عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 05-03-2012, 08:39 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أسباب الاسترقاق :
أوّلاً - من يضرب عليه الرّقّ :
7 - لا يجوز ضرب الرّقّ على النّساء إلاّ إذا توفّرت فيمن يسترقّ صفتان : الصّفة الأولى الكفر ، والصّفة الثّانية الحرب ، سواءٌ أكان محارباً بنفسه ، أم تابعاً لمحاربٍ ، على التّفصيل التّالي :
أ - الأسرى من الّذين اشتركوا في حرب المسلمين فعلاً .
8 - وهؤلاء إمّا أن يكونوا من أهل الكتاب ، أو من المشركين ، أو من المرتدّين ، أو من البغاة .
( أ ) فإن كانوا من أهل الكتاب : جاز استرقاقهم بالاتّفاق ، والمجوس يعاملون مثلهم في هذا .
( ب ) أمّا إن كانوا من المشركين : فإمّا أن يكونوا من العرب أو من غيرهم ، فإن كانوا من غير العرب فقد قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة : يجوز استرقاقهم . وقال بعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة : لا يجوز . أمّا إن كانوا من العرب : فقد ذهب المالكيّة ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة إلى جواز استرقاقهم . واستثنى المالكيّة من ذلك القرشيّين ، فقالوا : لا يجوز استرقاقهم . وذهب الحنفيّة ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة إلى أنّه لا يجوز استرقاقهم ، بل لا يقبل منهم إلاّ الإسلام ، فإن رفضوه قتلوا ؛ وعلّل الحنفيّة هذا التّفريق في الحكم بين العربيّ وغيره من المشركين بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم ، والقرآن نزل بلغتهم ، فالمعجزة في حقّهم أظهر ، فكان كفرهم - والحالة هذه - أغلظ من كفر العجم .
( ج ) وأمّا إن كانوا من المرتدّين : فإنّه لا يجوز استرقاقهم بالاتّفاق ، ولا يقبل منهم إلاّ الإسلام ، فإن رفضوه قتلوا لغلظ كفرهم .
( د ) وأمّا إن كانوا من البغاة : فإنّه لا يجوز استرقاقهم بالاتّفاق ؛ لأنّهم مسلمون ، والإسلام يمنع ابتداء الرّقّ .
ب - الأسرى من الّذين أخذوا في الحرب ممّن لا يجوز قتلهم ، كالنّساء والذّراريّ وغيرهم :
9 - وهؤلاء يجوز استرقاقهم بالاتّفاق ، إن كانوا من أهل الكتاب ، أو من الوثنيّين المشركين ، سواءٌ أكانوا من العرب أو من غيرهم . واستثنى المالكيّة من ذلك الرّهبان المنقطعين عن النّاس في الجبال ، إن لم يكن لهم رأيٌ في الحرب ، وإنّما كان الاسترقاق لهؤلاء دون القتل للتّوسّل إلى إسلامهم ؛ لأنّهم ليسوا من أهل الحرب . واستدلّوا على جواز استرقاق أهل الكتاب « باسترقاق رسول اللّه نساء بني قريظة وذراريّهم » ، واستدلّوا على جواز استرقاق سبي المرتدّين باسترقاق أبي بكرٍ الصّدّيق نساء المرتدّين من العرب ، واستدلّوا على جواز استرقاق سبي المشركين « باسترقاق رسول اللّه نساء هوازن وذراريّهم ، وهم من صميم العرب » . أمّا من يؤخذ من نساء البغاة وذراريّهم ، فلا يسترقّون بالاتّفاق ؛ لأنّهم مسلمون ، والإسلام يمنع ضرب الرّقّ ابتداءً .
ج - استرقاق من أسلم من الأسرى أو السّبي :
10 - من أسلم من الأسرى بعد الأخذ فيجوز استرقاقه ؛ لأنّ الإسلام لا ينافي الرّقّ جزاءً على الكفر الأصليّ ، وقد وجد الإسلام بعد انعقاد سبب الملك ، وهو الأخذ .
د - المرأة المرتدّة في بلاد الإسلام :
11 - ذهب الجمهور إلى أنّ المرأة إذا ارتدّت ، وأصرّت على ردّتها لا تسترقّ ، بل تقتل كالمرتدّ ، ما دامت في دار الإسلام . وعن الحسن ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبي حنيفة في النّوادر : تسترقّ في دار الإسلام أيضاً . قيل : لو أفتي بهذه لا بأس به فيمن كانت ذات زوجٍ ، حسماً لقصدها السّيّئ بالرّدّة من إثبات الفرقة .
هـ - استرقاق الذّمّيّ النّاقض للذّمّة :
12 - إذا أتى الذّمّيّ ما يعتبر نقضاً للذّمّة - على اختلاف الاجتهادات فيما يعتبر نقضاً للذّمّة وما لا يعتبر ( ر : ذمّةٌ ) - فإنّه يجوز استرقاقه وحده ، دون نسائه وذراريّه ؛ لأنّه بنقضه الذّمّة قد عاد حربيّاً ، فيطبّق عليه ما يطبّق على الحربيّين . أمّا نساؤه وذراريّه فيبقون على الذّمّة ، إن لم يظهر منهم نقضٌ لها .
و - الحربيّ الّذي دخل إلينا بغير أمانٍ .
13 - إذا دخل الحربيّ بلادنا بغير أمانٍ ، فمقتضى قول أبي حنيفة ، والشّافعيّة ، والحنابلة في الجملة : أنّه يصير فيئاً بالدّخول ، ويجوز عندئذٍ استرقاقه ، إلاّ الرّسل فإنّهم لا يرقّون بالاتّفاق ( ر : رسولٌ ) . ويقول الشّافعيّة : إن ادّعى أنّه إنّما دخل ليسمع كلام اللّه ، وليتعرّف على شريعة الإسلام فإنّه لا يصير فيئاً .
ز - التّولّد من الرّقيقة :
14 - من المقرّر في الفقه الإسلاميّ أنّ الولد يتبع أمّه في الحرّيّة ، فإذا كانت الأمّ حرّةً كان ولدها حرّاً ، وإن كانت أمةً كان ولدها رقيقاً ، وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء . ويستثنى من ذلك ما لو كان التّولّد من سيّد الأمة ، إذ يولد حرّاً وينعقد لأمّه سبب الحرّيّة ، فتصبح حرّةً بموت سيّدها .
انتهاء الاسترقاق :
15 - ينتهي الاسترقاق بالعتق . والعتق قد يكون بحكم الشّرع ، كمن ولدت من سيّدها تعتق بموته ، وكمن ملك ذا رحمٍ منه فإنّه يعتق عليه بمجرّد الملك . وقد يكون العتق بالإعتاق لمجرّد التّقرّب إلى اللّه تعالى ، أو لسببٍ موجبٍ للعتق ، كأن يعتقه في كفّارةٍ ( ر : كفّارةٌ ) ، أو نذرٍ ( ر : نذرٌ ) . كما تنتهي بالتّدبير ، وهو أن يجعله حرّاً دبر وفاته أي بعدها ( ر : تدبيرٌ ) ، أو بالمكاتبة ، أو إجبار وليّ الأمر سيّداً على إعتاق عبده لإضراره به ( ر : عتقٌ ) .
آثار الاسترقاق :
16 - أ - يترتّب على الاسترقاق آثارٌ كثيرةٌ ، منها ما يتعلّق بالعبادات البدنيّة المسنونة إذا كانت مخلّةً بحقّ السّيّد ، كصلاة الجماعة مثلاً ( ر : صلاة الجماعة ) ، أو الواجبات الكفائيّة ؛ لإخلالها بحقّ السّيّد أيضاً ، أو لأمرٍ آخر كالجهاد ، فإنّه يرخّص للعبد في تركها . ومنها جميع العبادات الماليّة ، فإنّها تسقط عن المرء باسترقاقه ، لأنّ العبد لا يملك المال ، كالزّكاة ، وصدقة الفطر ، والصّدقات والحجّ .
17 - ب - الواجبات الماليّة على من استرقّ إن كان لها بدلٌ بدنيٌّ ، فإنّه يصار إلى بدلها ، كالكفّارات ، فالرّقيق لا يكفّر في الحنث في اليمين بالعتق ولا بالإطعام ولا بالكسوة ، ولكنّه يكفّر بالصّيام . أمّا إن لم يكن لهذه الواجبات الماليّة بدلٌ بدنيٌّ ، فإنّها تتعلّق بعين المسترقّ ، فإذا جنى العبد على يد إنسانٍ فقطعها خطأً ، وكانت ديتها أكثر من قيمة العبد ، لم يكلّف المالك بأكثر من دفع العبد إلى المجنيّ عليه ، كما يذكر في أبواب الجنايات . وكذا إذا استدان من شخصٍ بغير إذن سيّده ، فإنّ هذا الدّين يتعلّق بعينه ، ويبقى في ذمّته ، ولا يكلّف سيّده بوفائه . فإن استرقّ وعليه دينٌ لمسلمٍ أو ذمّيٍّ لم يسقط الدّين عنه ؛ لأنّ شغل ذمّته قد حصل ، ولم يوجد ما يسقطه ، بخلاف ما إذا كان الدّين لحربيٍّ ، فإنّه يسقط ؛ لعدم احترام الحربيّ .
18 - ج - والاسترقاق يمنع المسترقّ من سائر التّبرّعات كالهبة ، والصّدقة ، والوصيّة ونحو ذلك .
19 - د - كما يمنع الاسترقاق من سائر الاستحقاقات الماليّة ، فإن وقع شيءٌ منها استحقّه المالك لا الرّقيق ، فالرّقيق لا يرث ، وما يستحقّه من أرش الجناية عليه فهو لسيّده . وإن استرقّ وله دينٌ على مسلمٍ أو ذمّيٍّ ، فإنّ سيّده هو الّذي يطالب بهذا الدّين ، أمّا إن كان الدّين على حربيٍّ فيسقط .
20 - هـ - وإذا سبي الصّبيّ الصّغير دون والديه ، حكم بإسلامه تبعاً للسّابي ؛ لأنّ له عليه ولايةً ، وليس معه من هو أقرب إليه منه فيتبعه .
21 - و - والاسترقاق يمنع الرّجل من أن تكون له ولايةٌ على غيره ، وعلى هذا فإنّ الرّقيق لا يكون أميراً ولا قاضياً ؛ لأنّه لا ولاية له على نفسه ، فكيف تكون له الولاية على غيره ، وبناءً على ذلك فإنّه لا يصحّ أمان الرّقيق ، ولا تقبل شهادته أيضاً ، على خلافٍ في ذلك .
22 - ز - والاسترقاق مخفّضٌ للعقوبة ، فتنصّف الحدود في حقّ الرّقيق ، إن كانت قابلةً للتّنصيف .
23 - ح - وللاسترقاق أثرٌ في النّكاح ، إذ العبد ليس بكفءٍ للحرّة ، ولا بدّ فيه من إذن السّيّد ، ولا يملك العبد نكاح أكثر من امرأتين ، ولا تنكح أمةٌ على حرّةٍ .
24 - ط - وله أثرٌ في الطّلاق أيضاً ، إذ لا يملك الرّقيق من الطّلاق أكثر من طلقتين ، وإذا نكح بغير إذن سيّده فالطّلاق بيد سيّده .
25 - ي - وله أثرٌ في العدّة ، إذ عدّة الأمة في الطّلاق حيضتان ، لا ثلاث حيضٍ ، وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ ينظر في مصطلحاته .


*استسعاءٌ
التعريف
1 - الاستسعاء لغةً : سعي الرّقيق في فكاك ما بقي من رقّه إذا عتق بعضه ، فيعمل ويكسب ، ويصرف ثمنه إلى مولاه . واستسعيته في قيمته : طلبت منه السّعي . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك وإعتاق المستسعى غير الإعتاق بالكتابة ، فالمستسعى لا يردّ إلى الرّقّ ، لأنّه إسقاطٌ لا إلى أحدٍ ، والإسقاط لا إلى أحدٍ ليس فيه معنى المعاوضة ، بخلاف المكاتب ؛ لأنّ الكتابة عقدٌ ترد عليه الإقالة والفسخ ، لكنّه يشبه الكتابة في أنّه إعتاقٌ بعوضٍ . ومحلّ الاستسعاء : من أعتق بعضه .
الحكم الإجماليّ :
2 - أغلب الفقهاء على أنّ المولى لو أعتق جزءاً من عبده فإنّه يسري العتق إلى باقيه ، ولا يستسعى ؛ لأنّ العتق لا يتبعّض ابتداءً ، ولحديث أبي المليح عن أبيه : « أنّ رجلاً أعتق شقصاً له من غلامٍ ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : ليس للّه شريكٌ » ، وأجاز عتقه . رواه أحمد وأبو داود ، وفي لفظٍ : « هو حرٌّ كلّه ، ليس للّه شريكٌ » . وقال أبو حنيفة : يستسعى في الباقي .
3 - أمّا إذا كان العبد مشتركاً ، وأعتق أحد الشّركاء نصيبه ، فإنّ الفقهاء يفرّقون بين ما إذا كان المعتق موسراً أو معسراً ، فإن كان موسراً فقد خيّر أبو حنيفة الشّريك الآخر بين ثلاثة أمورٍ : العتق ، أو تضمين الشّريك المعتق ، أو استسعاء العبد . وإن كان معسراً فالشّريك بالخيار ، بين الإعتاق وبين الاستسعاء فقط ، وقال أبو يوسف ومحمّدٌ هنا : ليس له إلاّ الضّمان مع اليسار ، والسّعاية مع الإعسار ، وقولهما هو روايةٌ عن أحمد ، لما رواه أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شقصاً في مملوكه فعليه أن يعتقه كلّه إن كان له مالٌ ، وإلاّ استسعى العبد غير مشقوقٍ عليه » أي لا يغلي عليه الثّمن . والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وظاهر مذهب الحنابلة على أنّه مع اليسار يسري العتق إلى الباقي ، ويغرم المعتق قيمة حصّة الشّركاء ، فإن كان معسراً فلا سراية ولا استسعاء .
4 - ويقع الخلاف بين الفقهاء كذلك إذا أعتق في مرض موته أو دبّر ، أو أوصى بعبيده ، ولم يكن له مالٌ سواهم ، فقال أبو حنيفة : يعتق جزءٌ من كلّ واحدٍ ، ويستسعى في باقيه ، وقال غيره : يعتق ثلثهم بالاقتراع بينهم ، فمن خرج له سهم الحرّيّة عتق ، وقيمة العبد المستسعى دينٌ في ذمّته ، يقدّرها عدلٌ ، وأحكامه أحكام الأحرار ، وقال البعض : لا يأخذ حكم الحرّ إلاّ بعد الأداء . وتعتبر القيمة وقت الإعتاق ؛ لأنّه وقت الإتلاف .
مواطن البحث :
5 - الكلام عن الاستسعاء منثورٌ في كتاب العتق ، وأغلب ذكره مع السّراية ، وفي باب ( العبد يعتق بعضه ) ( والإعتاق في مرض الموت ) كما يذكر في الكفّارة .


*استسقاءٌ
التعريف
1 - الاستسقاء لغةً : طلب السّقيا ، أي طلب إنزال الغيث على البلاد والعباد . والاسم : السّقيا بالضّمّ ، واستسقيت فلاناً : إذا طلبت منه أن يسقيك . والمعنى الاصطلاحيّ للاستسقاء هو : طلب إنزال المطر من اللّه بكيفيّةٍ مخصوصةٍ عند الحاجة إليه .
صفته : حكمه التّكليفيّ :
2 - قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة : الاستسقاء سنّةٌ مؤكّدةٌ ، سواءٌ أكان بالدّعاء والصّلاة أم بالدّعاء فقط ، فعله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصحابته والمسلمون من بعدهم . وأمّا أبو حنيفة فقال بسنّيّة الدّعاء فقط ، وبجواز غيره . وعند المالكيّة تعتريه الأحكام الثّلاثة التّالية : الأوّل : سنّةٌ مؤكّدةٌ ، إذا كان للمحلّ والجدب ، أو للحاجة إلى الشّرب لشفاههم ، أو لدوابّهم ومواشيهم ، سواءٌ أكانوا في حضرٍ ، أم سفرٍ في صحراء ، أو سفينةٍ في بحرٍ مالحٍ . الثّاني : مندوبٌ ، وهو الاستسقاء ممّن كان في خصبٍ لمن كان في محلٍّ وجدبٍ ؛ لأنّه من التّعاون على البرّ والتّقوى . ولما روى ابن ماجه « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسّهر والحمّى » . وصحّ : « دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ ، عند رأسه ملكٌ موكّلٌ كلّما دعا لأخيه بخيرٍ قال الملك الموكّل به : آمين ولك بمثلٍ » . ولكنّ الأوزاعيّ والشّافعيّة قيّدوه بألاّ يكون الغير صاحب بدعةٍ أو ضلالةٍ وبغيٍ . وإلاّ لم يستحبّ زجراً وتأديباً ؛ ولأنّ العامّة تظنّ بالاستسقاء لهم حسن طريقهم والرّضى بها ، وفيها من المفاسد ما فيها . مع أنّهم قالوا : لو احتاجت طائفةٌ من أهل الذّمّة وسألوا المسلمين الاستسقاء لهم فهل ينبغي إجابتهم أم لا ؟ الأقرب : الاستسقاء لهم وفاءً بذمّتهم . ثمّ علّلوا ذلك بقولهم : ولا يتوهّم مع ذلك أنّا فعلناه لحسن حالهم ؛ لأنّ كفرهم محقّقٌ معلومٌ . ولكن تحمل إحابتنا لهم على الرّحمة بهم ، من حيث كونهم من ذوي الرّوح ، بخلاف الفسقة والمبتدعة . الثّالث : مباحٌ ، وهو استسقاء من لم يكونوا في محلٍّ ، ولا حاجة إلى الشّرب ، وقد أتاهم الغيث ، ولكن لو اقتصروا عليه لكان دون السّعة ، فلهم أن يسألوا اللّه من فضله . دليل المشروعيّة :
3 - ثبتت مشروعيّته بالنّصّ والإجماع ، أمّا النّصّ فقوله تعالى : { فقلت استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسل السّماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنّاتٍ ويجعل لكم أنهاراً } . كما استدلّ له بعمل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين من بعده ، فقد وردت الأحاديث الصّحيحة في استسقائه صلى الله عليه وسلم . روى أنسٌ رضي الله عنه : « أنّ النّاس قد قحطوا في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فدخل رجلٌ من باب المسجد ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب . فقال : يا رسول اللّه هلكت المواشي ، وخشينا الهلاك على أنفسنا ، فادع اللّه أن يسقينا . فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يديه فقال : اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً مغدقاً عاجلاً غير رائثٍ . قال الرّاوي : ما كان في السّماء قزعةٌ ، فارتفعت السّحاب من هنا ومن هنا حتّى صارت ركاماً ، ثمّ مطرت سبعاً من الجمعة إلى الجمعة . ثمّ دخل ذلك الرّجل ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب ، والسّماء تسكب ، فقال : يا رسول اللّه تهدّم البنيان ، وانقطعت السّبل ، فادع اللّه أن يمسكه ، فتبسّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لملالة بني آدم . قال الرّاوي : واللّه ما نرى في السّماء خضراء . ثمّ رفع يديه ، فقال : اللّهمّ حوالينا ولا علينا ، اللّهمّ على الآكام والظّراب ، وبطون الأودية ، ومنابت الشّجر . فانجابت السّماء عن المدينة حتّى صارت حولها كالإكليل » . واستدلّ أبو حنيفة بهذا الحديث وجعله أصلاً ، وقال : إنّ السّنّة في الاستسقاء هي الدّعاء فقط ، من غير صلاةٍ ولا خروجٍ . واستدلّ الجمهور بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « شكا النّاس إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبرٍ فوضع له في المصلّى ، ووعد النّاس يوماً يخرجون فيه ، قالت عائشة : فخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشّمس ، فقعد على المنبر ، فكبّر وحمد اللّه عزّ وجلّ ثمّ قال : إنّكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم ، وقد أمركم اللّه عزّ وجلّ أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم . ثمّ قال : الحمد للّه ربّ العالمين ، الرّحمن الرّحيم ، مالك يوم الدّين ، لا إله إلاّ اللّه يفعل ما يريد ، اللّهمّ أنت اللّه لا إله إلاّ أنت ، أنت الغنيّ ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوّةً وبلاغاً إلى حينٍ . ثمّ رفع يديه فلم يزل في الرّفع حتّى بدا بياض إبطيه ، ثمّ حوّل إلى النّاس ظهره ، وقلب أو حوّل رداءه وهو رافعٌ يديه ، ثمّ أقبل على النّاس ، ونزل فصلّى ركعتين ، فأنشأ اللّه سحابةً فرعدت وبرقت ثمّ أمطرت بإذن اللّه تعالى ، فلم يأت مسجده حتّى سالت السّيول ، فلمّا رأى سرعتهم إلى الكنّ ضحك حتّى بدت نواجزه فقال : أشهد أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قديرٍ ، وأنّي عبد اللّه ورسوله » . وقد استسقى عمر رضي الله عنه بالعبّاس ، وقال : اللّهمّ إنّا كنّا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبيّك فتسقينا ، وإنّا نتوسّل بعمّ نبيّك فاسقنا فيسقون . وكذلك روي أنّ معاوية استسقى بيزيد بن الأسود . فقال : اللّهمّ إنّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا ، اللّهمّ إنّا نستسقي بيزيد بن الأسود ، يا يزيد ارفع يديك إلى اللّه تعالى » فرفع يديه ، ورفع النّاس أيديهم . فثارت سحابةٌ من الغرب كأنّها ترسٌ ، وهبّ لها ريحٌ ، فسقوا حتّى كاد النّاس ألاّ يبلغوا منازلهم .
حكمة المشروعيّة :
4 - إنّ الإنسان إذا نزلت به الكوارث ، وأحدقت به المصائب فبعضها قد يستطيع إزالتها ، وبعضها لا يستطيع بأيّ وسيلةٍ من الوسائل ، ومن أكبر المصائب والكوارث الجدب المسبّب عن انقطاع الغيث ، الّذي هو حياة كلّ ذي روحٍ وغذاؤه ، ولا يستطيع الإنسان إنزاله أو الاستعاضة عنه ، وإنّما يقدر على ذلك ويستطيعه ربّ العالمين فشرع الشّارع الحكيم سبحانه الاستسقاء ، طلباً للرّحمة والإغاثة بإنزال المطر الّذي هو حياة كلّ شيءٍ ممّن يملك ذلك ، ويقدر عليه ، وهو اللّه جلّ جلاله .
رد مع اقتباس