عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 04-29-2012, 08:14 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

التّخيير :
5 - الإباحة تخيير من الشّارع بين فعل الشّيء وتركه ، مع استواء الطّرفين بلا ترتّب ثواب أو عقاب ، أمّا التّخيير فقد يكون على سبيل الإباحة ، أي بين فعل المباح وتركه ، وقد يكون بين الواجبات بعضها وبعض ، وهي واجبات ليست على التّعيين ، كما في خصال الكفّارة في قوله تعالى : { لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } فإنّ فعل أيّ واحد منها يسقط المطالبة ، لكنّ تركها كلّها يقتضي الإثم . وقد يكون التّخيير بين المندوبات كالتّنفّل قبل صلاة العصر ، فالمصلّي مخيّر بين أن يتنفّل بركعتين أو بأربع . والمندوب نفسه في مفهومه تخيير بين الفعل والتّرك ، وإن رجّح جانب الفعل ، وفيه ثواب ، بينما التّخيير في الإباحة لا يرجّح فيه جانب على جانب ، ولا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب .
العفو :
6 - من العلماء من جعل العفو الّذي رفعت فيه المؤاخذة ، ونفي فيه الحرج ، مساوياً للإباحة ، كما جاء في الحديث « إنّ اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وعفا عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » . وهو ما يدلّ عليه قوله تعالى { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفا اللّه عنها } . فما عفا اللّه عنه لم يكلّفنا به فعلاً أو تركاً ، ولم يرتّب عليه مثوبةً ولا عقاباً . وهو بهذا مساو للمباح .
ألفاظ الإباحة :
7 - الإباحة إمّا بلفظ أو غيره ، سواء من الشّارع أو من العباد . فمثال غير اللّفظ من الشّارع أن يرى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعلاً من الأفعال ، أو يسمع قولاً ، فلا ينكره ، فيكون هذا تقريراً يدلّ على الإباحة . ومثاله من العباد أن يضع الشّخص مائدةً عامّةً ليأكل منها من يشاء . وأمّا اللّفظ فقد يكون صريحاً ، ومن ذلك نفي الجناح ونفي الإثم أو الحنث أو السّبيل أو المؤاخذة . وقد يكون غير صريح ، وهو الّذي يحتاج في دلالته على الإباحة إلى قرينة . ومن ذلك : الأمر بعد الحظر ، كقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } ومنه الأمر المقترن بالمشيئة ، والتّعبير بالحلّ أو نفي التّحريم أو الاستثناء من التّحريم .
من له حقّ الإباحة
الشّارع
8 - الأصل أنّ حقّ الإباحة للشّارع وحده من غير توقّف على إذن من أحد ، وقد تكون الإباحة مطلقةً كالمباحات الأصليّة ، وقد تكون مقيّدةً إمّا بشرط كما في قوله تعالى { أو ما ملكتم مفاتحه } في شأن ما يباح أكله من ملك الغير من غير ضرورة ، أو مقيّدةً بوقت كإباحة أكل الميتة للمضطرّ ( العباد ) :
9 - الإباحة من العباد لا بدّ فيها أن تكون على وجه لا يأباه الشّرع ، وألاّ تكون على وجه التّمليك ، وإلاّ كانت هبةً أو إعارةً . وإذا كانت الإباحة من وليّ الأمر فالمدار فيها - بعد الشّرطين السّابقين - أن تكون منوطةً بالمصلحة العامّة . وهذه الإباحة قد تكون في واجب يسقط بها عنه ، كمن عليه كفّارة ، واختار التّكفير بالإطعام ، فإنّ الدّعوة إلى تناوله إباحة تسقط عنه الكفّارة ، إذ هو مخيّر فيها بين التّمليك لمن يستحقّ ، وبين الإباحة . وهذا عند بعض الفقهاء كالحنفيّة ، خلافاً للشّافعيّة ومن وافقهم الّذين يرون أنّ الإطعام في الكفّارة يجب فيه التّمليك . والإنسان يعرف إذن غيره إمّا بنفسه ، وإمّا بإخبار ثقة يقع في القلب صدقه . فلو قال مملوك مثلاً : هذه هديّة بعث بها إليك سيّدي ، أو قال صبيّ : هذه هديّة بعث بها إليك والدي ، قبل قولهما في حلّها ، لأنّ الهدايا تبعث في العادة على أيدي هؤلاء .
دليل الإباحة وأسبابها :
10 - قد يوجد فعل من الأفعال لم يدلّ الدّليل السّمعيّ على حكمه بخصوصه ، وذلك صادق بصورتين : الأولى عدم ورود دليل لهذا الفعل أصلاً ، والثّانية وروده ولكنّه جهل . وأكثر الأفعال دلّ الدّليل السّمعيّ عليها وعرف حكمها ، وتفصيل ذلك فيما يلي : أ - ( البقاء على الأصل ) :
11 - وهذا ما يعرف بالإباحة الأصليّة ، وجمهور العلماء على أنّه لا حرج على من تركه أو فعله . ويظهر أثر ذلك فيما كان قبل البعثة . وهناك تفصيلات بين علماء الكلام في هذه المسألة يرجع إليها في الملحق الأصوليّ ، أو في كتب علم الكلام . وهذا الخلاف لا محصّل له الآن بعد ورود البعثة ، إذ دلّ النّصّ من كتاب اللّه على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة . قال تعالى : { وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض جميعاً منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون } .
ب - ( ما جهل حكمه ) :
12 - قد يكون الجهل مع وجود الدّليل ، ولكنّ المكلّف - مجتهداً أو غير مجتهد - لم يطّلع عليه ، أو اطّلع عليه المجتهد ولم يستطع استنباط الحكم . والقاعدة في ذلك أنّ الجهل بالأحكام الشّرعيّة إنّما يكون عذراً إذا تعذّر على المكلّف الاطّلاع على الدّليل ، وكلّ من كان في إمكانه الاطّلاع على الدّليل وقصّر في تحصيله لا يكون معذوراً . ويفصّل الفقهاء أحكام هذه المسألة في مواطنها . ومن عذر بجهله فهو غير مخاطب بحكم الفعل ، فلا يوصف فعله بالإباحة بالمعنى الاصطلاحيّ الّذي فيه خطاب بالتّخيير . وإن كان الإثم مرفوعاً عنه بعذر الجهل . وتفصّل هذه الأحكام في مواطنها في بحث ( الجهل ) . وينظر في الملحق الأصوليّ .
طرق معرفة الإباحة :
13 - طرق معرفة الإباحة كثيرة ، من أهمّها : النّصّ : وقد تقدّم الكلام عليه تفصيلاً . بعض أسباب الرّخص : والرّخصة هي ما شرع لعذر شاقّ استثناءً من أصل كلّيّ يقتضي المنع ، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه مع بقاء حكم الأصل . وذلك كالإفطار في رمضان في السّفر ، والمسح على الخفّين ، على تفصيل للفقهاء يرجع إليه في مواطنه . النّسخ : وهو رفع الحكم الشّرعيّ بنصّ شرعيّ متأخّر . والّذي يهمّنا هنا هو نسخ الحظر بنصّ شرعيّ متأخّر فيما كان مباحاً قبل الحظر ، مثل جواز الانتباذ في الأوعية بعد حظره ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا ، واجتنبوا كلّ مسكر » فالأمر بالنّبذ بعد النّهي عنه يفيد رفع الحرج ، وهو معنى الإباحة . العرف . والمختار في تعريفه أنّه ما استقرّ في النّفوس من جهة العقول ، وتلقّته الطّباع السّليمة بالقبول . وهو دليل كاشف إذا لم يوجد نصّ ولا إجماع على اعتباره أو إلغائه ، كالاستئجار بعوض مجهول لا يفضي إلى النّزاع .
الاستصلاح ( المصلحة المرسلة ) : هي كلّ مصلحة غير معتبرة ولا ملغاة بنصّ من الشّارع بخصوصها ، يكون في الأخذ بها جلب منفعة أو دفع ضرر ، كمشاطرة عمر رضي الله عنه أموال الّذين اتّهمهم بالإثراء بسبب عملهم للدّولة ، وهذا حتّى يضع مبدأً للعمّال ألاّ يستغلّوا مراكزهم لصالح أنفسهم .
متعلّق الإباحة :
14 - متعلّق الإباحة اهتمّ به الفقهاء ، وتحدّثوا عن أقسامه وفروعه ، فقسّموه من حيث مصدر الإباحة إلى قسمين : ما أذن فيه الشّارع ، وما أذن فيه العباد . ومن حيث نوع الإباحة إلى قسمين أيضاً : ما فيه تملّك واستهلاك وانتفاع ، وما فيه استهلاك وانتفاع دون تملّك . ولكلّ قسم حكمه ، وبيانه فيما يأتي . المأذون به من الشّارع :
15 - المأذون به من الشّارع ما ورد دليل على إباحته من نصّ أو من مصدر من مصادر التّشريع الأخرى . والحديث هنا سيكون عن المأذون فيه إذناً عامّاً لا يختصّ ببعض الأفراد دون بعضهم الآخر . وفي ذلك مطلبان : مطلب للمأذون فيه على وجه التّملّك والاستهلاك ، وهو المسمّى عند الفقهاء بالمال المباح ، ومطلب للمأذون فيه على وجه الانتفاع فقط ، وهو المسمّى بالمنافع العامّة . المطلب الأوّل ما أذن فيه الشّارع على وجه التّملّك والاستهلاك 16 - المال المباح هو كلّ ما خلقه اللّه لينتفع به النّاس على وجه معتاد ، وليس في حيازة أحد ، مع إمكان حيازته ، ولكلّ إنسان حقّ تملّكه ، سواء أكان حيواناً أم نباتاً أم جماداً . والدّليل على ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم . « من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له » . وهذا التّملّك لا يستقرّ إلاّ عند الاستيلاء الحقيقيّ ، الّذي ضبطوه بوضع اليد على الشّيء المباح ، أي الاستيلاء الفعليّ ، أو كونه في متناول اليد ، وهو الاستيلاء بالقوّة . وقد قال العلماء : إنّ هذا الاستيلاء بإحدى صورتيه لا يحتاج إلى نيّة وقصد في استقرار الملكيّة ، كما قالوا : إنّ الاستيلاء بوساطة آلة وحرفة ومهارة يحتاج إلى القصد ليكون استيلاءً حقيقيّاً ، وإلاّ كان استيلاءً حكميّاً . جاء في الفتاوى الهنديّة ، فيمن علّق كوزه ، أو وضعه في سطحه ، فأمطر السّحاب وامتلأ الكوز من المطر ، فأخذه إنسان ، فالحكم هو استرداد الكوز ، لأنّه ملك صاحبه ، وأمّا الماء فإن كان صاحب الكوز قد وضعه من أجل جمع الماء فيستردّ الماء أيضاً ، لأنّ ملكه حقيقيّ حينئذ ، فإن لم يضعه لذلك لم يستردّه . ومن أمثلة الأموال المباحة الماء والكلأ والنّار والموات والرّكاز والمعادن والحيوانات غير المملوكة . ولكلّ أحكامه .
المطلب الثّاني
ما أذن فيه الشّارع على وجه الانتفاع
17 - وهو ما يسمّى بالمنافع العامّة ، الّتي جعل اللّه إباحتها تيسيراً على عباده ، ليتقرّبوا إليه فيها ، أو ليمارسوا أعمالهم في الحياة مستعينين بها ، كالمساجد ، والطّرق . ويرجع لمعرفة تفصيل أحكامهما إلى مصطلحيهما .
المأذون فيه من العباد
18 - إباحة العباد كذلك على نوعين : نوع يكون التّسليط فيه على العين لاستهلاكها ، ونوع يكون التّسليط فيه على العين للانتفاع بها فقط . إباحة الاستهلاك :
19 - لهذه الإباحة جزئيّات كثيرة نكتفي منها بما يأتي : أ - الولائم بمناسباتها المتعدّدة والمباح فيها الأكل والشّرب دون الأخذ .
ب - الضّيافة . ويرجع في تفصيل أحكامهما إلى مصطلحيهما . إباحة الانتفاع :
20 - هذا النّوع من الإباحة قد يكون مع ملك الآذن لعين ما أذن الانتفاع به كإذن مالك الدّابّة أو السّيّارة لغيره بركوبها ، وإذن مالك الكتب للاطّلاع عليها . وقد يكون الإذن فيما لا يملك عينه ، ولكن يملك منفعته بمثل الإجارة أو الإعارة ، إن لم يشترط فيهما أن يكون الانتفاع شخصيّاً للمستأجر والمستعير .
تقسيمات الإباحة :
21 - للإباحة تقسيمات شتّى باعتبارات مختلفة ، وقد تقدّم أكثرها . وبقي الكلام عن تقسيمها من حيث مصدرها ومن حيث الكلّيّة والجزئيّة : أ - تقسيمها من حيث مصدرها :
22 - تقسّم بهذا الاعتبار إلى إباحة أصليّة ، بألاّ يرد فيها نصّ من الشّارع ، وبقيت على الأصل ، وقد سبق بيانها . وإباحة شرعيّة : بمعنى ورود نصّ من الشّارع بالتّخيير ، وذلك إمّا ابتداءً كإباحة الأكل والشّرب ، وإمّا بعد حكم سابق مخالف ، كما في النّسخ ، أو الرّخص ، وقد سبق . على أنّه ممّا ينبغي ملاحظته أنّه بعد ورود الشّرع أصبحت الإباحة الأصليّة إباحةً شرعيّةً لقول اللّه تعالى { هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } وقوله : { وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض جميعاً منه } فإنّ هذا النّصّ يدلّ على أنّ كلّ ما خلقه اللّه يكون مباحاً إلاّ ما ورد دليل يثبت له حكماً آخر ، على خلاف وتفصيل يرجع إليه في الملحق الأصوليّ . وقد يكون مصدر الإباحة إذن العباد بعضهم لبعض على ما سبق . ( ف 9 ) .
ب - تقسيمها باعتبار الكلّيّة والجزئيّة :
23 - تنقسم أربعة أقسام :
1 - إباحة للجزء مع طلب الكلّ على جهة الوجوب ، كالأكل مثلاً ، فيباح أكل نوع وترك آخر ممّا أذن به الشّرع ، ولكنّ الامتناع عن الأكل جملةً حرام لما يترتّب عليه من الهلاك .
2 - إباحة للجزء مع طلب الكلّ على جهة النّدب ، كالتّمتّع بما فوق الحاجة من طيّبات الأكل والشّرب ، فذلك مباح يجوز تركه في بعض الأحيان ، ولكنّ هذا التّمتّع مندوب إليه باعتبار الكلّ ، على معنى أنّ تركه جملةً يخالف ما ندب إليه الشّرع من التّحدّث بنعمة اللّه والتّوسعة ، كما في حديث « إنّ اللّه تعالى يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » وكما قال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إذا أوسع اللّه عليكم فأوسعوا على أنفسكم .
3 - إباحة للجزء مع التّحريم باعتبار الكلّ ، كالمباحات الّتي تقدح المداومة عليها في العدالة ، كاعتياد الحلف ، وشتم الأولاد ، فذلك مباح في الأصل ، لكنّه محرّم بالاعتياد .
4 - إباحة للجزء مع الكراهة باعتبار الكلّ ، كاللّعب المباح ، فإنّ ذلك وإن كان مباحاً بالأصل إلاّ أنّ المداومة عليه مكروهة .
( آثار الإباحة )
24 - إذا ثبتت الإباحة ثبت لها من الآثار ما يلي :
1 - رفع الإثم والحرج . وذلك ما يدلّ عليه تعريف الإباحة بأنّه لا يترتّب على الفعل المباح إثم .
2 - التّمكين من التّملّك المستقرّ بالنّسبة للعين ، والاختصاص بالنّسبة للمنفعة : وذلك لأنّ الإباحة طريق لتملّك العين المباحة . هذا بالنّسبة للعين . أمّا بالنّسبة للمنفعة المباحة فإنّ أثر الإباحة فيها اختصاص المباح له بالانتفاع ، وعبارات الفقهاء في المذاهب المختلفة تتّفق في أنّ تصرّف المأذون له في طعام الوليمة قبل وضعه في فمه لا يجوز بغير الأكل ، إلاّ إذا أذن له صاحب الوليمة أو دلّ عليه عرف أو قرينة . وبهذا تفارق الإباحة الهبة والصّدقة بأنّ فيهما تمليكاً ، كما أنّها تفارق الوصيّة حيث تكون هذه مضافةً إلى ما بعد الموت ، ولا بدّ فيها من إذن الدّائنين ، والورثة أحياناً ، كما لا بدّ من صيغة في الوصيّة .
25 - هذه هي آثار الإباحة للأعيان في إذن العباد . أمّا آثار الإباحة للمنافع فإنّ إباحتها لا تفيد إلاّ حلّ الانتفاع فقط ، على ما تقدّم تفصيله . فحقّ الانتفاع المجرّد من قبيل التّرخيص بالانتفاع الشّخصيّ دون الامتلاك ، وملك المنفعة فيه اختصاص حاجز لحقّ المستأجر من منافع المؤجّر ، فهو أقوى وأشمل ، لأنّ فيه حقّ الانتفاع وزيادةً . وآثار ذلك قد تقدّم الكلام عليها .
( الإباحة والضّمان ) :
26 - الإباحة لا تنافي الضّمان في الجملة ، لأنّ إباحة اللّه - وإن كان فيها رفع الحرج والإثم - إلاّ أنّها قد يكون معها ضمان ، فإباحة الانتفاع تقتضي صيانة العين المباحة عن التّخريب والضّرر ، وما حدث من ذلك لا بدّ من ضمانه . وإباحة الأعيان كأخذ المضطرّ طعام غيره لا تمنع ضمان قيمته إذا كان بغير إذنه ، لأنّ اللّه جعل للعبد حقّاً في ملكه ، فلا ينقل الملك منه إلى غيره إلاّ برضاه ، ولا يصحّ الإبراء منه إلاّ بإسقاطه ، كما يقول القرافيّ في الفروق . وحكى القرافيّ في هذه المسألة قولين : أحدهما : لا يضمن ، لأنّ الدّفع كان واجباً على المالك ، والواجب لا يؤخذ له عوض . والقول الثّاني : يجب ، وهو الأظهر والأشهر ، لأنّ إذن المالك لم يوجد ، وإنّما وجد إذن صاحب الشّرع ، وهو لا يوجب سقوط الضّمان ، وإنّما ينفي الإثم والمؤاخذة بالعقاب . أمّا إباحة العباد بعضهم لبعض فقد تقدّم الكلام عليها مفصّلاً .
ما تنتهي به الإباحة :
27 - أوّلاً : إباحة اللّه سبحانه لا تنتهي من جهته هو ، لأنّه سبحانه حيّ باق ، والوحي قد انقطع ، فلا وحي بعد محمّد صلى الله عليه وسلم وإنّما تنتهي بانتهاء دواعيها ، كما في الرّخص ، فإذا وجد السّفر في نهار رمضان مثلاً وجدت الإباحة بالتّرخيص في الفطر ، فإذا انتهى السّفر انتهت الرّخصة .
28 - ثانياً : وإباحة العباد تنتهي بأمور : أ - انتهاء مدّتها إن كانت مقيّدةً بزمن ، فالمؤمنون عند شروطهم ، وإذا فقد الشّرط فقد المشروط .
ب - رجوع الآذن في إذنه ، حيث إنّه ليس واجباً عليه ، فهو تبرّع منه ، كما قال جمهور العلماء . وهي لا تنتهي بمجرّد الرّجوع ، بل لا بدّ من علم المأذون له به ، كما هو مقتضى قواعد الحنفيّة ، وهو قول للشّافعيّ . وذكر السّيوطيّ في الأشباه والنّظائر قولاً آخر للشّافعيّ ، يفيد أنّ الإباحة تنتهي بمجرّد رجوع الآذن ، ولو لم يعلم المأذون له .
ج - موت الآذن لبطلان الإذن بموته ، فتنتهي آثاره .
د - موت المأذون له ، لأنّ حقّ الانتفاع رخصة شخصيّة له لا تنتقل إلى ورثته إلاّ إذا نصّ الآذن على خلافه .
إباق
التّعريف
1 - الإباق لغةً : مصدر أبق العبد - بفتح الباء - يأبق ويأبق ، بكسر الباء وضمّها ، أبقاً وإباقاً ، بمعنى الهرب . والإباق خاصّ بالإنسان سواء أكان عبداً أم حرّاً . وفي الاصطلاح : انطلاق العبد تمرّداً ممّن هو في يده من غير خوف ولا كدّ في العمل . فإن لم يكن كذلك فهو إمّا هارب ، وإمّا ضالّ وإمّا فارّ . لكن قد يطلق بعض الفقهاء لفظ الآبق على من ذهب مختفياً مطلقاً لسبب أو غيره . صفة الإباق ( حكمه التّكليفيّ ) :
2 - الإباق محرّم شرعاً بالاتّفاق ، وهو عيب في العبد ، وقد عدّه ابن حجر الهيتميّ والذّهبيّ من الكبائر ، ووردت في النّهي عنه عدّة أحاديث : منها ما روى جرير بن عبد اللّه البجليّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أيّما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتّى يرجع إليهم » وفي رواية « أيّما عبد أبق فقد برئت منه الذّمّة » .
( بم يتحقّق الإباق )
3 - الّذي يفهم من عبارات الفقهاء أنّه يشترط البلوغ والعقل في العبد إذا هرب ليمكن اعتباره آبقاً بالمعنى المتقدّم ، أمّا من لم يعقل معنى الإباق - وهو غير العاقل البالغ - فلا يكون آبقاً ، ويسمّى ضالّاً ، أو لقطةً .
أخذ الآبق
4 - يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّه يجب أخذ الآبق إن خشي ضياعه وغلب على ظنّه تلفه على مولاه إن لم يأخذه ، مع قدرة تامّة عليه . ويحرم عندهم أخذه لنفسه . أمّا إذا لم يخش ضياعه وقوي على أخذه فذلك مندوب عند الحنفيّة ، إلاّ أنّ المالكيّة قالوا : يندب لمن وجد آبقاً ، وعرف ربّه ، أن يأخذه ، لأنّه من باب حفظ الأموال ، إذا لم يخش ضياعه . أمّا إذا كان لا يعرف ربّه فإنّه يكره له أخذه لاحتياجه إلى الإنشاد والتّعريف . وعند الشّافعيّة : أخذ الآبق - بدون رضا المالك - غير جائز ، ويجوز بإذنه . وعند الحنابلة : أخذ الآبق جائز ، لأنّه لا يؤمن لحاقه بدار الحرب وارتداده واشتغاله بالفساد ، بخلاف الضّوالّ الّتي تحتفظ بنفسها . صفة يد الآخذ للآبق :
5 - الّذي يفهم من عبارات الفقهاء أنّ الآبق يعتبر أمانةً بيد آخذه حتّى يردّه إلى صاحبه ، ولا يضمنه إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط ، وأنّه إذا لم يجد سيّده دفعه إلى الإمام أو نائبه . الإنفاق على الآبق أثناء إباقه :
6 - يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ آخذ الآبق إذا أنفق عليه بدون إذن الحاكم يكون متبرّعاً ، فلا يرجع على سيّده بما أنفق فإن كان بإذنه فله الرّجوع . ويشترط في الإذن عند الحنفيّة أن يقول : على أن ترجع بما أنفقت عليه . وقال الشّافعيّة : إن لم يجد الحاكم أشهد أنّه أنفق ليرجع بما أنفق . ويرى المالكيّة : أنّ نفقة الآبق في رقبته ، لا في ذمّه سيّده . ويرى الحنابلة : أنّه إذا أنفق عليه آخذه ليردّه على سيّده فإنّ نفقته تكون على سيّده يأخذها منه عند ردّه .
ضمان ما يتلفه الآبق :
7 - اتّفق الفقهاء على أنّ جناية العبد الآبق على شيء كجنايته قبل الإباق ، لأنّه في حال الإباق لا يزال في ملك سيّده . وجنايته إمّا أن تكون إتلافاً لنفس ، أو لجزء من آدميّ ، وإمّا أن تكون إتلافاً لمال . فإن قتل نفساً عمداً بغير حقّ وجب عليه القصاص ، إلاّ إذا رضي وليّ الدّم بالعفو عن العبد وتصالح على مال ، فيكون الواجب المال المصالح عليه ، فإمّا أن يدفع به إلى أولياء الدّم أو يفديه سيّده . أمّا إذا أتلف جزءاً من آدميّ أو أتلف مالاً ، فلكلّ مذهب من المذاهب الأربعة رأيه في بيان هذا الحكم ، يرجع إليه في باب الضّمان . دية الآبق لمن تكون ؟ 8 - اتّفق الفقهاء على أنّ الآبق لا يزال مملوكاً لسيّده ، فإذا قتل على وجه يستوجب الدّية ، أو أتلف من بدنه ما يستوجب الأرش ، فديته وأرش الجناية عليه لسيّده .
( بيع الآبق ومتى يجوز ) ؟ 9 - يجوز - اتّفاقاً - للمالك بيع عبده الآبق إذا قدر على تسليمه للمشتري ، كما يجوز للقاضي بيع الآبق إذا دفع إليه ورأى المصلحة في بيعه بعد أن يحبسه ، على خلاف في مدّة حبسه بين المذاهب . وليس لآخذ الآبق أن يبيعه لأنّه ليس ملكاً له عند من يقول بمنع بيع الفضوليّ ولأنّ المالك مجهول عند من يقول بصحّة بيعه . اعتبار الإباق عيباً في العبد :
10 - الإباق في العبد والأمة عيب يردّ به المبيع ، وتفصيل ذلك في خيار العيب . إباق العبد من آخذه :
11 - تقدّم القول ( ف 5 ) أنّ يد آخذ الآبق يد أمانة . وعلى ذلك فإنّه إذا هرب منه ، من غير تعدّ ولا تفريط ، فلا ضمان عليه .
عتق الآبق قبل ردّه :
12 - أجمع الفقهاء على أنّ مولى العبد الآبق لو أعتقه حال إباقه وقبل تسلّمه من آخذه نفذ عتقه . ردّ الآبق والجعل فيه :
13 - يؤخذ من تعريف الجعل - عند الفقهاء - أنّه مقدار من المال يستحقّه من ردّ آبقاً أو ضالّةً نظير قيامه بهذا العمل . واختلفوا في مقدار الجعل : فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ مقدار الجعل المستحقّ لرادّ الآبق هو ما سمّاه الجاعل ، أو ما تمّ الاتّفاق عليه بين الآذن بالعمل والعامل . غير أنّ الحنابلة قالوا : إن كان المسمّى أقلّ ممّا قدّره الشّارع وهو دينار أو اثنا عشر درهماً - فلرادّ الآبق ما قدّره الشّارع على أحد قولين ، والقول الآخر أنّه يؤخذ بالمسمّى بالغاً ما بلغ . وفي ذلك تفصيل وخلاف أصبح ممّا لا حاجة إليه . ويرى الحنفيّة أنّ أقصى مقدار الجعل هو ما قدّره الشّارع وهو أربعون درهماً ، إذا كان من مسافة قصر فأكثر ، لورود أثر عن ابن مسعود بذلك التّقدير . تصرّفات الآبق :
14 - تصرّفات الآبق إمّا أن تكون ممّا تنفذ عليه في الحال ، كالطّلاق ، وإمّا أن يكون لها اتّصال بالمال وحقوق الغير ، كالزّواج والإقرار والهبة . فالّتي تنفذ عليه في الحال صحيحة نافذة . وأمّا تصرّفاته الّتي تترتّب عليها التزامات ماليّة ، كالنّكاح والإقرار والهبة . . إلخ ، فإنّها تقع موقوفةً على إذن السّيّد ، سواء كانت قوليّةً أم فعليّةً .
إباق العبد من غير مالكه وآخذه :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا أبق العبد من المستعير أو المستأجر أو الوصيّ فإنّه لا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط ، لأنّ يد كلّ واحد من هؤلاء يد أمانة . ولو أبق العبد من غاصبه فإنّ الغاصب يكون ضامناً ، لتعدّيه ، فيلزمه قيمة العبد يوم غصبه . أمّا إن أبق من مرتهنه ، فإن كان بتعدّ أو تفريط فهو مضمون عليه إجماعاً ، وإن كان بغير تعدّ ولا تفريط فالجمهور على أنّه غير مضمون ، لأنّ الرّهن أمانة في يد المرتهن ، خلافاً للحنفيّة ، فهو مضمون عندهم بالأقلّ من قيمته ومن الدّين .
نكاح زوجة الآبق :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ زوجة العبد الآبق لا يصحّ زواجها حتّى يتحقّق موته أو طلاقه أو يحكم بتطليقها منه للغيبة أو لعدم الإنفاق . وفي ذلك تفصيل موطنه أحكام المفقود والطّلاق .
إباق العبد من الغنيمة قبل القسمة :
17 - من الأصول العامّة المتّفق عليها بين الفقهاء أنّ الغنيمة قبل القسمة أموال عامّة للمسلمين ، ولا تدخل في ملكيّة الغانمين إلاّ بعد القسمة . وعلى هذا فلو أبق عبد من الغنيمة قبل القسمة فإنّه يطلب في مظانّه ، ويبحث عنه ، ويعلن عن جعل لمن يردّه يصرف من بيت المال أو من الغنيمة نفسها . فإذا عاد الآبق تجرى عليه القسمة كباقي الأموال .
ادّعاء ملكيّة الآبق ، ومتى تثبت ؟ 18 - إذا جاء من يدّعي ملكيّة الآبق ، فلا يخلو الحال : إمّا أن يكون الآبق تحت يد القاضي ، أو تحت يد ملتقطه وآخذه . فإن كان تحت يد القاضي ، فإنّ الفقهاء يرون أنّ القاضي لا يسلّمه لمدّعيه إلاّ ببيّنة قاطعة ، تصف العبد ، وتقرّر أنّه عبد لمدّعيه ولم يهبه ولم يبعه ، أو لا يعلم أنّه باعه أو وهبه . فإن تحقّق ذلك سلّمه القاضي لمدّعيه . وزاد أبو يوسف من الحنفيّة استحلافه . أمّا إذا كان الآبق في يد ملتقطه ، فيرى الحنفيّة أنّه لا يدفعه إلى مدّعيه إلاّ بأمر القاضي ويرى المالكيّة : أنّه يدفعه إليه بشاهد ويمين . ويرى الشّافعيّة والحنابلة : جواز أن يدفعه إلى مدّعيه ببيّنة يقيمها المدّعي ، أو اعتراف العبد أنّه سيّده ، لكنّ الأحوط ألاّ يدفعه إلاّ بأمر الحاكم .
زكاة الفطر عن العبد الآبق :
19 - يرى الحنفيّة أنّه لا يجب على السّيّد أن يدفع زكاة الفطر عن عبده الآبق . وهو مذهب عطاء والثّوريّ . ويرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ زكاة الفطر تجب عن العبد الآبق ، على تفصيل عندهم في ذلك ، موطنه صدقة الفطر . وأوجبها كذلك أبو ثور وابن المنذر ، والزّهريّ إذا علم مكانه ، والأوزاعيّ إن كان في دار الإسلام .
( عقوبة الإباق ) :
20 - تقدّم الكلام في أنّ الإباق محرّم شرعاً ، وعدّه بعضهم من الكبائر ( ر : ف 2 ) ، وبما أنّه لا حدّ فيه يعزّر فاعله . ويكون التّعزير هنا من الحاكم أو السّيّد .
إبانة التّعريف 1 - الإبانة مصدر أبان ، ومن معانيها اللّغويّة الإظهار ، والفصل . وقال صاحب المحكم : القطع إبانة أجزاء الجرم . والإبانة بمعنى الفصل مرادفة للتّفريق . وأغلب تناول الفقهاء لها بمعنى الفصل والقطع . وإبانة الزّوجة تكون بالطّلاق البائن أو الخلع ، وحينئذ تملك المرأة نفسها ، ولا يحقّ للزّوج مراجعتها إلاّ بعقد جديد .
رد مع اقتباس