عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 04-29-2012, 08:15 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

هذا القول وبين الخلاف في معنى الإبراء ، على ما سبق .
24 - ولا فرق في الحاجة إلى القبول أو عدمها بين التّعبير بالإبراء ، أو التّعبير بهبة الدّين للمدين ، وإثبات الفرق هو ما عليه بعض الحنفيّة إذ قالوا فيها بالحاجة للقبول لما في اللّفظ من معنى التّمليك ، والمالكيّة يرونها آكد في الافتقار للقبول - على مذهبهم في الإبراء عموماً - لأنّها نصّ في التّمليك ، وهو خلاف ما عليه الشّافعيّة والحنابلة وجمهور الحنفيّة ، لنظرهم إلى وحدة المقصود بينها وبين الإبراء . هذا ، وبالرّغم ممّا هو مقرّر بين الفقهاء من اعتبار القبول محدوداً بمجلس العقد ما دام قائماً فقد اشترط الشّافعيّة الفوريّة في القبول في صورة من يوكّل في إبراء نفسه . وقد صرّح المالكيّة بجواز تأخير القبول عن الإيجاب ، ولو بالسّكوت عن القبول زماناً ، فله القبول بعد ذلك ، وقال القرافيّ : إنّه ظاهر المذهب .
25 - وقد استثنى الحنفيّة من عدم التّوقّف على القبول : العقود الّتي يشترط فيها التّقابض في المجلس ، كالصّرف ، والسّلم ( أي عن رأس مال السّلم ) فيتوقّف فيها الإبراء على القبول ، لأنّ الإبراء عن بدل الصّرف والسّلم يفوت به القبض المستحقّ ، وفواته يوجب بطلان العقد ، ونقض العقد لا ينفرد به أحد العاقدين ، بل يتوقّف على قبول الآخر ، فإن قبله برّئ وإن لم يقبله لا يبرّأ . وهذا بخلاف سائر الدّين ، لأنّه ليس فيه معنى الفسخ لعقد ثابت وإنّما فيه معنى التّمليك من وجه ، ومعنى الإسقاط من وجه آخر . أمّا الإبراء عن المسلّم فيه أو عن ثمن المبيع فهو جائز بدون قبول ، لأنّه ليس فيه إسقاط شرط .
ردّ الإبراء :
26 - ينبني اختلاف النّظر الفقهيّ في هذه المسألة على الخلاف في أنّ الإبراء إسقاط أو تمليك . والّتي يترتّب عليها حاجته للقبول أو عدم حاجته . فالحنابلة ، والشّافعيّة في الأصحّ ، والمالكيّة في المرجوح ، وهم أكثر القائلين بعدم حاجته للقبول ، ذهبوا إلى أنّه لا يرتدّ بالرّدّ ، لأنّه إسقاط حقّ كالقصاص والشّفعة وحدّ القذف والخيار والطّلاق ، لا تمليك عين ، كالهبة . ومن ذهب إلى أنّه يحتاج إلى القبول ( وهم المالكيّة في الرّاجح والشّافعيّة في قولهم الآخر ومعهم في هذا الحنفيّة الّذين راعوا ما فيه من معنى التّمليك بالرّغم من عدم توقّفه على القبول عندهم لأنّه إسقاط ) يرون أنّه يرتدّ بالرّدّ . واختلف فقهاء الحنفيّة هل يتقيّد الرّدّ بمجلس الإبراء ، أو هو على إطلاقه . والّذي في البحر والحمويّ على الأشباه إطلاق صحّة الرّدّ في مجلس الإبراء أو بعده . والرّدّ المعتبر هو ما يصدر من المبرّأ ، أو من وارثه بعد موته ، وخالف في الثّاني محمّد بن الحسن . وقد استثنى الحنفيّة مسائل لا يرتدّ فيها الإبراء بالرّدّ وهي :
1 ، 2 - الإبراء في الحوالة ( والكفالة على الأرجح ) لأنّهما متمحّضان للإسقاط ، لأنّ الإبراء إسقاط محض في حقّ الكفيل ، ليس فيه تمليك مال ، لأنّ الواجب عليه المطالبة ، والإسقاط المحض لا يحتمل الرّدّ لتلاشي السّاقط ، بخلاف التّأخير ، لعوده بعد الأجل .
3 - إذا تقدّم على الإبراء طلب من المبرّأ بأن قال أبرئني ، فأبرأه فردّ ، لا يرتدّ .
4 - إذا سبق للمبرّأ أن قبله ثمّ ردّه لا يرتدّ . المبرّئ وشروطه :
27 - الإبراء كغيره من التّصرّفات ، يشترط في المتصرّف به الأهليّة التّامّة للتّعاقد ، من عقل وبلوغ ، وتفصيله في الكلام عن الأهليّة والعقد . ولكنّ الأهليّة المطلوبة هنا هي أهليّة التّبرّع ، بأن يكون رشيداً غير محجور عليه للسّفه أو المديونيّة ، على خلاف وتفصيل موطنه عند الكلام عن ( الحجر ) . وتشترط الولاية ، لأنّ كلّ إبراء لا يخلو من حقّ يجري التّنازل عنه ( بإسقاطه أو تمليكه ) ، لذا لا بدّ من أن يصدر ذلك التّنازل من قبل صاحب الحقّ نفسه أو من يتصرّف عنه ، فلا يصحّ الإبراء إلاّ بأن يكون للمبرّئ ولاية على الحقّ المبرّأ منه ، وذلك بأن يكون مالكاً له ، أو موكّلاً بالإبراء منه ، أو متصرّفاً بالفضالة عن صاحب الحقّ ، ولحقته الإجازة من المالك ، عند من يرى صحّة تصرّف الفضوليّ . وتفصيله في مصطلح ( فضوليّ ) . والعبرة في ولاية المبرّئ على الحقّ المبرّأ منه هو بما في الواقع ونفس الأمر لا بما في الظّنّ . فلو أبرأ عن شيء من مال أبيه ظانّاً بقاء أبيه حيّاً فتبيّن أنّه كان ميّتاً حين الإبراء صحّ ، لأنّ المبرّأ منه كان مملوكاً له حين الإبراء في الواقع . ويشترط الرّضا ، فإبراء المكره لا يصحّ ، لأنّه لا يصحّ مع الهزل لما فيه من الإقرار بفراغ الذّمّة فيؤثّر فيه الإكراه . وقد صرّح الحنابلة بأنّه ممّا يشوب شريطة الرّضا أن يعلم المدين وحده مقدار الدّين ، فيكتمه عن الدّائن خوفاً من أن يستكثره فلا يبرّئه لأنّ الإبراء صادر حينئذ عن إرادة غير معتبرة . التّوكيل بالإبراء :
28 - يصحّ التّوكيل بالإبراء ولكن لا بدّ من الإذن الخاصّ به ، ولا يكفي له إذن الوكالة بعقد ما ، وقد نصّ الحنفيّة بشأن السّلم أنّه إذا أبرأ وكيل المسلّم المسلّم إليه بلا إذن لم يبرّأ المسلّم إليه . فلو قال له المسلّم إليه : لست وكيلاً والسّلم لك وأبرأتني منه ، نفذ الإبراء ظاهراً ، وتعطّل بذلك حقّ المسلّم ، وغرم له الوكيل قيمة رأس المال للحيلولة ، فلا يغرم بدل المسلّم فيه كيلاً يكون اعتياضاً عنه . كما خصّ الحنفيّة إبراء الوكيل والوصيّ فيما وجب بعقدهما ، ويضمنان . ولا يصحّ فيما لم يجب بعقدهما ، كما أنّه إذا كان الوكيل مأذوناً بالإبراء فوكّل غيره به فأجراه في حضوره أو غيبته لم يصحّ عندهم . وإن وكّله بإبراء غرمائه ، وكان الوكيل منهم لم يبرّئ نفسه ، لأنّ المخاطب لا يدخل في عموم أمر المخاطب له على الأصحّ ، فإن قال : وإن شئت فأبرئ نفسك فله ذلك كما لو وكّل المدين بإبراء نفسه .
إبراء المريض مرض الموت :
29 - يشترط أن لا يكون المبرّئ مريضاً مرض الموت ، وفيه تفصيل بحسب المبرّأ ، فإن كان أجنبيّاً والدّين يجاوز ثلث التّركة ، فلا بدّ من إجازة الورثة فيما زاد على الثّلث ، لأنّه تبرّع له حكم الوصيّة . وإذا كان المبرّأ وارثاً توقّف الإبراء كلّه على إجازة الورثة ولو كان الدّين أقلّ من الثّلث . وإذا أبرأ المريض مرض الموت أحد مديونيه ، والتّركة مستغرقة بالدّيون ، لم ينفذ إبراؤه لتعلّق حقّ الغرماء وتفصيل ذلك عند الكلام عن ( مرض الموت ) .
المبرّأ وشروطه :
30 - اتّفق الفقهاء على اشتراط العلم بالمبرّأ ، فلا يصحّ . الإبراء لمجهول . وكذلك يجب أن يكون معيّناً ، فلو أبرأ أحد مدينيه على التّردّد لم يصحّ ، خلافاً لبعض الحنابلة . فلا بدّ من تعيين المبرّأ تعييناً كافياً . كما أنّ الإقرار ببراءة كلّ مدين له لا يصحّ إلاّ إذا كان يقصد مديناً معيّناً أو أناساً محصورين . ولا يشترط في المبرّأ أن يكون مقرّاً بالحقّ ، بل يصحّ الإبراء للمنكر أيضاً ، بل حتّى لو جرى تحليف المنكر يصحّ إبراؤه بعده ، لأنّ المبرّئ يستقلّ بالإبراء - لعدم افتقاره إلى القبول - فلا حاجة فيه إلى تصديق الغريم . المبرّأ منه ( المحلّ ) وشروطه :
31 - يختلف المبرّأ منه بين أن يكون من الحقوق أو الدّيون أو الأعيان . وسيأتي الكلام عن ذلك في ( موضوع الإبراء ) . وتبعاً للاختلاف السّابق بيانه ، في أنّ الإبراء إسقاط أو تمليك أو الغالب فيه أحدهما ، اختلف الفقهاء في صحّة الإبراء من المجهول ، فمن نظر في هذه المسألة إلى معنى التّمليك اشترط العلم ، لأنّه لا يمكن تمليك المجهول ، ومن نظر إلى معنى الإسقاط ذهب إلى الصّحّة . فالاتّجاه الأوّل ، الّذي عليه جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة ورواية عند الحنابلة ) أنّ الإبراء من المجهول صحيح ، بل صرّح المالكيّة بأنّه يصحّ التّوكيل بالإبراء ، وإن كان الحقّ المبرّأ منه مجهولاً لكلّ من الثّلاثة ( الموكّل ، والوكيل ، ومن عليه الدّين ) ، لأنّ الإبراء - كما قالوا - هبة ، وهبة المجهول جائزة . ومثّلوا لذلك بما لو أبرأ ذمّة غريمه ، وهما لا يعلمان بكم هي مشغولة ، وذلك لأنّ جهالة السّاقط لا تفضي إلى المنازعة . ويقرب منه الاتّجاه الثّاني ، وهو رواية للحنابلة أيضاً ، وهو صحّة الإبراء مع الجهل إن تعذّر علمه ، وإلاّ فلا ، وقالوا : إنّه لو كتمه طالب الإبراء خوفاً من أنّه لو علمه المبرّئ لم يبرّئه لم يصحّ . أمّا الاتّجاه الثّالث ، وهو مذهب الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة ، فهو أنّه لا يصحّ الإبراء عن المجهول مطلقاً . ولا فرق عند الشّافعيّة في المجهول بين مجهول الجنس أو القدر أو الصّفة ، حتّى الحلول والتّأجيل ومقدار الأجل . كما صرّحوا بأنّه إذا وقع الإبراء ضمن معاوضةً - كالخلع - اشترط علم الطّرفين بالمبرّأ عنه ، أمّا في غير المعاوضة فيكفي علم المبرّئ وحده ، ولا أثر لجهل الشّخص المبرّأ .
32 - وممّا صرّح به بعض الشّافعيّة أنّ المراد بالمجهول ما لا تسهل معرفته ، بخلاف ما تسهل معرفته ، كإبرائه من حصّته في تركة مورّثه ، لأنّه وإن جهل قدر حصّته ، لكن يعلم قدر تركته ، فتسهل معرفة الحصّة . وفرّقوا بينه وبين ضمان المجهول ، فلا يصحّ ، وإن أمكنت معرفته ، لأنّ الضّمان يحتاط له ، لأنّه إثبات مال في الذّمّة ، في حين أنّ الإبراء يغلب فيه معنى الإسقاط . ولا يخفى أنّ هذا التّفصيل ليس موضع خلاف ، لأنّ هذه الجهالة صوريّة . وقد استثنى الشّافعيّة من عدم صحّة الإبراء من المجهول صورتين هما : الإبراء من الدّية المجهولة ، وما إذا ذكر غايةً يتيقّن أنّ حقّه دونها ، وهي الطّريقة للإبراء من المجهول ، بأن يبرّئه عمّا يتأكّد أنّه أزيد ممّا له عليه . وقد أضاف الرّمليّ إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأ إنساناً ممّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهل ، لأنّه يجري مجرى الوصيّة . ومن صور المجهول : الإبراء من أحد الدّينين ، قال الحلوانيّ من الحنابلة : يصحّ ، ويؤخذ بالبيان ، كما في الطّلاق لإحدى زوجتيه . قال ابن مفلح : يعني ثمّ يقرع على المذهب .
شروط للإبراء في ذاته : أ - شرط عدم منافاته للشّرع :
33 - ممّا هو موضع اتّفاق بين الفقهاء في الجملة ، وتدلّ عليه القواعد العامّة للشّريعة ، أنّه يشترط في الإبراء أن لا يؤدّي إلى تغيير حكم الشّرع ، كإبراء من شرط التّقابض في الصّرف ، والإبراء من حقّ الرّجوع في الهبة أو الوصيّة ( على خلاف للمالكيّة في ذلك ) والإبراء من حقّ السّكنى في بيت العدّة ، وحقّ الولاية على الصّغير . لأنّ كلّ ما يؤدّي إلى تغيّر المشروع باطل ، ولا يستطيع أحد تغيير حكم اللّه . كما يشترط أن لا يؤدّي الإبراء إلى ضياع حقّ الغير ، كالإبراء من الأمّ المطلّقة عن حقّ الحضانة ، لأنّه حقّ الصّغير - مع وجود حقّ للحاضنة أيضاً - وتفصيل ذلك في أبوابه .
ب - شرط سبق الملك :
34 - يشترط سبق ملك المبرّئ للحقّ المبرّأ منه ، لأنّه لا يصحّ تصرّف الإنسان في ملك غيره دون إنابة منه ، أو فضالة عنه ( عند من يصحّح تصرّف الفضوليّ ) . وهذا الشّرط موضع اتّفاق عند الفقهاء في حالة الظّهور بمظهر المالك ، حتّى عند الّذين يجيزون تصرّف الفضوليّ ، لأنّ الفضوليّ هو من يتصرّف فيما تظهر ملكيّة غيره له ، وإلاّ كان من بيع ما لا يملك ، وهو منهيّ عنه . . . وتدلّ على هذا الشّرط عبارات الفقهاء ممّا تفصيله في ( الأهليّة ) ( والعقد ) وما قرّروه في المقاصّة بين الدّيون من أنّها تقوم على أساس ملك الدّائن للدّين في ذمّة المدين ، وأنّ المدين عند الإيفاء ملك مثل الدّين في ذمّة الدّائن ، فتقضى الدّيون بأمثالها لا بأعيانها . ومثل الإيفاء الإبراء في وروده على ما يملكه المبرّئ في ذمّة الشّخص المبرّأ . وممّا يدلّ عليه من مذهب الحنفيّة الخلاف بين أبي يوسف ومحمّد في إبراء المحال المحيل عن الدّين ، حيث لا يصحّ عند أبي يوسف ، لانتقال الدّين من ذمّة المحيل ، بناءً على أنّ الحوالة نقل الدّين والمطالبة ، خلافاً لمحمّد القائل بأنّها نقل المطالبة فقط وبقاء الدّين ، فيصادف الإبراء ذمّةً مشغولةً بالدّين . وممّن صرّح بهذا البلقينيّ من الشّافعيّة ، بقوله : « في مسألة الإبراء يملك الدّين في ذمّة من عليه ، ويملك التّصرّف فيه على الوجه المعتبر ، وقد نفذ الإبراء لحصوله في ملك المديون قهراً ممّن كان يملكه عليه " - أي عند من لا يشترط القبول كما سبق - وأصرح منه قول عميرة : « إنّ صحّة الإبراء تتوقّف على سبق الملك " ومنه قول ابن مفلح من الحنابلة عقب حديث « لا طلاق ولا عتق فيما لا يملك » والإبراء في معناهما » . ويستفاد من تصريح الدّردير بعدم صحّة الهبة وسائر التّبرّعات في مال غيره أنّه يشترط عند المالكيّة سبق ملك المبرّئ لما أبرأ منه . بل صرّح الشّافعيّة أيضاً بضرورة استقرار الملك حيث علّل الماورديّ منهم عدم صحّة الإبراء عن بدل الصّرف قبل التّقابض بأنّه إبراء ممّا لم يستقرّ ملكه عليه . وهل يشترط علم المبرّئ بملكه ما يبرّئ منه ، أم يكفي تحقّق ملكه إيّاه في نفس الأمر ولو اعتقد عدمه ، كما لو كان للأب دين على شخص ، فأبرأه منه الابن وهو لا يعلم موت أبيه ، فبان ميّتاً ، أي فظهر أنّ الابن المبرّئ يملكه في الواقع ، فالحنفيّة والحنابلة على صحّته ، وقد صرّح الحنفيّة بأنّه يصحّ سواء اعتبر الإبراء إسقاطاً أو تمليكاً ، كما سبق ، أمّا الشّافعيّة فقد اختلفوا بين كون الإبراء إسقاطاً فيصحّ أو تمليكاً ، فلا يصحّ . ولم نعثر على تصريح للمالكيّة في هذه المسألة .
الإبراء بعد سقوط الحقّ أو دفعه :
35 - الإبراء بعد قضاء الدّين صحيح ، لأنّ السّاقط بقضائه المطالبة ، لا أصل الدّين ، ولذا قالوا : الدّيّنان يلتقيان قصاصاً ( أي بطريق المقاصّة ) وذلك لأنّه تقضى الدّيون بأمثالها فتسقط مطالبة كلّ للآخر لانشغال ذمّة كلّ منهما بدين الآخر . فإذا أبرأ الدّائن المدين بعد القضاء كان للمدين الرّجوع بما أدّاه إذا أبرأه براءة إسقاط . أمّا إذا أبرأه براءة استيفاء فلا رجوع . ويعرف ذلك من الصّيغة على ما سبق بيانه في أقسام الإبراء . واختلفوا فيما إذا أطلق البراءة فاختار ابن عابدين من الحنفيّة أنّها تحمل على الاستيفاء لعدم فهم غيرها في عصره . وهذا يفيد أنّ المرجع في الإطلاق هو العرف . وعليه لو علّق طلاق المرأة بإبرائها له من المهر ثمّ دفعه لها ، لا يبطل التّعليق ، فإذا أبرأته براءة إسقاط صحّت ووقع الطّلاق ورجع عليها بما دفعه . ومثله ما لو تبرّع بقضاء دين عن إنسان ثمّ أبرأ الطّالب المطلوب على وجه الإسقاط فللمتبرّع أن يرجع عليه بما تبرّع به . وذهب الحنابلة فيما يشبه هذه الصّور إلى عدم الرّجوع حيث صرّحوا بأنّ الضّامن لو قضى الدّين ثمّ أبرأه عنه الغريم بعد قبضه لم يرجع على المضمون عنه ، وأنّه إن وهبه بعضه ففيه وجهان . ولم نعثر على رأي للمالكيّة والشّافعيّة في ذلك .
ج - وجوب الحقّ ، أو وجود سببه :
36 - الأصل أن يقع الإبراء بعد وجوب الحقّ المبرّأ منه ، لأنّه لإسقاط ما في الذّمّة ، وذلك بعد انشغالها . ولكنّه قد يأتي قبل وجوب الحقّ ، وهنا إمّا أن يكون بعد وجود السّبب الّذي ينشأ به الوجوب ، وأمّا أن يكون قبله . والفقهاء متّفقون على عدم صحّة الإبراء قبل وجود السّبب ، فوجوده شرط للصّحّة متّفق عليه ، لأنّ ما لم يوجد سبب الاستحقاق فيه ساقط أصلاً بالكلّيّة ، فلا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلاً ، ويكون الإبراء منه مجرّد امتناع ، وهو غير ملزم ، لأنّه وعد ، وله الرّجوع عنه والمطالبة بما أبرأ منه ، على ما سبق .
37 - وأمّا بعد وجود السّبب ففي اشتراط وجوب الحقّ وحصوله فعلاً خلاف : فذهب الجمهور ( الحنفيّة ، والشّافعيّة في الأظهر ، والحنابلة ) إلى أنّه شرط ، فلا يصحّ الإبراء قبل الوجوب وإن انعقد السّبب ، واستدلّوا بحديث « لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك » . والإبراء في معناهما ، وقد اعتبروا ما لم يجب ساقطاً فلا معنًى لإسقاطه . وقد مثّل الحنفيّة لذلك بالإبراء عن نفقة الزّوجيّة قبل فرضها ( أي القضاء بتقديرها ) فلا يصحّ ، لأنّه إبراء قبل الوجوب - بالرّغم من وجود السّبب وهو الاحتباس - وإسقاط الشّيء قبل وجوبه لا يصحّ . ومن الأمثلة الدّقيقة الّتي أوردوها الإبراء في باب الغصب وفرّقوا في الحكم بين حالتين فيه تبعاً لوجوب ما تعلّق به الإبراء ، وذلك فيما لو أبرأ المالك الغاصب من العين المغصوبة فإنّه يبرّأ من ضمان ردّها ( أي تصبح لديه وديعةً ) لأنّ الإبراء تعلّق بضمان الرّدّ وهو حينئذ واجب . أمّا إن استهلكها الغاصب ، أو منعها من المالك بعد طلبها ، فلا أثر للإبراء ، ويضمن الغاصب قيمتها . فلم يتعلّق الإبراء بالقيمة لعدم وجوبها حال قيام العين . كما صرّحوا بعدم صحّة الإبراء عن الكفالة بالدّرك ( فيما لو تكفّل بأداء ما يموت فلان ولم يؤدّه ) لأنّ الكفالة عمّا يجب من مال بعد الموت ، والمال لم يجب للكفيل على الأصيل ، فلا يصحّ إبراؤه قبل الوجوب . ونحوه لو قال : أبرأتك عن ثمن ما تشتريه منّي غداً فلا يصحّ الإبراء أيضاً . ومثّل له الشّافعيّة بإبراء المفوّضة عن مهرها قبل الفرض ( التّقدير ) والدّخول ، ومثله الإبراء عن المتعة قبل الطّلاق ، لعدم الوجوب . واستثنوا صورةً يصحّ فيها الإبراء قبل الوجوب . وهي ما لو حفر بئراً في ملك غيره بلا إذن ، وأبرأه المالك من ذلك التّصرّف ، أو رضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ حافرها ممّا يقع فيها . أمّا المالكيّة فقد اختلفوا في الاكتفاء بوجود السّبب ، وهو التّصرّف أو الواقعة الّتي ينشأ بها الحقّ المبرّأ منه ، ولو لم يجب الحقّ بعد ، وقد توسّع في ذلك الحطّاب في ( الالتزامات ) فعقد فصلاً لإسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وتعرّض للمسائل المشهورة ، وكرّر الإشارة للخلاف ، واستظهر الاكتفاء بالسّبب . وممّا قال : « إذا أبرأت الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، فقال ابن شاس وابن الحاجب : يتخرّج ذلك على الإبراء ممّا جرى سبب وجوبه قبل حصول الوجوب ( وذكر عبارات شتّى في هذه المسألة من حيث النّظر إلى تقدّم سبب الوجوب أو حصول الوجوب ) ثمّ قال : فهو إسقاط للحقّ قبل وجوبه بعد سببه » . ثمّ أشار الحطّاب إلى مسألة إسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل فقال : في لزوم ذلك قولان : هل يلزمها ، لأنّ سبب وجوبها قد وجد ، أو لا يلزمها ، لأنّها لم تجب بعد ؟ قولان حكاهما ابن راشد القفصيّ " ثمّ قال آخر المسألة " والّذي تحصّل من هذا أنّ المرأة إذا أسقطت عن زوجها نفقة المستقبل لزمها ذلك على القول الرّاجح » .
38 - وقد صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّ العبرة في وجوب الحقّ المبرّأ منه إنّما هي للواقع ، لا للاعتقاد ، فلو أبرأه وهو يعتقد أن لا شيء عليه ، ثمّ تبيّن أنّه كان له عليه حقّ صحّ الإبراء ، لمصادفته الحقّ الواجب . ولم نعثر للمالكيّة على تصريح في هذه المسألة ، وكذلك الشّافعيّة سوى الاستئناس بما سبق في شرط ( سبق الملك ) من اكتفائهم بالواقع بناءً على أنّ الإبراء إسقاط ، أو عدمه بناءً على أنّه تمليك . كما صرّح الحنابلة بصحّة الإبراء قبل حلول الدّين ، وهو مستفاد من عبارات غيرهم ، لجعلهم متعلّق الإبراء هو الحقّ الواجب لا وقت وجوبه ، ولاعتبارهم الحلول والتّأجيل صفتين ، والإبراء يتّصل بأصل وجوب الحقّ لا بصفاته ، وقد صرّحوا بأنّ الإبراء هو لسقوط المطالبة مطلقاً ، فالحقّ يعتبر واجباً ولو تأخّر حقّ المطالبة به .
موضوع الإبراء 39 - الإبراء إمّا أن يكون موضوعه ديناً في الذّمّة ، أو عيناً ( مالاً معيّناً ) أو حقّاً من الحقوق الّتي تقبل الإسقاط ، على ما سبق بيانه .
( الإبراء عن الدّين ) :
40 - اتّفق الفقهاء على أنّ الدّيون الثّابتة في الذّمم يجري فيها الإبراء ، للأدلّة السّابقة في بيان حكمه التّكليفيّ ، لأنّ الإبراء مداره إسقاط ما في الذّمم .
( الإبراء عن العين ) :
41 - الإبراء عن العين إمّا أن يكون عن دعوى العين ، أو عن العين نفسها ، وسيأتي الكلام عن الإبراء عن الدّعوى بصدد الحقوق . أمّا الإبراء عن العين نفسها بمعنى الإسقاط فهو غير صحيح اتّفاقاً ، لأنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ، فلا توصف بالبراءة ، فإذا أطلق هذا التّعبير فالمراد الصّحيح منه الإبراء عن عهدتها أو دعواها والمطالبة بها ، كما صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ( أو هو ثبوت البراءة بالنّفي من الأصل ، أو بردّ العين إلى صاحبها في إبراء الاستيفاء الّذي عني به الحنفيّة ) أمّا المالكيّة فقد صرّحوا أنّ المراد سقوط الطّلب بقيمة العين إذا فوّتها المبرّأ وسقوط الطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وللحنفيّة هنا تفصيل بين الإبراء عن العين صراحةً ، وبين الإبراء عنها ضمناً ، أو من خلال الإبراء العامّ ، فإذا كان الإبراء ضمنيّاً كما لو جاء في عقد الصّلح ، فعلى جواب ظاهر الرّواية يصحّ الصّلح والإبراء ، ولا تسمع الدّعوى بعده ، لأنّ هذا بمعنى الإبراء عن دعوى العين لا عن العين نفسها . وعلى جواب الهداية لا يصحّ ، لأنّ الصّلح على بعض المدّعى به إسقاط للباقي ، فيكون بمعنى الإبراء عن العين مباشرةً . وإن كان الإبراء عامّاً فإنّه يشمل الأعيان وغيرها ، فالخلاف ليس في هذا . فما جاء في بعض كتب الحنفيّة كالفتاوى البزّازيّة من أنّ الإبراء متى لاقى عيناً لا يصحّ ، محمول ، كما قال ابن عابدين ، على أنّ المراد الإبراء المقيّد بالعين . ثمّ قال : ومعنى بطلان الإبراء عن الأعيان أنّها لا تصير ملكاً للمدّعى عليه ، وليس المراد أنّه يبقى على دعواه ، بل تسقط في الحكم . وبعبارة أخرى لابن عابدين : معناه أنّ للمبرّئ أخذ العين ما دامت قائمةً ، فلو هلكت سقط ( أي ضمانها ) لأنّها بالإبراء صارت وديعةً عنده ، أي أمانةً . وقد استثنى الحنفيّة من عدم تصحيح الإبراء عن العين نفسها ما لو كانت العين مضمونةً ، كالدّار المغصوبة ، فإنّ الإبراء عنها صحيح سواء أكانت هالكةً أم قائمةً ، لأنّ الهالكة كالدّين ، والقائمة يراد البراءة عن ضمانها لو هلكت ، فتصير بعد الإبراء كالوديعة ، والإبراء عن العين الّتي هي أمانة يصحّ قضاءً لا ديانةً .
الإبراء عن الحقوق :
42 - الحقوق إمّا أن تكون حقّاً خالصاً للّه عزّ وجلّ ، أو حقّاً خالصاً للعبد ، أو أن يجتمع فيها حقّ اللّه وحقّ العبد مع غلبة أحدهما . وهي إمّا ماليّة كالكفالة ، أو غير ماليّة ، كحدّ القذف . والإبراء إمّا أن يكون موضوعه حقّاً بعينه ، أو جميع الحقوق ، بحسب الصّيغة ، كما لو قال : لا حقّ لي قبل فلان ، ونحو ذلك ، ممّا يقتضي العرف استيعابه جميع الحقوق ، على الرّاجح المصرّح به عند الحنفيّة والمالكيّة من اعتبار العرف وعدم التّفرقة بين الألفاظ المختلفة في الدّلالة بحسب الوضع اللّغويّ ، كما قيل من أنّ ( عند ) ( ومع ) للأمانات ، ( وعلى ) للدّيون ، على ما سبق . وقد توسّع المالكيّة في المراد بالحقوق الماليّة حتّى جعلوها تشمل " الدّيون والقرض والقراض والودائع والرّهون والميراث ، وكذلك الحقّ المترتّب على الإتلاف كالغرم للمال " وهو إطلاق اصطلاحيّ ليس خاصّاً بهم ، فقد صرّح الحنفيّة بأنّه لو قال : لا حقّ لي قبل فلان ، يدخل العين والدّين والكفالة والجناية . فالإبراء عن الحقوق الخالصة للعبد ، كالكفالة والحوالة ، صحيح بالاتّفاق بين الفقهاء . أمّا الحقوق الخالصة للّه عزّ وجلّ ، كحدّ الزّنى فلا يصحّ الإبراء عنها . والحكم كذلك في حدّ القذف بعد طلبه ، وحدّ السّرقة بعد الرّفع للحاكم . وأمّا الحقوق الّتي غلب فيها حقّ العبد ، كالتّعزير في قذف لا حدّ فيه ، فيصحّ الإبراء عنه . وفي ذلك تفصيل وخلاف موطنه الأبواب الّتي يفصّل فيها ذلك الحقّ .
الإبراء عن حقّ الدّعوى :
43 - الإبراء عن الدّعوى إمّا أن يرد عامّاً أو خاصّاً ، وكذلك إمّا أن يحصل أصالةً أو تبعاً ، وبيانه فيما يلي : يكون الإبراء عن الدّعوى عامّاً مطلقاً إذا أسقط حقّه في المخاصمة من حيث هي تجاه شخص ما ، فهذا لا يجوز ، لأنّه يتناول الموجود وما لم يوجد بعد ، والإبراء عمّا لم يوجد سبب وجوبه باطل اتّفاقاً . ومن العامّ نسبيّاً الإبراء عن جميع الدّعاوى الّتي بينه وبين شخص إلى تاريخ الإبراء ، فهذا الإبراء صحيح ، ولا تسمع بعد ذلك دعواه بحقّ قبل الإبراء . والخاصّ ما كان عن دعوى شيء بعينه ، وهو الصّحيح اتّفاقاً ، ولا تسمع الدّعوى بعده عن تلك العين . وحقّق الشرنبلالي أنّه لا فرق في الإبراء عن دعوى العين في صورة التّغميم بين الإخبار والإنشاء ، خلافاً لمن أبطل إنشاء الإبراء عن جميع الدّعاوى ، وقصر الصّحّة على الإخبار أو الإبراء عن دعوى مخصوصة . هذا عن الدّعوى أصالةً . أمّا الإبراء عنها تبعاً فهو مال الإبراء عن العين إذ ينصرف إلى الإبراء عن ضمانها أو عن دعواها ، لأنّ الإبراء عن العين نفسها باطل ، وهي لا توصف بالبراءة على ما سبق .
رد مع اقتباس