عرض مشاركة واحدة
  #65  
قديم 05-03-2012, 08:38 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - الاستلاف :
3 - الاستلاف لغةً : أخذ السّلف ، وسلف في كذا وأسلف : إذا قدّم الثّمن فيه . والسّلف كالسّلم والقرض بلا منفعةٍ أيضاً . يقال : أسلفه مالاً إذا أقرضه . صفة الاستدانة
حكمها التّكليفيّ :
4 - الأصل في الاستدانة الإباحة ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكتبوه } . ولأنّ النّبيّ كان يستدين .
وقد تعتريها أحكامٌ أخرى بحسب السّبب الباعث ، كالنّدب في حال عسر المدين ، وكالوجوب للمضطرّ ، وكالتّحريم فيمن يستدين قاصداً المماطلة ، أو جحد الدّين . وكالكراهة إذا كان غير قادرٍ على الوفاء ، وليس مضطرّاً ولا قاصداً المماطلة .
صيغة الاستدانة :
5 - تكون الاستدانة بكلّ ما يدلّ على التزام الذّمّة بدينٍ ، قرضاً كان أو سلماً ، أو ثمناً لمبيعٍ بأجلٍ ويفصّل الفقهاء ذلك عند الكلام في مصطلح : ( عقدٌ ) ( وقرضٌ ) ( ودينٌ ) .
الأسباب الباعثة على الاستدانة :
أوّلاً : الاستدانة لحقوق اللّه تعالى :
6 - حقوق اللّه تعالى الماليّة ، كالزّكاة ، لا تثبت في الذّمّة إلاّ على الغنيّ القادر عليها - والغنيّ في كلّ تكليفٍ بحسبه - فلا يكلّف بالاستدانة ليصير ملزماً بشيءٍ منها بالاتّفاق . أمّا ما شرط اللّه لوجوبه الاستطاعة ، كالحجّ ، فإن كان لا يرجو الوفاء فالاستدانة لأجله مكروهةٌ أو حرامٌ عند المالكيّة ، وخلاف الأفضل عند الحنفيّة . أمّا إن كان يرجو الوفاء فيجب عليه عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو الأفضل عند الحنفيّة . وعند الحنابلة - يفهم ممّا في المغني - أنّه إن أمكنه الحجّ بالاستدانة لم يلزمه ذلك ، ولكن يستحبّ له إن لم يكن عليه في ذلك ضررٌ أو على غيره . فإذا وجبت حقوق اللّه تعالى الماليّة على عبدٍ حال غناه ، ثمّ افتقر قبل أدائها ، فهل يكلّف بالاستدانة لأدائها ؟ يفرّق فقهاء الحنفيّة في ذلك بين الحالتين : إن لم يكن عنده مالٌ وأراد أن يستقرض ، فإن كان في أكبر رأيه أنّه إذا استقرض وأدّى الزّكاة ، واجتهد لقضاء دينه يقدر على ذلك ، كان الأفضل له أن يستقرض ، فإن استقرض وأدّى ولم يقدر على قضاء الدّين حتّى مات ، يرجى أن يقضي اللّه تعالى دينه في الآخرة . وإن كان أكبر رأيه أنّه إذا استقرض لا يقدر على قضاء الدّين ، كان الأفضل له ألاّ يستقرض ، لأنّ خصومة صاحب الدّين أشدّ . وظاهر هذا أنّه لا يجب عليه الاستقراض على كلّ حالٍ . ومذهب الحنابلة أنّه إذا وجبت عليه الزّكاة ، فتلف المال بعد وجوبها ، فأمكنه أداؤها أدّاها ، وإلاّ أمهل إلى ميسرته وتمكّنه من أدائها من غير مضرّةٍ عليه ولا على غيره ، قالوا : لأنّه إذا لزم الإنظار في دين الآدميّ المعيّن فهذا أولى . ولم يتعرّض الشّافعيّة لهذه المسألة فيما اطّلعنا عليه .
ثانياً : الاستدانة لأداء حقوق العباد :
أ - الاستدانة لحقّ النّفس :
7 - تجب الاستدانة على المضطرّ لإحياء نفسه ؛ لأنّ حفظ النّفس مقدّمٌ على حفظ المال ، صرّح به الشّافعيّة ، وقواعد غيرهم لا تأباه ؛ لما ورد في الضّرورة من نصوصٍ معروفةٍ . أمّا الاستدانة لسدّ حاجةٍ من الحاجيّات ، فهو جائزٌ إن كان يرجو وفاءً ، وإن كان الأولى له أن يصبر . لما في الاستدانة من المنّة ، قال في الفتاوى الهنديّة . لا بأس أن يستدين الرّجل إذا كانت له حاجةٌ لا بدّ منها ، وهو يريد قضاءها . وكلمة « لا بأس » إذا أطلقها فقهاء الحنفيّة فإنّهم يعنون بها : ما كان تركه أولى من فعله . أمّا إذا كان لا يرجو وفاءً فتحرم عليه الاستدانة ، والصّبر واجبٌ ؛ لما في الاستدانة من تعريض مال الغير إلى الإتلاف . أمّا الاستدانة من أجل غايةٍ غير مشروعةٍ فإنّه لا يجوز ، كما إذا استدان لينفق في وجهٍ غير مشروعٍ ، مثل أن يكون عنده من المال ما يكفيه ، فيتوسّع في النّفقة . ويستدين لأجل أن يأخذ من الزّكاة ، فإنّه لا يعطى منها ؛ لأنّ قصده مذمومٌ .
ب - الاستدانة لحقّ الغير :
أوّلاً - الاستدانة لوفاء الدّين :
8 - لا يلزم المعسر بالاستدانة لقضاء دين غرمائه ، لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } . ولما في ذلك من منّةٍ . ولأنّ الضّرر لا يزال بمثله ، صرّح بذلك المالكيّة والحنابلة ، وقواعد غيرهم لا تأباه .
ثانياً : الاستدانة للنّفقة على الزّوجة :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة الزّوجة واجبةٌ ، سواءٌ أكان الزّوج موسراً أم معسراً ، فإن كان الزّوج حاضراً ، وله مالٌ ، أنفق من ماله جبراً عنه ، وإن كان معسراً فإنّ أئمّة الحنفيّة يرون أنّ القاضي يفرض لها النّفقة ، ثمّ يأمرها بالاستدانة عليه ، فإن لم تجد من تستدين منه أوجب القاضي نفقتها على من تجب عليه من أقاربها لو لم تكن متزوّجةً ، أمّا إن كان غائباً وليس له مالٌ حاضرٌ ، فإنّه لا تفرض لها نفقةٌ عليه ، خلافاً لزفر ، وقوله هو المفتى به عند الحنفيّة . وذهب الحنابلة إلى أنّ لها الاستدانة ، لها ولأولادها ولو بغير إذنٍ ، وترجع عليه بما استدانت . ومذهب المالكيّة أنّ نفقة الزّوجة تسقط بالإعسار إذا ثبت ، أمّا إذا لم يثبت إعساره فلها أن تستدين عليه . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كان له مالٌ حاضرٌ ينفق عليها منه جبراً عنه . وإذا كان لا مال له وهو قادرٌ على الكسب ، أجبر على التّكسّب ، ويستدين للنّفقة الحاضرة ، أمّا إن كان ماله غائباً فإنّه يجبر على الاستدانة ، فإن لم يستدن كان لها طلب الفسخ .
ثالثاً : الاستدانة للإنفاق على الأولاد والأقارب :
10 - نفقة الصّغار من الأولاد الفقراء غير المتكسّبين واجبةٌ في الجملة على الوالد دون غيره في الأصل ، فإن امتنع عن الإنفاق عليهم ، وكان موسراً ، أجبر على ذلك ، ويؤمرون بالاستدانة عليه . وإن كان معسراً فعند الحنفيّة : تؤمر الأمّ بالإنفاق عليهم من مالها إن كانت موسرةً ، وإلاّ ألزم بنفقتهم من تجب عليه لو كان الأب ميّتاً ، ثمّ يرجع المنفق على الأب إن أيسر . وإن كان الأب زمناً اعتبر كالميّت ، فلا رجوع للمنفق بل هو تبرّعٌ . ومذهب المالكيّة كالحنفيّة في حال اليسار ، وينوب عن إذن القاضي عندهم إشهاد المنفق على أنّه أنفق على سبيل الرّجوع ، أو يحلف على ذلك . أمّا إذا كان معسراً فيعتبر الإنفاق على أولاده تبرّعاً من المنفق ، لا رجوع له ولو أيسر الأب بعدئذٍ . وعند الشّافعيّة : للأولاد الاستدانة بإذن القاضي ، ولا رجوع إلاّ إذا حصل الاقتراض بالفعل للمنفق المأذون . وذهب الحنابلة إلى أنّه يستدان للأولاد بإذنٍ ، لكن لو استدانت الأمّ لها ولأولادها بلا إذنٍ جاز تبعاً للأمّ . أمّا الاستدانة لغير الزّوجة والأولاد ففي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ كبيرٌ ، موطنه « نفقةٌ » .
الاستدانة ليتمحّض المال حلالاً :
11 - إذا أراد أن يحجّ فيستحبّ أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، فإن لم يتوفّر له إلاّ مالٌ فيه شبهةٌ ، وأراد أن يحجّ بمالٍ حلالٍ ، ففي فتاوى قاضي خان : يستدين للحجّ ، ويقضي دينه من ماله .
شروط صحّة الاستدانة :
الشّرط الأوّل : عدم انتفاع الدّائن :
12 - إنّ انتفاع الدّائن من عمليّة الاستدانة إمّا أن يتمّ بشرطٍ في العقد ، أو بغير شرطٍ ، فإن كان بشرطٍ فهو حرامٌ بلا خلافٍ ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أنّ المسلف - أي الدّائن - إذا شرط على المستلف زيادةً أو هديّةً ، فأسلف على ذلك ، أنّ أخذ الزّيادة على ذلك رباً ، وقد روى عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قوله : « كلّ قرضٍ جرّ منفعةً فهو رباً » . وهو وإن كان ضعيف السّند إلاّ أنّه صحيحٌ معنًى ، وروي عن أبيّ بن كعبٍ ، وعبد اللّه بن عبّاسٍ ، وعبد اللّه بن مسعودٍ ، أنّهم نهوا عن كلّ قرضٍ جرّ منفعةً للمقرض . ولأنّ عقد الاستدانة عقد إرفاقٍ وقربةٍ ، واشتراط المنفعة فيه للدّائن إخراجٌ له عن موضوعه ، وهو شرطٌ لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وقد أورد الفقهاء كثيراً من التّطبيقات العمليّة على القرض الّذي يجرّ نفعاً للدّائن . ومن ذلك : أن يشترط الدّائن أن يردّ له المدين أكثر ممّا أخذ ، أو أجود ممّا أخذ ، وهذا هو الرّبا بعينه ( ر : رباً ) . وليس من ذلك اشتراط الدّائن على المدين أن يعطيه رهناً بالدّين ، أو كفيلاً ضماناً لدينه ؛ لأنّ هذا شرطٌ يلائم العقد كما سيأتي . أمّا إن كانت المنفعة الّتي حصل عليها الدّائن من المدين غير مشروطةٍ ، فيجوز ذلك عند جمهور الفقهاء : الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . وهو مرويٌّ عن عبد اللّه بن عمر ، وسعيد بن المسيّب ، والحسن البصريّ ، وعامرٍ الشّعبيّ ، والزّهريّ ، ومكحولٍ ، وقتادة ، وإسحاق بن راهويه ، وهو إحدى الرّوايتين عن إبراهيم النّخعيّ . واستدلّ هؤلاء بما رواه مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال : « أقبلنا من مكّة إلى المدينة مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاعتلّ جملي » . وساق الحديث بقصّته ، وفيه « ثمّ قال : بعني جملك هذا ، قال : فقلت : لا ، بل هو لك ، قال : بل بعنيه ، قال : قلت : لا ، بل هو لك يا رسول اللّه ، قال : لا ، بل بعنيه ، قال : قلت : فإنّ لرجلٍ عليّ أوقيّة ذهبٍ فهو لك بها ، قال : قد أخذته ، فتبلّغ عليه إلى المدينة ، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبلالٍ : أعطه أوقيّةً من ذهبٍ وزيادةً ، قال : فأعطاني أوقيّةً من ذهبٍ وزادني قيراطاً » وهذه زيادةٌ في القدر .
13 - أمّا الزّيادة في الصّفة : فعن أبي رافعٍ مولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّ رسول اللّه استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره ، فرجع أبو رافعٍ فقال : لم أجد فيها إلاّ خياراً بعيراً رباعيّاً ، فقال : أعطه إيّاه ، إنّ خير النّاس أحسنهم قضاءً » . ولأنّه لم يجعل تلك الزّيادة عوضاً عن القرض ، ولا وسيلةً إليه ، ولا إلى استيفاء دينه . وقال بعض المالكيّة ، وهي إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وهو المرويّ عن أبيٍّ ، وابن عبّاسٍ ، وابن عمر ، وإحدى الرّوايتين عن النّخعيّ : لا يجوز للمقرض قبول هديّة المقترض ، ولا الحصول على ما به الانتفاع له ، كركوب دابّته ، وشرب شيءٍ عنده في بيته ، إن لم يكن ذلك معروفاً بينهما قبل القرض ، أو حدث ما يستدعي ذلك ؛ لزواجٍ وولادةٍ ونحو ذلك . قال الدّسوقيّ : « والمعتمد جواز الشّرب والتّظلّل ، وكذلك الأكل إن كان لأجل الإكرام لا لأجل الدّين » لأنّه إن أخذ فضلاً ، أو حصل على منفعةٍ يكون قد تعاطى قرضاً جرّ منفعةً بالفعل ، فقد روى الأثرم أنّ رجلاً كان له على ، سمّاكٍ عشرون درهماً ، فجعل يهدي إليه السّمك ويقوّمه ، حتّى بلغ ثلاثة عشر درهماً ، فسأل ابن عبّاسٍ ، فقال له : أعطه سبعة دراهم . وعن ابن سيرين أنّ عمر أسلف أبيّ بن كعبٍ عشرة دراهم ، فأهدى إليه أبيّ بن كعبٍ من ثمرة أرضه ، فردّها عليه ولم يقبلها ، فأتاه أبيٍّ فقال : لقد علم أهل المدينة أنّي من أطيبهم ثمرةً ، وأنّه لا حاجة لنا ، فبم منعت هديّتنا ؟ ثمّ أهدى إليه بعد ذلك فقبل . وهذا يدلّ على ردّها عند الشّبهة ، وقبولها عند انتفائها . وعن زرّ بن حبيشٍ قال : قلت لأبيّ بن كعبٍ : إنّي أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق ، فقال : إنّك تأتي أرضاً فاشٍ فيها الرّبا ، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ، ومعه هديّةٌ ، فاقبض قرضك ، وأردد عليه هديّته . الشّرط الثّاني : عدم انضمام عقدٍ آخر :
14 - يشترط لصحّة الاستدانة ألاّ ينضمّ إليها عقدٌ آخر ، سواءٌ اشترط ذلك في عقد الاستدانة ، أم تمّ التّوافق عليه خارجه ، كأن يؤجّر المستقرض داره للمقرض ، أو يستأجر المستقرض دار المقرض ، لأنّ « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعٍ وسلفٍ » . وفي ذلك تفصيلٌ وخلافٌ يرجع إليه في ( البيوع المنهيّ عنها ) .
الاستدانة من بيت المال ، ولبيت المال ، ونحوه ، كالوقف :
15 - الأصل في ذلك أنّ الاستدانة لبيت المال ، أو منه جائزةٌ شرعاً . أمّا الاستدانة منه : فلما ورد أنّ أبا بكرٍ استقرض من بيت المال سبعة آلاف درهمٍ ، فمات وهي عليه ، فأوصى أن تقضى عنه . وقال عمر : إنّي أنزلت مال اللّه منّي منزلة مال اليتيم ، إن احتجت إليه أخذت منه ، فإذا أيسرت قضيت . أمّا الاستدانة عليه : فلما روى أبو رافعٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استسلف من رجلٍ بكراً ، فقدمت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إبل الصّدقة ، فأمر أبا رافعٍ أن يقضي الرّجل بكره » ... الحديث . فهذه استدانةٌ على بيت المال ؛ لأنّ الرّدّ كان من مال الصّدقة ، وكلّ هذا يراعى فيه المصلحة العامّة ، والحيطة الشّديدة في توثيق الدّين ، والقدرة على استيفائه . ويشترط لذلك على ما صرّح به الحنفيّة في الوقف - وبيت المال مثله - أن يكون بإذن من له الولاية ، وأن يكون الإقراض لمليءٍ مؤتمنٍ ، وألاّ يوجد من يقبل المال مضاربةً ، وألاّ يوجد مستغلاّتٌ تشترى بذلك المال . وقد صرّح الشّافعيّة بالنّسبة للوقف بأنّه يستغنى بشرط الواقف عن إذن القاضي . وكذلك الحكم في مال اليتيم ومال الغائب واللّقطة . وفي ذلك خلافٌ وتفصيلٌ ، موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) ( ودينٌ ) .
آثار الاستدانة :
أ - ثبوت الملك :
16 - يملك المستدين المحلّ المقابل للدّين بالعقد نفسه إلاّ في القرض ، ففيه ثلاثة اتّجاهاتٍ هي : أنّه يملك بالعقد ، أو بالقبض ، أو بالاستهلاك ، على تفصيلٍ موطنه مصطلح : ( قرضٌ ) .
ب - حقّ المطالبة ، وحقّ الاستيفاء :
17 - من آثار الاستدانة وجوب الوفاء على المستدين عند حلول الأجل ، لقوله تعالى : { وأداءٌ إليه بإحسانٍ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « مطل الغنيّ ظلمٌ » . وندب الإحسان في المطالبة ، ووجوب إنظار المدين المعسر إلى حين الميسرة بالاتّفاق . واستدلّ لذلك بقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ } وأنّها عامّةٌ في الدّيون كلّها وليست خاصّةً بالرّبا .
ج - حقّ المنع من السّفر :
18 - للدّائن في الجملة حقّ منع المدين من السّفر في الدّين الحالّ ، إن لم يكن للمدين مالٌ حاضرٌ يمكنه الاستيفاء منه ، أو كفيلٌ ، أو رهنٌ . وإنّما ثبت هذا الحقّ لأنّ سفر المدين قد يفوّت على الدّائن حقّ المطالبة والملازمة ، وفي ذلك تفصيلٌ تبعاً لنوع الدّين ، والأجل ، والسّفر ، والمدين . ( ر : دينٌ ) .
د - حقّ ملازمة المدين :
19 - من حقّ الدّائن أن يلازم المدين - على تفصيلٍ في هذه الملازمة - إلاّ إذا كان الدّائن رجلاً والمدين امرأةً ؛ لما في ملازمتها من الإفضاء إلى الخلوة بالأجنبيّة ، ولكن يجوز للدّائن أن يبعث بالمرأة تنوب عنه في ملازمتها ، وكذلك العكس .
هـ - طلب الإجبار على الوفاء :
20 - يلزم المدين وفاء دينه ما دام قادراً على ذلك ، فإن امتنع وكان الدّين الّذي عليه مثليّاً وعنده مثله ، قضى القاضي الدّين ممّا عنده جبراً عنه . وأمّا إن كان الدّين مثليّاً ، وما عنده قيميٌّ ، فقد ذهب جمهور الفقهاء ( المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، ومحمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ) إلى أنّ القاضي يبيع ما عند المدين جبراً عنه - عدا حاجاته الضّروريّة - ويقضي دينه . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يجبره القاضي على البيع ، ولكن يحبسه إلى أن يؤدّي الدّين .
و - الحجر على المدين المفلس :
21 - الحجر على المدين المفلس أجازه جمهور الفقهاء ، ومنعه الإمام أبو حنيفة ، وتفصيل ذلك سيأتي في ( حجرٌ ) ( وإفلاسٌ ) .
ز - حبس المدين :
22 - للدّائن أن يطلب حبس المدين الغنيّ الممتنع عن الوفاء .
اختلاف الدّائن والمدين :
23 - إذا اختلف الدّائن والمدين ولا بيّنة لهما ، فالقول قول المدين مع يمينه في الصّفة ، والقدر ، واليسار . وإن كانت لهما بيّنةٌ ، فالبيّنة بيّنة الدّائن في اليسار والإعسار ، وتفصيل ذلك مكانه مبحث ( دعوى ) .


*استدراكٌ
التّعريف
1 - الاستدراك لغةً : استفعالٌ من ( درك ) . والدّرك الدّرك : اللّحاق والبلوغ . يقال : أدرك الشّيء إذا بلغ وقته وانتهى ، وعشت حتّى أدركت زمانه . وللاستدراك في اللّغة استعمالان : الأوّل : أن يستدرك الشّيء بالشّيء ، إذا حاول اللّحاق به ، يقال : استدرك النّجاة بالفرار . والثّاني : في مثل قولهم : استدرك الرّأي والأمر ، إذا تلافى ما فرّط فيه من الخطأ أو النّقص . وللاستدراك في الاصطلاح معنيان :
الأوّل . وهو للأصوليّين والنّحويّين : رفع ما يتوهّم ثبوته من كلامٍ سابقٍ . أو إثبات ما يتوهّم نفيه . وزاد بعضهم : ( باستعمال أداة الاستدراك وهي لكنّ ، أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء ) .
الثّاني : وهو ما يرد في كلام الفقهاء كثيراً وهو : إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خللٍ أو قصورٍ أو فواتٍ . ومنه عندهم : استدراك نقص الصّلاة بسجود السّهو ، واستدراك الصّلاة إذا بطلت بإعادتها ، واستدراك الصّلاة المنسيّة بقضائها ، والاستدراك بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه . ويخصّ الاستدراك الّذي بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه بعنوان « التّدارك » سواءٌ ترك سهواً أو ترك عمداً . كقول الرّمليّ : « إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها » وقوله : « لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذّكّرها - وقد شرع في القراءة - فاتت فلا يتداركها » .
الألفاظ ذات الصّلة :
أـ الإضراب :
2 - وهو لغةً : الإعراض عن الشّيء والكفّ عنه ، بعد الإقبال عليه . وفي اصطلاح النّحويّين قد يلتبس بالاستدراك « بالمعنى الأوّل » فالإضراب : إبطال الحكم السّابق ببل ، أو نحوها من الأدوات الموضوعة لذلك ، أو ببدل الإضراب . والفرق بينه وبين الاستدراك ، أنّك في الاستدراك لا تبطل الحكم السّابق ، كما في قولك : جاء زيدٌ لكنّ أخاه لم يأت ، فإثبات المجيء لزيدٍ لم يلغ ، بل نفي المجيء عن أخيه ، وفي الإضراب تبطل الحكم السّابق ، فإذا قلت : جاء زيدٌ ، ثمّ ظهر لك أنّك غلطت فيه فقلت : بل عمرٌو أبطلت حكمك الأوّل بإثبات المجيء لزيدٍ ، وجعلته في حكم المسكوت عنه .
ب ـ الاستثناء :
3 - حقيقة الاستثناء : إخراج بعض ما دخل في الكلام السّابق بإلاّ ، أو إحدى أخواتها . ومن هنا كان الاستثناء معيار العموم . أمّا الاستدراك فهو إثبات نقيض الحكم السّابق لما يتوهّم انطباق الحكم عليه . فالفرق أنّ الاستثناء للدّاخل في الأوّل ، وأنّ الاستدراك لما لم يدخل في الأوّل ، ولكن توهّم دخوله ، أو سريان الحكم عليه . ولأجل هذا التّقارب تستعمل أدوات الاستثناء مجازاً في الاستدراك . وهو ما يسمّى في عرف النّحاة : الاستثناء المنقطع ، وحقيقته الاستدراك ( ر : استثناءٌ ) كقوله تعالى : { ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ } كما يجوز استعمال لكنّ - مثل غيرها ممّا يؤدّي مؤدّاها - في الاستثناء بالمعنى ، إذ الاستثناء بالمعنى ليس له صيغةٌ محدّدةٌ ، كقولك : ما جاء القوم لكن جاء بعضهم .
ج ـ القضاء :
4 - المراد به هنا : فعل العبادة إذا خرج وقتها المقدّر لها شرعاً قبل فعلها صحيحةً ، سواءٌ أتركت عمداً أم سهواً ، وسواءٌ أكان المكلّف قد تمكّن من فعلها في الوقت ، كالمسافر بالنّسبة إلى الصّوم . أم لم يتمكّن ، كالنّائم والنّاسي بالنّسبة للصّلاة . أمّا الاستدراك فهو أعمّ من القضاء ، إذ أنّه يشمل تلافي النّقص بكلّ وسيلةٍ مشروعةٍ ، ومنه قول صاحب مسلّم الثّبوت وشارحه : « القضاء فعل الواجب بعد وقته المقدّر شرعا استدراكاً لما فات » فجعل القضاء استدراكاً .
د ـ الإعادة :
5 - هي : فعل العبادة ثانياً في الوقت لخللٍ واقعٍ في الفعل الأوّل والاستدراك أعمّ من الإعادة كذلك .
هـ ـ التّدارك :
6 - لم نجد أحداً من الفقهاء عرّف التّدارك ، ولكنّه دائرٌ في كلامهم كثيراً ، ويعنون به في الأفعال : فعل العبادة أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعاً ما لم يفت . كما في قول صاحب كشّاف القناع : « لو دفن الميّت قبل الغسل وقد أمكن غسله لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل تداركاً لواجب غسله » . وقد يقع الغلط في الأقوال فيحتاج الإنسان إلى تداركه ، بأن يبطله ويثبت الصّواب ، ولذلك طرقٌ منها : بدل الغلط ، ومنها « بل » في الإيجاب والأمر . وفسّر بعضهم التّدارك ببل بكون الإخبار الأوّل أولى منه الإخبار الثّاني ، فيعرض عن الأوّل إلى الثّاني ، لا أنّه إبطال الأوّل وإثبات الثّاني .
و ـ الإصلاح :
7 - وهو اصطلاحٌ للمالكيّة ذكروه في باب سجود السّهو في مواضع منها : قول الدّردير « من كثر منه الشّكّ فلا إصلاح عليه ، فإن أصلح بأن أتى بما شكّ فيه لم تبطل صلاته » ( فهو بمعنى التّدارك ) .
ز ـ الاستئناف :
8 – استئناف العمل : ابتداؤه ، أي فعله مرّةً أخرى إذا نقض الفعل الأوّل قبل تمامه . فاستئناف الصّلاة تجديد التّحريمة بعد إبطال التّحريمة الأولى ، وبهذا المعنى وقع في قولهم : « المصلّي إذا سبقه الحدث يتوضّأ ، ثمّ يبني على صلاته ، أو يستأنف ، والاستئناف أولى » وكاستئناف الأذان إذا قطعه بفاصلٍ طويلٍ ، واستئناف الصّوم في كفّارة الظّهار إذا انقطع التّتابع . فالاستئناف على هذا طريقةٌ من طرق الاستدراك ، والتّفصيل في مصطلح ( استئنافٌ ) .
هذا وبسبب استعمال هذا المصطلح « الاستدراك » بمعنيين :
أحدهما : الاستدراك القوليّ بأداة الاستدراك وما يقوم مقامها ،
والآخر : الاستدراك بإصلاح الخلل في الأفعال والأقوال ، ينقسم البحث قسمين تبعاً لذلك . القسم الأوّل الاستدراك القوليّ بـ « لكنّ » وأخواتها
صيغ الاستدراك :
هي : لكنّ ( مشدّدةٌ ) ولكن ( مخفّفةٌ ) وبل وعلى ، وأدوات الاستثناء .
9 - أ - لكنّ : وهي أمّ الباب . وهي الموضوعة له . وقد ذكر بعض الأصوليّين أنّه يشترط في استعمال « لكنّ » وما في معناها للاستدراك : الاختلاف بين ما قبل ( لكنّ ) وما بعدها بالإيجاب والسّلب لفظاً ، نحو ما جاء زيدٌ لكنّ أخاه جاء . ولو كان الاختلاف معنويّاً جاز أيضاً . كقول القائل : عليٌّ حاضرٌ لكنّ أخاه مسافرٌ ، أي ليس بحاضرٍ .
ب - لكن : « بسكون النّون » فهي في الأصل مخفّفةٌ من « لكنّ » ، وتكون على حالين : أحدهما : وهو الأغلب أن تكون ابتدائيّةً فتليها جملةٌ ، كقوله تعالى : { وإن من شيءٍ إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } والحال الثّاني : أن تكون عاطفةً ، ويشترط لذلك : أن يسبقها نفيٌ أو نهيٌ ، وأن يليها مفردٌ ، وألاّ تدخل عليها الواو مثل : ما جاء زيدٌ لكن عمرٌو . ولا تخلو في كلا الحالين من معنى الاستدراك ، فتقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها .
ج - بل : إذا سبقها نفيٌ أو نهيٌ تكون حرف استدراكٍ مثل ( لكن ) تقرّر حكم ما قبلها ، وتثبت نقيضه لما بعدها . فإن وقعت بعد إيجابٍ أو أمرٍ لم تفد ذلك ، بل تفيد الإضراب عن الأوّل ، حتّى كأنّه مسكوتٌ عنه ، وتنقل حكمه لما بعدها ، كقولك : جاء زيدٌ بل عمرٌو ، وهذا ما يسمّى بالإضراب الإبطاليّ . قال السّعد : « أي إنّ الإخبار عنه ما كان ينبغي أن يقع . وإذا انضمّ إليه « لا » صار نصّاً في نفي الأوّل » . ولذا لا يقع مثله في القرآن ولا في السّنّة ، إلاّ على سبيل الحكاية . وقد تكون للإضراب الانتقاليّ ، أي من غرضٍ إلى آخر ، ومنه قوله تعالى : { قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا } .
د - على : تستعمل للاستدراك ، كما في قول الشّاعر : بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا على أنّ قرب الدّار خيرٌ من البعد على أنّ قرب الدّار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ .
هـ - ( أدوات الاستثناء ) : قد تستخدم أدوات الاستثناء في الاستدراك ، فيقولون : زيدٌ غنيٌّ غير أنّه بخيلٌ ، ومنه قوله تعالى { قال لا عاصم اليوم من أمر اللّه إلاّ من رحم } وهذا ما يسمّى الاستثناء المنقطع ( ر : استثناءٌ ) ، فيستعمل في ذلك ( إلاّ وغير ) ، ويستعمل فيه أيضاً ( سوى ) على الأصحّ عند أهل اللّغة .
شروط الاستدراك :
10 - يشترط لصحّة الاستدراك شروطٌ ، وهي : الشّرط الأوّل : اتّصاله بما قبله ولو حكماً . فلا يضرّ انفصاله بما له تعلّقٌ بالكلام الأوّل ، أو بما لا بدّ له منه ، كتنفّسٍ وسعالٍ ونحو ذلك . فإن حال بينه وبين الأوّل سكوتٌ يمكنه الكلام فيه ، أو كلامٌ أجنبيٌّ عن الموضوع ، استقرّ حكم الكلام الأوّل ، وبطل الاستدراك . فلو أقرّ لزيدٍ بثوبٍ ، فقال زيدٌ : ما كان لي قطّ ، لكن لعمرٍو ، فإن وصل فلعمرٍو ، وإن فصل فللمقرّ ، لأنّ النّفي يحتمل أمرين : يحتمل أن يكون تكذيباً للمقرّ وردّاً لإقراره ، وهو الظّاهر من الكلام ، فيكون النّفي ردّاً إلى المقرّ . ويحتمل ألاّ يكون تكذيباً ، إذ يجوز أن يكون الثّوب معروفاً بكونه لزيدٍ ، ثمّ وقع في يد المقرّ فأقرّ به لزيدٍ ، فقال زيدٌ : الثّوب معروفٌ بكونه لي ، لكنّه في الحقيقة لعمرٍو ، فقوله : « لكنّه لعمرٍو » بيان تغييرٍ لذلك النّفي ، فيتوقّف على الاتّصال ؛ لأنّ بيان التّغيير عند الحنفيّة لا يصحّ إلاّ موصولاً ، ولا يصحّ متراخياً ، فإن وصل يثبت النّفي عن زيدٍ والإثبات لعمرٍو معاً ، إذ صدر الكلام موقوفٌ على آخره فيثبت حكمهما معاً . ولو فصل يصير النّفي ردّاً للإقرار . ثمّ لا تثبت الملكيّة لعمرٍو بمجرّد إخباره بذلك . الشّرط الثّاني : اتّساق الكلام أي انتظامه وارتباطه . والمراد أن يصلح للاستدراك ، بأن يكون الكلام السّابق للأداة بحيث يفهم منه المخاطب عكس الكلام اللاّحق لها ، أو يكون فيما بعد الأداة تداركٌ لما فات من مضمون الكلام . نحو : ما قام زيدٌ لكن عمرٌو ، بخلاف نحو : ما جاء زيدٌ لكن ركب الأمير ، وفسّر صاحب المنار الاتّساق : بكون محلّ النّفي غير محلّ الإثبات ، ليمكن الجمع بينهما ولا يناقض آخر الكلام أوّله ، ثمّ إن اتّسق الكلام فهو استدراكٌ ، وإلاّ فهو كلامٌ مستأنفٌ . ومثّل في التّوضيح للمتّسق من الاستدراك بما لو قال المقرّ : لك عليّ ألفٌ قرضٌ ، فقال له المقرّ له : لا ، لكن غصبٌ . الكلام متّسقٌ فصحّ الوصل على أنّه نفيٌ لسبب الحقّ ، وهو كون المقرّ به عن قرضٍ ، لا نفيٍ للواجب وهو الألف . فإنّ قوله : « لا » لا يمكن حمله على نفي الواجب ؛ لأنّ حمله على نفي الواجب لا يستقيم مع قوله : « لكن غصبٌ » ولا يكون الكلام متّسقاً مرتبطاً . فلمّا نفى كونه قرضاً تدارك بكونه غصباً ، فصار الكلام مرتبطاً ، ولا يكون ردّاً لإقراره بل يكون لمجرّد نفي السّبب . ومن أمثلة ما يجب حمله على الاستئناف عند الحنفيّة : ما إذا تزوّجت الصّغيرة المميّزة من كفءٍ بغير إذن وليّها بمائةٍ ، فقال الوليّ : لا أجيز النّكاح لكن أجيزه بمائتين . قالوا : ينفسخ النّكاح ، ويجعل « لكن » وما بعدها كلاماً مبتدأً ؛ لأنّه لمّا قال : « لا أجيز النّكاح » انفسخ النّكاح الأوّل ، فإنّ النّفي انصرف إلى أصل النّكاح ، فلا يمكن إثبات ذلك النّكاح بعد ذلك بمائتين ؛ لأنّه يكون نفي النّكاح وإثباته بعينه ، فيعلم أنّه غير متّسقٍ ، فيحمل « لكن بمائتين » على أنّه كلامٌ مستأنفٌ ، فيكون إجازةً لنكاحٍ آخر ، المهر فيه مائتان . وإنّما يكون كلامه متّسقاً لو قال بدل ذلك : لا أجيز هذا النّكاح بمائةٍ لكن أجيزه بمائتين ؛ لأنّ النّفي ينصرف إلى القيد وهو كونه بمائةٍ ، لا إلى أصل النّكاح ، فيكون الاستدراك في المهر لا في أصل النّكاح . وبذلك لا يكون قوله إبطالاً للنّكاح ، فلا ينفسخ به . وفي عدم الاتّساق في هذا المثال اختلافٌ بين الأصوليّين من الحنفيّة . الشّرط الثّالث : أن يكون الاستدراك بلفظٍ مسموعٍ إن تعلّق به حقٌّ . وأدناه أن يسمع نفسه ومن بقربه . قال الحصكفيّ : يجري ذلك في كلّ ما يتعلّق بنطقٍ كتسميته على ذبيحةٍ ، وطلاقٍ ، واستثناءٍ وغيرها . فلو طلّق أو استثنى ولم يسمع نفسه ، لم يصحّ في الأصحّ . وقيل في نحو البيع : يشترط سماع المشتري .
القسم الثّاني
الاستدراك بمعنى تلافي النّقص والقصور .
11 -الاستدراك إمّا أن يكون لما فعله الإنسان ناقصاً عن الوضع الشّرعيّ المقرّر للعبادة ، كمن ترك ركعةً من الصّلاة أو سجوداً فيها ، وإمّا أن يكون فيما أخبر به ، ثمّ تبيّن له خطؤه ، أو فيما فعله من التّصرّفات ، ثمّ تبيّن له أنّ التّصرّف على غير ذلك الوضع أتمّ وأولى ، كمن باع شيئاً ولم يشترط ، ثمّ بدا له أن . يشترط شرطاً لمصلحته . فالكلام في هذا القسم يرجع إلى مبحثين : الأوّل : الاستدراك بمعنى تلافي القصور عن الوضع الشّرعيّ . والثّاني : تلافي القصور عن الحقيقة ، حقيقةً أو ادّعاءً في باب الإخبار ، أو عمّا فيه المصلحة للمكلّف بحسب تصوّره ، في باب الإنشاء .
رد مع اقتباس