لما ذكر الله تعالى حالة الأشقياء الفجار , ذكر حالة السعداء الأبرار , فقال :
( إن الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة و أجر كبير ) إن الذين يخافون الله تعالى في جميع أحوالهم - حتى في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا هو سبحانه و تعالى , فإنهم لا يقدمون على معاصيه , و لا يقصرون فيما أمر به - لهم مغفرة لذنوبهم , و إذا غفر الله ذنوبهم , و قاهم شرها , و وقاهم عذاب الجحيم . و لهم أجر كبير و هو ما أعده الله لهم في الجنة , من النعيم المقيم , و الملك الكبير , و اللذات المتواصلات و المشتهيات , و القصور و المنازل العاليات , و الحور الحسان , و الخدم و الولدان . و أعظم من ذلك و أكبر رضا الرحمن , الذي يحله الله على أهل الجنان .
( و أسروا قولكم أو اجهروا به إنّه عليم بذات الصّدور ) هذا إخبار من الله تعالى بسعة علمه , و شمول لطفه , فسواء جهرتم بالقول أو أخفيتموه عن الناس أو في الصدور , فإنه سبحانه و تعالى مطلع على ذلك , عالم به , لا يخفى عليه منها شيء . بل إن الجهر و السر عنده سواء .
( و هو اللطيف الخبير ) أي : اللطيف بعباده , الخبير بأعمالهم , حتى أدرك السرائر و الضمائر , و الخبايا و الخفايا و الغيوب .
و من معاني اللطيف , أنه الذي يلطف بعبده و وليه , فيسوق إليه البر و الإحسان من حيث لا يشعر , و يعصمه من الشر من حيث لا يحتسب , و يرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من العبد على بال , حتى إنه يذيقه المكاره , ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة , و المقامات النبيلة . قال الغزالي : إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور و غوامضها , و ما لطف منها , ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق , دون العنف , و الخبير هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة , فلا تتحرك في الملك و الملكوت ذرة , و لا تسكن أو تضطرب نفس , إلا و عنده خبرها , و هو بمعنى العليم .
يتبع ....