إن الإنسان خُلق هلوعا ) أي قليل الصبر , شديد الحرص , كما بيّنه بقوله ( إذا مسّه الشّر جزوعا ) إذا أصابه الضر , من فقر أو مرض , أو ذهاب محبوب له , من مال أو أهل أو ولد , فزع و جزع و انخلع قلبه من شدة الرعب , و أيس أن يحصل له بعد ذلك خير .
( و إذا مسّه الخير منوعا ) و إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره , و منع حق الله فيها .
( إلاّ المصلين , الذين هم عن صلاتهم دائمون ) أي : الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله و وفقه , و هداه إلى الخير و يسر له أسبابه , و هم المصلون , المداومون عليها في أوقاته بشروطها و مكملاتها .
( و الذين في أموالهم حقٌّ معلوم , للسائل و المحروم ) أي : في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات , من زكاة و صدقة . فتُبدَل تلك الأموال للسّائل الذي يطلب الصدقة و للذي لا يطلبها حياءً و تعفّفا .
( و الذين يصدِّقون بيوم الدين ) أي : يوقنون بالمعاد و الحساب و الجزاء , فهم يعملون عمل من يرجو الثواب و يخاف العقاب . و التصديق بيوم الدين , يلزم منه التصديق بالرسل , و بما جاؤوا به من الكتب .
( و الذين هم مّن عذاب ربّهم مُّشفقون ) قال ابن جرير : أي وَجِلون أن يعذبهم في الآخرة , فهم من خشية ذلك لا يضيّعون له فرضا , و لا يتعدّون له حدّا .
( إنّ عذاب ربّهم غير مأمون ) أي : لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله تبارك و تعالى .
( و الذين هم لفروجهم حافظون ) أي : يكفونها عن الحرام و يمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه , فلا يطؤون بها وطأً محرما , من زنى , أو لواط , أو وطءٍ في دبر , أو حيض , و نحو ذلك , و يحفظونها أيضا من النظر إليها و مسها , ممن لا يجوز له ذلك , و يتركون أيضا , وسائل المحرمات الداعية لفعل الفاحشة .
( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) من الجواري و الإماء .
( فإنهم غير ملومين ) في إتيان أزواجهم و جواريهم اللاائي ملكوهنّ بالجهاد أو الشراء الشرعي .
( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) فمن إلتمس لفرجه منكحا غير زوجته , أو ملك يمينه , فأولئك هم الظالمون الذين تجاوزوا الحلال إلى الحرام فكانوا بذلك معتدين ظالمين . فدلت بذلك هذه الآية على تحريم نكاح المتعة , لكونها غير زوجة مقصودة , أو ملك يمين .
( و الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون ) أي : مراعون لها , حافظون مجتهدون على أدائها و الوفاء بها , و هذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد و بين ربه , كالتكاليف السرية , التي لا يطلع عليها إلا الله , و الأمانات التي بين العبد و بين الخلق , في الأموال و الأسرار , و كذلك العهد , شامل للعهد الذي عاهد عليه الله , و العهد الذي عاهد عليه الخلق , فإن العهد يسأل عنه العبد , هل قام به و وفاه , أو رفضه و خانه فلم يقم به ؟
( و الذين هم بشهاداتهم قائمون ) أي لا يكتمون ما استشهدوا عليه , قال تعالى " و من يكتمها فإنّه آثم قلبه " , و لكنهم يقومون بأدائها حيث يلزمهم أداؤها , غير مغيّرة و لا مبدّلة .
( و الذين هم على صلاتهم يُحافظون ) على مواقيتها و أركانها و واجباتها و مستحبّاتها , فافتتح الكلام بذكر الصلاة و اختتمه بذكرها , فدل على الإعتناء بها و التنويه بشرفها .
( أولئك في جنّات مكرمون ) أولئك المطبقون لهذه الصفات – السابق ذكرها – الناجحون فيها , في جنّات مكرمون بأنواع الملاذ و المسار , التي تشتهيها الأنفس و تلذ بها الأعين , و هم فيها خالدون .
يتبع ...