عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 04-17-2012, 10:11 PM
الصورة الرمزية خديجة أحمد
خديجة أحمد غير متواجد حالياً
مشرفة مميزة
 
تاريخ التسجيل: Sep 2011
الدولة: اللهم زدنا ولا تنقصنا واكرمنا ولا تهنا واعطنا ولا تحرمنا وأثرنا ولا تؤثر علينا
المشاركات: 1,442
افتراضي

الجثة
علمت الحاجة راضية أن السمسار باع بيت ابن أختها المجاور لها ولم تكثرت للأمر وإنما حزنت لأنه لم يحترم بيت والديه .

فهي لا ترضى أن ترى الأجانب يمرحون ويعاقرون الخمور في بيوت كانت عامرة بالصلاة والذكر والسجود لله
تعالى ،

بعضهم احترم خصوصية المدينة فأغلق عليه بابه وبعضهم حولها إلى مواخير سياحية رهيبة تتصيد الشباب
والشابات

بل وحتى الأطفال أحيانا ، كل الرياضات القديمة والدور العتيقة مهددة بأن تتحول إلى إقامات سياحية ولا
يعرف ما بداخلها إلا الله تعالى .

باتت تسمع دقات بالليل من حين لآخر وتظن أن مارتان بدأ في الإصلاح ويفضل العمل ليلا لسخونة الجو
نهارا ،

فقد كانت الحرارة شديدة جدا جعلت الحاجة راضية تضع برادا خزفيا كبيرا لم يكن يرتوي منه إلا أطفال
الدرب ويغسل

منه السمسار وجهه أحيانا إذا بدت عليه علامات الغبار ، فقد كان يجتهد أن لآ يعلم احد بما يجري في داخل
البيت المهجور

وأصلح مكانا يجلس فيه مع ماتارن يلعبان الورق ويتحادثان ، بينما يحفر عبد العزيز ويخرج التراب إلى ثقب
موازي ،
فيجرب مارتان

الآلة التي ترن كلما اتجهت نحو مكان الحفر ، كانا يترقبان كل سعلة أو عطسة للحفار ظانين أنه يخبرهم بأنه
عثر على الكنز ، وكانا

يمنعانه من الصعود للإسترخاء قليلا حتى يلتقط أنفاسه ، الضوء الخافت الذي كانا يستعملانه يشعره بالنوم
أحيانا أما هما فيحسبان

الساعة تلو الساعة والدقيقة تلو الأخرى .

مضت ثلاثة أيام وهم على تلك الحال ، فقد استطاع عبد العزيز الوصول إلى أسفل غرفة الحاجة راضية
بالضبط وبدأت تشعر

أن شيئا ما يحدث سيما وأنها رأت بعض علامات التشقق والتكسر في الجدار ، كما أن أرضية الغرفة
أصبحت تشعرها بأن شيئا


ما يجري فخرجت في الصباح واتصلت بابن أختها وهي غاضبة
وقالت:
- لماذا بعت منزل والديك إلى هذا الفرنسي ؟ .
- وما العيب في ذلك فأنا أعيش في بلده وهو يحب أن يعيش في بلدي ؟.

-أخشى أن يحول البيت إلى إقامة سياحية فيقلق راحتي ، إضافة إلى أنني أذكر أن والدك هو الذي
استطاع قتل الجنرال الفرنسي

أيام الاستعمار الذي أمر بمذبحة رهيبة راح ضحيتها العشرات ، ربما هذا الذي أدخلت أخوه أو ابنه !

- ماهذا الهراء ؟ اسمعي يا خالتي هو بيتي وأنا حر .

-لقد تصدعت غرفتي يا بني فهو يحفر منذ ثلاث ليال وأحس أن بيتي مهدد.

-حسنا ، اهدئي سأتصل بالسمسار وأخبره بانزعاجك .

حينا رن هاتف السمسار وتلقى استفسار الرجل عن الحفر والإصلاح الذي أفسد بيت خالته ، وجعل
أرضية الغرفة

كأنها تهتز ، وما أن سمع كلامه حتى قال لمارتان :

- هذه المرأة ستفضحنا وقد اقتربنا وأصبحت الآلة تدوي بشكل أكثر دقة ماذا سنفعل ؟

قال مارتان دون أن يفكر .

-نقتلها في سكنها ونستمر في عملنا .

فزع السمسار حين سمع كلامه وقال :

- نقتلها ؟ لا ...لا ... هذا كلام غير ممكن يا مارتان .

- أنسيت أنها رفضت بيعنا بيتها الخرب ، وأكدت لها مرارا أنه إقامة شخصية وليس ماخورا سياحيا كما
تدعي

وحتى لو كان كذلك ، أنا حر حين اشترى بيتي وأجعل فيه ما أشاء .

-اسمع يا مارتان ، سنفهمها أننا سنصلح ما فسد من جدران وأرضية بيتها ونخرج من المشكلة .

لم يرد مارتان وألقى نظرات ملؤها الغضب والحنق .

وفي اليوم الموالي استمر في الحفر بعد المغرب وبعد أن صلت الحاجة راضية العشاء ونامت على شقها

الأيمن وبدأت تقرأ آية الكرسي سمعت جزءا من داخل غرفتها ينهار وبدأت أخشاب السقف تتحرك ففزعت

وحملت غطاءها وتلفعت به ثم هرعت نحو البيت المجاور تطرق الباب وهي تصرخ :

- ماذا تفعلون ؟؟؟ أنتم تهدمون بيتي ...السقف سينزل علي !!

فتح مارتان الباب بسرعة وجدبها نحو الداخل وهوى على رأسها بأحد فؤوس الحفار فخرت صريعة

في بركة من الدماء ، شعر السمسار برعب شديد تملكه وأشفق لحال المرأة وصاح :

- لقد قتلتها يا مارتان !

- ليس لدينا خيار ، إنها تصرخ ... هيا ارم بها في تلك الحفرة وأهل ترابا كافيا لكتم صوتها .

اشتدت دقات قلب السمسار وارتعشت يداه فنادى على الحفار ليصعد ويساعد في دفنها ففزع هو الآخر

وكان ذلك المنظر يراه لأول مرة في حياته ولا يشبهه إلا بما يراه في سينما "درب الجديد "

في الأفلام الأمريكية والهندية .

اضطرا أن يجدبا المرأة إلى الحفرة وسبحتها حول يدها كالمعصم يطوقه السوار ، كان رأسها مقسوما

إلى نصفين بينما صار الحفار يوسع المكان ويسخر من نفسه حين تحول ما بين ليلة وضحاها إلى حفار للقبور أيضا!

كانت دموعه تمتزج بالتراب والحزن يعصر قلبه أما السمسار فقد خانته رجلاه وجلس.

وبعد ساعة كان كل شيء قد هدأ ولم يعد بمقدور السمسار ولا عبد العزيز أن يتحدثا بالطلاقة والدعابة
اللتين

عهدا الحديث بها أمام مارتان ، بل أصبحا خائفين منه طول الوقت ، أما هو فقد أشعل سجارته والآلة في
يده

يجربها كل حين .

عاد الحفار الى عمله وبعد قليل صعد وهو يقول :

- أشعر أنني أصبت بدوخة شديدة وأختنق شيئا فشيئا .

صرخ مارتان :

- هل عثرت على شيء ما ؟

- عثرت على نفق .

قام مارتان مسرعا وهو ينتظر أن يترجم له السمسار ما يقول الرجل دون أن ينسى أية تفاصيل وقال :

- قلت نفق!

- أحدهم حفره حتى يستطيع وضع الكنز بسهولة ، لقد اقتربنا هيا ...هيا ...انزل .

كان عبد العزيز يمسك برأسه ويصب الماء على وجهه وهو يقول :

- تحت هذه المدينة هناك العديد من الانفاق ، لا تنس أنني حفار قديم .. ربما حفرها الأمازيغ عندما
جاء الفاتحون المسلمون

من الشرق في قرون غابرة ... هذا ما يقولون أما أنا فلست أفهم في هذا الأمر شيئا .

اقترب منه السمسار وقال :

- ربما حفرت حفرة عميقة ، نخشى أن تصل إلى الماء

ضحك الحفار وقال :

-الماء ؟ ... الجفاف والضيعات العملاقة التي نهبت الفرشة المائية من تحت الأرض لم تترك لمثلي
ومثلك

أيها السمسار البئيس فرصة للحصول على قطرة ماء ، ربما علينا أن نتحول يمينا ،قل لهذا المارتان أن يشغل

تلك الآلة المنحوسة إن كانت هي الأخرى تصدقه وإلا فإني رأيت الباحثين عن الكنوز يحضرون السحرة
والمشعودين

ويصلون صلوات كثيرة لملوك الجن ويستحثوهم أن يسمحوا لهم بحمل الدفائن .

- ها ... ها ... مجرد أوهام ، ربما أطاح بهم الإنس بسبب طمعهم !

- أرى أنك أصبحت فيلسوفا .

- وما معنى فيلسوفا ؟

- يعني الذي ينبش في ما لا يعنيه .

- الذي ينبش والذي يحفر صديقان ، وأرى أنني جمعت المهمتين إلا أنني لست قاتلا ، لا تترجم له هذه .

لا تخف إنه يسجل كل حواراتنا !

- يسجل ؟...يسجل ؟... نعم ؟ هكذا يكون الأبطال ، مارتان بطل ... إنه شهم ورائع
ويستحق كل التقدير والإحترام .

كان مارتان مشغولا بتعديل الآلة جهة اليمين وجهة اليسار وفجأة بدأت ترن بقوة في اتجاه الغرفة الثانية فامتلأ
وجهه

حمرة وأسفر عن أسنان صناعية صفراء وقال:

- من هنا !...من هنا ؟ هيا عاود الحفر الآن قال عبد العزيز في حيرة

- اصب الماء أولا ... انتظر ... يا مارتان .

امسك السمسار بالمصباح الصغير وهو يردد :

- هذه الآلة ذكية ، إنها بدأت تصرخ كما لو كانت إنسانا يشعر بالجوع .

قال مارتان وهو يفرك أصابعه :

- بعد يومين سنصبح أغنياء إنه كنز عظيم

قال السمسار في سداجة :

- هل يمكن أن تقول لي من أخبرك ؟

يتبع



__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

اللهم اشغلني بمآ خلقتني لـہ
ولآ تشغلنـے بمآ خلقته لي[/COLOR]
رد مع اقتباس