً فِي حِفْظِ السُّورَةِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: (كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ «البَقَرَةَ» وَ«آلَ عِمْرَانَ» جَلَّ فِي أَعْيُنِنَا).
وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حِفْظِ «البَقَرَةِ» عِدَّةَ سِنِينَ، قِيلَ ثَمَانِيَ سِنِينَ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، وَقَالَ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]، وَقَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [النساء: 82]، وَقَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: 68]؛ وَتَدَبُّرُ الكَلَامِ بِدُونِ فَهْمِ مَعَانِيهِ لَا يُمْكِنُ!
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]؛ وَعَقْلُ الْكَلَامِ مُتَضَمِّنٌ لِفَهْمِهِ.
وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فَالمَقْصُودُ مِنْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ، فَـ «القُرْآنُ» أَوْلَى بِذَلِكَ.
وَأَيْضاً فَالعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْمٌ كِتَاباً فِي فَنٍّ مِنَ العِلْمِ، كَـ «الطِّبُّ»، وَ«الحِسَابِ». وَلَا يَسْتَشْرِحُوهُ؛ فَكَيْفَ «بِكَلَامِ اللهِ» تَعَالَى الَّذِي هُوَ عِصْمَتُهُمْ، وَبِهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ، وَقِيَامُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَلِهَذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي «تَفْسِيرِ القُرْآنِ» قَلِيلاً جِدّاً، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الصَّحَابَةِ. فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَكُلَّمَا كَانَ العَصْرُ أَشْرَفَ كَانَ الاجْتِمَاعُ وَالائْتِلَافُ وَالعِلْمُ وَالبَيَانُ فِيهِ أَكْثَرَ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ مَنْ تَلَقَّى جَمِيعَ «التَّفْسِيرِ» عَنْ الصَّحَابَةِ. كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: (عَرَضْتُ «المُصْحَفَ» عَلَى ابْنِ عَبَّاسِ، أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةِ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا).
وَلِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ: (إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ).
وَلِهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِهِ: الشَّافِعِيُّ، وَالبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْل العِلْمِ.
وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي «التَّفْسِيرِ»، يُكَرِّرُ الطُّرُقَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالمَقْصُودُ أَنَّ التَّابِعِينَ تَلَقَّوُا التَّفْسِيرَ عَنْ الصَّحَابَةِ. كَمَا تَلَقَّوا عَنْهُمْ «عِلْمَ السُّنَةِ»؛ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِالاسْتِنْبَاطِ وَالاسْتِدْلَالِ، كَمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ السُّنَنِ بِالاسْتِنْبَاِط وَالاسْتِدْلَالِ.
فَصْلٌ
[فِي اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّهُ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ]
الخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ، وَخِلَافُهُمْ فِي الأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ. وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنَ الخِلَافِ يَرْجِعُ إِلَى «اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ» لَا«اخْتِلَافِ تَضَادٍّ»؛ وَذَلِكَ صِنْفَانِ؛
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ المُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ، تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي المُسَمَّى غَيْرِ المَعْنَى الآخَرِ، مَعَ اتِّحَادِ المُسَمَّى، بِمَنْزِلَةِ الأَسْمَاءِ المُتَكَافِئَةِ الَّتِي بَيْنَ المُتَرَادِفَةِ وَالمُتَبَايِنَةِ، كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ السَّيْفِ: «الصَّارِمُ» وَ«المُهَنَّدُ». وَذَلِكَ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى، وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَسْمَاءِ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، فَلَيْسَ دُعَاؤُهُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى مُضَادّاً لِدُعَائِهِ بِاسْمٍ آخَرَ؛ بَلْ الأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوْ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]، وَكُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ المُسَمَّاةِ وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الاسْمُ؛ كَـ: «الْعَلِيمِ»، يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْعِلْمِ، وَ«الْقَدِيرِ»، يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالقُدْرَةِ، وَ«الرَّحِيمِ» يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ.
وَمَنْ أَنْكَرَ دِلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظَّاهِرَ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ البَاطِنِيَّةِ «الْقَرَامِطَةِ» الَّذِينَ يَقُولُونَ: ( لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيٍّ)؛ بَلْ يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ «القَرَامِطَةَ البَاطِنِيَّةَ» لَا يُنْكِرُونَ اسْماً هُوَ عَلَمٌ مَحْضٌ كَالمُضْمَرَاتِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا فِي أَسْمَائِهِ الحُسْنَى مِنْ صِفَاتِ الإِثْبَاتِ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَقْصُودِهِمْ كَانَ مَعَ دَعْوَاهُ الغُلُوَّ فِي الظَّاهِرِ مُوَافِقاً لِغُلَاةِ البَاطِنِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا المَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَعَلَى مَا فِي الاسْمِ من صفاته، وَيَدُلُّ أَيْضاً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي في الاسْمِ الآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.
وَكَذِلِكَ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، مِثْلُ: «مُحَمَّدٍ»، وَ«أَحْمَدَ»، وَ«المَاحِي»، وَ«الحَاشِرِ»، وَ«العَاقِبِ».
وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ القُرْآنِ؛ مِثْلُ: «القُرْآنِ»، وَ«الفُرْقَانِ»، وَ«الهُدَى»، وَ«الشِّفَاءِ»، وَ«البَيَانِ»، وَ«الكِتَابِ»، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ تَعْيينَ المُسَمَّى، عَبَّرْنَا عَنْهُ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ إِذَا عُرِفَ مُسَمَّى هَذَا الاسْمِ. وَقَدْ يَكُونُ الاسْمُ عَلَماً، وَقَدْ يَكُونُ صِفَةً؛ كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: 124]. مَا ذِكْرُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ «القُرْآنُ»، مَثَلاً، أَوْ: مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الكُتُبِ؛ فَإِنَّ «الذِّكْرَ» مَصْدَرٌ، وَالمَصْدَرُ تَارَةً يُضَافُ إِلَى الفَاعِلِ. وَتَارَةً إِلَى المَفْعُولِ. فَإِذَا قِيلَ: ذِكْرُ اللهِ، بِالمَعْنَى الثَّانِي، كَانَ مَا يُذْكَرُ بِهِ؛ مِثْلُ قَوْلِ العَبْدِ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ». وَإِذَا قِيلَ بِالمَعْنَى الأَوَّلِ، كَانَ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ، وَهُوَ كَلَامُهُ. وَهَذَا هُوَ المُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: 124]؛ لأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: 123]. وَهُدَاهُ: هُوَ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الذِّكْرِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قَالَ رَبِّ لَمْ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: 125، 126].
وَالمَقْصُودُ: أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ كَلَامُهُ المُنَزَّلُ، أَوْ هُوَ ذِكْرُ العَبْدِ لَهُ؛ فَسَوَاءٌ قِيلَ: ذِكْرِي: كِتَابِي، أَوْ كَلَامِي، أَوْ هُدَايَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ المُسَمَّى وَاحِدٌ.
وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ مَا فِي الاسْمِ مِنَ الصِّفَةِ المُخْتَصَّةِ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى تَعْيِينِ المُسَمَّى؛ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ: ﴿الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: 23]. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ اللهُ، لَكِنْ مُرَادَهُ: مَا مَعْنَى كَوْنِهِ قُدُّوساً سَلَاماً، مُؤْمِناً؟ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
إِذَا عُرِفَ هَذا، فَالسَّلَفُ كَثِيراً مَا يُعَبِّرُونَ عَنْ المُسَمَّى بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا لَيْسَ فِي الاسْمِ الآخِرِ؛ كَمَنْ يَقُولُ: أَحْمَدُ هُوَ: الحَاشِرُ، وَالمَاحِي، وَالعَاقِبُ. وَالقُدُّوسُ: هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أَيْ أَنَّ المُسَمَّى وَاحِدٌ، لَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ هَذِهِ!
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اخْتِلَافَ تَضَاٍّد كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ مِثَالُ ذَلِكَ: تَفْسِيرُهُمْ لِلصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ: «القُرْآنُ»، أَي اتِّبَاعُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، -فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، ورَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ- «هُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَالذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ»( )، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الإِسْلَامُ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ-: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً: صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَفِي السُّوَريْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ. قَالَ: فَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ هُوَ الإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ، وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ»( ).
فَهَذَانِ القَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ؛ لأَنَّ دِينَ الإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ «القُرْآنِ»، وَلَكِنْ كُلاً مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ الوَصْفِ الآخَرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ: «صِرَاطٌ» يُشْعِرُ بِوَصْفٍ ثَالِثٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ: «السُّنَّةُ وَالجَمَاعَةُ»، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ: «طَرِيقُ العُبُودِيَّةِ»، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ: «طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم »، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إِلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا.
الصِّنْفُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنَ الاسْمِ العَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ المُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الحَدِّ المُطَابِقِ للمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ. مِثْلُ سَائِلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى لَفْظِ «الخُبْزِ» فَأُرِيَ رَغِيفاً، وَقِيلَ لَهُ: هَذَا؛ فَالإِشَارَةُ إِلَى نَوْعِ هَذَا، لَا إِلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32] فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ المُضِيعَ لِلوَاجِبَاتِ، وَالمُنْتَهِكَ لِلحُرُمَاتِ. وَالمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الوَاجِبَاتِ، وَتَارِكَ المُحَرَّمَاتِ. وَالسَّابِقُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالحَسَنَاتِ مَعَ الوَاجِبَاتِ. فَالمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ اليَمِينِ، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11].
ثُمَّ إِنَّ كُلّاً مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ؛ كَقَوْلِ القَائِلِ: «السَّابِقُ»: الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَ«المُقْتَصِدُ»: الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَ«الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ»: الَّذِي يُؤَخِّرُ العَصْرَ إِلَى الاصْفِرَارِ. أَوْ يَقُولُ: السَّابِقُ وَالمُقْتَصِدُ وَالظَّالِمُ قَدْ ذَكَرَهُمْ فِي آخِرِ «سُورَةِ البَقَرَةِ»؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ المُحْسِنَ بِالصَّدَقَةِ، وَالظَّالِمَ بِأَكْلِ الرِّبَا، وَالعَادِلَ بِالبَيْعِ. وَالنَّاسُ فِي الأَمْوَالِ، إِمَّا مُحْسِنٌ، وَإِمَّا عَادِلٌ، وَإِمَّا ظَالِمٌ؛ «فَالسَّابِقُ»: المُحْسِنُ بِأَدَاءِ المُسْتَحَبَّاتِ مَعَ الوَاجِبَاتِ، وَ«الظَّالِمُ»: آكِلُ الرِّبَا،َ ْأو مَانِعُ الزَّكَاةِ، وَ«المُقْتَصِدُ»: الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ وَلَا يَأْكُلُ الرِّبَا. وَأَمْثَالَ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ.
فَكُلُّ قَوْلٍ: فِيهِ ذِكْرُ نَوْعٍ دَاخِلٌ فِي الآيَةِ، [وَإِنَّمَا] ذُكِرَ لِتَعْرِيفِ المُسْتَمِعِ بِتَنَاوُلِ الآيَةِ لَهُ، وَتَنْبِيهِهِ عَلَى نَظِيرِهِ؛ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالمِثَالِ قَدْ يُسَهِّلُ أَكْثَرَ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالحَدِّ المُطَابِقِ. وَالعَقْلُ السَّلِيمُ يَتَفَطَّنُ لِلنَّوْعِ كَمَا يَتَفَطَّنُ إِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَغِيفٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا هُوَ الخُبْزُ.
وَقَدْ يَجِيءُ كَثِيراً مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَذَا؛ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ المَذْكُورُ شَخْصاً، كَأَسْبَابِ النُّزُولِ المَذْكُورَةِ فِي التَّفْسِيرِ؛ كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ «آيَةَ الظِّهَارِ» نَزَلَتْ فِي امْرَأَةِ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ، وَإِنَّ «آيَةَ اللِّعَانِ» نَزَلَتْ فِي عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ، أَوْ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ. وَإِنَّ «آيَةَ الكَلَالَةِ» نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. وَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] نَزَلَتْ فِي: «بَنِي قُرَيْظَةَ» وَ«النَّضِيرِ». وَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] نَزَلَتْ فِي «بَدْرٍ». وَإِنَّ قَوْلُهُ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: 106] نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ. وَقَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ: (إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ الحَدِيثُ).
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَوْمِ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْل الكِتَابِ؛ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ فِي قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
فَالَّذِينَ قَالُوا لَمْ يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِأُولَئِكَ الأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وَلَا عَاقِلٌ على الإِطْلَاقِ.
وَالنَّاسُ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي اللَفْظِ العَامِّ الوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ، هَلْ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ؟ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ إِنَّ عُمُومَاتِ «الكِتَابِ» وَ«السُّنَّةِ» تَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ المُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهَا تَخْتَصُّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَتَعُمُّ مَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَكُونُ العُمُومُ فِيهَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ. وَالآيَةُ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ إِنْ كَانَتْ «أَمْراً» أَوْ «نَهْياً» فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ «خَبَراً» بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ أَيْضاً.
رد مع اقتباس