عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 04-29-2012, 08:20 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ج - ( ضمان العيوب ) :
55 - يثبت خيار العيب في الإجارة ، كالبيع . والعيب الموجب للخيار فيها هو ما يكون سبباً لنقص المنافع الّتي هي محلّ العقد ولو بفوات وصف في إجارة الذّمّة ، ولو حدث العيب قبل استيفاء المنفعة وبعد العقد . ويكون المستأجر بالخيار بين فسخ العقد وبين استيفاء المنفعة مع الالتزام بتمام الأجر ، على ما سيأتي في موضعه عند الكلام عن الفسخ للعيب .
التزامات المستأجر : أ - دفع الأجرة ( وحقّ المؤجّر في حبس المعقود عليه ) :
56 - الأجرة تلزم المستأجر على ما سبق . فإن كانت معجّلةً حقّ للمؤجّر حبس ما وقع عليه العقد حتّى يستوفي الأجرة عند الحنفيّة والمالكيّة وفي قول للشّافعيّة ، لأنّ عمله ملكه ، فجاز له حبسه ، لأنّ المنافع في الإجارة كالمبيع في البيع . ولا يحقّ له ذلك في القول الآخر عند الشّافعيّة ، وهو مذهب الحنابلة ، لأنّه لم يرهن العين عنده . ولكلّ صانع ، لعمله أثر في العين ، كالقصّار والصّبّاغ ، أن يحبس العين لاستيفاء الأجر عند من أجاز له الحبس . وكلّ صانع ، ليس لعمله أثر في العين كالحمّال ، فليس له أن يحبسها عندهم ، لأنّ المعقود عليه نفس العمل ، وهو غير قائم في العين ، فلا يتصوّر حبسه ، خلافاً للمالكيّة حيث أثبتوا له حقّ الحبس .
ب - استعمال العين حسب الشّرط أو العرف والمحافظة عليها :
57 - يتّفق الفقهاء على أنّ المستأجر يلزمه أن يتّبع في استعمال العين ما أعدّت له ، مع التّقيّد بما شرط في العقد ، أو بما هو متعارف ، إذا لم يوجد شرط ، وله أن يستوفي المنفعة المعقود عليها ، أو ما دونها من ناحية استهلاك العين والانتفاع بها . وليس له أن ينتفع منها بأكثر ممّا هو متّفق عليه . فإذا استأجر الدّار ليتّخذها سكناً فلا يحقّ له أن يتّخذها مدرسةً أو مصنعاً ، وإن استأجر الدّابّة لركوبه الخاصّ فليس له أن يتّخذها لغير ذلك ، ( على التّفصيل الّذي سيأتي في موضعه عند الكلام عن إجارة الأرض والدّور والدّوابّ ) . وعلى المستأجر إصلاح ما تلف من العين بسبب استعماله . ولا خلاف في أنّ العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر ، فلو هلكت دون اعتداء منه أو مخالفة المأذون فيه ، إلى ما هو أشدّ ، أو دون تقصير في الصّيانة والحفظ ، فلا ضمان عليه ، لأنّ قبض الإجارة قبض مأذون فيه ، فلا يكون مضموناً . وسيأتي تفصيل هذا في موضعه .
ج - رفع المستأجر يده عن العين عند انتهاء الإجارة :
58 - بمجرّد انقضاء الإجارة يلزم المستأجر رفع يده عن العين المستأجرة ليستردّها المؤجّر ، فهو الّذي عليه طلب استردادها عند انقضاء الإجارة . وإن استأجر دابّةً ليصل بها إلى مكان معيّن لزم المؤجّر استلامها من هذا المكان ، إلاّ إذا كان الإجارة للذّهاب والعودة . ومن الشّافعيّة من قال : يلزم المستأجر ردّ العين بعد انقضاء الإجارة ، ولو لم يطلبها المؤجّر ، لأنّ المستأجر غير مأذون في إمساكها بعد انقضاء العقد ، فلزمه الرّدّ كالعاريّة . وتفصيل ذلك سيرد في موضعه عند الكلام على أنواع الإجارة .
الفصل الرّابع انقضاء الإجارة :
59 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة تنتهي بانتهاء المدّة ، أو بهلاك المعقود عليه المعيّن ، أو بالإقالة . وذهب الحنفيّة إلى أنّها تنقضي أيضاً بموت أحد المتعاقدين ، أو طروء عذر يمنع من الانتفاع بالعين المستأجرة ، وذلك بناءً على أنّهم يرون أنّ الأصل في الأجرة أنّها تتجدّد بتجدّد المنفعة . وذهبت غير الحنفيّة إلى عدم انقضاء الإجارة بهذه الأمور بناءً على أنّهم يرون أنّ الأجرة تثبت بالعقد ، كالثّمن يثبت بنفس البيع . وتفصيل ذلك فيما يلي : أوّلاً - انقضاء المدّة :
60 - إذا كانت الإجارة محدّدة المدّة ، وانتهت هذه المدّة ، فإنّ الإجارة تنتهي بلا خلاف . غير أنّه قد يوجد عذر يقتضي امتداد المدّة ، كأن تكون أرضاً زراعيّةً ، وفي الأرض زرع لم يستحصد ، أو كانت سفينةً في البحر ، أو طائرةً في الجوّ ، وانقضت المدّة قبل الوصول إلى الأرض . 61 - وإذا كانت الإجارة غير محدّدة المدّة ، كأن يؤجّر له الدّار مشاهرةً كلّ شهر بكذا دون بيان عدد الأشهر ، فإنّ لكلّ ذلك أحكاماً مفصّلةً سيأتي ذكرها .
ثانياً - انقضاء الإجارة بالإقالة :
62 - كما أنّ الإقالة جائزة في البيع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أقال نادماً بيعته أقال اللّه عثرته يوم القيامة » فهي كذلك جائزة في الإجارة ، لأنّ الإجارة بيع منافع .
ثالثاً - انقضاء الإجارة بهلاك المأجور :
63 - تفسخ الإجارة بسبب هلاك العين المستأجرة بحيث تفوت المنافع المقصودة منها كلّيّةً ، كالسّفينة إذا نقضت وصارت ألواحاً ، والدّار إذا انهدمت وصارت أنقاضاً ، وهذا القدر متّفق عليه . وأمّا إذا نقصت المنفعة ففي ذلك خلاف وتفصيل سيأتي في موضعه .
رابعاً : فسخ الإجارة للعذر :
64 - الحنفيّة ، كما سبق ، يرون جواز فسخ الإجارة لحدوث عذر بأحد العاقدين ، أو بالمستأجر ( بفتح الجيم ) ، ولا يبقى العقد لا زمّاً ، ويصحّ الفسخ ، إذ الحاجة تدعو إليه عند العذر ، لأنّه لو لزم العقد حينئذ للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد . فكان الفسخ في الحقيقة امتناعاً من التزام الضّرر ، وله ولاية ذلك . وقالوا : إنّ إنكار الفسخ عند تحقّق العذر خروج عن الشّرع والعقل ، لأنّه يقتضي أنّ من اشتكى ضرسه ، فاستأجر رجلاً ليقلعها ، فسكن الوجع ، يجبر على القلع . وهذا قبيح شرعاً وعقلاً . ويقرب منهم المالكيّة في أصل جواز الفسخ بالعذر ، لا فيما توسّع فيه الحنفيّة ، إذ قالوا : لو كان العذر بغصب العين المستأجرة ، أو منفعتها ، أو أمر ظالم لا تناله الأحكام بإغلاق الحوانيت المكتراة ، أو حمل ظئر - لأنّ لبن الحامل يضرّ الرّضيع - أو مرضها الّذي لا تقدر معه على رضاع ، حقّ للمستأجر الفسخ أو البقاء على الإجارة . 65 - وجمهور الفقهاء على ما أشرنا لا يرون فسخ الإجارة بالأعذار ، لأنّ الإجارة أحد نوعي البيع ، فيكون العقد لازماً ، إذ العقد انعقد باتّفاقهما ، فلا ينفسخ إلاّ باتّفاقهما . وقد نصّ الشّافعيّة على أنّه ليس لأحد العاقدين فسخ الإجارة بالأعذار ، سواء أكانت على عين أم كانت في الذّمّة ، ما دام العذر لا يوجب خللاً في المعقود عليه . فتعذّر وقود الحمّام ، أو تعذّر سفر المستأجر ، أو مرضه ، لا يخوّله الحقّ في فسخ العقد ، ولا حطّ شيء من الأجرة . وقال الأثرم من الحنابلة : قلت لأبي عبد اللّه : رجل اكترى بعيراً ، فلمّا قدم المدينة قال له : فاسخني . قال : ليس ذلك له . قلت : فإن مرض المستكري بالمدينة ، فلم يجعل له فسخاً ، وذلك لأنّه عقد لازم . وإن فسخه لم يسقط العوض . 66 - والعذر كما يرى الحنفيّة قد يكون من جانب المستأجر ، نحو أن يفلس فيقوم من السّوق ، أو يريد سفراً ، أو ينتقل من الحرفة إلى الزّراعة ، أو من الزّراعة إلى التّجارة أو ينتقل من حرفة إلى حرفة ، لأنّ المفلس لا ينتفع بالحانوت ، وفي إلزامه إضرار به ، وفي إبقاء العقد مع ضرورة خروجه للسّفر ضرر به . فلو استأجر شخص رجلاً ليقصر له ثياباً - أي يبيّضها - أو ليقطعها ، أو ليخيطها ، أو يهدم داراً له ، أو يقطع شجراً له ، أو ليقلع ضرساً . ثمّ بدا له ألاّ يفعل ، فله أن يفسخ الإجارة ، لأنّه استأجره لمصلحة يأملها ، فإذا بدا له أن لا مصلحة له فيه صار الفعل ضرراً في نفسه ، فكان الامتناع من الضّرر بالفسخ . 67 - وقد يكون العذر من جانب المؤجّر نحو أن يلحقه دين فادح لا يجد قضاءه إلاّ من ثمن المستأجر - بفتح الجيم - من الإبل والعقار ونحو ذلك . فيحقّ له فسخ الإجارة إذا كان الدّين ثابتاً قبل عقد الإجارة . أمّا إذا كان ثابتاً بعد الإجارة بالإقرار فلا يحقّ له الفسخ به عند الصّاحبين ، لأنّه متّهم في هذا الإقرار ، ويحقّ له عند الإمام ، لأنّ الإنسان لا يقرّ بالدّين على نفسه كاذباً ، وبقاء الإجارة مع لحوق الدّين الفادح العاجل إضرار بالمؤجّر لأنّه يحبس به إلى أن يظهر حاله . ولا يجوز الجبر على تحمّل ضرر غير مستحقّ بالعقد . وقالوا في امرأة آجرت نفسها ظئراً ، وهي تعاب بذلك : لأهلها الفسخ ، لأنّهم يعيّرون بذلك . ومن هذا القبيل إذا ما مرضت الظّئر ، وكانت تتضرّر بالإرضاع في المرض ، فإنّه يحقّ لها أن تفسخ العقد . 68 - ومن صور العذر المقتضي للفسخ عند من يرى الفسخ بالعذر من جانب المستأجر " بفتح الجيم " الصّبيّ إذا آجره وليّه ، فبلغ في مدّة الإجارة ، فهو عذر يخوّل له فسخ العقد ، لأنّ في إبقاء العقد بعد البلوغ ضرراً به . ومن هذا ما قالوا في إجارة الوقف عند غلاء أجر المثل ، فإنّهم قالوا : إنّه عذر يفسخ به متولّي الوقف الإجارة ، ويجدّد العقد في المستقبل على سعر الغلاء ، وفيما مضى يجب المسمّى بقدره . أمّا إذا رخص أجر المثل فلا يفسخ ، مراعاةً لمصلحة الوقف . 69 - وعند وجود أيّ عذر من هذا فإنّ الإجارة يصحّ فسخها إذا أمكن الفسخ . فأمّا إذا لم يمكن الفسخ ، بأن كان في الأرض زرع لم يستحصد ، لا تفسخ . لأنّ في القلع ضرراً بالمستأجر . وتترك إلى أن يستحصد الزّرع بأجر المثل . توقّف الفسخ على القضاء :
70 - إذا وجد بعض هذه الأعذار ، وكان الفسخ ممكناً ، فإنّ الإجارة تكون قابلةً للفسخ ، كما يرى بعض مشايخ الحنفيّة . وقيل : إنّها تنفسخ تلقائيّاً بنفسها . ويقول الكاسانيّ : الصّواب أنّه ينظر إلى العذر ، فإن كان يوجب الامتناع عن المضيّ فيه شرعاً ، كما في الإجارة على خلع الضّرس ، وقطع اليد المتأكّلة إذا سكن الألم وبرأت من المرض ، فإنّها تنتقض بنفسها . وإن كان العذر لا يوجب العجز عن ذلك ، لكنّه يتضمّن نوع ضرر لم يوجبه العقد ، لا ينفسخ إلاّ بالفسخ . وهو حقّ للعاقد ، إذ المنافع في الإجارة لا تملك جملةً واحدةً ، بل شيئاً فشيئاً ، فكان اعتراض العذر فيها بمنزلة عيب حدث قبل القبض . وهذا يوجب للعاقد حقّ الفسخ دون توقّف على قضاء أو رضاء . وقيل : إنّ الفسخ يتوقّف على التّراضي أو القضاء ، لأنّ هذا الخيار ثبت بعد تمام العقد ، فأشبه الرّدّ بالعيب بعد القبض . وقيل : إن كان العذر ظاهراً فلا حاجة إلى القضاء ، وإن كان خفيّاً كالدّين اشترط القضاء . وهو ما استحسنه الكاسانيّ وغيره . وعند الاختلاف بين المتعاقدين فإنّ الإجارة تفسخ بالقضاء . 71 - وإن طلب المستأجر الفسخ قبل الانتفاع فإنّ القاضي يفسخ ، ولا شيء على المستأجر . وإن كان قد انتفع بها فللمؤجّر ما سمّى من الأجر استحساناً لأنّ المعقود عليه تعيّن بالانتفاع . ولا يكون للفسخ أثر رجعيّ .
خامساً - انفساخ الإجارة بالموت :
72 - سبق ذكر أنّ الحنفيّة يرون أنّ الإجارة تنقضي بموت أحد العاقدين اللّذين يعقدان لنفسيهما ، كما تنقضي بموت أحد المستأجرين أو أحد المؤجّرين في حصّته فقط . وقال زفر : تبطل في نصيب الحيّ أيضاً ، لأنّ الشّيوع مانع من صحّة الإجارة ابتداءً ، فأعطاه حكمه . ورجّح الزّيلعيّ الرّأي الأوّل ، وقال : لأنّ الشّروط يراعى وجودها في الابتداء دون البقاء . وعلّل لانفساخ الإجارة بالموت ، فقال : لأنّ العقد ينعقد ساعةً فساعةً بحسب حدوث المنافع ، فإذا مات المؤجّر فالمنافع الّتي تستحقّ بالعقد هي الّتي تحدث على ملكه ، فلم يكن هو عاقداً ولا راضياً بها . وإن مات المستأجر فإنّ المنفعة لا تورث . ولا يظهر الانفساخ إلاّ بالطّلب ، فلو بقي المستأجر ساكناً بعد موت المؤجّر غرّمه الأجر لمضيّه في الإجارة ، ولا يظهر الانفساخ إلاّ إذا طالبه الوارث بالإخلاء . وإذا مات المؤجّر ، والدّابّة أو ما يشبهها في الطّريق . تبقى الإجارة حتّى يصل المستأجر إلى مأمنه . وإذا مات أحد العاقدين والزّرع في الأرض بقي العقد بالأجر المسمّى حتّى يدرك . وذهب بعض فقهاء التّابعين - الشّعبيّ والثّوريّ واللّيث - إلى ما ذهب إليه الحنفيّة من القول بانفساخ الإجارة بموت المؤجّر أو المستأجر ، لأنّ المؤجّر بطل ملكه بموته ، فيبطل عقده . كما أنّ ورثة المستأجر لا عقد لهم مع المؤجّر ، والمنافع المتجدّدة بعد موت مورّثهم لم تكن ضمن تركته . وفي قول عند الشّافعيّة أنّها تبطل بالموت في إجارة الوقف . وسبق القول إنّ الجمهور على أنّ الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين ، لأنّها عقد لازم لا نقضي بهلاك أحدهما ما دام ما تستوفى به المنفعة باقياً . وقد كان رأي الصّحابة والتّابعين أنّ الإجارة لا تنفسخ بالموت . روى البخاريّ في كتاب الإجارة أنّ ابن سيرين قال فيمن استأجر أرضاً فمات المؤجّر : ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل . وقال بذلك الحسن وإياس بن معاوية . وقال ابن عمر « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر لأهلها ليعملوا فيها ويزرعوها ، ولهم شطر ما يخرج منها » ، فكان ذلك على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر " ولم يذكر أنّ أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة .
سادساً : أثر بيع العين المؤجّرة :
73 - ذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأظهر عندهم ، والمالكيّة إن كان هناك اتّهام ، إلى أنّه لا تفسخ الإجارة بالبيع . وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا لم تكن هناك تهمة ، والشّافعيّ في غير الأظهر ، إلى أنّ الإجارة تفسخ بالبيع . واستدلّ الجمهور بأنّ المعقود عليه في البيع هو العين ، والمعقود عليه في الإجارة هو المنافع ، فلا تعارض . والدّليل على الاتّجاه الثّاني أنّ الإجارة تمنع من التّسليم ، فتناقضا . وممّا ينبغي أن يعلم أنّ الحنفيّة يعتبرون الإجارة عيباً يثبت به للمشتري خيار العيب . وإن كان بيع العين المؤجّرة للمستأجر نفسه فالأصحّ عند الشّافعيّ والحنابلة ، وبالأولى عند غيرهم ، أنّه لا تنفسخ الإجارة . ولا أثر على عقد الإجارة من رهن العين المستأجرة أو هبتها اتّفاقاً . وكذلك الوقف عند الجمهور . وأمّا الحنفيّة فقد اختلفت فتواهم فيه سواء كان على معيّن أو غير معيّن .
سابعاً - فسخ الإجارة بسبب العيب :
74 - لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أنّه إذا حدث في المعقود عليه عيب في مدّة العقد ، وكان هذا العيب يخلّ بالانتفاع بالمعقود عليه ، ويفوّت المقصود بالعقد مع بقاء العين ، كانجراح ظهر الدّابّة المعيّنة المؤجّرة للرّكوب ، فإنّ ذلك يؤثّر على العقد اتّفاقاً ، ويجعله غير لازم بالنّسبة لمن أضرّ به وجود العيب . فلو اشترى شيئاً فآجره ، ثمّ اطّلع على عيب به ، يكون له أن يفسخ الإجارة ، ويردّ المبيع ، فحقّ الرّدّ بالعيب يكون عذراً يخوّل له فسخ الإجارة وإن سبق له الرّضا بالعيب لأنّ المنافع تتجدّد ، ولا كذلك البيع . وقال أبو يوسف : إن أصاب إبل المؤجّر مرض فله أن يفسخ إذا كانت الإبل مستأجرةً بعينها . وللمستأجر أن يردّ بما يحدث في يده من العيب ، لأنّ المستأجر في يد المستأجر كالمبيع في يد البائع ، فإذا جاز ردّ البيع بما يحدث من عيب في يد البائع جاز بما يحدث من العيب في يد المستأجر . وفي المغني : إذا اكترى عيناً فوجد بها عيباً لم يكن علم به فله فسخ العقد بغير خلاف . 75 - أمّا إذا كان العيب لا يفوّت المنافع المقصودة من العقد ، كانهدام بعض محالّ الحجرات ، بحيث لا يدخل الدّار برد ولا مطر ، وكانقطاع ذيل الدّابّة ، وكانقطاع الماء عن الأرض مع إمكان الزّرع بدون ماء ، فإنّ ذلك وأمثاله لا يكون مقتضياً الفسخ . والعبرة فيما يستوجب الفسخ أو عدمه من العيوب بقول أهل الخبرة . وإذا وجد عيب وزال سريعاً بلا ضرر فلا فسخ . 76 - وقبض العين المستأجرة لا يمنع من طلب الفسخ لحدوث عيب بالعين ، إذ الإجارة تختلف عن البيع في ذلك ، لأنّ الإجارة بيع للمنافع ، والمنافع تحدث شيئاً فشيئاً ، فكان كلّ جزء من أجزاء المنافع معقوداً عليه عقداً مبتدأً . فإذا حدث العيب بالمستأجر كان هذا عيباً حدث بعد العقد وقبل القبض ، وهذا يوجب الخيار في بيع العين ، فكذا في الإجارة ، فلا فرق من حيث المعنى . وفقهاء المذاهب يجمعون على هذا ، على الرّغم من أنّ بعض المذاهب ترى أنّ المنفعة كالعين ، وأنّه يتمّ تسليمها عند التّعاقد إن لم تكن موصوفةً في الذّمّة ، بل صرّح الحنابلة بهذا التّعليل . يقول ابن قدامة : إذا حصل العيب أثناء الانتفاع ثبت للمكتري خيار الفسخ ، لأنّ المنافع لا يحصل قبضها إلاّ شيئاً فشيئاً . إلخ . وإن زال العيب قبل الفسخ - بأن زال العرج عن الدّابّة أو بادر المكري إلى إصلاح الدّار - لا يكون للمستأجر حقّ الرّدّ وبطل حقّه في طلب الفسخ ، لأنّه لا يلحقه الضّرر .
الفصل الخامس الاختلاف بين المؤجّر والمستأجر 77 - قد يقع اختلاف بين المؤجّر والمستأجر في بعض أمور تتعلّق بالإجارة ، كالمدّة والعوض والتّعدّي ، والرّدّ ونحو ذلك . فلمن يكون القول عند انعدام البيّنة ؟ وقد أورد الفقهاء ( على اختلاف مذاهبهم ) صوراً شتّى في هذا الأمر . وترجع آراؤهم كلّها إلى تحديد كلّ من المدّعي والمدّعى عليه ، فيكون على المدّعي البيّنة ، والقول مع اليمين للمدّعى عليه . وللظّاهر مدخل في تحديد كلّ منهما . فمن شهد له الظّاهر فهو المدّعى عليه ، والقول قوله ، ومن طلب حقّاً على الآخر فهو المدّعي . والفروع الّتي سيقت في هذا الباب ( مع كثرتها ) ترجع إلى هذا الأصل . وتفصيل ذلك في مصطلح ( دعوى ) .
الفصل السّادس كيفيّة استعمال العين المأجورة 79 - الإجارة قد تكون على منقول - حيوان أو غيره - وقد تكون على غير منقول . كما قد تكون إجارة أشخاص ، سواء أكان الأجير خاصّاً أم مشتركاً . وقد تتميّز بعض هذه الأنواع بأحكام خاصّة ، وسيأتي بيانها بحسب كلّ نوع منها . وعالج الفقهاء ما كان في العهود السّابقة من إجارة أنواع من العروض فاختلفوا في بعض الصّور من حيث كيفيّة استعمالها . وبالنّظر في هذه الصّور يتبيّن أنّ آراءهم مبنيّة على الأسس الآتية : أ - إذا كان هناك شرط معتبر شرعاً وجب الالتزام به .
ب - إذا كانت طبيعة المأجور ممّا يتأثّر باختلاف الاستعمال وجب ألاّ تستعمل على وجه ضار ، ويجوز استعمالها على وجه أخفّ .
ج - مراعاة العرف في الاستعمال سواء كان عرفاً عامّاً أو خاصّاً . وما يوجد في كتب الفقه من فروع تطبيقيّة يوهم ظاهرها الاختلاف فإنّه يرجع إلى هذه الأسس .
الفصل السّابع أنواع الإجارة بحسب ما يؤجّر الفرع الأوّل إجارة غير الحيوان القاعدة العامّة فيما يجوز إجارته أنّ كلّ ما يجوز بيعه تجوز إجارته ، لأنّ الإجارة بيع منافع ، بشرط ألاّ تستهلك العين في استيفاء المنفعة ، فضلاً عن جواز إجارة بعض ما لا يجوز بيعه ، كإجارة الحرّ ، وإجارة الوقف ، وإجارة المصحف عند من لا يجيز بيعه . كما يشترط في المنفعة أن تكون مقصودةً لذاتها بحسب العرف . وما ورد من خلاف بين الأئمّة في بعض الصّور فمرجعه إلى اختلاف العرف .
المبحث الأوّل إجارة الأراضي 80 - إجارة الأراضي مطلقاً لذاتها جائزة . وقيّد الشّافعيّة جواز استئجار الأرض ببيان الغرض من استئجارها ، وذلك لتفاوت الأغراض واختلاف أثرها . فإذا كانت مع غيرها من ماء أو مرعى أو زرع أو نحو ذلك فسيأتي حكمها : أ - ( إجارة الأرض مع الماء أو المرعى ) :
81 - يجوز ذلك في الجملة اتّفاقاً ، لكنّ الحنفيّة لا يجيزون إجارة الآجام والأنهار للسّمك ، ولا المرعى للكلأ ، قصداً ، وإنّما يؤجّر له الأرض فقط ، ثمّ يبيح المالك للمستأجر الانتفاع بالكلأ ، وذلك لأنّ الانتفاع بالكلأ لا يكون إلاّ باستهلاك عينه . أمّا عند غير الحنفيّة فيجوز العقد على الأرض والكلأ معاً ، ويدخل الكلأ تبعاً . وبين فقهاء الحنفيّة اختلاف في استئجار طريق خاصّ يمرّ فيه ، أو يمرّ النّاس فيه ، فإنّه يجوز عند الصّاحبين ولا يجوز عند الإمام .
ب - ( إجارة الأراضي الزّراعيّة ) :
82 - فقهاء المذاهب يجيزون إجارة الأرض للزّراعة ، وجمهور الفقهاء على وجوب تعيين الأرض وبيان قدرها ، فلا تجوز إجارة الأراضي إلاّ عيناً ، لا موصوفةً في الذّمّة . بل اشترط الشّافعيّة والحنابلة لمعرفة الأرض رؤيتها ، لأنّ المنفعة تختلف باختلاف معدن الأرض وموقعها وقربها من الماء ، ولا يعرف ذلك إلاّ بالرّؤية ، لأنّها لا تنضبط بالصّفة . ولم يشترط المالكيّة الرّؤية ، فأجازوا إجارة الأرض بقوله : أكريك فدّانين من أرضي الّتي بحوض كذا ، أو مائة ذراع من أرضي الفلانيّة ، إذا كان قد عيّن الجهة الّتي يكون منها ذلك القدر ، كأن يقول : من الجهة البحريّة ، أو لم يعيّن الجهة ، لكن تساوت الأرض في الجودة والرّداءة بالنّسبة للأرض الزّراعيّة . فإن لم تعيّن الجهة ، واختلفت الأرض من ناحية الجودة والرّداءة ، فلا يجوز إلاّ بالتّعيين ، إلاّ إذا كان يؤجّر له قدراً شائعاً منها كالرّبع والنّصف ، فإنّه يجوز دون تعيين الجهة الّتي يكون فيها الجزء . واشترط الجمهور لجواز ذلك أن يكون لها ماء مأمون دائم للزّراعة ، يؤمن انقطاعه ، لأنّ الإجارة لا تجوز إلاّ على عين يمكن استيفاء المنفعة منها ، فتصحّ إجارة الأرض الزّراعيّة ، ما دامت تسقى من نهر لم تجر العادة بانقطاعه وقت طلب السّقي ، أو من عين أو بركة أو بئر أو أمطار تقوم بكفايتها ، أو بها نبات يشرب بعروقه من ماء قريب تحت سطح الأرض . وهذا ما صرّح به كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ، وهو مقتضى ما اشترطه الحنفيّة من أن تكون المنفعة المعقود عليها مقدورةً حقيقةً وشرعاً . أمّا المالكيّة فقد أجازوا كراء أرض المطر للزّراعة ، ولو لسنين طويلة ، إن لم يشترط النّقد ، سواء حصل نقد بالفعل تطوّعاً بعد العقد أم لا . أمّا إذا كانت الأرض مأمونةً لتحقّق ريّها من مطر معتاد ، أو من نهر لا ينقطع ماؤه ، أو عين لا ينضب ماؤها ، فيجوز كراؤها بالنّقد ولو لمدّة طويلة . وقالوا : إنّه يجب النّقد في الأرض المأمونة بالرّيّ بالفعل والتّمكّن من الانتفاع بها . وإذا وقع العقد على منفعة أرض الزّراعة ، وسكت عن اشتراط النّقد وعدمه ، أو اشترط عدمه حين العقد ، فإنّه يقضى به في الأرض الّتي تسقى بماء الأنهار الدّائمة إذا رويت وتمكّن من الانتفاع بها بكشف الماء عنها ، وأمّا الأرض الّتي تسقى بالمطر والعيون والآبار فلا يقضى بالنّقد فيها . لكنّ الشّافعيّة والحنابلة اشترطوا أن يكون الماء مأموناً كماء العين ونحوه ، إلاّ إذا تمّ زرعها واستغنى عن الماء . واتّفق الفقهاء على أنّ ما لا يتمّ الانتفاع بالأرض إلاّ به كالشّرب والطّريق يدخل تبعاً في عقد الإجارة وإن لم ينصّ عليه . إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها :
83 - إذا كانت أجرتها ممّا تنبته ففي ذلك خلاف ، فالحنفيّة والحنابلة أجازوا إجارتها ببعض الخارج منها ، لأنّها منفعة مقصودة معهودة فيها ، ومنع المالكيّة والشّافعيّة إجارتها ببعض ما يخرج منها قياساً على قفيز الطّحّان ، وقيّدوا جواز تأجيرها للزّراعة بأن يكون لها ماء تسقى به ، ولو ماء المطر ، إلاّ إذا كانت الإجارة لمدّة طويلة ، فاشترطوا أن تكون مأمونة الرّيّ .
المدّة في الأرض الزّراعيّة :
رد مع اقتباس