و أما من أوتي كتابه بشماله ) هذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في عرصات القيامة بشماله و وراء ظهره . و هو كتاب سيئاته من الشرك و المعاصي كبيرها و صغيرها .
( فيقول ياليتني لم أوت كتابيه و لم أدر ما حسابيه ) بعد نظره في كتابه الذي أخذه بشماله , و ما يلوح له فيه من السيئات , يتمنى لو أنه لم يعطى كتابه و لم يدر ما حسابه , و ذلك من عظم ما يشاهد من شدة الحساب و شناعته .
( ياليتها كانت القاضية ) قال ابن جرير : أي ياليت الموتة التي متّها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها , و لم يكن بعدها حياة و لا بعث . قال قتادة : تمنى الموت , و لم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه .
( ما أغنى عني ماليه , هلك عنّي سلطانيه ) أي : لم يدفع عني مالي و لا جاهي عذاب الله و بأسه , بل خلص الأمر إليّ وحدي , فلا معين لي و لا مجير .
( خذوه فغلّوه , ثمّ الجحيم صلّوه ) يأمر الله تعالى الزبانية أن تأخذه بعنف و شدّة , و أن تضمّ يديه إلى عنقه بالأغلال , ثم تدخله إلى جهنم و تغمره فيها .
( ثمّ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) ثم في سلسلة – من سلاسل الجحيم و هي في غاية الحرارة – ذَرعها – عن ابن عباس و ابن جرير : بذراع الملَك – سبعون ذراعا .
" فاسلكوه " أي أدخلوه فيها , فتدخل من فمه و تخرج من دبره كسلك الخرزة في الخيط .
( إنّه كان لا يؤمن بالله العظيم ) أي : كان كافرا بربه , معاندا لرسله , رادًّا ما جاؤوا به من الحق .
( و لا يحضّ على طعام المسكين ) أي : ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء و المساكين , فلا يطعمهم من ماله , و لا يحض غيره على إطعامهم , لعدم الوازع في قلبه , و ذلك لأن مدار السعادة و مادتها أمران : الإخلاص لله , الذي أصله الإيمان بالله , و الإحسان إلى الخلق , بوجوه الإحسان , الذي من أعظمها , دفع ضرورة المحتاجين , بإطعامهم ما يتقوتون به , و هؤلاء لا إخلاص و لا إحسان , فلذلك استحقوا ما استحقوا .
( فليس له اليوم ها هنا حميم ) أي ليس له يوم القيامة من ينقذه من عذاب الله , لا قريب أو صديق ينتفع به فيدفع عنه العذاب أو يخففه , أو شفيع يطاع , فينجيه من عذاب الله , و يفوز بثواب الله , قال تعالى " ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع " .
( و لا طعام إلاّ من غسلين ) و ليس له طعام إلا من غسلين و هو صديد أهل النار , الذي هو في غاية الحرارة , و نتن الريح , و قبح الطعم و مرارته . قال قتادة : هو شر طعام أهل النار .
( لا ياكله إلاّ الخاطئون ) لا يأكل هذا الطعام الذميم إلا الذين أخطؤوا الصراط المستقيم , و سلكوا سبل الجحيم , فلذلك استحقوا العذاب الأليم .
يتبع ..