عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 04-29-2012, 08:17 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

( الحكم الإجماليّ )
2 - اتّحاد الجنس شرط لصحّة أداء الواجب في الزّكاة ، ومقيّد لبعض التّصرّفات ، فعند اتّحاد جنس النّصاب في زكاة غير الإبل يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه يجزئ الخارج من النّصاب فما فوقه عنه ، فإن اختلف جنس الخارج عن جنس النّصاب فلا يجزئ . وقال الحنفيّة بجواز إخراج القيمة ، اتّحد الجنس أو اختلف . وفي بيع الرّبويّ بربويّ مثله إن اتّحد جنس العوضين حرم التّفاضل باتّفاق وبطل البيع ، وصحّ مع التّماثل إذا كان يداً بيد . ولا يختلف اتّحاد النّوع عن اتّحاد الجنس في الرّبويّات ، أمّا في الزّكاة فيجوز إخراج نوع عن آخر لاتّحاد الجنس .
( مواطن البحث )
3 - يتكلّم الفقهاء عن اتّحاد الجنس في الزّكاة ( زكاة المواشي والزّروع والأثمان ) وفي الحجّ ( اتّحاد الفدية ) وفي الرّبا وفي السّلم وفي المقاصّة وفي الدّعوى ( مسألة الظّفر ) .
اتّحاد الحكم
التّعريف
الاتّحاد لغةً : صيرورة الشّيئين شيئاً واحداً . وهو كذلك في الاصطلاح . والحكم : خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التّخيير أو الوضع . ويتناول الأصوليّون اتّحاد الحكم في موضعين : الأوّل عند ورود اللّفظ مطلقاً في مكان ، ومقيّداً في آخر . والثّاني عند الكلام على اتّحاد الحكم مع تعدّد العلّة . أمّا الأوّل فينظر القول فيه تحت عنوان ( اتّحاد السّبب ) . وأمّا الثّاني وهو اتّحاد الحكم مع تعدّد العلّة ، فقد جوّز الجمهور التّعليل للحكم الواحد بعلّتين فأكثر ، قالوا : لأنّ العلل الشّرعيّة أمارات ، ولا مانع من اجتماع علامات على الشّيء الواحد . وادّعوا وقوعه ، كما في اللّمس والمسّ والبول مثلاً ، يمنع كلّ منها الصّلاة . وجوّزه ابن فورك والرّازيّ في العلّة المنصوصة دون المستنبطة ، لأنّ الأوصاف المستنبطة الصّالح كلّ منها للعلّيّة يجوز أن يكون مجموعها هو العلّة عند الشّارع . ورأى صاحب جمع الجوامع القطع بامتناعه عقلاً . وانظر التّفصيل في الملحق الأصوليّ .
اتّحاد السّبب
التّعريف
1 - السّبب في اللّغة اسم للحبل ، ولما يتوصّل به إلى المقصود . والاتّحاد صيرورة الشّيئين شيئاً واحداً . والواحد إمّا أن يكون واحداً بالجنس كالحيوان ، أو واحداً بالنّوع كالإنسان ، أو واحداً بالشّخص كزيد . ويعرّف الفقهاء والأصوليّون السّبب بأنّه الوصف الظّاهر المنضبط الّذي أضاف الشّارع إليه الحكم ، ويلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته .
( الألفاظ ذات الصّلة )
أ - ( السّبب والعلّة ) :
2 - اختلف العلماء في العلاقة بين السّبب والعلّة ، فقيل هما مترادفان ، فالتّعريف السّابق صالح لهما . ولا تشترط في أيّ منهما المناسبة . وعلى ذلك نجري في هذا البحث . وقيل : إنّهما متباينان ، فالسّبب ما كان موصّلاً للحكم دون تأثير ( أي مناسبة ) ، كزوال الشّمس ، هو سبب وجوب صلاة الظّهر ، والعلّة ما أوصلت مع التّأثير ، كالإتلاف لوجوب الضّمان . وقيل : بينهما عموم وخصوص مطلق ، فكلّ علّة سبب ، ولا عكس . واتّحاد السّبب هو تماثل الأسباب لأكثر من حكم أو تشابهها أو كونها واحداً .
ب - ( الاتّحاد والتّداخل ) :
3 - التّداخل : ترتّب أثر واحد على شيئين مختلفين ، كتداخل الكفّارات والعدد . فبين اتّحاد الأسباب وتداخلها عموم وخصوص وجهيّ ، يجتمعان في نحو تعدّد بعض الجنايات المتماثلة ، كتكرار السّرقة بالنّسبة للقطع ، فالأسباب واحدة وتداخلت . وينفرد التّداخل في الأسباب المختلفة الّتي يترتّب عليها مسبّب واحد ، كحدّ القذف والشّرب عند بعض الفقهاء . وينفرد الاتّحاد في نحو الإتلافين يجب فيهما ضمانان ، وإن اتّحدا سبباً .
( الحكم الإجماليّ )
4 - إذا ورد المطلق والقيد ، واختلف حكمهما ، كما إذا قال : أطعم فقيراً ، واكس فقيراً تميميّاً ، لم يحمل المطلق على المقيّد . ونقل الغزاليّ عن أكثر الشّافعيّة الحمل عند اتّحاد السّبب ، ومثّل له باليد ، أطلقت في آية التّيمّم في قوله { فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } وقيّدت في آية الوضوء بالغاية إلى المرافق في قوله تعالى { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } فذهب الشّافعيّ في الجديد إلى أنّها تمسح في التّيمّم إلى المرافق . وإن اتّحد الحكم مع اتّحاد السّبب ، فإن كانا منفيّين عمل بهما اتّفاقاً ، ولا يحمل أحدهما على الآخر ، لأنّه لا تعارض ، لإمكان العمل بهما ، كما تقول في الظّهار : لا تعتق مكاتباً ، ولا تعتق مكاتباً كافراً ، فإنّه يمكن العمل بالكفّ عنهما . وإن كانا مثبتين ( أي في حال اتّحاد الحكم مع اتّحاد السّبب ) حمل المطلق على المقيّد مطلقاً ، عند الشّافعيّة ومن وافقهم ، أي سواء تقدّم أو تأخّر أو جهل الحال وإنّما حملوه عليه جمعاً بين الدّليلين . وقيل إن وردا معاً حمل المطلق على المقيّد لأنّ السّبب الواحد لا يوجب المتنافيين ، والمعيّة قرينة البيان ، كقوله تعالى { فصيام ثلاثة أيّام } مع القراءة الشّاذّة الّتي اشتهرت عن ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيّام متتابعات فمن ذلك أخذ الحنفيّة وجوب التّتابع في صيام كفّارة اليمين . وإن علم تأخّر المقيّد فهو ناسخ للمطلق نسخاً جزئيّاً ، وقيل يحمل المقيّد على المطلق بأن يلغى القيد . وقوع حكمين بعلّة واحدة :
5 - المختار جواز وقوع حكمين بعلّة واحدة ، إثباتاً ، كالسّرقة للقطع والغرم حين يتلف المسروق - عند من يرى الجمع بين القطع والضّمان - أو نفياً ، كالقتل علّة للحرمان من الإرث والوصيّة . وقيل يمتنع تعليل حكمين بعلّة بناءً على اشتراط المناسبة فيها ، لأنّ مناسبتها لحكم تحصّل المقصود منها ، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل . وأجيب بمنع ذلك . والقول الثّالث في هذه المسألة أنّه يجوز تعليل حكمين بعلّة واحدة إن لم يتضادّا بخلاف ما إذا تضادّا ، كالتّأبيد لصحّة البيع وبطلان الإجارة .
( مواطن البحث )
6 - يذكر الفقهاء اتّحاد السّبب - أو اتّحاد العلّة - في الطّهارة في الوضوء ، والغسل ، وفي الصّوم ( كفّارة الصّيام ) وفي الإحرام ( محرّماته ) وفي الإقرار ( تكرار الإقرار ) وفي الحدود ( تكرار القذف ، والزّنى ، والشّرب ، والسّرقة ) وفي الأيمان ( كفّارة اليمين ) وفي الجنايات على النّفس وما دونها . وعند الأصوليّين يذكر اتّحاد السّبب في المطلق والمقيّد . وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .
اتّحاد العلّة
انظر : اتّحاد السّبب .
اتّحاد المجلس
التّعريف
1 - الاتّحاد لغةً : صيرورة الذّاتين واحدةً ، ولا يكون إلاّ في العدد من اثنين فصاعداً ، والمجلس هو موضع الجلوس . ويراد به المجلس الواحد عند الفقهاء ، وبالإضافة إلى ذلك يستعمله الحنفيّة دون غيرهم بمعنى تداخل متفرّقات المجلس . وليس المراد بالمجلس موضع الجلوس ، بل هو أعمّ من ذلك ، فقد يحصل اتّحاد المجلس مع الوقوف ، ومع تغاير المكان والهيئة .
2 - والأصل إضافة الأحكام إلى أسبابها ، كقولهم كفّارة اليمين أو سجدة السّهو ، وقد يترك ذلك وتضاف إلى غير الأسباب ، كالمجلس للضّرورة ، كما في سجدة التّلاوة إذا تكرّرت في مجلس واحد ، أو للعرف ، كما في الأقارير ، أو لدفع الضّرر كما في الإيجاب والقبول . واتّحاد المجلس يؤثّر في بعض الأحكام منفرداً ، وأحياناً لا يؤثّر إلاّ مع غيره ، وذلك نحو اشتراط اتّحاد النّوع مع اتّحاد المجلس في تداخل فدية محظورات الإحرام . واتّحاد المجلس في العقود وغيرها على قسمين : حقيقيّ بأن يكون القبول في مجلس الإيجاب ، وحكميّ إذا تفرّق مجلس القبول عن مجلس الإيجاب كما في الكتابة والمراسلة ، فيتّحدان حكماً . واتّحاد المجلس في الحجّ يراد به اتّحاد المكان ولو تغيّرت الحال ، وفي تجديد الوضوء عدم تخلّل زمن طويل ، أو عدم الفصل بأداء قربة ، كما تدلّ على ذلك عبارات الفقهاء في الوضوء والحجّ .
اتّحاد المجلس في العبادات :
3 - تجديد الوضوء مع اتّحاد المجلس : تكلّم بعض الحنفيّة والشّافعيّة في تجديد الوضوء مع اتّحاد المجلس ، ولهم في ذلك ثلاثة آراء : الأوّل : الكراهة في المجلس الواحد ، للإسراف ، وهو ما نقل عن بعض الحنفيّة ، وهو وجه للشّافعيّة - ووصفوه بالغرابة - إذا وصله بالوضوء الأوّل ولم يمض بين الوضوء والتّجديد زمن يقع بمثله تفريق . لأنّهم اعتبروه بمثابة غسلة رابعة الثّاني : استحباب التّجديد مرّةً واحدةً مطلقاً ، تبدّل المجلس أم لا ، وهو قول عبد الغنيّ النّابلسيّ من الحنفيّة ، لحديث : « من توضّأ على طهر كتب له عشر حسنات » .
الثّالث : الكراهة إذا تكرّر مراراً في المجلس الواحد ، وانتفاؤها إذا أعاده مرّةً واحدةً وهو ما وفّق به صاحب النّهر بين ما جاء في التتارخانية وما في السّراج من كتب الحنفيّة . هذا وأغلب الفقهاء على أنّه يسنّ تجديد الوضوء لكلّ صلاة ، ولم ينظروا إلى اتّحاد المجلس أو تعدّده ، وذلك للحديث السّابق .
تكرّر القيء في مجلس واحد
4 - لو قاء المتوضّئ متفرّقاً بحيث لو جمع صار ملء الفم فإن اتّحد المجلس والسّبب انتقض وضوءه عند الحنفيّة ، وإن اتّحد السّبب فقط انتقض عند محمّد ، وإن اتّحد المجلس دون السّبب انتقض عند أبي يوسف ، لأنّ المجلس يجمع متفرّقاته . ولم يشارك الحنفيّة في نقض الوضوء بالقيء إلاّ الحنابلة ، لكنّهم لم ينظروا إلى اتّحاد السّبب أو المجلس ، بل راعوا قلّة القيء وكثرته ، تكرّر السّبب والمجلس أو لا .
سجود التّلاوة في المجلس الواحد :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّ القارئ يسجد للتّلاوة عند قراءة أو سماع آية السّجدة ، أمّا إذا تكرّرت قراءتها فإنّ المالكيّة والحنابلة على أنّ القارئ يسجد كلّما مرّت به آية سجدة ولو كرّرها ، لتعدّد السّبب ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة . ولا يتكرّر السّجود عند الحنفيّة إن اتّحد المجلس والآية ، حتّى ولو اجتمع سببا الوجوب ، وهما التّلاوة والسّماع ، بأن تلاها ثمّ سمعها أو بالعكس ، أو تكرّر أحدهما . وهو أحد قولين للشّافعيّة إن لم يسجد للأولى . ومن تكرّر مجلسه من سامع أو تال تكرّر الوجوب عليه .
اختلاف المجلس وأنواعه :
6 - ما له حكم المكان الواحد كالمسجد والبيت لا ينقطع فيه المجلس بالانتقال إلاّ إن اقترن بعمل أجنبيّ كالأكل والعمل الكثيرين ، والبيع والشّراء بين القراءتين . واختلاف المجلس على نوعين : حقيقيّ ، بأن ينتقل من المكان إلى آخر بأكثر من خطوتين كما في كثير من الكتب أو بأكثر من ثلاث كما في المحيط . وحكميّ ، وذلك بمباشرة عمل يعدّ في العرف قاطعاً لما قبله ، هذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، أمّا غيرهم فالعبرة عندهم بالسّبب اتّحاداً وتعدّداً لا للمجلس . سجود السّامع :
7 - لا فرق بين القارئ والسّامع عند الحنفيّة في سجود التّلاوة ، ويأخذ المستمع لا السّامع حكم القارئ عند الشّافعيّة والحنابلة لقول ابن عمر : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السّورة في غير الصّلاة فيسجد ونسجد معه » وربط المالكيّة سجود المستمع الّذي جلس للثّواب والأجر والتّعليم بسجود القارئ ، فلا يسجد إن لم يسجد القارئ ، فإن سجد فحكى ابن شعبان في ذلك قولين .
الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع اتّحاد المجلس
8 - للفقهاء آراء عديدة في حكم الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم كلّما ذكر في غير الصّلاة .
ويتعلّق بالمجلس منها ثلاثة آراء :
الأوّل : أنّها تجب كلّما ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم ولو اتّحد المجلس ، وبه قال جمع منهم الطّحاويّ من الحنفيّة ، والطّرطوشيّ ، وابن العربيّ ، والفاكهانيّ من المالكيّة ، وأبو عبد اللّه الحليميّ وأبو حامد الإسفرايينيّ من الشّافعيّة ، وابن بطّة من الحنابلة ، لحديث « من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فدخل النّار فأبعده اللّه » .
الثّاني : وجوب الصّلاة مرّةً في كلّ مجلس ، وهو ما صحّحه النّسفيّ في الكافي حيث قال في باب التّلاوة : وهو كمن سمع اسمه مراراً ، لم تلزمه الصّلاة إلاّ مرّةً ، في الصّحيح ، لأنّ تكرار اسمه صلى الله عليه وسلم لحفظ سنّته الّتي بها قوام الشّريعة ، فلو وجبت الصّلاة بكلّ مرّة لأفضى إلى الحرج . وهو قول أبي عبد اللّه الحليميّ إن كان السّامع غافلاً فيكفيه مرّة في آخر المجلس .
الثّالث : ندب التّكرار في المجلس الواحد ، ذكره ابن عابدين في تحصيله لآراء فقهاء الحنفيّة . وبقيّة الفقهاء لا ينظرون إلى اتّحاد المجلس ، فمنهم من يقول : إنّها واجبة في العمر مرّةً ، ومنهم من يقول بالنّدب مطلقاً اتّحد المجلس أم اختلف . وتفصيل ذلك يذكر في مبحث الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
ما يشترط فيه اتّحاد المجلس : أوّلاً - ما يتمّ به التّعاقد في الجملة :
9 - ويراد به عند فقهاء الحنفيّة : ألاّ يشتغل أحد العاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس ، أو بما هو دليل الإعراض عن العقد . وهو شرط للانعقاد عندهم . وهو بهذا المعنى يعتبر شرطاً في الصّيغة عند بقيّة المذاهب . وهو يدخل في المجلس العقد عند الشّافعيّة والحنابلة . ووقته ما بين الإيجاب والقبول . ومع اتّحاد المجلس لا يضرّ الفصل بين الإيجاب والقبول عند غير الشّافعيّة ما لم يشعر بالإعراض عن الإيجاب ، لأنّ القابل يحتاج إلى التّأمّل ، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التّأمّل . ويضرّ الفصل الطّويل عند الشّافعيّة .
خيار القبول مع اتّحاد المجلس :
10 - يثبت خيار القبول للمتعاقدين عند الحنفيّة ما داما جالسين ولم يتمّ القبول ، ولكلّ منهما حقّ الرّجوع ما لم يقبل الآخر . ولا يخالفهم الحنابلة في ذلك ، لأنّ خيار المجلس عندهم يكون في ابتداء العقد وبعده واحداً ، فخيار القبول مندرج تحت خيار المجلس . ولا خيار للقبول عند المالكيّة والشّافعيّة ، غير أنّه يجوز الرّجوع عند الشّافعيّة ولو بعد القبول ، ما دام ذلك في المجلس ، ولا يجوز الرّجوع عند المالكيّة ولو قبل الارتباط بينهما إلاّ في حالة واحدة ، وهي أن يكون الإيجاب أو القبول بصيغة المضارع ثمّ يدّعي القابل أو الموجب أنّه ما أراد البيع فيحلف ويصدّق .
بم ينقطع اتّحاد المجلس ؟ 11 - ينقطع اتّحاد المجلس بالإعراض عن الإيجاب عند جميع الفقهاء ، غير أنّهم اختلفوا في الأمور الّتي يحصل معها الإعراض ، فالشّافعيّة جعلوا الاشتغال بأجنبيّ خارج عن العقد إبطالاً له ، وكذلك السّكوت الطّويل بين الإيجاب والقبول ، لكنّ اليسير لا يضرّ . وجعل المالكيّة والحنابلة العرف هو الضّابط لذلك . وقال الحنفيّة : ينقطع باختلاف المجلس ، فلو قام أحدهما ولم يذهب بطل الإيجاب ، إذ لا يبقى المجلس مع القيام . وإن تبايعا وهما يسيران ، ولو كانا على دابّة واحدة ، لم يصحّ لاختلاف المجلس . واختار غير واحد كالطّحاويّ وغيره أنّه إن أجاب على فور كلامه متّصلاً جاز . وفي الخلاصة عن النّوازل إذا أجاب بعدما مشى خطوةً أو خطوتين جاز . وكذلك يختلف المجلس بالاشتغال بالأكل وتغتفر اللّقمة الواحدة ، ولو كان في يده كوز فشرب ثمّ أجاب جاز . ولو ناما جالسين فلا يتبدّل المجلس ، ولو مضطجعين أو أحدهما فهي فرقة . وهذه الصّور الّتي تكلّم عنها الحنفيّة لم تغفلها كتب المذاهب الأخرى ، غير أنّهم تكلّموا عنها أثناء الكلام عن المجلس لا في الكلام عن اتّحاد المجلس ، لأنّه اصطلاح خاصّ بالحنفيّة ، وموطن تفصيلها عند الكلام عن مجلس العقد .
12 - وغير البيع مثله في الجملة عند الحنفيّة ، والحنابلة ، والمالكيّة ، غير أنّ المتتبّع لعقود المالكيّة يجد أنّ منهم من يشترط الفوريّة في الوكالة والنّكاح . ولا تختلف أيضاً العقود اللاّزمة عن البيع عند الشّافعيّة في الفوريّة بين الإيجاب والقبول . أمّا غير اللاّزمة فلا يضرّ التّراخي فيها بين الإيجاب والقبول . ثانياً - التّقابض في الأموال الرّبويّة :
13 - إذا بيع ربويّ بمثله اشترط اتّحاد المجلس ، وسواء اتّحد جنس المبيع أو اختلف ، لما صحّ من قوله صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح : مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد » ، وبيان الرّبويّ من غيره يذكره الفقهاء في الرّبا .
اتّحاد المجلس في السّلم
14 - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه يشترط تسليم رأس مال السّلم في مجلس العقد ، إذ لو تأخّر لكان في معنى بيع الكالئ بالكالئ ، ولخبر الصّحيحين : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم » ، ولأنّ السّلم عقد غرر فلا يضمّ إليه غرر آخر ، ولأنّ السّلم مشتقّ من استلام رأس المال ، أي تعجيله ، وأسماء العقود المشتقّة من المعاني لا بدّ فيها من تحقّق تلك المعاني . ولا يختلف مجلس السّلم عن مجلس البيع عند الشّافعيّة والحنابلة . وعند الحنفيّة يخالف مجلس السّلم مجلس البيع ، فمجلس البيع ينتهي بمجرّد ارتباط الإيجاب بالقبول ، وتترتّب عليه الآثار . أمّا السّلم فيعتريه الفسخ إن لم يتمّ قبض رأس المال في المجلس وبعد الإيجاب والقبول ، لأنّه شرط بقاء على الصّحّة وليس شرط انعقاد . وقال المالكيّة بتأخيره ثلاثة أيّام ، لأنّ ما قارب الشّيء يأخذ حكمه ، وإذا أخّره عن ثلاثة أيّام بغير شرط وهو نقد ففيه تردّد ، منهم من يقول بالفساد ، لأنّه ضارع الدّين بالدّين ، ومنهم من يقول بالصّحّة ، لأنّه تأخير بغير شرط ، وهذا ما لم تبلغ الزّيادة إلى حلول المسلّم فيه ، فإن أخّره إلى حلول أجل السّلم الّذي وقع عليه العقد فإنّه لا يختلف في فساده . ولا يدخله خيار الشّرط عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويدخله خيار المجلس عند الشّافعيّة والحنابلة . وقال المالكيّة بجواز الخيار في السّلم إن شرط ولم ينقد رأس المال في زمن الخيار ، لأنّه لو نقد وتمّ السّلم لكان فسخ دين في دين ، لإعطاء المسلّم إليه سلعةً موصوفةً لأجل عمّا ترتّب في ذمّته ، وهو حقيقة فسخ الدّين بالدّين .
اتّحاد المجلس في عقد النّكاح :
15 - للعلماء في ارتباط الإيجاب بالقبول في عقد النّكاح مع اتّحاد المجلس ثلاثة آراء : الأوّل : اشتراط اتّحاد المجلس فلو اختلف المجلس لم ينعقد كما لو أوجب أحدهما فقام الآخر أو اشتغل بعمل آخر ، ولا يشترط فيه الفور . وهو مذهب الحنفيّة ، وهو الصّحيح عند الحنابلة ، وهو ما في المعيار عن الباجيّ من المالكيّة . الثّاني : اشتراط الفوريّة بين الإيجاب والقبول في المجلس الواحد ، وهو قول المالكيّة عدا ما تقدّم عن الباجيّ ، وهو قول الشّافعيّة ، غير أنّهم اغتفروا فيه الفاصل اليسير . وضبط القفّال الفاصل الكثير بأن يكون زمناً لو سكتا فيه لخرج الجواب عن كونه جواباً . والأولى ضبطه بالعرف . الثّالث : صحّة العقد مع اختلاف المجلس ، وهو رواية للحنابلة . وعليها لا يبطل النّكاح مع التّفرّق . وهذا كلّه عند اتّحاد المجلس الحقيقيّ ، أمّا مع اتّحاد المجلس الحكميّ فلا يختلف الأمر عند الحنفيّة في اشتراط القبول في مجلس العلم ، وهو الصّحيح عند الحنابلة . واشترط المالكيّة الفوريّة في الإيجاب حين العلم . والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه لا ينعقد النّكاح بالكتابة . وكذلك إن كان الزّوج غائباً وبلغه الإيجاب من وليّ الزّوجة . وإذا صحّحنا في المسألتين فيشترط القبول في مجلس بلوغ الخبر وعلى الفور . تداخل الفدية في الإحرام مع اتّحاد المجلس :
16 - لا يحصل التّداخل في المحظورات مع اتّحاد المجلس إلاّ إن اتّحد النّوع ، وأمّا مع اختلاف النّوع والجنس في المحظورات فلا اعتبار لاتّحاد المجلس ، وإنّما العبرة حينئذ باتّحاد السّبب . واتّحاد المجلس له أثره في تداخل فدية محظورات الإحرام غير فدية الإتلاف فإنّها تتعدّد بتعدّد المتلف ، وذهب ابن عبّاس إلى أنّه لا جزاء على العائد سواء أكان المحظور إتلافاً أم غيره . والتّداخل مع اتّحاد المجلس يختلف في فدية الجماع عنه في بقيّة محظورات النّوع الواحد . تداخل فدية غير الجماع :
17 - لو تطيّب المحرم بأنواع الطّيب ، أو لبس أنواعاً كالقميص والعمامة والسّراويل والخفّ ، أو نوعاً واحداً مرّةً بعد أخرى ، فإن كان ذلك في مكان واحد وعلى التّوالي ففيه فدية واحدة لاتّحاد المجلس . والحنفيّة ، غير محمّد بن الحسن ، والشّافعيّة على الأصحّ عندهم ، وابن أبي موسى من الحنابلة ، على أنّه لو حدث ما ذكر في مكانين تعدّدت الفدية . والمذهب عند الحنابلة وعليه الأصحاب أنّ عليه فديةً واحدةً إن لم يكفّر عن الأوّل ، لأنّ الحكم يختلف باختلاف الأسباب لا باختلاف الأوقات والأجناس . وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وقول للشّافعيّة ، وهو قول المالكيّة إن نوى التّكرار . تداخل فدية الجماع في الإحرام :
18 - للفقهاء في تعدّد الفدية وتداخلها بتكرّر الجماع من المحرم ثلاثة آراء : أ - اتّحاد الفدية إن اتّحد المجلس ، وهو قول الحنفيّة . والمذهب عند الحنابلة على هذا إن لم يكفّر عن الأوّل . ويكفّر عن الأخير إن كان كفّر للسّابق .
ب - اتّحاد الفدية مطلقاً سواء اتّحد المجلس أو اختلف ، لأنّ الحكم للوطء الأوّل ، وهو قول المالكيّة .
ج - تكرّر الفدية بتكرّر الجماع ، لأنّه سبب للكفّارة ، فأوجبها ، وهو قول الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد .
اتّحاد المجلس في الخلع :
19 - المذاهب الأربعة على أنّ الزّوج لو خالع امرأته فإنّ القبول يقتصر على المجلس ، غير أنّ العبرة عند الحنفيّة بمجلس الزّوجة إن لم يشترطا الخيار فيه ، وما لم تبدأ الزّوجة به ، ولا يصحّ رجوع الزّوج ولو قبل قبولها ، ويصحّ رجوعها ما لم يقبل إن كانت هي البادئة . والعبرة عند بقيّة الفقهاء بمجلس المتخالعين معاً ، وهو قول الحنفيّة إن كانت الزّوجة هي الموجبة ، وكذلك إن اشترطا الخيار فيه ، والفور والتّراخي في الإيجاب والقبول كالبيع عندهم . وهذا كلّه عند عدم التّعليق . ولا يشترط القبول في المجلس في صيغة التّعليق إلاّ عند ابن عبد السّلام من المالكيّة ، وكذلك إن كانت الزّوجة هي البادئة عند الشّافعيّة والحنابلة نظراً للمعاوضة . وإنّما يكون القبول في صيغة التّعليق عند حصول ما علّق عليه . ومجلس العلم كمجلس التّواجب في الخلع عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو ما يفهم من المالكيّة والحنابلة ، فلم يصرّحوا بذلك ، لكنّهم ذكروا أنّ صيغة الخلع كصيغة البيع ، وفي كلامهم عن الخلع مع غيبة الزّوجة لم يأتوا بجديد يخالف حضور الزّوجة ، ولم يخصّوا الوكيل بجديد كذلك .
اتّحاد مجلس المخيّرة :
20 - المخيّرة هي الّتي ملّكها زوجها طلاقها بقوله لها مثلاً : اختاري نفسك . ومذهب الحنفيّة ، ورواية عن مالك ، أنّه لو خيّر امرأته أو جعل أمرها بيدها ، فلها أن تختار ما دامت في مجلسها - قال الحنفيّة : ولو طال يوماً أو أكثر - فلو قامت أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها لأنّه دليل الإعراض والتّخيير يبطل بصريح الإعراض فكذلك بما يدلّ عليه ، غير أنّ العبرة عند الحنفيّة بمجلس الزّوجة لا بمجلس الزّوج ، لأنّه تمليك ، والعبرة عند المالكيّة بمجلسهما معاً . والشّافعيّة - على الأصحّ - والحنابلة يشترطون الفوريّة في المجلس والاعتداد بمجلسهما معاً فلو قام أحدهما بطل خيارها . روى النّجّاد بإسناده عن سعيد بن المسيّب أنّه قال : قضى عمر وعثمان في الرّجل يخيّر امرأته أنّ لها الخيار ما لم يتفرّقا . وجعل المالكيّة في الرّواية الثّانية الخيار لها خارج المجلس ما لم تقف أمام حاكم أو توطأ طائعةً . وهو قول الزّهريّ وقتادة وأبي عبيد وابن المنذر . واحتجّ ابن المنذر بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لعائشة لمّا خيّرها : « إنّي ذاكر لك أمراً ، فلا عليك ألا تعجّلي حتّى تستأمري أبويك » ، وهذا يمنع قصره على المجلس . وما تقدّم هو في الحاضرة ، فإن كانت المخيّرة غائبةً فلا يختلف الحال عند الحنفيّة . ويفهم من عبارات الشّافعيّة كذلك عدم الاختلاف بين الغائبة والحاضرة ، فالخلع - على الأصحّ - طلاق ، ومجلس العلم فيه كمجلس التّواجب . وكما يجرى الخلاف في المخيّرة الحاضرة عند المالكيّة يجرى أيضاً في المخيّرة الغائبة على طريقة اللّخميّ . وطريقة ابن رشد أنّه يبقى التّخيير في يدها ما لم يطل أكثر من شهرين ، كما في التّوضيح ، حتّى يتبيّن رضاها بالإسقاط ، وما لم توقف أمام حاكم ، أو توطأ طائعةً . واختلاف المجلس في المخيّرة كاختلافه في البيع . تكرار الطّلاق في المجلس الواحد :
21 - لو قال لمدخول بها ومن في حكمها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق ، في مجلس واحد ، ونوى تكرار الوقوع ، فإنّه يقع ثلاثاً عند الأئمّة الأربعة ، ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره . وهو قول ابن حزم . لما روى عن محمود بن لبيد ، قال : « أخبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ قال : أيلعب بكتاب اللّه عزّ وجلّ وأنا بين أظهركم ؟ حتّى قام رجل ، فقال : يا رسول اللّه ألا أقتله ؟ » . وعند بعض أهل الظّاهر تقع طلقةً واحدةً . وهو قول ابن عبّاس ، وبه قال إسحاق وطاوس وعكرمة ، لما في صحيح مسلم أنّ ابن عبّاس قال : « كان الطّلاق على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثّلاث واحدةً ، فقال عمر : إنّ النّاس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم » . وإن أراد التّأكيد أو الإفهام فإنّه تقع واحدةً . وتقبل نيّة التّأكيد ديانةً لا قضاءً عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وتقبل قضاءً وإفتاءً عند المالكيّة والحنابلة . وإن أطلق فيقع ثلاثاً عند الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، لأنّ الأصل عدم التّأكيد . والقول الثّاني عند الشّافعيّة أنّه تقع طلقةً واحدةً ، لأنّ التّأكيد محتمل ، فيؤخذ باليقين . وهو قول ابن حزم . ومثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق قوله أنت طالق طالق طالق عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وكذلك الحنابلة في وقوع الطّلاق وتعدّده عند نيّته ، وفي إرادة التّأكيد والإفهام . أمّا عند الإطلاق فإنّه يقع الطّلاق ثلاثاً في الأولى ، وتقع واحدةً في الثّانية . الفصل بين الطّلاق وعدده :
22 - لا تضرّ سكتة التّنفّس ، والعيّ ، في الاتّصال بين الطّلاق وعدده . فإن كان السّكوت فوق ذلك فإنّه يضرّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ولا تقع معه نيّة التّأكيد . وهو قول للمالكيّة . والقول الثّاني أنّه لا يضرّ إلاّ في غير المدخول بها . وفي المدخول بها يحصل التّأكيد بدون نسق ( أي عطفه بالفاء أو بالواو أو ثمّ ) .
رد مع اقتباس