84 - يجوز إيجار الأرض للزّراعة لمدّة معلومة كسنة ونحوها ، ولو إلى عشر سنين أو أكثر ، اتّفاقاً ، حتّى قال الشّافعيّة : تصحّ إجارة الأرض لمائة سنة أو أكثر ، ولو وقفاً ، لأنّ عقد الإجارة على العين يصحّ مدّةً تبقى فيها العين إليها . وفي قول عندهم : لا تزاد على ثلاثين سنةً ، لأنّ الغالب تغيّر الأشياء بعدها . وفي قول عندهم أيضاً : لا يزاد على سنة ، لأنّ الحاجة تندفع بها . وقال الحنفيّة : إذا كانت الأرض موقوفةً فأجّرها المتولّي إلى مدّة طويلة ، فإن كان السّعر بحاله لم يزد ولم ينقص ، فإنّه يجوز ، إلاّ إذا كان الواقف شرط ألاّ يؤجّرها أكثر من سنة ، فإنّه لا يجوز مخالفة شرط الواقف ، إلاّ إذا كان إيجارها لأكثر من سنة أنفع للوقف .
اقتران صيغة الإجارة ببعض الشّروط :
85 - عقد الإجارة يقبل الاقتران بالشّرط اتّفاقاً . لكن إذا كان الشّرط ممّا يبقى أثره في الأرض بعد انقضاء مدّة الإجارة ففيه كلام ، لأنّ هذا الشّرط ينتج تحقيق مصلحة لأحد العاقدين . فإذا كان الشّرط يقتضيه العقد فذكره لا يوجب الفساد كاشتراط الكراب والسّقي ، لأنّ الزّراعة لا تتأتّى إلاّ به . وإن شرط أن يثنيها - أي يحرثها مرّةً ثانيةً - ويكري أنهارها ونحو ذلك ، ممّا تبقى فائدته في الأرض بعد انقضاء المدّة ، وليس من مقتضيات العقد ، فهو شرط فاسد عند الحنفيّة تفسد به الإجارة عندهم ، لكنّ المالكيّة أجازوا اشتراط أن يسمّدها بنوع معيّن وقدر معيّن من السّماد ، لأنّه منفعة تبقى في الأرض ، فهو جزء من الأجرة . أمّا إذا شرط عليه أن يزرع بنفسه فقط ، أو أن يزرع قمحاً فقط ، فإنّه شرط مخالف لمقتضى العقد ، ولا يلزم الوفاء به ، فله أن يزرع بنفسه وبغيره ، وله أن يزرع قمحاً أو ما هو مثله أو أقلّ منه ضرراً بالأرض ، لا ما هو أكثر . وعلّلوا ذلك بأنّه شرط لا يؤثّر في حقّ المؤجّر ، فألغي ، وبقي العقد على مقتضاه . وفي وجه عند الشّافعيّة أنّ الإجارة تبطل ، لأنّه شرط فيها ما ينافي موجبها . وفي وجه آخر أنّ الإجارة جائزة ، والشّرط لازم ، لأنّ المستأجر يملك المنافع من جهة المؤجّر ، فلا يملك ما لم يرض به . 86 - وجمهور الفقهاء ( المالكيّة والحنابلة والصّحيح عند الشّافعيّة ) أنّه يجب أن يبيّن جنس ما يستأجر له الأرض ، زراعةً أو غراساً ، دون حاجة لبيان نوع ما يزرع أو يغرس . وعلّة ذلك أنّ الغراس قد يكون أضرّ بالأرض من الزّرع ، وتأثير ذلك في الأرض يختلف . أمّا التّفاوت بين الزّرعين فقليل لا يضرّ . وإذا لم يعيّن ، ولم يكن هناك عرف ، فلا يجوز ، للجهالة ، خلافاً لابن القاسم الّذي أجاز ، وقال : يمنع المكتري من فعل ما يضرّ بالأرض . أمّا إذا قال له : آجرتكها لتزرعها أو تغرسها ، فإنّه لا يصحّ ، لأنّه لم يعيّن أحدهما ، فوجدت جهالة . وإذا قال له : آجرتك لتزرعها وتغرسها ، صحّ العقد عند الحنابلة ، وله أن يزرعها كلّها ما شاء ، أو أن يغرسها كلّها ما شاء . وفي قول عند الشّافعيّة : يصحّ ، وله أن يزرع النّصف ، ويغرس النّصف ، لأنّ الجمع يقتضي التّسوية . وفي القول الثّاني : لا يصحّ ، لأنّه لم يبيّن المقدار من كلّ واحد منها . أمّا إن أطلق ، وقال : آجرتك لتنتفع بها ما شئت ، فله الزّرع والغرس والبناء عند الحنابلة ، للإطلاق . وللشّافعيّة ، في الأرض الّتي لا ماء لها ، ولم يذكر أنّه يكتريها للزّراعة ، وجهان : أحدهما : لا يصحّ ، لأنّ الأرض عادةً تكترى للزّراعة ، فصار كما لو شرط أنّه اكتراها للزّراعة . والثّاني : يصحّ إذا كانت الأرض عاليةً لا يطمع في سقيها ، لأنّه يعلم أنّه لم يكترها للزّراعة . وإن كانت منخفضةً يطمع في سقيها بسوق الماء إليها من موضع آخر ، لم تصحّ ، لأنّه اكتراها للزّراعة مع تعذّر الزّراعة ، لأنّ مجرّد الإمكان لا يكفي ، إذ لا بدّ من أن يغلب على الظّنّ وصول الماء إليها على الأرجح . وقال الحنفيّة والشّافعيّة في مقابل الصّحيح عندهم : لا بدّ من تعيين ما تستأجر له الأرض من زراعة أو غراس . ولا بدّ أيضاً من بيان نوع ما يزرع أو يغرس ، وإلاّ فسد العقد ، لأنّ الأرض تستأجر للزّراعة وغيرها ، وما يزرع فيها منه ما يضرّ بالأرض وما لا يضرّ ، فلم يكن المعقود عليه معلوماً . ولذا وجب البيان ، أو يجعل له أن ينتفع بها ما شاء . وحكي عن ابن سريج أيضاً أنّه قال : لا يصحّ حتّى يبيّن الزّرع ، لأنّ ضرره يختلف . وقال الحنفيّة : إن زرعها مع ذلك الفساد ، ومضى الأجل ، فللمؤجّر المسمّى ، استحساناً ، وفي القياس لا يجوز ، وهو قول زفر ، لأنّ العقد وقع فاسداً ، فلا ينقلب جائزاً . ووجه الاستحسان أنّ الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد .
أحكام إجارة الأرض الزّراعيّة : التزامات المؤجّر :
87 - يجب تسليم الأرض خاليةً إلى المستأجر . فإن استأجر أرضاً فيها زرع لآخر ، أو ما يمنع الزّراعة ، لم تجز الإجارة ، لعدم القدرة على استيفاء المعقود عليه . فإن قلع ذلك قبل تسليم الأرض جاز . وقال الحنابلة : لو كانت مشغولةً ، وخلت أثناء المدّة ، فإنّها تصحّ فيما خلت فيه من المدّة بقسطه من الأجرة . وإذا كان ذلك ممّا يختلف رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة .
( التزامات المستأجر ) :
88 - أوّلاً : يجب على المستأجر أن يدفع الأجرة المشروطة في العقد حسب الاشتراط ، فقد نصّوا على لزوم الكراء بالتّمكين من التّصرّف في العين الّتي اكتراها وإن لم تستعمل . وقد اتّجه الفقهاء في الجملة إلى أنّه إن انقطع عنها الماء ، أو غرقت ولم ينكشف عنها الماء ، ونحو ذلك ممّا يمنع تمكّنه من زراعتها ، فإنّه لا يلزمه الأجر . لكن لهم تفصيلات ينبغي الإشارة إليها . فالحنفيّة ينصّون على أنّ انقطاع الماء عن الأرض الّتي تسقى بماء النّهر أو ماء المطر يسقط الأجر . وكذا إن غرقت الأرض قبل أن يزرعها ومضت المدّة . وكذا لو غصبها غاصب . أمّا إن زرعها ، فأصاب الزّرع آفة ، فهلك الزّرع ، أو غرقت بعد الزّرع ولم ينبت ، ففي إحدى روايتين عن محمّد : يكون عليه الأجر كاملاً والمختار في الفتوى أنّه لا يكون عليه أجر لما بقي من المدّة بعد هلاك الزّرع . ويقرب من ذلك قول المالكيّة ، إذ قالوا : إنّ الأجر لا يجب بانقطاع الماء عن الأرض ، أو إغراقه لها من قبل أن يزرعها وحتّى انقضاء المدّة . أمّا إن تمكّن ، ثمّ فسد الزّرع لجائحة لا دخل للأرض فيها ، فيلزمه الكراء ، غير أنّهم قالوا : إذا انعدم البذر عموماً عند أهل المحلّة ملكاً أو تسليفاً فلا يلزمه الكراء ، وكذا إذا سجن المكتري بقصد تفويت الزّرع عليه ، فيكون الكراء على ساجنه . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن اكترى أرضاً للزّراعة ، فانقطع ماؤها ، فالمكتري بالخيار بين فسخ العقد ، لأنّ المنفعة المقصودة قد فاتت ، وبين إبقائه لأنّ العين باقية يمكن الانتفاع بها ، وإنّما نقصت منفعتها ، فثبت له الخيار ، كما لو حدث به عيب . وقالوا : إذا زرع الأرض الّتي اكتراها ثمّ هلك الزّرع بزيادة المطر أو شدّة البرد أو أكل الجراد ، لم يجز له الرّدّ ، لأنّ الجائحة حدثت على مال المستأجر . وقالوا : إن اكترى أرضاً غرقت بالماء لزراعة ما لا يثبت في الماء ، كالحنطة والشّعير ، فإن كان للماء مغيض إذا فتح انحسر الماء عن الأرض ، وقدر على الزّراعة ، صحّ العقد ، وإلاّ لم يصحّ العقد . وإن كان يعلم أنّ الماء ينحسر ، وتنشّفه الرّيح ، ففيه وجهان عند الشّافعيّة : أحدهما : لا يصحّ ، لأنّه لا يمكن استيفاء المنفعة في الحال . والثّاني : يصحّ . وهو الصّحيح ، لأنّه يعلم بالعادة إمكان الانتفاع به . 89 - ثانياً : يجب على المستأجر أن ينتفع بالأرض في حدود المعروف والمشروط ، لا بما هو أكثر ضرراً ، وهذا موضع اتّفاق . وذهب عامّة أهل العلم إلى أنّه يجوز أن يزرع الأرض الزّرع المتّفق عليه ، أو مساويه ، أو أقلّ منه ضرراً . غير أنّ الحنفيّة قالوا : من اكترى أرضاً ليزرعها حنطةً فليس له أن يزرعها قطناً . وإذا زرعها ضمن قيمة ما أحدثه ذلك في الأرض من نقصان ، واعتبر غاصباً للأرض . وقد سبق أنّهم يشترطون تعيين نوع ما يزرع . وقال الشّافعيّة في ذلك : يلزمه أجر المثل ، لأنّه تعدّى ، والزّيادة غير منضبطة ، وتفضي إلى منازعة . وفي قول آخر لهم : يلزمه المسمّى وأجر المثل للزّيادة . وفي قول : إنّ مالك الأرض يكون بالخيار بين أن يأخذ المسمّى وأجر المثل للزّيادة ، أو أن يأخذ أجر المثل للجميع . وعند الحنابلة : لو اشترط نوعاً معيّناً من الزّرع كالقمح ، فلهم رأيان : قيل : لا يجوز هذا الشّرط ، لأنّ المعقود عليه منفعة الأرض ، وإنّما ذكر القمح لتقدّر به المنفعة . والثّاني أنّه يتقيّد بهذا الشّرط حسب الاتّفاق ، فيكون شرطاً لا يقتضيه العقد . وهذا اختيار القاضي من علمائهم .
انقضاء إجارة الأرض الزّراعيّة :
90 - إذا كانت الإجارة على مدّة ، وانقضت المدّة ، انقضت الإجارة اتّفاقاً . ويبقى الزّرع في الأرض إذا كان لم يحن حصاده . وعليه الأجر المسمّى عن المدّة ، زائداً أجر المثل عن المدّة الزّائدة . ولفقهاء المذاهب بعض تفصيلات في ذلك ، وفيما إذا كانت الأرض استأجرها للغراس لا للزّرع : فقال الحنفيّة : إذا استأجرها ليغرس بها شجراً ، وانقضت المدّة ، لزمه أن يقلع الشّجر ويسلّم الأرض فارغةً . وقيل : يتركها بأجر المثل ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم قيمة ذلك مقلوعاً إن كان في قلعها ضرر فاحش بالأرض . وإلاّ قلعها من غير ضمان النّقص له . لأنّ تقدير المدّة في الإجارة يقتضي التّفريغ عند انقضائها ، كما لو استأجرها للزّرع . ولا يبعد المالكيّة عن الحنفيّة في شيء من هذا ، غير أنّ بعضهم قيّد بقاء الزّرع في الأرض للحصاد بأجر المثل بما إذا كان المكتري يعلم وقت العقد أنّ الزّرع يتمّ حصاده في المدّة ، وإلاّ جاز للمؤجّر أمره بالقلع . 91 - أمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا ، وقالوا : إن اكترى أرضاً لزرع معيّن لا يستحصد في المدّة ، واشترط التّبقية ، فالإجارة باطلة ، لأنّه شرط ينافي مقتضى العقد . فإن بادر وزرع لم يجبر على القلع ، وعليه أجرة المثل . وإن شرط القلع فالعقد صحيح ، ويجبر على ذلك . وإن لم يشترط شيئاً من ذلك فقيل : يجبر على القلع ، لأنّ العقد على مدّة ، وقد انقضت . وقيل : لا يجبر ، لأنّ الزّرع معلوم . ولزمه أجر المثل للزّائد . وإن كان الزّرع غير معيّن ، فإن كان بتفريط منه ، فللمكتري أن يجبره على قلعه ، لأنّه لم يعقد إلاّ على المدّة . وإن كان لعذر ، فقيل : يجبر أيضاً . وقيل : لا يجبر . وهو الصّحيح ، لأنّه تأخّر من غير تفريط منه . وعليه المسمّى إلى نهاية المدّة ، وأجرة المثل لما زاد . وفي الغراس قالوا : إنّه يجوز اشتراط التّبقية ، لأنّ العقد يقتضيه . وإن شرط عليه القلع أخذ بالشّرط ، ولا يلزمه تسوية الأرض . وإن أطلق لم يلزمه القلع ، إذ العادة في الغراس التّبقية إلى أن يجفّ ويستقلع . وإن اختار القلع ، وكان قبل انقضاء المدّة ، فقيل : يلزمه تسوية الأرض ، لأنّه قلع الغراس من أرض غيره بغير إذنه . وقيل لا يلزمه ، لأنّ قلع الغراس من أرض له عليها يد . وإن كان بعد انقضاء المدّة لزمه تسوية الأرض ، وجهاً واحداً . وإن اختار المكتري التّبقية فإن أراد صاحب الأرض دفع قيمة الغراس وتملّكه أجبر المكتري على ذلك . وإن أراد أن يقلعه ، وكانت قيمة الغراس لا تنقص بالقلع ، أجبر المكتري على القلع . ولا يبعد رأي الحنابلة عمّا قاله الشّافعيّ في جملته غير أنّهم قالوا : إذا كان تأخير الزّرع لتفريط منه فحكمه حكم زرع الغاصب . ويخيّر المالك بعد المدّة بين أخذه بالقيمة ، أو تركه بالأجر لما زاد على المدّة . وإن اختار المستأجر قطع زرعه في الحال فله ذلك . وقال القاضي : إنّ على المستأجر ذلك . وإن اتّفقا على تركه بعوض جاز . وإن كان بقاؤه بغير تفريط لزم المؤجّر تركه إلى أن ينتهي ، وله المسمّى ، وأجر المثل لما زاد . وإذا استؤجرت الأرض مدّةً للزّراعة ، ومات المؤجّر أو المستأجر ، قبل أن يستحصد الزّرع كان من حقّ المستأجر أو ورثته بقاء الأرض حتّى حصاد الزّرع ، وذلك بأجر المثل ، على أن يكون ذلك من مال الورثة دون مال الميّت . وقد سبق أنّ وفاة المؤجّر ، أو المستأجر ، ممّا ينهي عقد الإجارة عند الحنفيّة ، خلافاً للمذاهب الأخر .
المبحث الثّاني
إجارة الدّور والمباني بم تعيّن المنفعة فيها ؟ 92 - لا يعلم خلاف بين فقهاء المذاهب في ضرورة تعيين الدّار المستأجرة ، وأنّه إذا تغيّرت هيئتها الأولى الّتي رآها عليها بما يضرّ بالسّكن يثبت له خيار العيب . وإذا كان استأجر داراً قد تعيّنت بالوصف ، ولم يرها قبل العقد ولا وقته ، ثبت له حقّ خيار الرّؤية عند من يقولون به . ولا يعلم خلاف أيضاً في أنّ إجارة الدّور ممّا لا تختلف في الاستعمال عادةً ، فيصحّ استئجار الدّار أو الحانوت مع عدم بيان ما يستأجرها له ، لأنّ الدّور إنّما تكون للسّكن عادةً ، والحانوت للتّجارة أو الصّناعة . ويرجع إلى العرف أيضاً في كيفيّة الاستعمال ، والتّفاوت في السّكن يسير فلم يحتج إلى ضبطه . 93 - إذا شرط المؤجّر على المستأجر ألاّ يسكن غيره معه فالحنفيّة يرون أنّ الشّرط لاغ والعقد صحيح ، فله أن يسكن غيره معه . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار الشّرط ، فليس له أن يسكن غيره معه ، إلاّ ما جرى به العرف . وذهب الشّافعيّة إلى فساد الشّرط والعقد ، لأنّ هذا الشّرط لا يقتضيه العقد ، وفيه منفعة للمؤجّر ، فيكون شرطاً فاسداً ، ويفسد به العقد . وإذا لم يكن هناك شرط فالعبرة في ذلك بعدم الضّرر أوّلاً ، والرّجوع للعرف ثانياً . وللمستأجر أن ينتفع بالدّار والحانوت كيف شاء في حدود المتعارف ، بنفسه وبغيره ممّن لا يزيد ضرره عنه . وليس له أن يجعل فيها ما يوهن البناء كالحدادة والقصارة . وتدخل في إجارة الدّور والحوانيت توابعها ، ولو بدون ذكرها في العقد ، لأنّ المنفعة لا تتحقّق إلاّ بها . 94 - وبيان المنفعة في إجارة الدّور ببيان المدّة فقط ، لأنّ السّكنى مجهولة المقدار في نفسها ، ولا تنضبط بغير ذلك . وليس لمدّة الإجارة حدّ أقصى عند الجمهور ، فتجوز المدّة الّتي تبقى فيها وإن طالت . وهو قول أهل العلم كافّةً . وفي قول عند الشّافعيّة : لا تجوز أكثر من سنة . وفي قول : إنّها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنةً . وقال به المالكيّة بالنّقد والمؤجّل . وتبدأ المدّة من الوقت المسمّى في العقد . فإن لم يكونا سمّيا وقتاً فمن حين العقد . ويقول المالكيّة : يجوز عدم بيان ابتداء المدّة لسكنه شهراً أو سنةً مثلاً . ويحمل من حين العقد وجيبةً ( أي مدّةً محدّدةً لا تتجدّد بنفس العقد ) أو مشاهرةً . فإن وقع العقد في أثناء الشّهر فثلاثون يوماً من يوم العقد . أمّا الشّافعيّة فقالوا : لا تجوز إجارة الدّور إلاّ لمدّة معلومة الابتداء والانتهاء . فإن قال : آجرتك هذه الدّار شهراً ، ولم يحدّد الشّهر ، لم يصحّ ، لأنّه ترك تعيين المعقود عليه ، وهو الشّهر ، في عقد شرط فيه التّعيين ، كما لو قال : بعتك داراً . 95 - وإذا وقعت الإجارة على مدّة يجب أن تكون معلومةً . ولا يشترط أن تلي العقد مباشرةً ، خلافاً للشّافعيّ في أحد قوليه . فإذا قال : آجرتك داري كلّ شهر بدرهم ، فالجمهور على أنّها صحيحة . وتلزم الإجارة في الشّهر الأوّل بإطلاق العقد ، لأنّه معلوم بالعقد ، وما بعده من الشّهور يلزم العقد فيه بالتّلبّس به ، وهو السّكنى في الدّار ، لأنّه مجهول حال العقد ، فإذا تلبّس به تعيّن بالدّخول فيه ، فصحّ بالعقد الأوّل . وإن لم يتلبّس به ، أو فسخ العقد عند انقضاء الشّهر الأوّل ، انفسخ . وفي الصّحيح عند الشّافعيّ أنّ الإجارة لا تصحّ . وقال به بعض فقهاء الحنابلة ، لأنّ كلمة " كلّ " اسم للعدد ، فإذا لم يقدّره كان مبهماً مجهولاً . وإذا قال : آجرتك داري عشرين شهراً ، كلّ شهر بدرهم ، جاز بغير خلاف ، لأنّ المدّة معلومة ، وأجرها معلوم . وفي قول عند الشّافعيّة : تصحّ في الشّهر الأوّل المعلوم ، وتبطل في الباقي المجهول . وإن قال آجرتكها شهراً بدرهم ، وما زاد فبحساب ذلك ، صحّ في الشّهر الأوّل ، لأنّه أفرده بالعقد ، وبطل في الزّائد ، لأنّه مجهول . ويحتمل أن يصحّ في كلّ شهر تلبّس به . 96 - وإن قدّرت مدّة الإجارة بالسّنين ، ولم يبيّن نوعها ، حمل على السّنة الهلاليّة ، لأنّها المعهودة في الشّرع . وإن استأجر سنةً هلاليّةً أوّل الهلال عدّ اثنا عشر شهراً بالأهلّة ، ثمّ يكمّل المنكسر ثلاثين يوماً . روي هذا عن أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد . وروي عنهم أيضاً أنّه يستوفى في الجميع بالعدد وإن استأجر الدّار بالسّنة الشّمسيّة أو الرّوميّة أو القبطيّة ، فإنّه يصحّ في رواية عن الشّافعيّ ، لأنّ المدّة معلومة . وهو مذهب أحمد إن كانا يعلمان أيّامها . والرّواية الثّانية عن الشّافعيّ : لا يصحّ ، إذ في السّنة الشّمسيّة أيّام نسيء ، وهو مذهب أحمد إن كانا يجهلانها . وإن آجره له إلى العيد انصرف إلى أوّل عيد يأتي ، الفطر أو الأضحى . وإن أضافه إلى عيد من أعياد الكفّار صحّ إذا علماه . 97 - وبالنّسبة للأجرة فإذا آجرها سنةً بعشرة دراهم جاز ، وإن لم يبيّن قسط كلّ شهر ؛ لأنّ المدّة معلومة ، فصار كالإجارة شهراً واحداً . غير أنّ المالكيّة لهم تأويلان في كونه وجيبةً ، لاحتمال إرادة سنة واحدة ، فكأنّه يقول : هذه السّنة . وهو تأويل ابن لبابة . والأكثر ، بل هو ظاهر المدوّنة : أو غير وجيبة ، لاحتمال إرادة كلّ سنة . وهو تأويل أبي محمّد صالح . 98 - إذا استأجر ذمّيّ داراً من مسلم على أنّه سيتّخذها كنيسةً أو حانوتاً لبيع الخمر ، فالجمهور ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأصحاب أبي حنيفة ) على أنّ الإجارة فاسدة ، لأنّها على معصية . وانفرد أبو حنيفة بالقول بجواز ذلك ، لأنّ العقد وارد على منفعة البيت مطلقاً ، ولا يتعيّن على المستأجر اتّخاذها لتلك المعصية . وفي هذا التّعليل ما فيه . أمّا إذا استأجر الذّمّيّ داراً للسّكنى مثلاً ، ثمّ اتّخذها كنيسةً ، أو معبداً عاماً ، فالإجارة انعقدت بلا خلاف . ولمالك الدّار ، وللمسلم عامّةً ، منعه حسبةً ، كما يمنع من إحداث ذلك في الدّار المملوكة للذّمّيّ .
التزامات المؤجّر والمستأجر في إجارة الدّور :
99 - يجب على المؤجّر تمكين المستأجر من الانتفاع . ويلزم المستأجر الأجر من وقت التّمكين ، ولو لم يستوف المنفعة . وإذا انقضت المدّة من غير التّمكين لا يستحقّ المؤجّر شيئاً ، ولو مضى من العقد مدّة قبل التّمكين فلا يلزمه أجر ما مضى قبل التّمكين . ومن حقّ المؤجّر حبس الدّار لاستيفاء الأجرة المشترط تعجيلها . ومن مقتضى التّمكين ألاّ تعود الدّار لحيازة المؤجّر بشرط في العقد . وما دام يجوز له أن ينتفع بالمعقود عليه بنفسه أو بغيره فإنّه يجوز له إيجارها للغير بمثل ما استأجرها به أو أكثر ، من غير جنس ما استأجر به ، أو من جنسه ، وكان وضع فيها شيئاً من ماله ( كالمساكن المفروشة ) فإنّ الزّيادة تحلّ له مع اتّحاد الجنس . وهذا إذا لم يكن هناك شرط يمنع إسكان غيره ، على ما سبق . كما يلزم المؤجّر عمارة الدّار وإصلاح كلّ ما يخلّ بالسّكنى . فإن أبى حقّ للمستأجر فسخ العقد إلاّ إذا كان استأجرها على حالها . وهذا عند جمهور الفقهاء . ومذهب المالكيّة وقول عند الحنفيّة لا يجبر الآجر على إصلاح لمكتر مطلقاً ، ويخيّر السّاكن بين السّكنى ، ويلزمه الكراء كاملاً ، والخروج منها . ولو أنفق المكتري شيئاً في الإصلاح من غير إذن وتفويض من المؤجّر ، فهو متبرّع . وعند انقضاء المدّة خيّر ربّ الدّار بين دفع قيمة الإصلاح منقوضاً أو أمره بنقضه إن أمكن فصله . ولا يجوز اشتراط صيانة العين على المستأجر ، لأنّه يؤدّي إلى جهالة الأجرة ، فتفسد الإجارة بهذا الاشتراط باتّفاق المذاهب . وإن سكن المستأجر ، لزمه أجر المثل ، وله ما أنفق على العمارة ، وأجر مثله في القيام عليها إن كان فعل ذلك بإذنه ، وإلاّ كان متبرّعاً . غير أنّ المالكيّة أجازوا كراء الدّار ونحوها مع اشتراط المرمّة على المكتري من الكراء المستحقّ عليه عن مدّة سابقة أو من الكراء المشترط تعجيله . ويقرب من ذلك ما قاله الشّافعيّة من أنّ المستأجر في مثل هذا يكون بمنزلة الوكيل . 100 - والدّار المستأجرة تكون أمانةً في يد المستأجر ، فلا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو المخالفة . وتوابع الدّار كالمفتاح أمانة أيضاً . وإن تلف شيء ممّا يحتاج إليه للتّمكّن من الانتفاع لا يضمنه . وإذا استأجر الدّار على أن تتّخذ للحدادة ، فاستعملها للقصارة أو غيرها ممّا لا يزيد ضرره عادةً عن الحدادة ، فانهدم شيء من البناء ، فلا ضمان عليه . أمّا إن استأجرها على أن يتّخذها للسّكنى ، فاستعملها للحدادة أو القصارة ، فانهدم شيء منها ضمن . وقد صرّح بعض الفقهاء بأنّ السّلوك الشّخصيّ للمستأجر لا أثر له على العقد ، وليس للآجر ولا للجيران إخراجه من الدّار ، وإنّما يؤدّبه الحاكم . فإن لم يكف أجّرها الحاكم عليه وأخرجه منها . وتنقضي إجارة الدّور بأحد الأسباب السّابق ذكرها في مبحث انقضاء الإجارة . وقد بيّنّا قبل اتّجاهات الفقهاء في انقضاء الإجارة بالتّصرّف في العين المؤجّرة . وعلى هذا فلو قام المؤجّر بإجارة داره عن شهر صفر مثلاً ، وكان ذلك في شهر المحرّم ، وكانت الدّار في يد مستأجر آخر في شهر المحرّم ، فإنّ ذلك يعتبر فسخاً للإجارة الأولى . ويظهر أثر هذا الفسخ عقب انتهاء شهر المحرّم . ويرى البعض أنّ ذلك إنهاءً للعقد وليس فسخاً . .
الفرع الثّاني إجارة الحيوان 101 - إجارة الحيوان تنطبق عليها شروط الإجارة وأحكامها السّابقة ، إلاّ أنّ هناك صوراً من إجارة بعض الحيوانات لها أحكام تخصّها كإجارة الكلب ونحوه للحراسة ، فإنّ الحنفيّة منعوها لأنّه لا يمكن للإنسان حمله على منفعة الحراسة بضرب أو غيره . أمّا إجارة الكلب المعلّم للصّيد فمحلّ خلاف في جوازه وعدمه بين الفقهاء يرجع إلى بيانه وتفصيله في محلّه " صيد » . وفي إجارة الفحل للضّراب خلاف ، فجمهور الفقهاء الحنفيّة وظاهر مذهب الشّافعيّة وأصل مذهب الحنابلة ، على منعه لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتّفق عليه عن عسب الفحل . غير أنّ الحنابلة قالوا : إن احتاج إنسان إلى ذلك ، ولم يجد من يطرق له ، جاز أن يبذل الكراء ، وليس للمطرق أخذه . قال عطاء : لا يأخذ عليه شيئاً ، ولا بأس أن يعطيه إذا لم يجد من يطرق له ، ولأنّ ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها . وقالوا : إن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط ، فأهديت له هديّة ، فلا بأس . ونقل عن مالك وبعض الشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة الجواز ، وهو مذهب الحسن وابن سيرين ، تشبيهاً له بسائر المنافع ، وللحاجة إليه ، كإجارة الظّئر للرّضاع ، ولأنّه يجوز أن يستباح بالإعارة ، فجاز أن يستباح بالإجارة ، كسائر المنافع . والجمهور على أنّه لا يجوز أن تفضي إجارة الحيوان إلى بيع عين من نتاجه ، كتأجير الشّاة لأخذ لبنها ، لأنّ المقصود الأصليّ في عقد الإجارة هو المنفعة لا الأعيان . وفي قول عند الحنابلة : تجوز إجارة الحيوان للبنه ، وقاله الشّيخ تقيّ الدّين ، وهو غير صحيح في المذهب .
الفرع الثّالث إجارة الأشخاص 102 - إجارة الأشخاص تقع على صورتين : أجير خاصّ استؤجر على أن يعمل للمستأجر فقط ويسمّيه بعض الفقهاء " أجير الوحد " كالخادم والموظّف ، وأجير مشترك يكترى لأكثر من مستأجر بعقود مختلفة ، ولا يتقيّد بالعمل لواحد دون غيره ، كالطّبيب في عيادته ، والمهندس والمحامي في مكتبيهما . والأجير الخاصّ يستحقّ أجرةً على المدّة . أمّا الأجير المشترك فيستحقّ أجرةً على العمل غالباً . وسيأتي تفصيل ذلك . المطلب الأوّل الأجير الخاصّ 103 - الأجير الخاصّ : هو من يعمل لمعيّن عملاً مؤقّتاً ، ويكون عقده لمدّة . ويستحقّ الأجر بتسليم نفسه في المدّة ، لأنّ منافعه صارت مستحقّةً لمن استأجره في مدّة العقد . وكره الحنفيّة استئجار المرأة للخدمة ، لأنّه لا يؤمن معه الاطّلاع عليها والوقوع في المعصية ، ولأنّ الخلوة بها معصية . وأجاز أحمد استئجارها ، ولكن يصرف وجهه عن النّظر إلى ما لا يحلّ له النّظر إليه ، كما أنّه لا يخلو معها في مكان اتّقاءً للفتنة . 104 - ويجوز أن يكون الأجير ذمّيّاً والمستأجر مسلماً بلا خلاف . أمّا أن يكون الأجير مسلماً والمستأجر ذمّيّاً فقد أجازه جمهور الفقهاء ، غير أنّهم وضعوا معياراً خاصّاً هو أن يكون العمل الّذي يؤجّر نفسه للقيام به ممّا يجوز له أن يفعله لنفسه ، كالخياطة والبناء والحرث . أمّا إذا كان لا يجوز له أن يعمله لنفسه ، كعصر الخمر ، ورعي الخنازير ، ونحو ذلك ، فإنّه لا يجوز . فإن فعل فإنّ الإجارة تردّ قبل العمل . وإن عمل فإنّ الأجرة تؤخذ من الكافر ويتصدّق بها . ولا يستحلّها لنفسه إلاّ أن يعذر لأجل الجهل . والمعيار عند الحنابلة أن يكون العمل غير الخدمة الشّخصيّة . أمّا إن كانت الإجارة على أن يقوم بخدمته من نحو تقديم الطّعام له ، والوقوف بين يديه ، فقال البعض : لا يجوز ، لأنّه عقد يتضمّن حبس المسلم عند الكافر ، وإذلاله في خدمته . وهو فيما يبدو المقصود من القول بالجواز عند الحنفيّة لأنّه عقد معاوضة - كالبيع - مع الكراهة الّتي علّلوها بأنّ الاستخدام استذلال ، وليس للمسلم أن يذلّ نفسه ، خصوصاً بخدمة الكافر . وقال بعض الحنابلة : يجوز ، لأنّه يجوز له إجارة نفسه في غير الخدمة ، فجاز فيها . وهو أحد قولي الشّافعيّ . وفي حاشية القليوبيّ والشّروانيّ يصحّ مع الكراهة أن يستأجر الذّمّيّ مسلماً ، ولو إجارة عين ويؤمر وجوباً بإجارته لمسلم . وللحاكم منعه منها . ولا يجوز لمسلم خدمة كافر ولو غير إجارة . وفي المهذّب أنّ من الشّافعيّة من قال : لو استأجر الكافر مسلماً ففيه قولان ، ومنهم من قال : يصحّ قولاً واحداً . 105 - ويجوز أن يكون ربّ العمل جماعةً في حكم شخص واحد ( مؤسّسةً ) فلو استأجر أهل قرية معلّماً أو إماماً أو مؤذّناً ، وكان خاصّاً بهم كان أجيراً خاصّاً . وكذا لو استأجر أهل قرية راعياً ليرعى أغنامهم على أن يكون مخصوصاً لهم بعقد واحد ، كان أجيراً خاصّاً . ولا بدّ في إجارة الأجير الخاصّ من تعيين المدّة ، لأنّها إجارة عين لمدّة . فلا بدّ من تعيينها ، لأنّها هي المعيّنة للمعقود عليه . والمنفعة لا تعتبر معلومةً إلاّ بذلك . وينبغي أن تكون المدّة ممّا يغلب على الظّنّ بقاء الأجير فيها قادراً على العمل ، حتّى قال المالكيّة : يجوز إجارة العامل لخمس عشرة سنةً . ولم يشترط الفقهاء تعيين نوع الخدمة . وعند عدم التّعيين يحمل على ما يليق بالمؤجّر والمستأجر . 106 - ويجب على الأجير الخاصّ أن يقوم بالعمل في الوقت المحدّد له أو المتعارف عليه . ولا يمنع هذا من أدائه المفروض عليه من صلاة وصوم ، بدون إذن المستأجر . وقيل : إنّ له أن يؤدّي السّنّة أيضاً ، وأنّه لا يمنع من صلاة الجمعة والعيدين ، دون أن ينقص المستأجر من أجره شيئاً إن كان المسجد قريباً . ولا يستغرق ذلك وقتاً كبيراً ، بل جاء في كتب الفقه أنّ من استأجر أجيراً شهراً ليعمل له كذا لا تدخل فيه أيّام الجمع للعرف . قال الرّشيديّ : « لو آجر نفسه بشرط عدم الصّلاة وصرف زمنها في العمل المستأجر له ، فالأقرب أنّه تصحّ الإجارة ويلغو الشّرط " ولا يدخل في الإجارة بالزّمن نحو شهر مثلاً لغير مسلم أوقات الصّلوات ولا أيّام عطلتهم الدّينيّة . وليس للأجير الخاصّ أن يعمل لغير مستأجره إلاّ بإذنه ، وإلاّ نقص من أجره بقدر ما عمل . ولو عمل لغيره مجّاناً أسقط ربّ العمل من أجره بقدر قيمة ما عمل . 107 - والأجير الخاصّ أمين ، فلا يضمن ما هلك في يده من مال ، أو ما هلك بعمله ، إلاّ بالتّعدّي أو التّقصير . وله الأجرة كاملةً . أمّا أنّه لا ضمان عليه لما تلف في يده من مال فلأنّ العين أمانة في يده لأنّه قبضه بإذن ربّ العمل ، فلا يضمن . وأمّا ما هلك بعمله فإنّ المنافع تصير مملوكةً للمستأجر ، لكونه يعمل في حضوره ، فإذا أمره بالتّصرّف في ملكه صحّ ، ويصير نائباً منابه ، ويصير فعله منسوباً إليه ، كأنّه فعله بنفسه . فلهذا لا يضمن . بل قال المالكيّة : حتّى لو شرط عليه الضّمان ، فهو شرط يناقض العقد ، ويفسد الإجارة . فإن وقع الشّرط فسدت الإجارة . فإن عمل فله أجرة مثله ، زادت على المسمّى أو نقصت . وإن أسقط الشّرط قبل انقضاء العمل صحّت الإجارة . ومن فقهاء الشّافعيّة من قال : إنّه كالأجير المشترك ، فيضمن ، لقول الشّافعيّ : الأجراء سواء ، وذلك صيانةً لأموال النّاس . وكان يقول : لا يصلح النّاس إلاّ ذاك .