استحقاق عوض الصّلح عن دم العمد :
23 - يصحّ الصّلح عن دم العمد على مالٍ ، فإن استحقّ العوض فلا يبطل الصّلح ، ويأخذ المستحقّ عوض المستحقّ عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة . وعند الشّافعيّة يرجع إلى أرش الجناية .
ضمان الدّرك :
24 - من الفقهاء من قال : إنّ ضمان الدّرك استعمل في ضمان الاستحقاق عرفاً ، وهو أن يضمن الثّمن عند استحقاق المبيع ، ومنهم من جعله نوعاً من ضمان العهدة ، ومنهم من قال : إنّ ضمان الدّرك هو ضمان العهدة . ويتّفق الفقهاء على أنّه يجوز ضمان الثّمن عند استحقاق المبيع لمسيس الحاجة إلى ذلك ، في نحو غريبٍ لو خرج مبيعه أو ثمنه مستحقّاً لم يظفر به . ولتفصيل القول في ضمان الدّرك ( ر : ضمان الدّرك ) .
الاستحقاق في الشّفعة :
25 - يتّفق الفقهاء على أنّه لو استحقّ المشفوع بطلت الشّفعة ، ورجع الشّفيع بالثّمن على من أخذه منه ، وقرار الضّمان ( أي نهايته ) على البائع . ويختلفون عند استحقاق الثّمن الّذي وقع عليه البيع الأوّل ، ولهم في ذلك رأيان :
أ - الأوّل : بطلان البيع والشّفعة ، وهو قول الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وقول غير المقدّم عند المالكيّة إن كان الثّمن معيّناً ؛ لأنّ مالكه لم يأذن فيه ، ويرجع الشّفيع بمثل ما دفع ، وهو قول المالكيّة إن كان الاستحقاق قبل الأخذ بالشّفعة حيث كان الثّمن غير نقدٍ .
ب - والثّاني : صحّة الشّفعة ، وهو قول المالكيّة الّذي هو المذهب إن حصل الاستحقاق بعد الأخذ بالشّفعة ، ويرجع البائع بقيمة الشّفعة لا بقيمة المستحقّ ، إلاّ إن كان المستحقّ نقداً مسكوكاً فيرجع بمثله . أمّا إن كان الثّمن غير معيّنٍ فيصحّ البيع والشّفعة اتّفاقاً - كأن اشترى في الذّمّة ودفع عمّا فيها فخرج المدفوع مستحقّاً - وأبدل الثّمن بما يحلّ محلّه في الأخذ بالشّفعة عند صحّة البيع والشّفعة . فإن استحقّ بعض الثّمن المعيّن بطل البيع فيه عند الشّافعيّة والحنابلة ، وصحّ في الباقي عند الشّافعيّة ، وفيه خلافٌ عند الحنابلة بناءً على روايتي تفريق الصّفقة . وإن دفع الشّفيع بدلاً مستحقّاً لم تبطل شفعته عند الشّافعيّة والمالكيّة ، زاد الشّافعيّة : وإن علم أنّه مستحقٌّ ، لأنّه لم يقصّر في الطّلب والأخذ ، سواءٌ أكان بمعيّنٍ أم لا ، فإن كان بمعيّنٍ احتاج إلى تملّكٍ جديدٍ .
الاستحقاق في المساقاة :
26 - الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على أنّ المساقاة تنفسخ باستحقاق الأشجار ، ولا حقّ للعامل في الثّمرة حينئذٍ ؛ لأنّه عمل فيها بغير إذن المالك . وللعامل على من تعاقد معه أجرة المثل ، غير أنّ الحنفيّة اشترطوا لوجوب الأجرة ظهور الثّمر ، فإن لم تظهر الثّمار حتّى استحقّت الأشجار فلا أجرة ، وقال الشّافعيّة : إنّ الأجرة تستحقّ في حالة جهله بالاستحقاق ؛ لأنّ الّذي تعاقد معه غرّه ، فإن علم فلا أجرة له . ولو خرج الثّمر في الشّجر ثمّ استحقّت الأرض ، فالكلّ للمستحقّ ( الأرض والشّجر والثّمر ) ويرجع العامل على من تعاقد معه بأجر مثل عمله . وقال المالكيّة : إنّ المستحقّ مخيّرٌ بين إبقاء العامل وبين فسخ عقده ، فإن فسخ دفع له أجر عمله . والحكم في ضمان تلف الأشجار والثّمار - بعد الاستحقاق - يرجع فيه إلى باب الضّمان .
الاستحقاق في الإجارة استحقاق العين المكتراة :
27 - يختلف الفقهاء عند استحقاق العين المكتراة ، فمنهم من يقول ببطلان الإجارة ، ومنهم من يقول بتوقّفها على إجازة المستحقّ ، بالأوّل قال الشّافعيّة ، والحنابلة ، وبالثّاني قال الحنفيّة ، والمالكيّة ، وهو احتمالٌ عند الحنابلة ، بناءً على جواز بيع الفضوليّ وتوقّفه على إجازة المالك كذلك يختلفون فيمن يستحقّ الأجرة ، ولهم في هذا ثلاثة آراءٍ :
أ - الأجرة للعاقد ، وهو قول الحنفيّة إن كانت الإجازة بعد استيفاء المنفعة ، ولا اعتبار للإجازة حينئذٍ ، وهو قول المالكيّة إن كان الاستحقاق بعد الأمد ، وهو قول الشّافعيّة إن كانت العين المكتراة غير مغصوبةٍ ؛ لأنّه استحقّها بالملك ظاهراً .
ب - إنّ الأجرة للمستحقّ ، وهو قول الحنابلة ، وهو قول الحنفيّة إن كانت الإجازة قبل استيفاء المنفعة ، وكذا إن كانت بعد استيفاء بعض المنفعة في قول أبي يوسف ، وهو قول الشّافعيّة إن كانت العين المؤجّرة مغصوبةً ويجهل المستأجر الغصب . ويرجع المالك على الغاصب أو المستأجر عند الشّافعيّة بالمنفعة الّتي استوفاها ، والقرار ( أي نهاية الضّمان ) على المستأجر إن كان قد استوفى المنفعة ، فإن لم يستوفها فقرار الضّمان على المؤجّر الغارّ . ويرجع المستحقّ عليهما أيضاً عند الحنابلة والقرار على المستأجر ، وفي المواهب السّنيّة أنّ الأرض الموقوفة المستحقّة إن آجرها النّاظر وأخذ الأجرة وسلّمها للمستحقّين ، فإنّ المالك يرجع على المستأجر لا على النّاظر ، ورجوع المستأجر على من أخذ دراهمه .
ج - أجر ما مضى للعاقد ، وما بعده للمستحقّ ، وهو قول المالكيّة ، وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، ويتصدّق العاقد عنده بنصيبه بعد ضمان النّقص . والمراد بما مضى عند المالكيّة ما قبل الحكم بالاستحقاق .
تلف العين المستحقّة المكتراة :
28 - لو تلفت العين المؤجّرة أو نقصت ثمّ ظهر أنّها مستحقّةٌ فللمستحقّ تضمين المستأجر أو المؤجّر ، والقرار على المؤجّر ، هذا عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة . والرّجوع يكون بأعلى قيمةٍ من يوم الغصب إلى يوم التّلف عند الشّافعيّة ، والحنابلة ؛ لأنّها مغصوبةٌ في الحال الّتي زادت فيها قيمتها ، فالزّيادة لمالكها مضمونةٌ على الغاصب . وقال المالكيّة : يرجع المستحقّ على المكتري إن كان متعدّياً ، ولا يرجع عليه إذا لم يتعدّ وفعل ما يجوز له ، فلو اكترى داراً فهدمها ، ثمّ ظهر مستحقٌّ ، فله أخذ النّقص إن وجده وقيمة الهدم من الهادم ، أي قيمة ما أفسد الهدم من البناء .
استحقاق الأجرة :
29 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ الأجرة لو استحقّت فإمّا أن تكون مثليّةً أو عيناً قيميّةً ، فإن كانت الأجرة عيناً قيميّةً واستحقّت بطلت الإجارة ، وتجب قيمة المنفعة ( أجر المثل ) لا قيمة البدل ، وإن كانت الأجرة مثليّةً لم تبطل الإجارة ويجب المثل . فلو دفع عشرة دراهم أجرةً فاستحقّت ينبغي أن تجب عشرةٌ مثلها لا قيمة المنفعة . وقال المالكيّة : إن استحقّت الأجرة المعيّنة من يد المؤجّر ، كالدّابّة ونحوها ، فإن كان الاستحقاق قبل حرث الأرض المؤجّرة أو قبل زرعها ، فإنّ الإجارة تنفسخ من أصلها ، ويأخذ الأرض صاحبها ، وإن استحقّت بعد حرث الأرض أو زرعها فإنّ الإجارة بين المؤجّر والمستأجر لا تنفسخ ، وفي هذه الحالة إن أخذ المستحقّ ماله من المؤجّر ، ولم يجز الإجارة ، كان للمؤجّر على المستأجر أجرة المثل ، وتبقى الأرض له ، كما كانت أوّلاً . وإن لم يأخذ المستحقّ ماله من المؤجّر وأبقاه له وأجاز الإجارة ، فإن دفع للمستأجر أجرة حرثه كان الحقّ له في منفعة الأرض مدّة الإجارة ، وإن أبى المستحقّ دفع أجرة الحرث قيل للمستأجر : ادفع للمستحقّ أجرة الأرض ، ويكون لك منفعتها ، فإن دفع انتهى الأمر ، وإن لم يدفع قيل له : سلّم الأرض له مجّاناً مدّة الإجارة بلا مقابلٍ عن الحرث . أمّا إذا كانت الأجرة شيئاً غير معيّنٍ كالنّقود والمكيل والموزون واستحقّ ، فإنّ الإجارة لا تنفسخ ، سواءٌ أكان الاستحقاق قبل الحرث أم بعده ، وذلك لقيام عوضه مقامه .
استحقاق الأرض الّتي بها غراسٌ أو بناءٌ للمستأجر :
30 - لو استحقّت الأرض المؤجّرة وقد غرس فيها المستأجر ، فإنّ الفقهاء يختلفون في قلع الغراس ، وفي إبقائه وتملّكه ، ولهم في ذلك ثلاثة آراءٍ :
أحدها : للمستحقّ قلع الغراس دون مقابلٍ . وهو قول الحنفيّة فيما بعد انقضاء المدّة والشّافعيّة . قال الشّافعيّة : وليس للمالك تملّك الغراس بالقيمة أو الإبقاء له بالأجرة ؛ لتمكّن الغاصب من القلع . ويغرّم المستأجر المؤجّر قيمة الشّجر مقلوعاً عند الحنفيّة ، وعند الشّافعيّة يرجع المستأجر بالأرش على الغاصب لشروعه في العقد على ظنّ السّلامة . والثّاني : للمستحقّ تملّك الغراس بقيمته قائماً ، وهو قول المالكيّة إن فسخ المستحقّ قبل مضيّ المدّة ، وليس له قلع الغراس ولا دفع قيمته مقلوعاً ، لأنّ المكتري غرس بوجه شبهةٍ ، فإن أبى المستحقّ دفع قيمة الغراس قائماً قيل للمكتري : ادفع له قيمة الأرض ، فإن أبى كانا شريكين : المكتري بقيمة غرسه ، والمستحقّ بقيمة أرضه ، فإن أجاز بعد مضيّ المدّة يدفع قيمة الغراس مقلوعاً بعد طرح أجر القلع .
الثّالث : تملّك المستحقّ للغراس بما أنفقه المستأجر على الغراس ، وهو المنصوص عند الحنابلة ، والمتوجّه على قول القاضي ومن وافقه أنّ غرسه كغرس الغاصب ، ولهم قولٌ آخر ، وهو أنّ الغراس للمستأجر ، وعليه الأجرة لصاحب الأرض ، ويرجع على من آجره . والبناء كالغراس عند فقهاء المذاهب الأربعة .
استحقاق الهبة بعد التّلف :
31 - للعلماء عند استحقاق الهبة التّالفة اتّجاهان :
أ - تخيير المستحقّ بين الرّجوع على الواهب أو على الموهوب له ، أمّا على الواهب فلأنّه سبب إتلاف ماله ، وأمّا على الموهوب له فلأنّه هو المستهلك له ، وهو قول المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، غير أنّ المالكيّة جعلوا الرّجوع على الموهوب له عند تعذّر الرّجوع على الواهب ، ويكون للموهوب له من الغلّة قيمة عمله وعلاجه . فإن رجع على الواهب فلا شيء له على الموهوب له ، صرّح بذلك الشّافعيّة ، والحنابلة . وإن رجع على الموهوب له رجع هذا على الواهب عند الحنابلة ، ذكر ذلك صاحب كشّاف القناع قولاً واحداً ، وشهّره ابن رجبٍ لأنّه دخل على أنّه غير ضامنٍ لشيءٍ فهو مغرورٌ . والخلاف يجري كذلك في رجوع الموهوب له على الواهب عند الشّافعيّة ، وقيل : لا يرجع على الواهب ؛ لأنّ الواهب لم يأخذ منه عوضاً فيرجع بعوضه ، وإنّما هو رجلٌ غرّه من أمرٍ قد كان له ألاّ يقبله .
ب - الرّجوع على الموهوب له دون الواهب ، وهو قول الحنفيّة ؛ لأنّ الهبة عقد تبرّعٍ والواهب غير عاملٍ له ، فلا يستحقّ الموهوب له السّلامة ، ولا يثبت به الغرور ؛ ولأنّ الموهوب له يقبض لنفسه .
استحقاق الموصى به :
32 - تبطل الوصيّة باستحقاق الموصى به ، فإن استحقّ بعضه بقيت الوصيّة في الباقي ، لأنّها تبطل بخروج الموصى به عن ملك الموصي ، وبالاستحقاق تبيّن أنّه أوصى بمالٍ غير مملوكٍ له ، والوصيّة بما لا يملك باطلةٌ .
استحقاق الصّداق :
33 - يتّفق الفقهاء على أنّ النّكاح لا يبطل باستحقاق الصّداق ، لأنّه ليس شرطاً لصحّة النّكاح . لكنّهم يختلفون فيما يجب للزّوجة عند الاستحقاق ، ولهم في ذلك اتّجاهان :
الأوّل : الرّجوع بقيمة المتقوّم ومثل المثليّ وهو مذهب الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قولٌ للشّافعيّة ، والمالكيّة معهم في المثليّ مطلقاً ، وفي المتقوّم إن كان معيّناً ، فإن كان متقوّماً موصوفاً رجعت بالمثل .
والثّاني : الرّجوع بمهر المثل ، وهو قول الشّافعيّة .
استحقاق العوض في الخلع :
34 - اتّفق فقهاء المذاهب المشهورة على أنّ الخلع لا يبطل بخروج العوض مستحقّاً ، واختلفوا فيما يجب للزّوج عند الاستحقاق ، ولهم في ذلك اتّجاهان :
أحدهما : الرّجوع بالقيمة أو بالمثل ، وهو مذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ؛ لتعذّر تسليم العوض مع بقاء السّبب الموجب تسليمه ، وهو الخلع إذ هو لا يقبل النّقض بعد تمامه . إلاّ أنّ الحنابلة قالوا بالقيمة إن كان العوض مقوّماً ، وبالمثل إن كان مثليّاً ، وقال المالكيّة بوجوب القيمة إن كان معيّناً ، فإن كان موصوفاً ففيه المثل .
والثّاني : بينونة المرأة بمهر المثل ، وهو قول الشّافعيّة ، لأنّه المراد عند فساد العوض .
استحقاق الأضحيّة :
35 - الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة على أنّ الأضحيّة المستحقّة لا تجزئ عن الذّابح ولا عن المستحقّ ، استثنى الحنفيّة من ذلك ما لو ضمّنه المالك قيمتها فإنّها تجزئ عن الذّابح . وفي لزوم البدل قال الحنفيّة ، يلزم كلاًّ منهما أن يضحّي عند عدم الإجزاء ، فإن فات وقت النّحر فعلى الذّابح أن يتصدّق بقيمة شاةٍ وسطٍ ، وقال الحنابلة يلزمه بدلها إن تعيّنت قبل الاستحقاق ، وكانت واجبةً قبل التّعيين ، كأن نذرها للأضحيّة ، فإن كان الاستحقاق قبل التّعيين فلا يلزمه بدلها لعدم صحّة التّعيين حينئذٍ . وقال المالكيّة : تتوقّف الأضحيّة المستحقّة على إجازة المستحقّ ، فإن أجاز البيع أجزأت قطعاً .
استحقاق بعض المقسوم :
36 - للفقهاء في بطلان القسمة وبقائها صحيحةً - عند استحقاق بعض المقسوم - اتّجاهاتٌ :
أ - أوّلها : بقاء القسمة صحيحةً إن كان المستحقّ بعضاً معيّناً وهو قول الحنفيّة ، سواءٌ عندهم في ذلك كون الجزء المستحقّ المعيّن في نصيب أحد الشّريكين أم في نصيب كلٍّ منهما ، فإن كان في نصيب أحدهما رجع على شريكه بحصّته من المستحقّ . والشّافعيّة والحنابلة يرون بقاءها صحيحةً إن كان الاستحقاق في نصيب الشّريكين على السّواء .
ب - بطلان القسمة وهو قول الحنفيّة إن كان الاستحقاق شائعاً في الكلّ ، أو شائعاً في أحد الأنصبة عند أبي يوسف . والبطلان أيضاً قول الشّافعيّة ، والحنابلة إن كان المستحقّ بعضاً شائعاً ؛ لأنّ المستحقّ شريكٌ لهما وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه ، فأشبه ما لو كان لهما شريكٌ يعلّمانه فاقتسما دونه ، ومثل الشّائع عند الشّافعيّة والحنابلة أيضاً المعيّن المستحقّ في نصيب أحدهما فقط أو في نصيب أحدهما أكثر من الآخر ؛ لأنّها قسمةٌ لم تعدل فيها السّهام فكانت باطلةً .
ج - بطلان القسمة في القدر المستحقّ إن كان شائعاً وثبوت الخيار في الباقي بين إنفاذه القسمة أو إلغائها . وهو أظهر الطّريقين عند الشّافعيّة .
د - التّخيير بين التّمسّك بالباقي وعدم الرّجوع بشيءٍ ، وبين رجوعه فيما بيد شريكه بنصف قدر المستحقّ إن كان قائماً ، وإلاّ فبنصف قيمته يوم قبضه ، وهو قول المالكيّة إن استحقّ النّصف أو الثّلث ، فإن كان المستحقّ الرّبع فلا خيار له والقسمة باقيةٌ لا تنقض ، وليس له الرّجوع إلاّ بنصف قيمة ما استحقّ .
هـ - التّخيير بين إبقاء القسمة على حالها فلا يرجع بشيءٍ وبين فسخ القسمة ، وهو قول المالكيّة إن استحقّ الأكثر ، وهو ما زاد عن النّصف و - التّخيّر بين ردّ الباقي والاقتسام ثانياً ، وبين الإبقاء على القسمة والرّجوع على الشّريك بقدر ما استحقّ ، وهو قول أبي حنيفة إن استحقّ جزءٌ شائعٌ من نصيب أحدهما وحده ، وتنتقض القسمة عند أبي يوسف كما تقدّم .
*استحلالٌ
التّعريف
1 - هو مصدر استحلّ الشّيء : بمعنى اتّخذه حلالاً ، أو سأل غيره أن يحلّه له وتحلّلته واستحللته : إذا سألته أن يجعلك في حلٍّ من قبله . ويستعمله الفقهاء بالمعنى اللّغويّ ، وبمعنى اعتقاد الحلّ .
الحكم الإجماليّ :
2 - الاستحلال بمعنى : اعتبار الشّيء حلالاً ،
فإن كان فيه تحليل ما حرّمه الشّارع فهو حرامٌ ، وقد يكفر به إذا كان التّحريم معلوماً من الدّين بالضّرورة . فمن استحلّ على جهة الاعتقاد محرّماً - علم تحريمه من الدّين بالضّرورة - دون عذرٍ يكفر وسبب التّكفير بهذا أنّ إنكار ما ثبت ضرورةً أنّه من دين محمّدٍ صلى الله عليه وسلم فيه تكذيبٌ له صلى الله عليه وسلم ، وقد ضرب الفقهاء أمثلةً لذلك باستحلال القتل والزّنى ، وشرب الخمر ، ، والسّحر . وقد يكون الاستحلال حراماً ، ويفسق به المستحلّ ، لكنّه لا يكفر ، كاستحلال البغاة أموال المسلمين ودماءهم . ووجه عدم التّكفير أنّهم متأوّلون . ويترتّب على الفسق بالاستحلال حينئذٍ عدم قبول قضاء قاضيهم عند عامّة الفقهاء ، إلاّ رأياً للمالكيّة يقضي بتعقّب أقضيتهم ، فما كان منها صواباً نفذ ، وما كان على خلاف كذلك ردّ . وردّ شهادتهم كنقض قضائهم كما صرّح بذلك كثيرٌ من الفقهاء . ولتفصيل هذه الأحكام ( ر : بغيٌ ) .
وأمّا الاستحلال بمعنى : اتّخاذ الشّيء حلالاً . كاستحلال الفروج بطريق النّكاح ، فقد يكون مكروهاً ، أو مباحاً ، أو مستحبّاً .
وأمّا الاستحلال بمعنى : طلب جعل الشّخص في حلٍّ فقد يكون واجباً ، كالاستحلال من الغيبة إن علم بها المغتاب ، وقد يكون مباحاً كاستحلال الغاصب من المغصوب بدلاً من ردّ المغصوب ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في أحكام الغيبة والغصب .
مواطن البحث :
3 - جاء لفظ الاستحلال في كثيرٍ من المواطن ، كالقتل ، وحدّ الزّنى ، وشرب الخمر ، والبغي ، والرّدّة ، والتّوبة ، والغيبة . ويرجع في كلّ محرّمٍ إلى موطنه لمعرفة حكم استحلاله .
*استحياءٌ
التّعريف
1 - الاستحياء يأتي في اللّغة بمعانٍ متعدّدةٍ منها :
أ - بمعنى الحياء ، وهو : الانزواء والانقباض ، وقيّد بعضهم هذا الانقباض ليكون استحياءً بأن يكون انقباضاً عن القبائح . وقد ورد الاستحياء بهذا المعنى في عددٍ من آيات القرآن الكريم ، منها قوله جلّ شأنه في سورة القصص : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياءٍ قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } وقوله عزّ وجلّ في سورة البقرة : { إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها } وقوله عزّ من قائلٍ في سورة الأحزاب { واللّه لا يستحيي من الحقّ } والاستحياء - بهذا المعنى - مرغّبٌ فيه في الجملة ، وتفصيله في مصطلح ( حياءٌ ) .
ب - بمعنى الإبقاء على الحياة ، فيقال : استحييت فلاناً إذا تركته حيّاً ولم أقتله ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة القصص : { يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم } أي يبقيهم أحياءً . واستعمل الفقهاء كلمة استحياءٍ بهذين المعنيين ، فقالوا في البكر : تستأذن في النّكاح ، وإذنها صماتها ، لأنّها تستحيي من النّطق . وقالوا في الأسرى يقعون في يد المسلمين : إن شاء أمير المؤمنين استحياهم ، وإن شاء قتلهم . وكثيراً ما يعبّرون عن الاستحياء بلفظ الإبقاء على الحياة ، فيقولون في الصّغير يأبى الرّضاع من غير أمّه : تجبر أمّه على إرضاعه إبقاءً على حياته الاستحياء بمعنى إدامة الحياة .
الألفاظ ذات الصّلة
الإحياءٌ :
2 - كلمة « إحياءٌ » تستعمل في إيجاد الحياة فيما لا حياة فيه ، كقوله تعالى : { كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم } . أمّا كلمة « استحياءٍ » فإنّها تستعمل في إدامة الحياة الموجودة ، وعدم إعدامها ، كما تقدّم في الأمثلة السّابقة . فالفرق بينهما أنّ الإحياء مسبوقٌ بالعدم ، بخلاف الاستحياء .
صفته : الحكم التّكليفيّ :
3 - لا يمكن اطّراد الاستحياء على حكمٍ واحدٍ ، نظراً لاختلاف أحوال الاستحياء ، بل تتعاقبه أكثر الأحكام التّكليفيّة .
فأحياناً يكون الاستحياء واجباً ، كما هو الحال في استحياء من بذلنا له الأمان ( ر : أمانٌ ) ، واستحياء الصّغير بالإجبار على الرّضاعة ( ر : رضاعٌ ) ، واستحياء الإنسان العاجز عن الكسب ، والحيوان المحبوس بالإنفاق عليه ( ر : نفقةٌ ) ، واستحياء الذّراريّ والنّساء من السّبي ( ر : سبيٌ ) ، واستحياء الجنين في بطن أمّه ( ر : إجهاضٌ ) .
وأحياناً يكون الاستحياء مكروهاً ، كاستحياء الحيوان المؤذي بطبعه .
وأحياناً يكون الاستحياء محرّماً ، كاستحياء من وجب قتله في حدٍّ ( ر : حدٌّ ) ، واستحياء ما يستفيد منه جنود العدوّ قطعاً في حربهم لنا ، كالحيوانات الّتي عجزنا عن حملها إلى بلاد المسلمين ( ر : جهادٌ ) .
وأحياناً يكون الاستحياء مباحاً ، كتخيير الإمام في أسرى المشركين بين القتل أو المنّ أو الفداء أو الاسترقاق .
المستحيي :
إمّا أن يكون هو نفس المستحيا ( كاستحياء الإنسان نفسه ) أو غيره .
استحياء الإنسان نفسه :
4 - يجب على المرء أن يعمل على استحياء نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، ويكون ذلك بأمرين :
أوّلهما : بدفع التّلف عنها بإزالة سببه ، كالجوع والعطش ، وإطفاء الحريق أو الهرب منه ، كما إذا احترقت سفينةٌ ولم يمكن إطفاؤها ، وغلب على الظّنّ أنّ ركابها لو ألقوا أنفسهم في الماء نجوا ، وجب عليهم ذلك .
وليس من هذا تناول الدّواء ؛ لأنّ المرض غير مفضٍ إلى الموت حتماً ؛ ولأنّ الشّفاء بتناول الدّواء غير مقطوعٍ به ، لكن التّداوي مطلوبٌ شرعاً ؛ لحديث « تداووا عباد اللّه » فإن لم يكن في دفع التّلف عن نفسه إتلافٌ للغير ، أو لعضوٍ من أعضائه ، أو كان فيه إتلافٌ لنفسٍ غير محترمةٍ وجب عليه استحياء نفسه ، كما هو الحال في طلب الزّاد ممّن هو معه وهو مستغنٍ عنه ، أو في دفع الصّائل على النّفس . وإن كان في إحياء نفسه إتلافٌ لنفسٍ محترمةٍ ، فإنّه لا يجوز له الإقدام على هذا الإتلاف إحياءً لنفسه ؛ لأنّ الضّرر لا يزال بضرر مثله .
ثانيهما : عدم الإقدام على إماتة نفسه بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ ، أمّا إماتة نفسه بشكلٍ مباشرٍ كما إذا بعج بطنه بحديدةٍ ، أو ألقى نفسه من شاهقٍ ليموت ، فمات ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من تردّى من جبلٍ فهو في نار جهنّم ، يتردّى خالداً مخلّداً فيها أبداً ، ومن تحسّى سمّاً فسمّه بيده ، يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً ، ومن وجأ بطنه بحديدةٍ فحديدته في يده ، يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً » وتفصيل ذلك في كتاب الجنايات من كتب الفقه ، أو كتاب الحظر والإباحة ، عند كلامهم على الانتحار ( ر : انتحارٌ ) .
وأمّا إماتة نفسه بشكلٍ غير مباشرٍ ، كما إذا اقتحم عدوّاً ، أو مجموعةً من اللّصوص ، وهو موقنٌ أنّه مقتولٌ لا محالة ، دون أن يقتل منهم أحداً ، أو يوقع فيهم نكايةً ، أو يؤثّر فيهم أثراً ينتفع به المسلمون ؛ لأنّ هذا إلقاءٌ للنّفس في التّهلكة ، واللّه تعالى يقول : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة } ، ومحلّ تفصيل ذلك كتاب الجهاد من كتب الفقه ( ر : جهادٌ ) .
5 - واستحياء نفسه مقدّمٌ على استحياء غيره ؛ لأنّ حرمة نفسه عليه فوق حرمة نفسٍ أخرى ، وبناءً على ذلك فإنّ من قتل نفسه كان إثمه أكثر ممّن قتل غيره ، ومن هنا قرّر الفقهاء أنّ المرء يكلّف بالإنفاق على نفسه أوّلاً ، ثمّ على غيره كما هو معروفٌ في النّفقات ( ر : نفقةٌ ) ، وكمن اضطرّ إلى طعام غيره استحياءً لنفسه ، وصاحب الطّعام مضطرٌّ لطعامه استحياءً لنفسه أيضاً ، فصاحب الطّعام أولى به من غيره .
استحياء الإنسان غيره :
6 - يشترط في المستحيي لغيره حتّى يجب عليه الاستحياء ما يلي :
1 - أن يكون المستحيي مكلّفاً عالماً بحاجة المستحيا إلى الاستحياء ؛ لأنّه لا يثبت الوجوب على غير المكلّف .
2 - أن يكون قادراً على الاستحياء ، فإن لم يكن قادراً عليه فإنّه لا يكلّف به ، لقوله تعالى : { لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها } ، قال في المغني : « كلّ من رأى إنساناً في مهلكةٍ فلم ينجّه منها مع قدرته على ذلك لم يلزمه ضمانه وقد أساء » وقال أبو الخطّاب : يضمنه لأنّه لم ينجّه من الهلاك مع قدرته عليه ، كما لو منعه من الطّعام والشّراب ، فالخلاف واقعٌ في الضّمان ، لا في الاستحياء ، وتفصيل ذلك في الجنايات ( ر : جنايةٌ ) . فإذا تحقّقت هذه الشّروط في مجموعةٍ من النّاس وجب الاستحياء على الأقرب منهم إلى المستحيا فالأقرب ، على حسب ترتيبهم في النّفقة ( ر : نفقةٌ ) . فإذا امتنع أحدهم عن الاستحياء انتقل الوجوب إلى من يليه ، إن كان الوقت لا يتّسع إلى إجباره على الاستحياء ، وكذا إن اختلّ فيه شرطٌ من الشّروط السّابقة ، إلى أن يصل الوجوب إلى من علم من النّاس .
المستحيا :
7 - يشترط في المستحيا حتّى يجب استحياؤه أن يكون ذا حياةٍ محترمةٍ - سواءٌ أكان إنساناً أم حيواناً - وتبدأ الحياة المحترمة بنفخ الرّوح في الجنين بلا خلافٍ . وفي ابتدائها قبل نفخ الرّوح خلافٌ . ( ر : إجهاضٌ ) . وتهدر هذه الحرمة للحياة ويسقط وجوب الاستحياء بما يلي :
أ - بإهدار اللّه تعالى لها أصلاً ، كما هو الحال في إهدار حرمة حياة الخنزير .
ب - أو بتصرّفه تصرّفاً اعتبره الشّارع موجباً لإهدار دمه ، كقتال المسلمين ( ر : بغيٌ ) ( وجهادٌ ) والقتل ( ر : جنايةٌ ) والرّدّة ( ر : ردّةٌ ) وزنى المحصن ( ر : إحصانٌ ) والسّحر عند البعض ( ربّ سحرٍ ) .
ج - أو بالضّرر ، بأصل خلقته ، كالحيوانات المؤذية بأصل خلقتها ، كالخمس الفواسق الّتي نصّ عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقوله : « خمسٌ من الدّوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناحٌ : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور » وزاد أبو داود « السّبع العادي » ( المتعدّي ) ونحو ذلك .
د - أو بالضّرر وقوعاً إذا لم يمكن دفع ضرره إلاّ بقتله ، كالصّائل من الحيوان والإنسان .
الإجبار على الاستحياء :
9 - إذا تعيّن وجوب الاستحياء أجبر عليه عند توفّر الشّروط السّابقة وتعيّن لذلك ، كما إذا رفض الصّغير الرّضاع من ثديٍ غير ثدي أمّه ، فإنّها تجبر على إرضاعه استحياءً له . ( ر : رضاعٌ ) .