عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 04-29-2012, 08:14 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

( الحكم الإجماليّ )
2 - من أحكام الإبانة ما اتّفق عليه الفقهاء في الجملة أنّ ما أبين من حيّ - غير الصّوف والشّعر من المأكول - فهو كميتته ، لخبر « ما أبين من حيّ فهو ميّت » . وما قطع بعد التّذكية وقبل الموت يحلّ تناوله ، وإن كان مكروهاً في الجملة .
( مواطن البحث )
3 - الكلام في الإبانة ذكر في مبحث النّجاسة ، وفي العورة ( لمس العضو المبان ، والنّظر إليه ) وفي الدّفن ، وفي الطّلاق ، والخلع ، وفي الجنايات ( الجناية على الأطراف ، ) وفي اللّعان ، وفي الذّبائح ( كفيّة الذّبح ) ، وفي الصّيد .
ابتداع
انظر : بدعةً .
إبدال
التّعريف
1 - الإبدال لغةً : جعل شيء مكان شيء آخر ، والاستبدال مثله ، فلا فرق عند أهل اللّغة بين اللّفظين في المعنى . وكذلك الأمر عند الفقهاء ، فهم يستعملون اللّفظين أحدهما مكان الآخر .
( الحكم الإجماليّ )
2 - الإبدال أو الاستبدال نوع من التّصرّفات ، الأصل فيه الجواز إذا كان صادراً ممّن هو أهل للتّصرّف ، فيما يجوز له التّصرّف فيه ، إلاّ فيما يخالف الشّرع . وقد يطرأ على هذا الحكم ما يجعل الفقهاء يختلفون فيه بين الجواز والمنع والوجوب . ومن ذلك مثلاً اختلافهم فيما يتعلّق به حقّ شرعيّ ، كالزّكاة والكفّارة ، فجمهور الفقهاء غالباً ما يمنعون إبدال الواجب إخراجه فيهما بالقيمة ، لأنّ الحقّ للّه تعالى ، وقد علّقه على ما نصّ عليه ، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره ، بينما يجيز الحنفيّة إبدال الواجب إخراجه فيها بالقيمة ، لتعلّق الوجوب عندهم بمعنى المال ، وهو الماليّة والقيمة .
3 - وفي عقود المعاوضات ، كالبيع ، اختلف الفقهاء في حكم إبدال الأثمان فالحنفيّة يجيزون إبدال الأثمان قبل القبض ، لأنّها لا تتعيّن بالتّعيين ، ولأنّ العقد لا ينفسخ بهلاكها ، بدليل ما رواه ابن عمر ، قال : « كنّا نبيع الإبل بالبقيع بالدّراهم ، فنأخذ بدل الدّراهم الدّنانير ، ونبيعها بالدّنانير فنأخذ بدلها الدّراهم ، فسألنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : لا بأس إذا تفرّقتما وليس بينكما شيء » والمراد من الحديث العين لا الدّين ، بينما يقول الشّافعيّ وزفر من الحنفيّة : إن كان الثّمن متعيّناً ، نقداً أو غيره ، فلا يجوز التّصرّف فيه قبل القبض ، وإن في الذّمّة جاز إبداله قبل القبض . واستدلّوا بالحديث السّابق أيضاً على أنّ إبدال الثّمن غير متعيّن بل هو في الذّمّة . وقريب من هذا رأي الحنابلة والمالكيّة . أمّا المبيع فعند الحنفيّة لا يجوز إبدال المبيع المنقول قبل قبضه . وفي العقار خلاف . وعند الشّافعيّ لا يجوز إبدال المبيع والثّمن المعيّن قبل القبض . وعند الحنابلة يجوز التّصرّف في المبيع قبل القبض لما لا يحتاج إلى قبض ، أمّا ما يحتاج إلى قبض فلا يجوز إبداله قبل القبض . والمالكيّة يجيزون التّصرّف في البيع قبل القبض ، إلاّ طعام المعاوضة . وكلّ ما مرّ إنّما هو في غير الصّرف والسّلم ، وفي غير الرّبويّات فإنّه لا يجوز فيها الإبدال . وقد يكون الإبدال واجباً ، كما إذا تعيّبت الدّابّة ، أو بانت مستحقّةً ، في إجارة الذّمّة ، فلا تنفسخ الإجارة ، بل يلزم المؤجّر إبدالها . وقد يكون للإبدال أحوال وشروط خاصّة ، كما في الوقف . وهو أحد الشّروط العشرة الّتي اعتاد الواقفون ذكرها في حجج أوقافهم . ويقرنون الإبدال بالاستبدال ، ممّا جعل الموثّقين يفرّقون بينهما ، فيطلقون الإبدال على جعل عين مكان أخرى ، والاستبدال على بيع عين الوقف بالنّقد .
( مواطن البحث )
4 - تأتي أحكام الإبدال والاستبدال عند الفقهاء في مسائل متعدّدة المواطن مفصّلة فيها أحكام كلّ مسألة ، جوازاً أو منعاً أو إيجاباً ، ومن ذلك الزّكاة والأضحيّة والكفّارة والبيع والشّفعة والإجارة والوقف وغير ذلك .
إبراء التّعريف بالإبراء :
1 - من معاني الإبراء في اللّغة : التّنزيه والتّخليص والمباعدة عن الشّيء . قال ابن الأعرابيّ : برئ : تخلّص وتنزّه وتباعد ، فالإبراء على هذا : جعل المدين - مثلاً - بريئاً من الدّين أو الحقّ الّذي عليه . والتّبرئة : تصحيح البراءة ، والمبارأة : المصالحة على الفراق . وأمّا في الاصطلاح فهو إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . فإذا لم يكن الحقّ في ذمّة شخص ولا تجاهه ، كحقّ الشّفعة ، وحقّ السّكنى الموصى به ، فتركه لا يعتبر إبراءً ، بل هو إسقاط محض . وقد اختير لفظ ( إسقاط ) في التّعريف - بالرّغم من أنّ في الإبراء معنيين هما الإسقاط والتّمليك - تغليباً لأحد المعنيين ، ولأنّه لا يخلو من وجه إسقاط على ما سيأتي .
( الألفاظ ذات الصّلة ) : أ - البراءة ، والمبارأة ، والاستبراء :
2 - ( البراءة ) : هي أثر الإبراء ، وهي مصدر برئ . فهي مغايرة له في الفقه ، غير أنّ البراءة كما تحصل بالإبراء الّذي يتحقّق بفعل الدّائن ، تحصل بأسباب أخرى غيره ، كالوفاء والتّسليم من المدين أو الكفيل وتحصل البراءة بالاشتراط ، كالبراءة من العيوب ، ويعبّر عنها بالتّبرّؤ أيضاً ، وتفصيله في خيار العيب ، والكفالة . وقد تحصل البراءة بإزالة سبب الضّمان ، أو بمنع صاحب التّضمين من إزالته ، ومن ذلك ما صرّح به الشّافعيّة من أنّ حافر البئر في أرض غيره إن أراد ردمها فمنعه المالك فإنّه يبرّأ وإن لم توجد صيغة إبراء . وممّا يؤكّد التّباين بينهما ما جاء في بعض المسائل من تقييد البراءة بالإبراء أو الإسقاط لتمييزها عن البراءة بالاستيفاء . وفي ذلك يقول ابن الهمام : البراءة بالإبراء لا تتحقّق بفعل الكفيل ، بل بفعل الطّالب - أي الدّائن - فلا تكون حينئذ مضافةً إلى الكفيل . ونحوه بحث بعض الشّافعيّة في تلفيق شهادتي الإبراء والبراءة ، كأن شهد واحد بأنّ المدّعي أبرأه ، وآخر بأنّه برئ إليه منه ، ورجّحوا جوازه واعتبار الشّهادة مستكملة النّصاب 3 - أمّا ( المبارأة ) فهي مفاعلة وتقتضي المشاركة في البراءة . وهي في الاصطلاح اسم من أسماء الخلع ، والمعنى واحد ، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها . لكنّها تختصّ بإسقاط المرأة عن الزّوج حقّاً لها عليه . فالمبارأة صورة خاصّة للإبراء تقع بين الزّوجين ، لإيقاع الزّوج الطّلاق - إجابةً لطلب الزّوجة غالباً - مقابل عوض ماليّ تبذله للزّوج هو تركها ما لها عليه من حقوق ماليّة ، كالمهر المؤجّل ، أو النّفقة المستحقّة في العدّة . والجمهور على أنّه لا يسقط بها أيّ حقّ إلاّ بالتّسمية ، خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف القائلين بسقوط جميع حقوقها الزّوجيّة . وتفصيل ذلك موطنه عند الكلام عن ( الخلع ) . ولابن نجيم من الحنفيّة رسالة في الطّلاق الموقّع في مقابلة الإبراء حقّق فيها أنّه يقع بائناً ، لوقوعه بعوض ، وأمّا في قوله : متى ظهر كذا وأبرأتني من مهرك فأنت طالق فليس بائناً لأنّه جعل الطّلاق معلّقاً بالإبراء فالإبراء شرط للطّلاق وليس عوضاً .
4 - وأمّا ( الاستبراء ) فهو يأتي بمعنيين ، أحدهما : هو تعرّف براءة الرّحم ، أي طهارته من ماء الغير . وهو حيث لا تجب على المرأة عدّة . وأحكامه مفصّلة في مصطلحه . والمعنى الآخر : هو طلب نقاء المخرجين ممّا ينافي التّطهّر ، وتفصيل أحكامه في مصطلح ( قضاء الحاجة ) .
ب - ( الإسقاط ) :
5 - الإسقاط لغةً : الإزالة ، واصطلاحاً : إزالة الملك أو الحقّ لا إلى مالك أو مستحقّ . وهو قد يقع على حقّ في ذمّة آخر ، أو قبله ، على سبيل المديونيّة ( كالحال في الإبراء ) كما قد يقع على حقّ ثابت بالشّرع لم تشغل به الذّمّة ( كحقّ الشّفعة ) . ويكون بعوض وبغير عوض . فالإبراء أخصّ من الإسقاط ، فكلّ إبراء إسقاط ، ولا عكس . وممّا يدلّ على أنّ الإبراء نوع من الإسقاط تقسيم القرافيّ الإسقاط إلى نوعين ، أحدهما : بعوض ، كالخلع . والآخر : بغير عوض ، ومثّل له بالإبراء من الدّيون . وسيأتي تفصيل ذلك . والإسقاط متمحّض لسقوط ما يقع عليه اتّفاقاً ، في حين أنّ الإبراء مختلف في أنّه إسقاط فيه معنى التّمليك ، أو تمليك محض ، أو إسقاط محض على ما سيأتي بيانه . هذا ، وإنّ القليوبيّ من الشّافعيّة أفاد أنّ غير القصاص لا يسمّى تركه إسقاطاً ، وإنّما يقال له : إبراء . والظّاهر أنّ ذلك بحسب مألوف المذهب . وقد يستعمل الإبراء في موطن الإسقاط ، كما في خيار العيب ، فالإبراء من العيب كناية عن إسقاط الخيار .
ج - ( الهبة ) :
6 - الهبة لغةً : العطيّة الخالية عن الأعواض والأغراض ، أو التّبرّع بما ينفع الموهوب له مطلقاً . وهي شرعاً : تمليك العين بلا عوض . والّذي يوافق الإبراء من الهبة هو هبة الدّين للمدين ، فهي والإبراء بمعنًى واحد عند الجمهور الّذين لا يجيزون الرّجوع في الهبة بعد القبض . أمّا عند الحنفيّة القائلين بجواز الرّجوع في الجملة فالإبراء مختلف عن هبة الدّين للمدين ، للاتّفاق على عدم جواز الرّجوع في الإبراء بعد قبوله لأنّه إسقاط ، والسّاقط لا يعود كما تنصّ على ذلك القاعدة المشهورة . أمّا هبة الدّين لغير من عليه الدّين - على الخلاف والتّفصيل الّذي موطنه الهبة ، والدّين - فلا صلة له بالإبراء .
د - ( الصّلح ) :
7 - الصّلح لغةً : التّوفيق ، وهو اسم للمصالحة . وهو شرعاً : عقد به يرفع النّزاع وتقطع الخصومة بين المتصالحين بتراضيهما . ومن المقرّر فقهاً أنّ الصّلح يكون عن إقرار أو إنكار أو سكوت . فإذا كان عن إقرار ، وكانت المصالحة على إسقاط جزء من المتنازع فيه وأداء الباقي ، ففي هذه الصّورة يشبه الصّلح الإبراء ، لأنّها أخذ لبعض الحقّ وإبراء عن باقيه . أمّا إن كان الصّلح هنا على أخذ بدل فهو معاوضة . وكذلك الحال إن كان الصّلح عن إنكار أو سكوت ، وتضمّن إسقاط الجزء من حقّه ، فهو بالنّسبة للمدّعي إبراء عن بعض الحقّ ، في حين أنّه بالنّسبة للمدّعى عليه افتداء لليمين وقطع للمنازعة . وقد جعل ابن جزيّ من المالكيّة الصّلح على نوعين ، أحدهما : إسقاط وإبراء ، وقال : هو جائز مطلقاً ، والآخر : صلح على عوض ، وقال فيه : هو جائز إلاّ إن أدّى إلى حرام .
هـ - ( الإقرار ) :
8 - من معاني الإقرار في اللّغة : الإيقان والاعتراف . وأمّا تعريفه في الاصطلاح فهو : الإخبار بحقّ الغير على نفسه . والإقرار قد يرد على استيفاء الدّين ، فيكون إقراراً بالبراءة ، لأنّ الإبراء إمّا إبراء استيفاء ، وإمّا إبراء إسقاط كما سيأتي . وكلّ من الإقرار بالاستيفاء والإبراء على إطلاقه يقطع النّزاع ويفصل الخصومة . فالمراد منهما واحد ، ولذا عبّر بكلّ واحد منهما عن الآخر وإن اختلفا مفهوماً . ودعوى الإبراء تتضمّن إقراراً ، فإذا قال : أبرأتني من كذا ، أو : أبرئني ، فهو إقرار واعتراف بشغل الذّمّة وادّعاء للإسقاط ، والأصل عدمه . وعليه بيّنة الإبراء أو القضاء .
( والضّمان ) :
9 - الضّمان لغةً : الكفالة والالتزام بالشّيء . وهو عند بعض الفقهاء : التزام حقّ ثابت في ذمّة الغير أو إحضار من هو عليه . والضّمان عكس الإبراء ، فهو يفيد انشغال الذّمّة في حين يطلق الإبراء على خلوّها ، ولصلة الضّدّيّة هذه وضع الشّافعيّة أكثر أحكام الإبراء في باب الضّمان . هذا وإنّ للإبراء صلةً بالضّمان ، وهي أنّه أحد الأسباب لسقوطه ، بل إنّ له مدخلاً إلى أكثر الالتزامات من حيث إنّه يتطرّق له في سقوطها ، لأنّها إمّا أن تسقط بالوفاء - أي الأداء - أو المقاصّة ، أو الإبراء ونحو ذلك .
ز - ( الحطّ ) :
10 - الحطّ لغةً : الوضع ، أو الإسقاط . وهو في الاصطلاح : إسقاط بعض الدّين أو كلّه . فالحطّ إبراء معنًى ، ولذا قد يطلق الحطّ على الإبراء نفسه ، ولكنّه إمّا أن يقيّد بالكلّ أو الجزء . والغالب استعمال الحطّ للإبراء عن جزء من الثّمن ، أمّا الإبراء فهو عن كلّه . وقد جاء في كلام الحنفيّة وبعض الحنابلة تسمية وضع بعض الدّين إبراءً ، وهو في الحقيقة إبراء جزئيّ . وقال القاضي زكريّا الأنصاريّ من الشّافعيّة : صلح الحطيطة إبراء في الحقيقة ، لأنّ لفظ الصّلح يشعر بقناعة المستحقّ بالقليل عن الكثير . ح - ( التّرك ) :
11 - من معاني التّرك في اللّغة : الإسقاط ، يقال : ترك حقّه إذا أسقطه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك . ومن صلته بالإبراء ما جاء لبعض الشّافعيّة من التّصريح بأنّ هبة الدّين للمدين إن وقعت بلفظ ( التّرك ) كأن يقول : تركت الدّين ، أو لا آخذه منك ، فهي كناية إبراء . ولكن نقل القاضي زكريّا القول بأنّ ذلك إبراء صريح . وهو ما جزم به النّوويّ والمقري . والتّرك يستعمل للإسقاط عموماً بحيث يحصل به ما يحصل بلفظ الإسقاط ويعطى أحكامه ، ولذا أورده الرّمليّ الشّافعيّ في عداد الألفاظ الّتي لا يحتاج الإسقاط فيها إلى قبول - كالإبراء عندهم - في حين يحتاج لفظ الصّلح إلى القبول . وقد يطلق التّرك على الامتناع من استعمال الحقّ دون إسقاطه ، كترك الزّوجة حقّها في القسم ، ومنحه للزّوجة الأخرى ، فإنّ لها الرّجوع وطلب القسم بالنّسبة للمستقبل . والغالب أن يستعمل لفظ التّرك في الدّعوى ، فالمدّعي ، في أشهر تعريفاته " من إذا ترك ( أي دعواه ) ترك " وهذا حيث لم يصدر دفع من المدّعى عليه لدعواه ، فإن حصل لم يكن للمدّعي التّرك ، لأنّه قد يقصد به الكيد للمدّعى عليه ، فيلزم بالاستمرار في الدّعوى للفصل فيها . واعتبر بعضهم هنا المدّعى عليه مدّعياً أنّه يتعرّض له في كذا بغير حقّ فله طلب دفع التّعرّض .
صفة الإبراء ( حكمه التّكليفيّ ) :
12 - الإبراء مشروع في الجملة ، وتعرض له الأحكام التّكليفيّة الخمسة المعروفة : فيكون واجباً إذا سبقه استيفاء ، لأنّ فيه اعترافاً بالبراءة لمستحقّها ، فهو من باب العدل المأمور به في قوله تعالى : { إنّ اللّه يأمر بالعدل } والمؤكّد بالحديث « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » ومن أمثلته في باب السّلم : إذا أحضر المسلّم إليه مال السّلم الحالّ لغرض البراءة أجبر المسلّم على القبول أو الإبراء . فهذا واجب تخييريّ . وكذلك الحكم في المفلس فله إجبار الغرماء على أخذ العين إن كانت من جنس حقّهم ، أو إبرائه . وقد يكون حراماً ، كما لو جاء ضمن عقد باطل ، لأنّ استبقاء الباطل حرام ، على ما سيأتي في بطلان الإبراء . وتعرض له الكراهة فيما إذا أبرأ وارثه أو غيره عن أكثر من ثلث ماله وهو في مرض الموت حيث أجازه الورثة ، ومستند الكراهة ما في ذلك الإبراء من تضييع ورثته ، لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقّاص حين همّ بالتّصدّق بجميع ماله : « إنّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس » . أمّا الثّلث فقد أقرّه عليه .
13 - على أنّ الحكم الغالب له النّدب ، ولذا يقول الخطيب الشّربينيّ : « الإبراء مطلوب ، فوسّع فيه ، بخلاف الضّمان " ذلك لأنّه نوع من الإحسان ، لأنّه في الغالب يتضمّن إسقاط الحقّ عن المعسر الّذي يثقل الدّين كاهله . وحتّى إذا كان الإبراء لمن لا يعسر عليه الوفاء ، فإنّه ممّا يزيد المودّة بين الدّائن والمدين ، فلا يخلو عن معنى البرّ والصّلة ، وذلك ممّا يتناوله قول اللّه تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } وفي ذلك أحاديث كثيرة ، منها حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه حين قام بوفاء دين أبيه ، وخبر معاذ بن جبل وكعب بن مالك ، حين أعسرا ، حيث ثبت حضّه عليه الصلاة والسلام الدّائنين على إسقاط كلّ الدّين أو بعضه عنهم . وقد صرّح بعض الشّافعيّة بأنّ الإبراء للمعسر أفضل من القرض ، وأنّ القرض في غير هذه الحالة أفضل منه . والإبراء في غير الأحوال المشار إليها هو على أصل الإباحة الجارية في معظم العقود والتّصرّفات الّتي بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم والنّاس يتعاملون بها فأقرّهم عليها ، ولا سيّما في حالة عجز المبرّئ عن تحصيل حقّه من منكره ، لأنّ الإحسان هنا غير وارد ، لفقدان محلّه .
أقسام الإبراء :
14 - يقسّم بعض المؤلّفين الإبراء إلى قسمين : إبراء الإسقاط ، وإبراء الاستيفاء . ويعتبرون الأوّل منهما هو الجدير بالبحث تحت هذا الاسم ، في حين أنّ الثّاني ( الّذي هو عبارة عن الاعتراف بالقبض والاستيفاء للحقّ الثّابت لشخص في ذمّة آخر ) هو نوع من الإقرار . وتظهر ثمرة هذا التّقسيم في صورة الإبراء في الكفالة الواقع من الطّالب ( الدّائن ) إن جاء بلفظ « برئت إليّ من المال " برئ الكفيل والمدين كلاهما من المطالب ، ورجع الكفيل بالمال على المطلوب ، لأنّه براءة قبض واستيفاء ، كأنّه قال : دفعت إليّ . أمّا إن قال : برئت من المال ، أو أبرأتك ، بدون لفظ ( إليّ ) فلا رجوع له ، لأنّه إبراء إسقاط ، لا إقرار بالقبض . على خلاف وتفصيل موطنه الكفالة . ووجه اعتبارهما قسمين أنّ كلّاً من الإبراء والإقرار يراد به قطع النّزاع وفصل الخصومة وعدم جواز المطالبة بعدهما . فالمراد منهما واحد . ولذا عبّروا بكلّ واحد منهما عن الآخر وإن اختلفا مفهوماً . ويتبيّن أنّ هذا التّقسيم ليس للإبراء في ذاته ، وإنّما هو لثمرة الإبراء ومقصوده ، وإلاّ فإنّ الإقرار - ومنه الإقرار بالاستيفاء - غير الإبراء في الشّروط والأركان والآثار ، فإنّه يكون في الدّين والعين على حدّ سواء ، في حين يختصّ إبراء الإسقاط بالدّيون ، كما سيأتي ، وسيقتصر الكلام عليه وحده ، لأنّ تفصيل ما يتّصل بإبراء الاستيفاء موطنه مصطلح ( إقرار ) . ولم نقف في غير المذهب الحنفيّ على التّصريح بهذا التّقسيم للإبراء . وإن كانت لسائر المذاهب صور يميّزون فيها بين براءة الاستيفاء وبراءة الإسقاط . وهناك تقسيم آخر للإبراء من حيث العموم والخصوص ، تبعاً للصّيغة الّتي يرد بها ، ويظهر أثرها فما يقع عليه الإبراء . وسيأتي تفصيل ذلك تحت عنوان ( أنواع الإبراء ) بعد استيفاء الأركان . الإبراء للإسقاط أو التّمليك :
15 - اختلف الفقهاء في الإبراء ، هل هو للإسقاط أو التّمليك . وتباينت أقوال المذهب الواحد في ذلك بالنّسبة لتوجيه الأحكام ، ومع هذا فقد كان لكلّ مذهب رأي غالب في هذا الموضوع ، على النّحو التّالي : الاتّجاه الأوّل : وعليه جمهور الحنفيّة ، وهو قول لكلّ من المالكيّة والشّافعيّة ، والرّاجح عند الحنابلة ، أنّه للإسقاط . قال السّبكيّ : لو كان الإبراء تمليكاً لصحّ الإبراء من الأعيان . الاتّجاه الثّاني : ما نقله بعض الشّافعيّة وابن مفلح الحنبليّ في بعض المسائل ، أنّه تمليك من وجه . قال القاضي زكريّا : الإبراء ، وإن كان تمليكاً ، المقصود منه الإسقاط . الاتّجاه الثّالث : ما نقله ابن مفلح أيضاً ، أنّ جماعةً من الحنابلة جزموا بأنّه تمليك ، وقالوا : إن سلّمنا أنّه إسقاط ، فكأنّه ملّكه إيّاه ثمّ سقط . وهناك اتّجاه آخر ، ذهب إليه ابن السّمعانيّ من الشّافعيّة ، هو أنّ الإبراء - في غير مقابلته للطّلاق - تمليك من المبرّئ ، إسقاط عن المبرّأ ، لأنّ الإبراء إنّما يكون تمليكاً باعتبار أنّ الدّين مال ، وهو إنّما يكون مالاً في حقّ من له الدّين ، فإنّ أحكام الماليّة إنّما تظهر في حقّه ، بحيث يترتّب عليه اشتراط علم الأوّل دون الثّاني . غلبة أحد المعنيين أو تساويهما :
16 - المستفاد من كلام الفقهاء اشتمال الإبراء على كلا المعنيين : الإسقاط والتّمليك ، وفي كلّ مسألة تكون الغلبة لأحدهما ، وإن كان في بعض الصّور يتعيّن أحد المعنيين تبعاً للموضوع ، كالإبراء عن الأعيان ، فهو للتّمليك ، لأنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . أمّا في الدّيون الثّابتة في الذّمّة فيجري المعنيان كلاهما . فمن ذلك ما قاله ابن نجيم من أنّ الإبراء عن الدّين فيه معنى التّمليك ومعنى الإسقاط ، ومثّل لما غلب فيه معنى التّمليك بأنّه لا يصحّ تعليقه على الشّرط ، ويرتدّ بالرّدّ . ومثّل بعض الحنابلة لما غلب فيه معنى الإسقاط بأنّه لو حلف لا يهبه ، فأبرأه ، لم يحنث ، لأنّ الهبة تمليك عين ، وهذا إسقاط . وأنّه لا يجزئ الإبراء عن الزّكاة ، لانتفاء حقيقة الملك . ونقل القاضي زكريّا عن النّوويّ في الرّوضة قوله : « المختار أنّ كون الإبراء تمليكاً أو إسقاطاً من المسائل الّتي لا يطلق فيها ترجيح ، بل يختلف الرّاجح بحسب المسائل ، لقوّة الدّليل وضعفه ، لأنّ الإبراء إنّما يكون تمليكاً باعتبار أنّ الدّين مال ، وهو إنّما يكون مالاً في حقّ من له الدّين ، فإنّ أحكام الماليّة إنّما تظهر في حقّه . وممّا غلب فيه معنى التّمليك عند المالكيّة ترجيحهم اشتراط القبول في الإبراء ، كما سيأتي . على أنّ هناك ما يصلح بالاعتبارين ( الإسقاط والتّمليك بالتّساوي ) . ومنه ما نصّ عليه الحنفيّة أنّه لو أبرأ الوارث مدين مورّثه غير عالم بموته ، ثمّ بان ميّتاً ، فبالنّظر إلى أنّه إسقاط يصحّ ، وكذا بالنّظر إلى كونه تمليكاً ، لأنّ الوارث لو باع عيناً قبل العلم بموت المورّث ثمّ ظهر موته صحّ ، كما صرّحوا به ، فهنا بالأولى . اختلاف الحكم باختلاف الاعتبار :
17 - قد يختلف الحكم باختلاف اعتبار الإبراء ، هل هو إسقاط أو تمليك فمن ذلك ما صرّح به الحنفيّة فيما لو وكّل الدّائن المدين بإبراء نفسه صحّ التّوكيل ، نظراً إلى جانب الإسقاط ، ولو نظر إلى جانب التّمليك لم يصحّ ، كما لو وكّله بأن يبيع من نفسه .
( أركان الإبراء ) تمهيد :
18 - للإبراء أربعة أركان ، بحسب الإطلاق الواسع للرّكن ، ليشمل كلّ ما هو من مقوّمات الشّيء ، سواء أكان من ماهيّته ، أم خارجاً عنها ، كالأطراف والمحلّ ، وهو ما عليه الجمهور . فالأركان عندهم هنا : الصّيغة ، والمبرّئ ( صاحب الحقّ أو الدّائن ) ، والمبرّأ ( المدين ) ، والمبرّأ منه ( محلّ الإبراء من دين أو عين أو حقّ ) وركنه عند الحنفيّة هو الصّيغة فقط ، أمّا المتعاقدان والمحلّ فهي أطراف العقد وليست ركناً ، لما سبق . الصّيغة :
19 - الأصل في الصّيغة أنّها عبارة عن الإيجاب والقبول معاً في العقد ، وهي هنا كذلك عند من يرى توقّف الإبراء على القبول . أمّا من لا يرى حاجة الإبراء إليه فالصّيغة هي الإيجاب فقط .
( الإيجاب ) :
20 - يحصل إيجاب الإبراء بجميع الألفاظ الّتي يتحقّق بها المقصود منه ، وهو التّخلّي عمّا للدّائن عند المدين ، على أن يكون اللّفظ واضح الدّلالة على الأثر ( سقوط الحقّ المبرّأ منه ) ، فيحصل بكلّ لفظ يدلّ عليه صراحةً أو كنايةً محفوفةً بالقرينة ، سواء أورد مستقلّاً أم تبعاً ضمن عقد آخر . ولا بدّ أن ينتفي احتمال المعاوضة ، أو قصد مجرّد التّأخير ، كما لو قال : أبرأتك على أن تعطيني كذا ، فهو صلح بمال ، على خلاف سيأتي فيما بعد . وكذا لو قال أبرأتك من حلول الدّين ، فهو لتأخير المطالبة ، لا لسقوطها . والإبراء المطلق هو من الإسقاطات على التّأبيد اتّفاقاً . فلا يصحّ الإبراء المؤقّت ، كأن يقول أبرأتك ممّا لي عليك سنةً على ما صرّح به الشّافعيّة . وهو مستفاد عبارات غيرهم في حال الإطلاق . أمّا تقييد الإبراء بأنّه لتأخير المطالبة فهو ليس من الإبراء المطلق وإن سمّاه ابن الهمام تجوّزاً ( إبراءً مؤقّتاً ) . ومثل القول في ذلك الكتابة المرسومة المعنويّة ، أو الإشارة المعهودة ، بشروطهما المفصّلة في موطنهما .
21 - وقد أورد الفقهاء - بالإضافة إلى لفظ الإبراء الّذي اتّفقوا على حصول الإيجاب به - أمثلةً عديدةً لما يؤدّي معنى الإبراء . ولم ينصّ أحد منهم على انحصار الصّيغة فيما أشاروا إليه ، ومن تلك الألفاظ الّتي تدور عليها صيغته : الإسقاط ، والتّمليك ، والإحلال ، والتّحليل ، والوضع ، والعفو ، والحطّ ، والتّرك ، والتّصدّق ، والهبة ، والعطيّة . قال البهوتيّ : وإنّما صحّ بلفظ الهبة والصّدقة والعطيّة ، لأنّه لمّا لم يكن هناك عين موجودة يتناولها اللّفظ انصرف إلى معنى الإبراء . ثمّ نقل عن الحارثيّ قوله : لو وهبه دينه هبةً حقيقيّةً لم يصحّ ، لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة . كما استدلّ من مثّل بلفظ العفو أو التّصدّق بقوله تعالى في شأن الإبراء من المهر { إلاّ أن يعفون أو يعفو الّذي بيده عقدة النّكاح } وقوله تعالى في شأن الإبراء من الدّية { فدية مسلّمة إلى أهله إلاّ أن يصّدّقوا } وقوله تعالى في شأن إبراء المعسر { وأن تصدّقوا خير لكم } وبقوله عليه الصلاة والسلام داعياً لإبراء الّذي أصيب في ثمار ابتاعها : « تصدّقوا عليه » وقد يحصل الإبراء بصيغة يدلّ تركيبها عليه ، كأن يقول : ليس لي عند فلان حقّ ، أو ما بقي لي عنده حقّ ، أو ليس لي مع فلان دعوى ، أو فرغت من دعواي الّتي هي مع فلان ، أو تركتها .
22 - ويستفاد ممّا أورده بعض فقهاء الحنفيّة والمالكيّة من تعقيب على ما جاء في بعض كتب المذهبين من أنّ هناك صيغاً مخصّصة للإبراء من الأمانات أو الدّيون ، وأخرى لا يحصل عموم الإبراء إلاّ بها - يستفاد أنّ المدار على العرف فيما يحصل به الإبراء أصلاً ، أو تعميماً ، أو تخصيصاً بموضوع دون آخر ، كما ينظر إلى القرائن في العبارات الّتي لها أكثر من إطلاق . ومن ذلك عبارة " برئت من فلان " الّتي تحتمل نفي الموالاة ، والبراءة من الحقوق . فإذا جرى العرف ، أو دلّت القرائن على استعمالها هي أو غيرها ممّا لم يمثّلوا به للإيجاب عن الإبراء ، كعبارة " التّنازل " أو " التّخلّي عن الحقّ » . فالعبرة في ذلك بالعرف .
( القبول ) :
23 - اختلف الفقهاء في أنّ الإبراء يتوقّف على القبول أو لا ، على اتّجاهين : أحدهما : عدم حاجة الإبراء إلى القبول ، وهو مذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة في الأصحّ ، والحنابلة ، وهو قول شاذّ لأشهب من المالكيّة ) فهؤلاء يرون أنّ الإبراء لا يحتاج إلى قبول ، بناءً على أنّه إسقاط للحقّ ، والإسقاطات لا تحتاج إلى قبول ، كالطّلاق ، والعتق ، وإسقاط الشّفعة والقصاص ، بل قال الخطيب الشّربينيّ من الشّافعيّة : هو المذهب ، سواء أقلنا : الإبراء إسقاط أم تمليك . الاتّجاه الآخر : حاجة الإبراء إلى القبول ، وهو القول الرّاجح في مذهب المالكيّة ، والقول الآخر للشّافعيّة . وذلك بناءً على أنّ الإبراء نقل للملك ، أي تمليك ما في ذمّة المدين له ، فيكون من قبيل الهبة ، وهي لا بدّ فيها من القبول . قال القرافيّ : يتأكّد ذلك - أي الافتقار للقبول - بأنّ المنّة قد تعظم في الإبراء ، وذوو المروءات والأنفات يضرّ ذلك بهم ، لا سيّما من السّفلة ، فجعل صاحب الشّرع لهم قبول ذلك أو ردّه ، نفياً للضّرر الحاصل من المنن من غير أهلها ، أو من غير حاجة . وبعض الشّافعيّة لا يربطون بين
رد مع اقتباس